المقدمة
الحَمدُ للهِ فَالِقِ النَّوَى وَالحُبُوبِ، وَخَالِقِ الصَّبَا وَالجَنُوبِ، المُنَزَّهِ عَنِ الآفَاتِ وَالعُيُوبِ، المُطَّلِعِ عَلَى خَفِيَّاتِ الغُيُوبِ، رَدَّ بَعدَ البُعدِ يُوسُفَ عَلَى يَعقُوبَ، يُبصِرُ دَبِيبَ الدَّمِ فِي العُرُوقِ، وَيَسمَعُ أَخفَى أَصوَاتِ الأَورَاقِ يَصطَفِقنَ عَن هُبُوبٍ، أَرسَلَ الرِّيَاحَ اللَّوَاقِحَ تَحمِلُ السَّحَابَ عَلَى أَن يَؤوبَ، فَانفَجَرَت عُيُونُ المُزنِ فَجَدَّت كَدَمعِ الخَرِيرِ المَسكُوبِ، فَبَرَزَتِ الثِّمَارُ مِنَ الآكَامِ، تُنَادِي بِلِسَانِ الإِعلَامِ: مَا يَقدِرُ شَيءٌ مِنَ الأَصنَامِ عَلَى إِنشَاءِ أُنبُوبٍ،
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾
أَحمَدُهُ عَلَى سَترِ الخَطَايَا وَالاقتِرَافِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ ﴿ق﴾، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي أُمِنَ بِبَيعَتِهِ الخِلافُ، وَعَلَى عُمَرَ صَاحِبِ العَدلِ وَالإِنصَافِ، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ صَبرَ النِّظَافِ، وَعَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ مَحبُوبِ أَهلِ السُّنَّةِ الأَشرَافِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم السَّادَةِ الأَشرَافِ، وَأُسَلِّمُ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
حَدِيث 114 — كِتَابَة العِلم
متن الحديث
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ:
«ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ»
قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ:
«قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»
فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
الشرح
ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ فِي كِتَابِ العِلمِ تَحتَ بَابِ كِتَابَةِ العِلمِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ مِنهُ شَيئًا وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ائتُونِي بِكِتَابٍ أَكتُبْ لَكُم» لِبَيَانِ أَهَمِّيَّةِ كِتَابَةِ العِلمِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ قَد أَورَدَ هَذَا الحَدِيثَ فِي بَابٍ آخَرَ، هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ يَروِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
يَقُولُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا اشتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ أَي قَوِيَ عَلَيهِ الوَجَعُ وَالأَلَمُ ﷺ كَانَ ذَلِكَ فِي يَومِ الخَمِيسِ قَبلَ وَفَاةِ نَبِيِّنَا ﷺ بِأَربَعَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: «ائتُونِي بِكِتَابٍ أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعدَهُ».
النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِمَن كَانَ مَعَهُ فِي البَيتِ وَهُم عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَدَدٌ مِن أَهلِ البَيتِ: «ائتُونِي بِكِتَابٍ»، المُرَادُ بِهِ هُنَا: ائتُونِي بِأَدَوَاتِ الكِتَابَةِ كَالقَلَمِ وَالدَّوَاةِ أَو أَرَادَ بِالكِتَابِ مَا مِن شَأنِهِ أَن يُكتَبَ فِيهِ كعَظمِ الكَتِفِ، كَانُوا فِي المَاضِي يَكتُبُونَ عَلَى عَظمِ الكَتِفِ، هَذَا عَظمُ الكَتِفِ هُوَ أَصلُ كَتِفِ الحَيَوَانِ، وَهُوَ عَرِيضٌ، كَانُوا يَكتُبُونَ فِيهِ بِسَبَبِ قِلَّةِ القَرَاطِيسِ، قِلَّةِ الأَورَاقِ، فَكَانُوا يَكتُبُونَ عَلَى عَظمِ الكَتِفِ، وَهَذَا أَكِيدٌ كَانَ مِنَ العِظَامِ المُذَكَّاةِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ ائتُونِي بِأَدَوَاتِ الكِتَابَةِ.
جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ائتُونِي بِالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ»، بِالكَتِفِ يَعنِي عَظمَ الكَتِفِ «أَكتُبْ لَكُم» مَعنَاهُ آمُرُ مَن يَكتُبُ لَكُم كِتَابًا، هُنَا عَلَى مَعنَى الحَقِيقَةِ، لَمَّا قَالَ فِي الأَوَّلِ: «ائتُونِي بِكِتَابٍ» عَلَى مَعنَى المَجَازِ، مَجَازِ الحَذفِ، يَعنِي أَدَوَاتِ الكِتَابَةِ، أَمَّا هُنَا عَلَى مَعنَى الحَقِيقَةِ.
