صحيح البخاري (27) | كتاب العلم | التواضع في العلم وآداب سؤال العلماء

صحيح الإمام البخاري
المحتويات
  1. المقدمة
  2. سورة القدر وفضل ليلة القدر
  3. سبب نزول سورة القدر
  4. علامات ليلة القدر
  5. الحث على الاجتهاد في ليالي رمضان
  6. معنى ليلة القدر
  7. آثار السلف في ليلة القدر
  8. حديث أبي ذر في ليلة القدر
  9. نزول الملائكة في ليلة القدر
  10. العمل في ليلة القدر
  11. شرح صحيح البخاري — كتاب العلم
    1. (88) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ
    2. حديث 122 — قصة موسى والخضر عليهما السلام
    3. شرح الحديث 122
    4. عصمة الأنبياء
    5. تفاصيل شرح الرحلة إلى الخضر
    6. حكمة خرق السفينة
    7. حكمة قتل الغلام
    8. حكمة إقامة الجدار
    9. فوائد من قصة موسى والخضر
    10. التحذير من الزنادقة المدعين
    11. (89) بَابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا
    12. حديث 123
  12. أنواع الشهادة
    1. شهيد المعركة
    2. أنواع الشهادة السبعة سوى القتل في سبيل الله
    3. أصناف أخرى من الشهداء
    4. ما ليس من الشهادة
    5. أحكام الشهداء
  13. مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
    1. ذِكرٌ لِتَيسِيرِ الرِّزقِ
    2. الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
    3. دعاء للمسلمين
    4. التوسل والتضرع
    5. دعاء الأمن والختام

المقدمة

الْحَمْدُ للَّهِ عَالِمِ السِّرِّ وَالْجَهْرِ، وَقَاصِمِ الْجَبَابِرَةِ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، مُحْصِي قَطَرَاتِ الْمَاءِ وَهُوَ يَجْرِي فِي النَّهْرِ، فَضَّلَ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى أَوْقَاتَ الدَّهْرِ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾، فَهوَ الْمُتَفَرِّدُ بِإِيجَادِ خَلْقِهِ الْمُتَوَحِّدُ بِإِدْرَارِ رِزْقِهِ، عَالِمٌ بِسِرِّ الْعَبْدِ وَسَامِعٌ نُطْقَهُ، وَمُقَدِّرٌ عِلْمَهُ وَعَمَلَهُ وَعُمْرَهُ وَفِعْلَهُ وَخَلْقَهُ، وَمُجَازِيهِ عَلَى عَيْبِهِ وَذَنْبِهِ وَكَذِبِهِ وَصِدْقِهِ، الْمَالِكُ الْقَهَّارُ فَالْكُلُّ فِي أَسْرِ رِقِّهِ، الْحَلِيمُ السَّتَّارُ فَالْخَلْقُ فِي ظِلِّ رِفْقِهِ، أَرْسَلَ السَّحَابَ تُخَافُ صَوَاعِقُهُ وَيُطْمَعُ فِي وَدْقِهِ، جَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَالْقَمَرَ نُورًا بَيْنَ غَرْبِهِ وَشَرْقِهِ، أَحْمَدُهُ عَلَى الْهُدَى وَتَسْهِيلِ طُرُقِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي رَتْقِهِ وَفَتْقِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَالضَّلالُ عَامٌّ فَمَحَاهُ بِمَحْقِهِ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ السَّابِقِ بِصِدْقِهِ، وَعَلَى عُمَرَ كَاسِرِ كِسْرَى بِتَدْبِيرِهِ وَحِذْقِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ جَامِعِ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَبْدِيدِهِ فِي رِقِّهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَنْ سَعِدَتْ قُلُوبُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِعِشْقِهِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مُشَارِكِهِ فِي أَصْلِهِ وَعِرْقِهِ، وعلى من سار على دربه وفي طُرُقِهِ، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

سورة القدر وفضل ليلة القدر

﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ، وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ، لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطلَعِ الفَجرِ﴾

لَيلَةٌ وَاحِدَةٌ مِن رَمَضَانَ، لَيلَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، لَيلَةٌ وَاحِدَةٌ العِبَادَةُ فِيهَا خَيرٌ مِن عِبَادَةِ أَلفِ شَهرٍ لَيسَ فِيهَا تِلكَ اللَّيلَةُ، تَنزِلُ فِيهَا الرَّحمَةُ، وَيَهبِطُ فِيهَا المَلَائِكَةُ، أَخفَاهَا اللهُ عَنَّا لِنَجتَهِدَ كُلَّ رَمَضَانَ فِي الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ.

سبب نزول سورة القدر

رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ أَنَّهُ سَمِعَ مَن يَثِقُ بِهِ مِن أَهلِ العِلمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ أَعمَارَ النَّاسِ قَبلَهُ، أَي أَطلَعَهُ اللهُ كَم كَانُوا يَعِيشُونَ وَأَنَّ أَعمَارَهُم كَانَت طَوِيلَةً أَو مَا شَاءَ اللهُ مِن ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعمَارَ أُمَّتِهِ أَن لَا يَبلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثلَ الَّذِي بَلَغَ غَيرُهُم فِي طُولِ العُمُرِ، أَيِ استَشعَرَ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ أَعمَارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةٌ بِالنِّسبَةِ إِلَى أَعمَارِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، فَرَحِمَهُم أَن لَا يَبلُغُوا فِي الطَّاعَاتِ مَا فَعَلَهُ المُسلِمُونَ مِنَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ بِسَبَبِ طُولِ أَعمَارِهِم، فَأَعطَاهُ اللهُ لَيلَةَ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ.

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إِسرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَلفَ شَهرٍ، فَعَجِبَ المُسلِمُونَ مِن ذَلِكَ، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ﴾ [القدر:١] إِلَى قَولِهِ ﴿خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ﴾ [القدر:٣] الَّتِي لَبِسَ فِيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَلفَ شَهرٍ.