«أَكتُبْ لَكُم كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعدَهُ» كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هَمَّ أَن يَكتُبَ لَهُم أَشيَاءَ مُهِمَّةً فِي أُمُورِ الأَحكَامِ يُلَخِّصُ لَهُم أُمُورًا مُهِمَّةً فِي الأَحكَامِ حَتَّى لَا يَحصُلَ فِيمَا بَعدُ تَنَازُعٌ أَوِ اختِلَافٌ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَيهِم أَمرٌ لِمَعرِفَةِ هَذِهِ الأَحكَامِ يَرجِعُونَ إِلَى هَذِهِ الَّتِي كَتَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَيَرتَفِعُ النِّزَاعُ.
موقف سيدنا عمر رضي الله عنه
قَالَ عُمَرُ، وَهُوَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُخَاطِبًا مَن كَانَ حَولَ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، النَّبِيُّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، فَمِن بَابِ الشَّفَقَةِ لِمَا تَرَونَهُ مِن حَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيهِ ﷺ أَن يُملِيَ عَلَيكُم هَذَا الكِتَابَ، فَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَرَادَ التَّخفِيفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَلَو كَانَ مُرَادُهُ ﷺ أَن يَكتُبَ مَا لَا يَستَغنِي عَنهُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ مَا كَانَ تَرَكَهُم لِاختِلَافِهِم، بَل لَأَكَّدَ عَلَيهِم هَذَا الأَمرَ، وَلَكِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُم هَذَا الكَلَامَ لَم يَكُنِ الأَمرُ لِلوُجُوبِ، لِذَلِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَهِمَ هَذَا، وَهَذَا مِن فَطَانَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَأَرَادَ التَّخفِيفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ فِي هَذِهِ الحَالِ يَشُقُّ عَلَيهِ أَن يُملِيَ عَلَيهِم هَذَا الكِتَابَ.
قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ وَعِندَنَا كِتَابُ اللهِ حَسبُنَا، عِندَنَا كِتَابُ اللهِ، كِتَابُ اللهِ كَافِينَا، أَلَيسَ اللهُ يَقُولُ:
﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾
مَعنَاهُ كِتَابُ اللهِ يَكفِينَا، فَإِذَن لَا تُحَمِّلُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنَ المَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ لِيُملِيَ عَلَيكُم هَذَا الكِتَابَ، فَالنَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ الإِنكَارَ عَلَى عُمَرَ، النَّبِيُّ ﷺ مَا أَنكَرَ عَلَى عُمَرَ، فَتَركُ النَّبِيِّ ﷺ الإِنكَارَ عَلَى عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استَصوَبَ رَأيَ عُمَرَ.
الرد على الشبهات
وَهَذَا الكَلَامُ مِن سَيِّدِنَا عُمَرَ لَيسَ فِيهِ أَيُّ شَيءٍ مِنَ الطَّعنِ فِي سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَيسَ كَمَا يَقُولُ بَعضُ النَّاسِ مِن أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدُ أَن يُوصِيَ بِالخِلَافَةِ لِفُلَانٍ وَلَكِنَّهُ أَبَى، أَي عُمَرُ أَبَى فَمَنَعَ النَّبِيَّ ﷺ مِن ذَلِكَ، هَذِهِ إِسَاءَةُ ظَنٍّ بِعُمَرَ، وَكَذَلِكَ طَعنٌ فِي سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَو كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِتَبلِيغِ هَذَا الأَمرِ لِلنَّاسِ بِالإِيصَاءِ لِفُلَانٍ أَن يَكُونَ هُوَ الخَلِيفَةُ بَعدَهُ كَانَ بَلَّغَ وَأَخبَرَ وَعَاوَدَ أَمرَهُم بِكِتَابَةِ هَذَا الكِتَابِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقَصِّرُ فِي تَبلِيغِ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِتَبلِيغِهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِندَنَا كِتَابُ اللهِ حَسبُنَا، يَعنِي خَفِّفُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، خَفِّفُوا عَنهُ ﷺ، وَكَانَ مَعرُوفًا عِندَ الصَّحَابَةِ أَنَّ بَعضَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ كَانَ يُرَاجِعُ النَّبِيَّ ﷺ بِأُمُورٍ قَبلَ أَن يَجزِمَ بِهَا النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِثلُ مَا حَصَلَ فِي مَعرَكَةِ الحُدَيبِيَةِ وَالصُّلحِ بَينَهُ وَبَينَ قُرَيشٍ، كَانُوا يُرَاجِعُونَهُ قَبلَ أَن يَحسِمَ وَيَجزِمَ بِالأَمرِ، وَلَكِن إِذَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ أَمَرَهُم بِالشَّيءِ أَمرَ عَزِيمَةٍ فَلَا أَحَدَ يُرَاجِعُهُ.