علامات ليلة القدر

وَمِن عَلَامَاتِهَا: – أَن يُرَى فِيهَا نُورٌ عَامٌّ يَملَأُ السَّمَاءَ وَيَدخُلُ البُيُوتَ، يَكشِفُهُ اللهُ لِمَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ – وَتَطلُعُ الشَّمسُ فِي صَبِيحَتِهَا، فِي الصُّبحِ الَّذِي بَعدَهَا، بَيضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا

وَمَن رَآهَا فَليَكتُمهَا وَلَا يُخبِر بِهَا، وَليُكثِر مِنَ الذِّكرِ وَالدُّعَاءِ وَالخَيرَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَالقِيَامِ وَالمُجَاهَدَاتِ فِي أَنوَاعِ العِبَادَاتِ، وَليَدعُ بِمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن عَلِمتُ لَيلَةَ القَدرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ:

«قُولِي: اللهم إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي»

الحث على الاجتهاد في ليالي رمضان

فَيَا طَالِبَ الأَجرِ وَرَاجِيَ المَغفِرَةِ، جِدَّ فِي كُلِّ لَيلَةٍ مِن لَيَالِي رَمَضَانَ بِالقِيَامِ وَالتِّلَاوَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاعتِكَافِ وَأَنوَاعِ الخَيرَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، تُصَادِفْ لَيلَةَ القَدرِ، فَتَنَالُ عَظِيمَ الأَجرِ، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ:

«مَن يَقُم لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»

إِخوَانِي: اجتَهِدُوا فِي الطَّلَبِ فَرُبَّ مُجتَهِدٍ أَصَابَ.

معنى ليلة القدر

قَالَ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ: وَمَعنَى لَيلَةِ القَدرِ اللَّيلَةُ الَّتِي يُقَدِّرُ اللهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ جَمِيعَ مَا يَنبَغِي أَن يَجرِيَ عَلَى أَيدِيهِم مِن تَدبِيرِ بَنِي آدَمَ وَمَحيَاهُم وَمَمَاتِهِم إِلَى لَيلَةِ القَدرِ مِنَ السَّنَةِ القَابِلَةِ.

قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ: وَمَعنَاهُ أَنَّهُ يُظهِرُ لِلمَلَائِكَةِ وَإِلَّا فَتَقدِيرُ اللهِ قَدِيمٌ أَي أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَجَدَّدُ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ أَو كَمَا يَقُولُ بَعضُهُم إِنَّ الأَقدَارَ تَتَغَيَّرُ فِي لَيلَةِ القَدرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَمَشِيئَةُ اللهِ لَا تَتَغَيَّرُ وَصِفَاتُهُ لَا تَتَغَيَّرُ.

آثار السلف في ليلة القدر

عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ لَتَرَى الرَّجُلَ يَمشِي فِي الأَسوَاقِ، وَقَد وَقَعَ اسمُهُ فِي المَوتَى، ثُمَّ قَرَأَ:

﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:4]

وَيَعنِي لَيلَةَ القَدرِ فَفِي تِلكَ اللَّيلَةِ يُفرَقُ أَمرُ الدُّنيَا إِلَى مِثلِهَا مِن قَابِلٍ.

وعَن قَتَادَةَ فِي قَولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] قَالَ: «يُفرَقُ فِيهَا أَمرُ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ».

وَعَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: يُفرَقُ أَمرُ السَّنَةِ كُلِّهَا فِي لَيلَةِ القَدرِ، بَلَاؤُهَا وَرَخَاؤُهَا وَمَعَاشُهَا، إِلَى مِثلِهَا مِنَ السَّنَةِ.

وَلَيلَةُ القَدرِ الَّتِي وَرَدَ القرآنُ بِفَضِيلَتِهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ إلى يوم القِيَامَةِ، وَهِيَ فِي رَمَضَانَ.

حديث أبي ذر في ليلة القدر

ورُوِيَ عَن مَالِكِ بنِ مَرثَدٍ عَن أَبِيهِ قَالَ: قُلتُ لِأَبِي ذَرٍّ: سَأَلتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن لَيلَةِ القَدرِ؟، قَالَ: أَنَا كُنتُ أَسأَلُ عَنهَا، يَعنِي أَنَا أَشَدُّ النَّاسِ مَسأَلَةً عَنهَا، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرنِي عَن لَيلَةِ القَدرِ، فِي رَمَضَانَ هِيَ أَو فِي غَيرِهِ؟ فَقَالَ:

«لَا، بَل فِي شَهرِ رَمَضَانَ»

فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتَكُونُ مَعَ الأَنبِيَاءِ مَا كَانُوا فَإِذَا قُبِضَتِ الأَنبِيَاءُ وَرُفِعُوا رُفِعَت مَعَهُم أَو هِيَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ؟ قَالَ:

«لَا، بَل هِيَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ»

قَالَ: قُلتُ: أَخبِرنِي فِي أَيِّ شَهرٍ؟ قَالَ:

«فِي رَمَضَانَ هِيَ، التَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ وَالعَشرِ الأُوَلِ»

ثُمَّ حَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَدَّثَ، فَاهتَبَلتُ غَفلَتَهُ — مِثلُ قَولِكَ: تَحَيَّنتُ غَفلَتَهُ وَاغتَنَمتُهَا، حَتَّى وَجَدتُهَا — فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخبِرنِي فِي أَيِّ عَشرٍ هِيَ؟ قَالَ:

«التَمِس فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، وَلَا تَسأَلنِي عَن شَيءٍ بَعدَهَا»

نزول الملائكة في ليلة القدر

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

«إِذَا كَانَت لَيلَةُ القَدرِ نَزَلَ جِبرِيلُ فِي كَبكَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ عَبدٍ قَائِمٍ أَو قَاعِدٍ يَذكُرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»

قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: المَلائِكَةُ لَيلَةَ القَدرِ فِي الأَرضِ أَكثَرُ مِن عَدَدِ الحَصَى، وَالرُّوحُ جِبرِيلُ.