فَيَا أَحبَابَنَا الكِرَامَ، مَا هَذَا إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى فَطَانَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ، وَتَركُ النَّبِيِّ ﷺ الإِنكَارَ عَلَى عُمَرَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَصوِيبِ رَأيِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لِذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ: لَو كَانَ هَذَا الأَمرُ مِن بَابِ الوُجُوبِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَاوَدَ أَمرَهُم بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ ﷺ عَاشَ بَعدَ ذَلِكَ أَيَّامًا وَلَم يُعَاوِد أَمرَهُم بِذَلِكَ، وَلَو كَانَ وَاجِبًا لَم يَترُكهُ ﷺ.
اختلاف الصحابة وقول ابن عباس رضي الله عنه
فَإِذَن قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِندَنَا كِتَابُ اللهِ حَسبُنَا، فَاختَلَفُوا، أَيِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ حَولَ النَّبِيِّ ﷺ اختَلَفُوا، عِندَ ذَلِكَ بَعضُهُم قَالَ: بَل نَكتُبُ، وَالبَعضُ الآخَرُ فَهِمَ كَمَا فَهِمَ سَيِّدُنَا عُمَرُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَم يَكُن عَلَى الوُجُوبِ، إِنَّمَا كَانَ مِن بَابِ الإِرشَادِ، فَرَأَوا مِثلَ رَأيِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَاختَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، أَيِ الصَّوتُ، وَعَلَا الصَّوتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُومُوا عَنِّي» قُومُوا عَن جِهَتِي «وَلَا يَنبَغِي عِندِي التَّنَازُعُ».
فَخَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَينَ كِتَابِهِ، خَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ مَعنَاهُ مِنَ المَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ عِندَمَا تَحَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيثِ، لَيسَ مَعنَاهُ خَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ أَي هُوَ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُم فِي ذَلِكَ الوَقتِ عِندَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الكَلَامَ، لَا، إِنَّمَا هُوَ بَعدَ ذَلِكَ كَانَ يَروِي لِلنَّاسِ هَذِهِ القِصَّةَ، فَلَمَّا رَوَاهَا خَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ مِن هَذَا المَكَانِ الَّذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ بِهِ وَقَالَ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلُّ الرَّزِيَّةِ، أَيِ المُصِيبَةُ مَا حَالَ بَينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَينَ كِتَابِهِ، فَهَذَا ابنُ عَبَّاسٍ إِلَى هَذَا الأَمرِ ذَهَبَ، هَذَا كَانَ رَأيَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، بَينَمَا رَأيُ سَيِّدِنَا عُمَرَ يَختَلِفُ.
الاحترام المتبادل بين الصحابة
وَهَذَا الِاختِلَافُ بِالرَّأيِ بَينَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ الأَكَابِرِ لَا يُسَبِّبُ حَسَدًا وَبُغضًا وَخُصُومَةً دُنيَوِيَّةً، بَل لِكُلٍّ رَأيٌ، وَكَانَ كُلٌّ مِنهُمَا يَحتَرِمُ الآخَرَ، وَكُلُّنَا يَعرِفُ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُنَادِي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، وَكَانَ يَسأَلُهُ، وَكَانَ يُصَلِّي خَلفَهُ، إِذَن كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ يُحِبُّ عُمَرَ وَيَحتَرِمُهُ، وَهَذَا شَأنُ كُلِّ أَهلِ البَيتِ الكِرَامِ، يَحتَرِمُونَ عُمَرَ وَيُحِبُّونَهُ، وَعُمَرُ كَذَلِكَ يُحِبُّهُم وَيَحتَرِمُهُم، وَهَذَا سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ يُعَظِّمُ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يُدنِيهِ يُقَرِّبُهُ وَيُشَاوِرُهُ، وَكَانَ يَقُولُ عَنهُ: ذَاكَ فَتَى الكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ، وَقَلبٌ عَقُولٌ، انظُرُوا إِلَى هَذَا الِاحتِرَامِ بَينَهُمَا، فَإِذَن لَا مَفسَدَةَ دُنيَوِيَّةٌ، لَا خُصُومَةَ دُنيَوِيَّةٌ، لَا حَسَدَ بَينَهُمَا، إِنَّمَا لِكُلٍّ رَأيٌ.
وَسَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَركِهِ الإِنكَارَ عَلَى عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَوَّبَ رَأيَ سَيِّدِنَا عُمَرَ، وَلَو أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يُعَاوِدَ أَمرَهُم لَعَاوَدَ أَمرَهُم، لَكَانَ قَالَ فِي هَذَا المَجلِسِ أَو فِي غَيرِهِ: هَاتُوا كِتَابًا اكتُب لَكُم، لَكِن مَا عَاوَدَ الكَلَامَ وَلَا عَاوَدَ أَمرَهُم بِذَلِكَ، مَعنَاهُ مَا كَانَ فِي الأَوَّلِ هَذَا الأَمرُ مِن بَابِ الإِيجَابِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يُقَصِّرُ فِي تَبلِيغِ مَا قَد أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِتَبلِيغِهِ.
عصمة النبي ﷺ
لِذَلِكَ يَا أَحبَابَنَا الكِرَامَ لَا بُدَّ مِن مَعرِفَةِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلَى وَجهِهَا، أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ كُلُّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ:
- مَعصُومٌ مِنَ الكَذِبِ
- مَعصُومٌ مِن تَغيِيرِ شَيءٍ مِن أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَفِي حَالِ مَرَضِهِ
- مَعصُومٌ مِن تَركِ بَيَانِ مَا أُمِرَ بِتَبلِيغِهِ وَمَا أُمِرَ بِبَيَانِهِ
فَهَذَا الحَدِيثُ يَنبَغِي فَهمُهُ عَلَى وَجهِهِ كَمَا فَهِمَهُ أَصحَابُ النَّبِيِّ وَأَهلُ بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ.
(84) بَابُ الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
أَي بَابُ تَعلِيمِ العِلمِ وَالوَعظِ فِي اللَّيلِ. مَعنَاهُ مِنَ الخَيرِ أَن تَشغَلَ وَقتًا مِنَ اللَّيلِ فِي طَلَبِ العِلمِ وَفِي تَعلِيمِ النَّاسِ العِلمَ بَدَلَ أَن نَشغَلَهُ بِالتِّلِفِزيُونِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، أَن نَشغَلَ هَذَا الوَقتَ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
حَدِيث 115 — استيقاظ النبي ﷺ ذات ليلة
متن الحديث
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ:
«سُبْحَانَ اللهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ»
الشرح
أَي أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى الفِتَنَ، وَفُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ أَي خَزَائِنِ الأَموَالِ بِسَبَبِ الفُتُوحَاتِ. صَوَاحِبَاتُ الحُجَرِ وَهُنَّ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ، أَي أَيقِظُوهُنَّ لِأَجلِ الصَّلَاةِ وَالتَّهَجُّدِ، وَخَصَّهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا لِأَنَّهُنَّ الحَاضِرَاتُ يَومَئِذٍ. «فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»: كَم مِنَ امرَأَةٍ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنيَا مِن حَيثُ الظَّاهِرُ عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ.
وَعَبَّرَ عَنِ العَذَابِ بِالفِتَنِ بِأَنَّ هَذَا مِن أَسبَابِهِ، وَعَبَّرَ عَنِ الرَّحمَةِ بِالخَزَائِنِ، وَهَذَا إِخبَارٌ مِن سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَقَعُ بَعدَهُ فِتَنٌ وَتُفتَحُ لَهُمُ الخَزَائِنُ، وَهَذَا مَا حَصَلَ، فُتِحَت خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيرِهِمَا، وَلَكِن كَذَلِكَ حَصَلَ مِنَ الفِتَنِ مَا حَصَلَ كَمَا أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ.
«فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»، يَعنِي أَثوَابُهَا رَقِيقَةٌ لَا تَمنَعُ إِدرَاكَ البَشَرَةِ، يَعنِي مُعَاقَبَةً فِي الآخِرَةِ بِفَضِيحَةِ التَّعَرِّي، فَلِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ نَدَبَ نِسَاءَهُ إِلَى الصَّدَقَةِ وَإِلَى تَركِ السَّرَفِ.
هَذَا بَوَّبَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ تَحتَ بَابِ العِلمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيلِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ وَأَرشَدَ وَوَعَظَ وَكَانَ ذَلِكَ لَيلًا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ.
(85) بَابُ السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ
السَّمَرُ هُوَ الحَدِيثُ فِي اللَّيلِ.
حَدِيث 116 —: رأس مائة سنة
متن الحديث
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ:
«أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»
الشرح
فِي آخِرِ حَيَاتِهِ يَعنِي قَبلَ مَوتِهِ ﷺ بِشَهرٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قَامَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: «أَرَأَيتَكُم لَيلَتَكُم هَذِهِ؟»، أَبصَرتُم لَيلَتَكُم؟ أَعَلِمتُم لَيلَتَكُم؟ يَعنِي الجَوَابُ مَحذُوفٌ تَقدِيرُهُ: قَالُوا: نَعَم، قَالَ: فَاضبِطُوهَا، اضبِطُوا هَذِهِ اللَّيلَةَ، اعرِفُوا هَذِهِ اللَّيلَةَ وَاضبِطُوهَا.
«فَإِنَّ رَأسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنهَا»، أَي عِندَ انتِهَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ «لَا يَبقَى مِمَّن هُوَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَحَدٌ» المُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَن كَانَ تِلكَ اللَّيلَةَ عَلَى الأَرضِ لَا يَعِيشُ بَعدَ هَذِهِ اللَّيلَةِ أَكثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، سَوَاءٌ قَلَّ عُمُرُهُ قَبلَ ذَلِكَ أَم لَا، وَلَكِن لَيسَ فِيهِ نَفيُ حَيَاةِ أَحَدٍ يُولَدُ بَعدَ تِلكَ اللَّيلَةِ إِنَّمَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَن كَانَ هَذِهِ اللَّيلَةَ عَلَى وَجهِ الأَرضِ لَا يَعِيشُ بَعدَ ذَلِكَ أَكثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، هَذَا مَعنَى كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ.
حَدِيث 117 — مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة
متن الحديث
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ:
«نَامَ الْغُلَيِّمُ؟»
أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
الشرح
يَروِي الإِمَامُ البُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بِتُّ فِي بَيتِ خَالَتِي مَيمُونَةَ بِنتِ الحَارِثِ، هِيَ خَالَتُهُ وَهِيَ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ عِندَهَا فِي لَيلَتِهَا أَي كَانَ دَورَهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ أَي فِي المَسجِدِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنزِلِهِ إِلَى بَيتِ مَيمُونَةَ، فَصَلَّى أَربَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ أَي قَامَ مِن نَومِهِ.
ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ»، الغُلَيِّمُ: تَصغِيرُ الغُلَامِ، وَهَذَا التَّصغِيرُ لِلشَّفَقَةِ وَلَيسَ مِن بَابِ الِاحتِقَارِ، أَو كَلِمَةٌ تُشبِهُهَا، الرَّاوِي هُوَ الَّذِي شَكَّ.
ثُمَّ قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَقُمتُ عَن يَسَارِهِ، ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قُمتُ عَن يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَنِي عَن يَمِينِهِ، وَهَكَذَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ، وَفِي نُسخَةٍ: خَمسَ عَشرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ: فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكعَةً.
ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ أَي سُنَّةَ الفَجرِ ثُمَّ نَامَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى سَمِعتُ غَطِيطَهُ أَو خَطِيطَهُ، شَكَّ الرَّاوِي، وَمَعنَاهُ صَوتُ تَرَدُّدِ نَفَسِ النَّائِمِ، لَيسَ شَيئًا مُستَهجَنًا وَلَيسَ شَيئًا مُزعِجًا وَلَا شَيئًا قَبِيحًا، هَذَا بِخِلَافِ مَا يُسَمَّى عِندَنَا فِي العَامِّيَّةِ: الشَّخِيرَ، الَّذِي يَنزَعِجُ مِنهُ النَّاسُ، هَذَا شَيءٌ وَذَاكَ شَيءٌ آخَرُ، لَا بُدَّ مِن فَهمِ الأَحَادِيثِ عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِنَبِيِّنَا ﷺ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، مَعنَاهُ خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبحِ وَلَم يَتَوَضَّأ، لِأَنَّكُم كَمَا تَعرِفُونَ: النَّبِيُّ ﷺ عَينُهُ تَنَامُ وَقَلبُهُ لَا يَنَامُ ﷺ.
(86) بَابُ حِفْظِ الْعِلْمِ
لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَحْفَظَ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ. وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ فِي جِنَازَتِهِ وَيَقُولُ: كَانَ يَحْفَظُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ مِنَ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِجَمِيعِ مَحْفُوظِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَوْجُودُ مِنْ حَدِيثِهِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَوْجُودِ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُكْثِرِينَ.
حَدِيث 118 — أبو هريرة وكثرة حفظه
متن الحديث
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ:159-160]
إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ.
الشرح
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكثَرَ أَبُو هُرَيرَةَ مِنَ الحَدِيثِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَتَعَجَّبُونَ مِن أَينَ جَاءَ بِكُلِّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَروِيهَا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَلَولَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثتُ حَدِيثًا، لَكِن حَتَّى لَا يَكُونَ مِمَّن كَتَمَ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِنَشرِهِ بَينَ النَّاسِ.
الصَّفقُ كِنَايَةٌ عَنِ التَّبَايُعِ، وَهُوَ ضَربُ اليَدِ عَلَى اليَدِ، وَجَرَت بِهِ عَادَتُهُم عِندَ عُقُودِ البَيعِ، فَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشتَغِلُونَ بِأَمرِ التِّجَارَةِ، وَالأَنصَارُ كَانَ يَشغَلُهُم العَمَلُ فِي أَموَالِهِم أَيِ القِيَامُ عَلَى مَصَالِحِ زَرعِهِم.