العمل في ليلة القدر

وَأَمَّا العَمَلُ فِي لَيلَةِ القَدرِ فَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

«مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»

وَقِيَامُهَا إِنَّمَا هُوَ إِحيَاؤُهَا بِالتَّهَجُّدِ فِيهَا وَالصَّلَاةِ، وَقَد أَمَرَ عَائِشَةَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا أَيضًا، وَإِن قَرَأَ وَدَعَا كَانَ حَسَنًا، وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَهَجَّدُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ وَيَقرَأُ قِرَاءَةً مُرَتَّلَةً لَا يَمُرُّ بِآيَةٍ فِيهَا رَحمَةٌ إِلَّا سَأَلَ، وَلَا بِآيَةٍ فِيهَا عَذَابٌ إِلَّا تَعَوَّذَ، فَيَجمَعُ بَينَ الصَّلَاةِ وَالقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّفَكُّرِ، وَهَذَا مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ وَأَكمَلِهَا فِي لَيَالِي العَشرِ وَغَيرِهَا.

شرح صحيح البخاري — كتاب العلم

إِخوَانِي: التِمَاسًا لِلبَرَكَاتِ وَالخَيرَاتِ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ المُبَارَكَةِ نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ… فَقَد كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِن صَحَابَةٍ وَتَابِعِينَ وَتَابِعِيهِم يُسَافِرُونَ وَيَرحَلُونَ لِأَجلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَلَو كَانَ قَصِيرًا….

(88) بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ

أَي فَليَقُلْ: اللهُ أَعلَمُ. إِذَا سُئِلَ العَالِمُ: مَن أَعلَمُ؟ أَيُّ النَّاسِ أَعلَمُ، يَعنِي لَا يَتَسَرَّعُ وَيَقُولُ: أَنَا، فَليَقُل: اللهُ أَعلَمُ، فَيَكِلُ العِلمَ إِلَى اللهِ.

حديث 122 — قصة موسى والخضر عليهما السلام

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:

«قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ»

قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ:

«احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ»

فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:61]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:62]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:63]، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:64].

فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ — أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ — فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:66]، قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:67]، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ، ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:69].

فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ:

«يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ»

فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:72-73]، فَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا.

فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:74]، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:75] — قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ —

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:77]، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:77-78].

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا»

شرح الحديث 122

نَوفٌ البَكَالِيُّ: بِكَسرِ البَاءِ وَتَخفِيفِ الكَافِ، وَبَعضُهُم رَوَاهُ بِفَتحِ البَاءِ.

كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ: أَي أَخطَأَ. ظَنَّهُ مُعَانِدًا وَلَم يَعرِف حَالَهُ وَقتَهَا، وَإِلَّا فَنَوفٌ البِكَالِيُّ قَد مَدَحَهُ بَعضُ العُلَمَاءِ.

فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ: أَي عِتَابًا لَطِيفًا وَلَيسَ تَعنِيفًا، وَمُوسَى مَا أَخطَأَ فِي هَذَا، فَهُوَ أَفضَلُ مَن كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ أَعلَمُ مِنَ الخَضِرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَشيَاءِ لَا سِيَّمَا فِي أُمُورِ الشَّرِيعَةِ، لَكِنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ عِندَهُ مِنَ العِلمِ مَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ مِمَّا لَيسَ عِندَ مُوسَى.

إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ: أَي لَم يَرُدَّ العِلمَ إِلَى اللهِ. وَهَذَا لَيسَ عَيبًا يُنَافِي العِصمَةَ فِي مُوسَى فَقَد يَنسَى النَّبِيُّ أَن يَقُولَ هَذَا وَقَد يَنسَى أَحيَانًا أَن يَقُولَ إِن شَاءَ اللهُ وَلَيسَ انتِقَاصًا لَهُ.

كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ أَصحَابِ الكَهفِ وَأَنَّ رَسُولَنَا ﷺ عِندَمَا سُئِلَ عَن بَعضِ الأَسئِلَةِ نَسِيَ أَن يَقُولَ إِن شَاءَ اللهُ، وَهَذَا حَصَلَ مَعَ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَذَلِكَ، فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

«قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَلَمْ يَقُلْ وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا إِحْدَى شِقَّيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ»

فَلَيسَ هَذَا انتِقَاصًا لِسَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَلَا يُنَافِي العِصمَةَ فَقَد نَسِيَ.

عصمة الأنبياء

فَالأَنبِيَاءُ مَعصُومُونَ مِنَ القَبَائِحِ، قَالَ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ (1143هـ) الَّذِي نَظَمَ أَبيَاتًا بَيَّنَ فِيهَا هَذِهِ العَقِيدَةَ المُبَارَكَةَ المُسَمَّاةَ “مُقتَضَى الشَّهَادَتَينِ لِلنَّابُلُسِيِّ” الَّتِي فِيهَا بَيَانُ العَقِيدَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ:

أَرسَلَ رُسْلَهُ الكِرَامَ فِينَا * مُبَشِّرِينَ بَل وَمُنذِرِيْنَا**

أَيَّدَهُم بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةْ * وَالحِفظِ وَالعِصمَةِ وَالصِّيَانَةْ**

مَعنَاهُ: أَنَّ الأَنبِيَاءَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَمَّلَهُمُ اللهُ بِصِفَاتٍ تَجِبُ لَهُم:

  • مَوصُوفُونَ بِالصِّدقِ فَيَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الكَذِبُ
  • وَالأَمَانَةِ فَيَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الخِيَانَةُ
  • وَالصِّيَانَةِ فَيَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الرَّذَالَةُ
  • وَحَفِظَهُمُ اللهُ وَعَصَمَهُم مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا

وَأَمَّا المَعصِيَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا خِسَّةَ فِيهَا وَلَا دَنَاءَةَ فَتَجُوزُ عَلَيهِم لَكِن يُنَبَّهُونَ فَورًا لِلتَّوبَةِ قَبلَ أَن يَقتَدِيَ بِهِم فِي تِلكَ المَعصِيَةِ غَيرُهُم، فَهُم قُدوَةٌ لِلنَّاسِ، وَذَلِكَ كَمَا حَصَلَ مَعَ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ. وَحَفِظَ اللهُ الأَنبِيَاءَ مِنَ الأَمرَاضِ المُنَفِّرَةِ كَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ البَدَنِ، فَلَا يَجُوزُ اعتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَخَرَجَ مِنهُ الدُّودُ.

بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَي مُلتَقَى بَحرَي فَارِسَ وَالرُّومِ.

هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ: أَي بِأَشيَاءَ مَخصُوصَةٍ.

تفاصيل شرح الرحلة إلى الخضر

احْمِلْ حُوتًا: أَي سَمَكَةً. فِي مِكْتَلٍ: مِثلُ قُفَّةٍ كَبِيرَةٍ. فَإِذَا فَقَدْتَهُ: أَي فَقَدتَ السَّمَكَةَ. فَهُوَ ثَمَّ: فَهُوَ هُنَاكَ.

وَصَلَا عِندَ الصَّخرَةِ عِندَ سَاحِلِ البَحرِ المَوعُودِ بِلِقَاءِ الخَضِرِ عِندَهَا. فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ: أَصَابَهُ مِن مَاءِ الحَيَاةِ فَحَيِيَ وَخَرَجَ مِنَ القُفَّةِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ السَّمَكَةَ مَيِّتَةٌ وَمُمَلَّحَةٌ وَأَكَلَا مِن جَانِبٍ مِنهَا.

﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ سَرَبًا﴾: أَي سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي البَحرِ مِثلَ السَّرَبِ فِي الأَرضِ، فَجَعَلَ الحُوتُ لَا يَمَسُّ شَيئًا مِنَ البَحرِ إِلَّا يَبِسَ، وَصَارَ المَاءُ أَثنَاءَ جَرَيَانِهِ يَتَحَوَّلُ إِلَى حَجَرٍ فَيَصِيرُ كَالجُسُورِ فَوقَهَا.

الغَدَاءُ: مَا يُؤكَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ. نَصَبًا: أَي أَصَابَنَا مِنهُ تَعَبٌ. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ أَي شَيئًا مِنَ التَّعَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.

وَكَانَ يُوشَعُ عَلَيهِ السَّلَامُ قَد رَآهُ حَيِيَ وَخَرَجَ مِنَ المِكتَلِ وَكَانَ مُوسَى نَائِمًا وَنَسِيَ أَن يَقُولَ لِمُوسَى مَا حَصَلَ.

مُسَجًّى بِثَوْبٍ: أَي مُغَطًّى بِثَوبٍ مُستَلقِيًا عَلَى ظَهرِهِ عَلَى وَجهِ المَاءِ.

وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟: أَي مِن أَينَ يَأتِي السَّلَامُ؟ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَرضٍ مَا فِيهَا مُسلِمٌ فِي ذَلِكَ الوَقتِ.

﴿إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾: أَي عَنِ الإِنكَارِ وَالسُّؤَالِ فِي أُمُورٍ خَاصَّةٍ وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا صَبرَ لَهُ بِالمَرَّةِ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ أَيِ الَّذِينَ بَلَغُوا الغَايَةَ فِي الصَّبرِ. وَوَجهُ ذَلِكَ أَنَّ الخَضِرَ يُبَاشِرُ بَعضَ الأُمُورِ نَظَرًا إِلَى بَاطِنِهَا وَأَمَّا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ يَنظُرُ لَهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ.

سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا أَعلَمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هُنَاكَ عَبدًا مِن عِبَادِهِ عِندَهُ عِلمٌ، طَلَبَ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَن يَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يُوصِلُهُ لِلخَضِرِ. هَذَا فِيهِ بَيَانُ أَهَمِّيَّةِ وَفَضلِ طَلَبِ المَزِيدِ مِنَ العِلمِ، فَذَهَبَ لِيَلتَقِيَ بِهِ، بَعدَ أَنِ التَقَى بِهِ قَالَ لَهُ: أَنَا أَمشِي مَعَكَ حَتَّى أَتَعَلَّمَ مِنكَ، مَا قَالَ لَهُ: أَنَا أَفضَلُ مِنكَ، وَمُوسَى أَفضَلُ مِنهُ، بَل قَالَ هَذَا الكَلَامَ تَوَاضُعًا مِنهُ وَرَغبَةً فِي طَلَبِ المَزِيدِ مِنَ العِلمِ.

فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ: أَي حَمَلُوهُمَا مِن غَيرِ أُجرَةٍ.

مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ: أَي مَا عِلمِي وَعِلمُكَ فِي جَنبِ عِلمِ اللهِ إِلَّا كَمَا نَقَرَ هَذَا العُصفُورُ مِنَ البَحرِ، مَعنَاهُ هُوَ شَيءٌ قَلِيلٌ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ عِلمَ اللهِ مُجَزَّأٌ، لَا. فَالعِلمُ مِن صِفَاتِ اللهِ الثَّابِتَةِ لَهُ، وَصِفَاتُ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيسَت أَجزَاءَ لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا تَتَغَيَّرُ.

أصول العقيدة

وَهَذَا مِن أُصُولِ العَقِيدَةِ، فَأُصُولُ العَقِيدَةِ:

  • اعتِقَادُ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ غَيرَهُ بِالمَرَّةِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ
  • وَأَنَّهُ غَيرُ مُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ
  • وَأَنَّ لَهُ صِفَاتٍ أَزَلِيَّةً أَبَدِيَّةً كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ
  • وَلَهُ عِلمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ
  • وَلَهُ قُدرَةٌ وَإِرَادَةٌ أَزَلِيَّتَانِ أَبَدِيَّتَانِ
  • وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ أَزَلِيَّانِ أَبَدِيَّانِ
  • وَكَلَامٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا
  • وَهُوَ بَاقٍ لَا يَلحَقُهُ الفَنَاءُ كَمَا لَم يَسبِقْهُ العَدَمُ
  • وَأَنَّ لَهُ حَيَاةً لَيسَت كَحَيَاةِ غَيرِهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ
  • كَذَلِكَ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ لَا يُشبِهُ شَيئًا
  • وَأَنَّهُ مُستَغنٍ عَن كُلِّ شَيءٍ
  • وَلَهُ القِدَمُ أَي لَيسَ لِوُجُودِهِ ابتِدَاءٌ

هَؤُلَاءِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ هِيَ أُصُولُ العَقِيدَةِ.