وَأَبُو هُرَيرَةَ كَانَ يَلزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطنِهِ، وَالمَعنَى أَنَّهُ كَانَ يُلَازِمُ النَّبِيَّ ﷺ قَانِعًا بِالقُوتِ لَا يَتجَرُ وَلَا يَزرَعُ، وَيَحضُرُ مِن أَحوَالِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَا يَحضُرُونَ، وَيَحفَظُ مَا لَا يَحفَظُونَ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَلَفْظُهُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَا نَسْمَعُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِسْكِينًا لَا شَيْءَ لَهُ ضَيْفًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ.
قصة أبي هريرة مع قدح اللبن
رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: آللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ.
وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْحَقْ»، وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ.
فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟» قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ، قَالَ: «أَبَا هِرٍّ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي».
قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ، كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ.
قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ»، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ.
فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ»، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ»، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: «اشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ»، حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: «فَأَرِنِي»، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.
حَدِيث 119 — قوة حفظ أبي هريرة
متن الحديث
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ:
«ابْسُطْ رِدَاءَكَ»
فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
«ضُمُّهُ»
فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
الشرح
هَذَا أَبُو هُرَيرَةَ يَأتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَقُولُ: إِنِّي أَسمَعُ مِنكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنسَاهُ، يَعنِي كَأَنَّهُ يَطلُبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَن يَدعُوَ لَهُ أَن يُثَبِّتَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ حِفظَ مَا يَسمَعُ مِن سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَالنَّبِيُّ قَالَ لَهُ: «ابسُط رِدَاءَكَ»، الرِّدَاءُ: الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الكَتِفِ، فَأَبُو هُرَيرَةَ بَسَطَ رِدَاءَهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيهِ النَّبِيُّ ﷺ، غَرَفَ بِيَدَيهِ مِن فَيضِ فَضلِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَجَعَلَ الحِفظَ كَالشَّيءِ الَّذِي يُغرَفُ مِنهُ وَرَمَى بِهِ فِي رِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمُّهُ»، قَالَ فَضَمَمتُهُ، قَالَ: فَمَا نَسِيتُ شَيئًا بَعدَهُ، هَذَا مَعنَاهُ هَذِهِ مُعجِزَةٌ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِنْسَانِ، وَقَدِ اعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ، ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ادْعُوَا» فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي وَأَمَّنَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لَا يُنْسَى. فَأَمَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «سَبَقَكُمَا الْغُلَامُ الدَّوْسِيُّ».
وَفِيهِ: الْحَثُّ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ التَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا أَمْكَنُ لِحِفْظِهِ. وَفِيهِ فَضِيلَةُ التَّكَسُّبِ لِمَنْ لَهُ عِيَالٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ فَضِيلَةٍ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ وَأَمِنَ مِنَ الْإِعْجَابِ.
حَدِيث 120 — وعاءان من العلم
متن الحديث
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ.
الشرح
يَروِي الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ: حَفِظتُ مِن رَسُولِ اللهِ وِعَاءَينِ، أَي نَوعَينِ مِنَ العِلمِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثتُهُ، نَشَرتُهُ وَبَلَّغتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَو بَثَثتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلعُومُ، وَالبُلعُومُ مَجرَى الطَّعَامِ، وَهُوَ المَرِيءُ.
وَالعُلَمَاءُ حَمَلُوا هَذَا الوِعَاءَ الَّذِي لَم يَبُثَّهُ أَبُو هُرَيرَةَ عَلَى الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَسمَاءُ أُمَرَاءِ السُّوءِ وَأَحوَالُهُم وَزَمَنُهُم، فَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُشِيرُ إِلَى بَعضِ هَؤُلَاءِ وَلَا يُصَرِّحُ بِهِ خَوفًا عَلَى نَفسِهِ مِنهُم، فَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ مَثَلًا يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِن رَأسِ السِّتِّينَ وَإِمَارَةِ الصِّبيَانِ، يُشِيرُ إِلَى خِلَافَةِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، لِأَنَّهَا كَانَت سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الهِجرَةِ، وَاللهُ تَعَالَى استَجَابَ دُعَاءَ أَبِي هُرَيرَةَ فَمَاتَ قَبلَهَا بِسَنَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ: جَعَلَ الْبَاطِنِيَّةُ هَذَا الْحَدِيثَ ذَرِيعَةً إِلَى تَصْحِيحِ بَاطِلِهِمْ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَذَلِكَ الْبَاطِنُ إِنَّمَا حَاصِلُهُ الِانْحِلَالُ مِنَ الدِّينِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ: قُطِعَ أَيْ: قَطَعَ أَهْلُ الْجَوْرِ رَأْسَهُ إِذَا سَمِعُوا عَيْبَهُ لِفِعْلِهِمْ وَتَضْلِيلَهُ لِسَعْيِهِمْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَكْتُوبَةَ لَوْ كَانَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَسِعَهُ كِتْمَانُهَا؛ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ مَنْ كَتَمَ الْعِلْمَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالْمَلَاحِمِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفْهُ، وَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مَنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ.
(87) بَابُ الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ
الإِنصَاتُ: الِاستِمَاعُ مَعَ السُّكُوتِ، لِأَجلِ مَا يَقُولُهُ العُلَمَاءُ.
حَدِيث 121 — استنصات الناس في حجة الوداع
متن الحديث
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
«اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»
فَقَالَ:
«لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»
الشرح
هَكَذَا يَنبَغِي إِذَا تَحَدَّثَ العَالِمُ أَن نُنصِتَ لَهُ، أَن نَستَمِعَ لَهُ مَعَ السُّكُوتِ حَتَّى نَعِيَ مَا يَقُولُ وَنَفهَمَ مَا يَقُولُ، لَكِن بَعضُ النَّاسِ لَا يَفعَلُونَ هَذَا، يَعنِي أَثنَاءَ تَكَلُّمِ العَالِمِ بِالعِلمِ الشَّرعِيِّ تَرَاهُم أَو تَسمَعُهُم يَتَحَدَّثُونَ بِأَحَادِيثَ جَانِبِيَّةٍ، يَعنِي يُفَوِّتُونَ عَلَى أَنفُسِهِمُ الخَيرَ وَالعِلمَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ هَذَا العَالِمُ.
«استَنصِتِ النَّاسَ» أَيِ اطلُبِ السُّكُوتَ، فَفَعَلَ هَذَا الصَّحَابِيُّ وَطَلَبَ مِنَ النَّاسِ السُّكُوتَ وَالإِنصَاتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، مِن جُملَةِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ» لَا تَتَشَبَّهُوا بِالكُفَّارِ فِي قَتلِ بَعضِهِم بَعضًا، وَصِيَّةٌ نَبَوِيَّةٌ جَامِعَةٌ مِن سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَعَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَا عَمِلُوا بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ.
الأسئلة الفقهية
السؤال الأول: الصيام عند السفر من بلد إلى آخر
كُنتُ خَارِجَ الأُردُنِّ فَبَدَأتُ الصَّومَ مَعَهُم ثُمَّ سَافَرتُ إِلَى الأُردُنِّ وَكَانَ أَهلُ الأُردُنِّ تَأَخَّرُوا بِالبِدءِ بِالصِّيَامِ هَذِهِ السَّنَةِ، فَمَن أُوَافِقُهُ فِي الفِطرِ هَل أُوَافِقُ البَلَدَ الَّذِي سَافَرتُ مِنهُ أَو أُوَافِقُ الأُردُنَّ وَمَاذَا أَفعَلُ إِذَا زَادَت أَيَّامُ صِيَامِي عَلَى ثَلَاثِينَ؟
الجواب: يَقُولُ الفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ: مَن سَافَرَ مِن بَلَدٍ رُئِيَ فِيهِ هِلَالٌ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لَم يُرَ فِيهِ هِلَالٌ، وَافَقَ أَهلَهُ أَي وَافَقَ أَهلَ البَلَدِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيهِ فِي فِطرِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مِن أَهلِهِ وَإِن تَمَّ العَدَدُ ثَلَاثِينَ. فَعَلَى هَذَا مَن بَدَأَ الصَّومَ خَارِجَ الأُردُنِّ ثُمَّ جَاءَ إِلَى العِيدِ فِي الأُردُنِّ يُوَافِقُ أَهلَ الأُردُنِّ فِي فِطرِهِم وَعِيدِهِم.