حكمة خرق السفينة

الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ نَقَضَ لَوحَ السَّفِينَةِ لِدَفعِ الظَّالِمِ مِن غَصبِهَا، كَانَ أَحَدُ المُلُوكِ الظُّلَّامِ إِذَا مَرَّ مِن أَمَامِهِ سَفِينَةٌ صَالِحَةٌ كَانَ عَمدًا يَأخُذُهَا غَصبًا عَن أَهلِهَا، أَمَّا إِذَا رَأَى سَفِينَةً لَيسَت جَيِّدَةً وَفِيهَا خَرقٌ كَانَ يَترُكُهَا. فَلَمَّا رَآهَا مُنخَرِقَةً تَرَكَهَا، فَإِذَا تَرَكَهَا أَهلُهَا يَرقَعُونَ هَذَا المَكَانَ الَّذِي انخَرَقَ وَيُصلِحُونَ اللَّوحَ ثُمَّ يَنتَفِعُونَ بِهَا.

حكمة قتل الغلام

الغُلَامُ كَانَ أَبَوَاهُ مُؤمِنَينِ، وَكَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ الغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَو عَاشَ لَأَرهَقَ أَبَوَيهِ طُغيَانًا وَكُفرًا، لَو بَقِيَ إِلَى مَا بَعدَ البُلُوغِ لَكَانَ أَثَّرَ عَلَى أَبَوَيهِ بِالطُّغيَانِ وَالكُفرِ وَالضَّلَالِ، مِن شِدَّةِ تَعَلُّقِ أَبَوَيهِ بِهِ يَجُرُّهُم هَذَا الأَمرُ إِلَى الكُفرِ وَالضَّلَالِ، فَاللهُ تَعَالَى حَفِظَ الأَبَ وَالأُمَّ مِن هَذَا الفَسَادِ، فَلِذَلِكَ فَعَلَ الخَضِرُ مَا فَعَلَ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

قَالَ اللهُ حِكَايَةً عَنِ الخَضِرِ إِنَّهُ قَالَ:

﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾

وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّ كَانَت حَامِلًا، فَفِيمَا بَعدُ وَلَدَت بِنتًا، وَمِن هَذِهِ البِنتِ جَاءَ مِن نَسلِهَا بَعضُ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ.

حكمة إقامة الجدار

مِن بَابِ مُقَابَلَةِ الإِسَاءَةِ بِالإِحسَانِ، وَكَانَ تَحتَ هَذَا الجِدَارِ كَنزٌ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ، وَكَانَ أَبُوهُمَا مُؤمِنًا صَالِحًا، فَأَرَادَ الخَضِرُ أَن يُقِيمَ هَذَا الجِدَارَ المَائِلَ حَتَّى يَبلُغَ هَذَانِ اليَتِيمَانِ أَشُدَّهُمَا ثُمَّ فِيمَا بَعدُ هُمَا يَستَخرِجَانِ الكَنزَ مِن تَحتِ هَذَا الجِدَارِ، كَانَ ذَلِكَ رَحمَةً مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِمَا. وَكَانَ سَمكُ هَذَا الجِدَارِ مِائَتَي ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ تِلكَ القَريَةِ، وَطُولُهُ عَلَى وَجهِ الأَرضِ خَمسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرضُهُ خَمسُونَ ذِرَاعًا.

فوائد من قصة موسى والخضر

فَالحِكَمُ كَثِيرَةٌ يَا أَحبَابَنَا الكِرَامَ:

أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَفعَلُ فِي مُلكِهِ مَا يُرِيدُ وَيَحكُمُ فِي خَلقِهِ مَا يَشَاءُ، فَلَا مَدخَلَ لِلعَقلِ فِي أَفعَالِهِ، وَلَا مُعَارَضَةَ لِأَحكَامِهِ

الحَسَنُ مَا حَسَّنَهُ الشَّرعُ، وَالقَبِيحُ مَا قَبَّحَهُ الشَّرعُ، لَيسَ كَمَا يَقُولُ بَعضُ الفِرَقِ المُنحَرِفَةِ: الحَسَنُ مَا حَسَّنَهُ العَقلُ وَالقَبِيحُ مَا قَبَّحَهُ العَقلُ

مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ أَطلَعَ الخَضِرَ عَلَى بَوَاطِنِ هَذِهِ الأُمُورِ وَالحِكَمِ مِنهَا

الخَضِرُ كَانَ يَقُولُ: ﴿وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمرِي﴾ إِنَّمَا فَعَلتُهُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ

التحذير من الزنادقة المدعين

لَا بُدَّ مِنَ التَّنبِيهِ وَالتَّحذِيرِ مِن قَومٍ زَنَادِقَةٍ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى يَسعَونَ إِلَى هَدمِ أَحكَامِ شَرِيعَةِ اللهِ تَعَالَى، قَالُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ: يُستَفَادُ مِن قِصَّةِ مُوسَى وَالخَضِرِ إِنَّ هَذِهِ الأَحكَامَ الشَّرعِيَّةَ تَختَصُّ بِالعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ، أَمَّا الأَولِيَاءُ وَالخَوَاصُّ لَا حَاجَةَ بِهِم إِلَى هَذِهِ النُّصُوصِ. قَالَ العُلَمَاءُ: هَذَا القَولُ زَندَقَةٌ وَكُفرٌ.

كَذَلِكَ يُوجَدُ مِن أَدعِيَاءِ التَّصَوُّفِ — وَالصُّوفِيَّةُ الحَقَّةُ بَرِيئُونَ مِنهُم — يَقُولُ هَؤُلَاءِ الجُهَّالُ: أَنَا لَا آخُذُ عَنِ المَوتَى، وَإِنَّمَا آخُذُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ”، وَبَعضُهُم يَقُولُ: أَنَا آخُذُ عَن قَلبِي عَن رَبِّي”، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كُلُّ هَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ بِاتِّفَاقِ أَهلِ الشَّرَائِعِ.

اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَجرَى سُنَّتَهُ بِأَنَّ أَحكَامَهُ لَا تُعلَمُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ رُسُلِهِ، وَهُمُ السُّفَرَاءُ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ، لِذَلِكَ حَصَلَ إِجمَاعُ السَّلَفِ عَلَى مَعرِفَةِ الأَحكَامِ بِالتَّلَقِّي مُشَافَهَةً بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.

(89) بَابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا

أَيِ الطَّالِبُ قَائِمٌ وَالعَالِمُ جَالِسٌ، فَأَشَارَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي الأَدَبَ.

حديث 123

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؟ فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ:

«مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»

شرح الحديث

يُقَاتِلُ غَضَبًا: أَي لِأَجلِ حَظِّ نَفسِهِ. وَالغَضَبُ حَالَةٌ تَحصُلُ عِندَ غَلَيَانِ الدَّمِ فِي القَلبِ لِإِرَادَةِ الِانتِقَامِ

وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً: أَي غَيرَةً عَلَى عَشِيرَتِهِ أَو أَهلِهِ

فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ: رَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ رَأسَهُ إِلَى السَّائِلِ، لِأَنَّ السَّائِلَ كَانَ قَائِمًا وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ

كَلِمَةُ اللهِ: أَي دَعوَتُهُ إِلَى الإِسلَامِ أَو كَلِمَةُ الإِخلَاصِ أي كلمة التوحيد

وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ الشَّخصَ قَد يَفعَلُ شَيئًا كَبِيرًا عَظِيمًا فِيمَا يَظهَرُ لِلنَّاسِ لَكِنَّهُ بِسَبَبِ رِيَائِهِ لَا ثَوَابَ لَهُ، يَحبِطُ ثَوَابُ العَمَلِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَمِنْ هُنَا أُذَكِّرُكُم بِإِخلَاصِ النِّيَّةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الِاشتِغَالِ بِعِلمِ الدِّينِ، فَقَدْ حَذَّرَ الشَّرعُ الحَنِيفُ أَهلَ الإِسلَامِ عَامَّةً وَأَهلَ العِلمِ خَاصَّةً مِنَ الرِّيَاءِ وَغَيرِهِ مِنْ أَمرَاضِ القُلُوبِ، قَالَ تَعَالَى:

﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

أَي لَا يُرَائِي.

أنواع الشهادة

وَالشَّهَادَةُ مَرتَبَةٌ عَالِيَةٌ فِي دِينِ اللهِ لَا يَنَالُهَا أَيُّ شَخصٍ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَرزُقَنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِهِ.

شهيد المعركة

أَعلَى دَرَجَةٍ فِي الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ هِيَ دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، فَمَنْ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيْلِ اللهِ وَمَاتَ فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ سَوَاءٌ بِسَهْمٍ خَطَأً أَوْ بِمَرَضٍ، كَيْفَمَا مَاتَ فَإِنَّهُ شَهِيْدٌ لِأَنَّهُ كَانَ تَصَدَّى لِلْقِتَالِ فِي سَبِيْلِ اللهِ.

وَقَدْ خَصَّهُمُ اللهُ بِمَزايَا عَدِيْدَةٍ: – لَا تَبْلَى أَجْسَادُهُمتَصْعَدُ أَرْوَاحُهُم فَوْرًا إِلَى الجَنَّةِ

«أَرْوَاحُهُم فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيْلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ القَنَادِيْلِ» رَوَاه مُسْلِمٌ وَغَيْرُه

وَالْمَعْنَى أَنَّهُم قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ تَكُوْنُ أَرْوَاحُهُم فِي حَوْصَلَةِ هَذِهِ الطُّيُوْرِ يَطِيْرُوْنَ فِي الجَنَّةِ وَيَأْكُلُوْنَ مِنْ ثِمَارِهَا، وَأَمَّا يَوْمَ القِيَامَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم يَأْخُذُ مُتَبَوَّأَهُ الخَاصَّ.

وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالشَّهِيْدُ الوَلِيُّ أَعْلَى مِنَ الشَّهِيْدِ غَيْرِ الوَلِيِّ. وَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيْحِ:

«إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ»

أنواع الشهادة السبعة سوى القتل في سبيل الله

رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

«الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدَمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ»

  • الْمَطْعُوْنُ: مَنْ مَاتَ بِمَرَضِ الطَّاعُوْنِ وَهُوَ مَرَضٌ يُصِيْبُ الْمَوَاضِعَ اللَّيِّنَةَ مِنَ الجِسْمِ كَالبَطْنِ وَالإِبْطِ وَالعُنُقِ، فيَحْدُثُ مِنْهُ إِسْهَالٌ وَقَيْءٌ وَغَمٌّ وَحُمَّى
  • الْغَرِيقُ: الطِّفلُ المُسلِمُ إِذَا مَاتَ غَرِيقًا يَكُونُ شَهِيدًا، أَمَّا الطِّفلُ المُمَيِّزُ الكَافِرُ إِنْ مَاتَ غَرِيقًا فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا
  • صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ: وَهِيَ قُرْحَةٌ أَوْ قُرُوحٌ تُصِيْبُ الْإِنْسَانَ دَاخِلَ جَنْبِهِ ثُمَّ تُفْتَحُ وَيَسْكُنُ الْوَجَعُ وَذَلِكَ وَقْتُ الْهَلَاكِ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا الْوَجَعُ تَحْتَ الْأَضْلَاعِ وَضِيقُ النَّفَسِ مَعَ مُلَازَمَةِ الْحُمَّى وَالسُّعَالِ، وَهِيَ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرُ
  • صَاحِبُ الْحَرِيقِ: مَنْ مَاتَ بِالحَرِيقِ
  • الَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدَمِ: أَيْ كَمَنْ يَسْقُطُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جَوَانِبِ البَيْتِ أَوِ السَّقْفِ فَيَمُوْتُ بِسَبَبِهِ
  • الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ: أَيْ تَمُوْتُ فِي الطَّلْقِ أَوْ بَعْدَ وِلَادَتِهَا بِأَلَمِ الوِلَادَةِ
  • الْمَبْطُونُ: هُوَ الَّذِي يَمُوْتُ بِسَبَبِ مَرَضِ البَطْنِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَن مَاتَ بِمَرَضٍ أَصَابَهُ فِي الأَمْعَاءِ وَالكُلْيَتَيْنِ وَالكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْمَثَانَةِ وَالْمَعِدَةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي البَطْنِ القَلْبُ وَالرِّئَتَانِ وَالرَّأْسُ