السؤال الثاني: السفر إلى بلد سبق في الصيام
بَدَأتُ الصِّيَامَ فِي الأُردُنِّ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَد تَأَخَّرُوا فِي البَدءِ عَن سَائِرِ البِلَادِ لِأَنَّهُم لَم يَرَوا الهِلَالَ ثُمَّ سَافَرتُ خَارِجَ الأُردُنِّ إِلَى البَلَدِ الَّذِي صَامَ قَبلَ الأُردُنِّ فَهَل أُوَافِقُ فِي الفِطرِ وَالعِيدِ أَهلَ الأُردُنِّ أَوِ البَلَدَ المُنتَقَلُ إِلَيهِ؟ وَمَاذَا أَفعَلُ إِذَا كَانَ عَدَدُ أَيَّامِ صِيَامِي ثَمَانِيَةً وَعِشرِينَ؟
الجواب: يَقُولُ الفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ: مَن سَافَرَ مِنَ البَعِيدِ إِلَى مَحَلِّ الرُّؤيَةِ عَيَّدَ مَعَهُم سَوَاءٌ أَصَامَ ثَمَانِيَةً وَعِشرِينَ بِأَن كَانَ رَمَضَانُ عِندَهُم نَاقِصًا فَوَقَعَ عِيدُهُ مَعَهُم تَاسِعَ وَعِشرِينَ مِن صَومِهِ أَم صَامَ تِسعَةً وَعِشرِينَ بِأَن كَانَ رَمَضَانُ تَامًّا عِندَهُم، وَقَضَى يَومًا إِن صَامَ ثَمَانِيَةً وَعِشرِينَ يَومًا لِأَنَّ الشَّهرَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
مختارات من الأدعية والأذكار
ما يقول من ضاع له شيء
عَن عُمَرَ بنِ كَثِيرِ بنِ أَفلَحَ قَالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَضَلَّ شَيئًا:
«قُلِ: اللهم رَبَّ الضَّالَّةِ، هَادِيَ الضَّالَّةِ، تَهدِي مِنَ الضَّلَالَةِ، رُدَّ عَلَيَّ ضَالَّتِي بِقُدرَتِكَ وَسُلطَانِكَ مِن عَطَائِكَ وَفَضلِكَ»
رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ.
وَرُوِيَ أَنَّ مَن ضَاعَ لَهُ شَيءٌ يَقرَأُ سُورَةَ الضُّحَى، وَأَنَّهُ يَقُولُ: اللهم يَا جَامِعَ النَّاسِ لِيَومٍ لَا رَيبَ فِيهِ اجمَعنِي مَعَ ضَالَّتِي.
الدعاء الختامي
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ،
الحَمدُ للهِ الَّذِي تَوَاضَعَ كُلُّ شَيءٍ لِعَظَمَتِهِ وَذَلَّ كُلُّ شَيءٍ لِعِزَّتِهِ وَخَضَعَ كُلُّ شَيءٍ لِمُلكِهِ وَاستَسلَمَ كُلُّ شَيءٍ لِقُدرَتِهِ وَتَصَاغَرَ كُلُّ شَيءٍ لِكِبرِيَائِهِ،
اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمرِ وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشدِ وَنَسأَلُكَ شُكرَ نِعمَتِكَ وَحُسنَ عِبَادَتِكَ وَنَسأَلُكَ قَلبًا خَاشِعًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا وَنَسأَلُكَ مِن خَيرِ مَا تَعلَمُ وَنَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا تَعلَمُ وَنَستَغفِرُكَ لِمَا تَعلَمُ فَإِنَّكَ تَعلَمُ وَلَا نَعلَمُ وَأَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ،
اللهم اغفِر لَنَا مَا قَدَّمنَا وَمَا أَخَّرنَا وَمَا أَسرَرنَا وَمَا أَعلَنَّا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا فَإِنَّكَ أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَعَلَى كُلِّ غَيبٍ شَهِيدٌ،
اللهم بِعِلمِكَ الغَيبَ وَقُدرَتِكَ عَلَى الخَلقِ أَحيِنَا مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لَنَا وَتَوَفَّنَا مَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لَنَا وَنَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ وَكَلِمَةَ العَدلِ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ وَالقَصدَ فِي الغِنَى وَالفَقرِ،
اللهم زَيِّنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ،
اللهم اجعَلنَا مِن أَولِيَائِكَ المُتَّقِينَ وَحِزبِكَ المُفلِحِينَ وَعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاستَعمِلنَا لِمَرضَاتِكَ عَنَّا،
اللهم مَن أَرَادَ بِفِلَسطِينَ أَو بِأَهلِهَا السُّوءَ فَاجعَل دَائِرَةَ السَّوءِ تَدُورُ عَلَيهِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم كُن لِأَهلِ غَزَّةَ عَونًا وَنَصِيرًا، وَبَدِّل خَوفَهُم أَمنًا. اللهم ارزُق إِخوَانَنَا فِي فِلَسطِينَ الصُّمُودَ وَالقُوَّةَ فِي وَجهِ الطُّغيَانِ وَانصُرهُم. اللهم أَنجِ المُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ. اللهم وَرُدَّ إِلَينَا المَسجِدَ الأَقصَى رَدًّا جَمِيلًا،
اللهم إِنَّا نَبرَأُ مِن حَولِنَا وَقُوَّتِنَا وَتَدبِيرِنَا إِلَى حَولِكَ وَقُوَّتِكَ وَتَدبِيرِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ لَا يُعجِزُكَ شَيءٌ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ،
﴿رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ،
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ،
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