أصناف أخرى من الشهداء

وَيُزَادُ عَلَى هَؤُلَاءِ أَصْنَافٌ نُصَّ عَلَيْهِم فِي أَحَادِيْثَ أُخْرَى: – مَن يَتَردَّى: أَيْ يَسْقُطُ مِن عُلْوٍ إِلَى أَسْفَلَ – مَن يُقتَلُ ظُلمًا وَلَوْ بِالسُّمِّ: فِي بَعضِ المَذَاهِبِ مَنْ قُتِلَ مَظلُومًا لَا يُغسَلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيهِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ كَشَهِيدِ المَعرَكَةِ – الَّذِي يُحَارِبُ مِنْ أَجْلِ اسْتِرْدَادِ وَطَنِهِ مِنَ الكُفَّارِ: فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ دَفْعَ هَذَا الظُّلْمِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيْدٌ

وَفِي الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

«مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»

  • مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ: الَّذِي قُصِدَ أَخْذُ مَالِهِ ظُلْمًا فَدَافَعَ عَنْ مَالِهِ فَقُتِلَ
  • مَنْ قُتِلَ دُوْنَ أَهْلِهِ: إِنْسَانٌ أَرَادَ التَّعَدِّيَ عَلَى زَوْجَتِهِ لِفِعْلِ الفَاحِشَةِ بِهَا فَدَافَعَ عَنْهَا فَقَتَلَهُ ذَاكَ الْمُعْتَدِي
  • الْمَقْتُوْلُ دُوْنَ دَمِهِ: الَّذِي أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَقْتُلَهُ ظُلْمًا فَقَاتَلَ دُوْنَ دَمِهِ فقُتِلَ
  • الَّذِي يُقْتَلُ دُوْنَ دِيْنِهِ: أَيْ لِأَجْلِ الذَّبِّ عَنْ دِيْنِهِ

ما ليس من الشهادة

لَيْسَ مِنَ الشُّهَدَاءِ: مَنْ قُتِلَ بِالصَّاعِقَةِ أَوْ بِالكَهْرُبَاءِ غَيْرَ مُحْتَرِقٍ، أَمَّا إِنْ قُتِلَ بِالكَهْرُبَاءِ مُحْتَرِقًا فَهُوَ شَهِيْدٌ

وَلَا نَجْزِمُ أَنَّ مَنْ قُتِلَ بِضَرْبَةِ سَيَّارَةٍ شَهِيْدٌ لِأَنَّهُ لَم يَرِدْ ذَلِكَ، فَمُحْتَمِلٌ

لَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ عَمَّنْ مَاتَ مِنَ الكُفَّارِ بِالحَرْقِ أَوِ الغَرَقِ شَهِيْدٌ

مَنْ قُتِلَ خَطَأً فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ فَلَا يُعَدُّ شَهِيْدًا

أحكام الشهداء

الشُّهَدَاءُ بِجَمِيْعِ أَنْوَاعِهِم لَيْسَ عَلَيْهِم عَذَابٌ فِي القَبْرِ وَلَا فِي الآخِرَةِ، لَكِنْ كُلُّ مَنْ عَدَا شَهِيْدِ الْمَعْرَكَةِ لَيْسَ لَهُم مَا لِشَهِيْدِ الْمَعْرَكَةِ. فَمَنْ مَاتَ شَهِيْدًا فِي غَيْرِ شَهَادَةِ الْمَعْرَكَةِ فَإِنَّهُ يَظَلُّ فِي قَبْرِهِ إِلَى أَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَتْقِيَاءِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ رُوْحَهُ تَأْوِي إِلَى الجَنَّةِ بِصُوْرَةِ طَيْرٍ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ تَقِيًّا وَلَكِنْ رُزِقَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ غَيْرَ شَهَادَةِ الْمَعْرَكة فَإِنَّهُ يَبْلَى جَسَدُهُ وَلَا عَذَابَ عَلَيْهِ فِي القَبْرِ وَلَا فِي الآخِرَةِ.

وَقَالَ ﷺ:

«مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ القَتْلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَة» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ

مَعنَى الحَدِيثِ: أَنَّ المُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ — وَلَيسَ كُلُّ أَنوَاعِ الشَّهَادَةِ — إِذَا أَرَادَ اللهُ بِهِ الكَرَامَةَ فَقُتِلَ فِي سَبِيلِهِ شَهِيدًا، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ أَلَمِ القَتلِ وَمُعَالَجَةِ المَوتِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا مِن أَلَمِ القَرصَةِ أَي: قَرصَةِ نَحوِ النَّملَةِ، أَلَمًا خَفِيفًا سَرِيعَ الِانقِضَاءِ لَا يُعَقِّبُ عِلَّةً وَلَا سَقَمًا.

مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ

ذِكرٌ لِتَيسِيرِ الرِّزقِ

مِن أَسرَارِ اسمِ اللهِ المُغنِي مَا ذَكَرَهُ بَعضُ الفُقَهَاءِ:

يَا مُغنِي — 1111 مرّة

تُخلِصُ النِّيَّةَ للهِ تَعَالَى، عَلَى نِيَّةِ تَيسِيرِ الرِّزقِ، وَتَقُولُهُ أَلفًا وَمِائَةً وَإِحدَى عَشرَةَ مَرَّةً.

ثُمَّ تَقُولُ:

«اللهم اكفِنِي بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنِي بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ» — 3 مرّات

الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

اللهم صَلِّ وسلِّم على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى آلِ سَيِّدِنا محمد، واجْبُرْ كَسرَنا على فِراقِ شهرِنا هذا بغُفرَانِك، وجُدْ علينا بِأَوفَى الحُظُوظ مِن رِضْوانِك، وارزُقْنا مِن خَشيَتِكَ ما تَحُول به بَينَنَا وبينَ عِصْيانِك، واجْعَلْ لنا نَصِيبًا مِن جُودِكَ وامتِنَانِك، ولا تَقطَعنَا ما عَوَّدتَنا مِن جَزِيلِ إحسانك.

اللهم صلِّ وسلِّم على سيِّدِنا محَمَّد وعلى آلِ مُحَمَّدٍ، ووَفِّقْنا اللهم للصَّالِحَاتِ قَبل المَمَات، وأَرشِدنَا إلى استِدرَاكِ الهَفَوَات قبلَ الفَوَات، وأَلهِمنَا أَخذَ العُدَّة لِلوَفَاة قبلَ المُوَافَاة، ونَجِّنَا يومَ العُبُور عَلى الصِّراطِ حِين تَنسَكِبُ العَبَرَات، وارْحَمْنَا إذا رَحَلْنا عَن أَهلِ الحَياةِ إِلى أَهلِ المَمَات، ونازَلَتْنا فِي أَلحَادِنَا طوَارِقُ المُلِمَّات، واعتَوَرَتنَا عجَائِبُ الصِّفَاتِ في الكِفَات، وأَجزِلْ لَنَا جَزِيلَ الصِّلَاتِ على مَرفُوعِ الصَّلَوات، وأَثِبنَا بِقَبُولِ صَومِنَا عَن اللَّذَّات، وَلَا تَخذُلْنا يَومَ انتِقَاصِ الذَّوَات، إِذَا نَادَى بَينَ الأَعضَاءِ مُنادِي الشَّتَات، واستَجِبْ مِنا صَالِحَ الدَّعَوَات، وامْحُ عَنَّا خَطَأَ الخَطَوَات إلى الخَطِيئَات، وهَب لَنَا فِي الدُّنيَا لَذَّة المُنَاجَاة، وَفِي الآخِرَة سُرُورَ النَّجَاة، وبَلِّغنَا مَا لم تَبلُغهُ آمَالُنَا مِنَ الخَيرَاتِ، إِذَا نَادَى المُنادِي في الفَرِيقَين فقَطَع طَمَعَ أَهلِ الزَّلَّاتِ:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

اللهم اجْعَلْ مُعتَمَدَنَا عَلَيك، وحَوَائِجَنَا إِلَيك، وَوُقُوفَنَا بَينَ يَدَيك لطاعتك وعبادتك، وَتَضَرُّعَنَا لَدَيك، وَشَكوَانَا إِلَيك.

اللهم طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الأدْنَاسِ، وأَعِذْنَا مِن شَرِّ الجِنَّة والنَّاسِ.

اللهم أَصلِحنَا وادفَعْ عَنَّا شَيَاطِينَنا، واغْفِرْ بِرَحمَتِك ذُنُوبَنَا، ونَوِّر بِفَضلِك قُلُوبَنَا، واصرِف عَنَّا شِرَارَنا، واقْضِ بفَضلِك دُيُونَنَا، واجمَع عَلَى الهُدَى شُؤُونَنَا، وارحَم أَموَاتَنَا، واستجب دعاءنا، ووَسِّع أَرزَاقَنَا، وطَهِّر أَخلَاقَنَا.

اللهم لا تَدَع لَنَا ذَنبًا إِلَّا غفَرْتَه، وَلَا دَينًا إِلَّا قَضَيتَه، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجتَه، وَلَا بَلَاءً إلّا كَشَفْتَه، وَلَا عَيبًا إِلَّا سَتَرْتَه، ولَا سَائِلًا إِلَّا أَعطَيتَه، وَلَا طَالِبًا لِلخَيرِ إِلَّا أفَدْتَه، وَلَا عَالِمًا إِلَّا عَصَمتَه، وَلَا حَاسِدًا إِلَّا دَحَرْتَه، وَلَا غَائِبًا إِلَّا رَدَدتَه، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيتَه، وَلَا مُحتَاجًا إِلَّا كَفَيْتَه، وَلَا دَاعِيًا إِلَّا أجَبْتَه، وَلَا جَاهِلًا إلَّا هدَيْتَه، وَلَا عَدُوًّا إِلَّا حَصَرْتَه، ولا طَرِيقًا إلّا أمَّنْتَه، ولا مُجتَهِدًا فِي الخَيرِ إلَّا أعَنْتَه، ولَا ظَالِمًا إلا رَدَّيتَه، وَلَا عَاصِيًا إِلَّا أَصلَحْتَه، وَلَا طَائِعًا إلّا ثَبَّتَه، وَلَا غَافِلًا إِلَّا نَبَّهْتَه.

اللهم واخصُص بِبَرَكَةِ دُعَائِنَا الوَالِدِين وَالمَولُودِين، وَالحَاضِرِين والغَائِبِين، ومَا سَألْنَاكَ مِنْ خَيْرٍ فَأَعطِنا، ومَا قَصُرَتْ عَنهُ أعمَالُنا وآمَالُنا مِنَ الخَيرَاتِ فَبَلِّغنَا بِرَحمَتِك يَا أرحَمَ الرَّاحِمِين.

اللهم إِن كَانَت هَذِهِ لَيلَةَ القَدرِ فَيَسِّر لَنَا فِيهَا مِن خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَاختِم لَنَا فِيهَا بِخَيرٍ، وَارزُقنَا السَّعَادَةَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

اللهم اجعَل أَروَاحَنَا مَعَ الشُّهَدَاءِ، وَإِحسَانَنَا فِي عِلِّيِينَ، وَإِسَاءَتَنَا مَغفُورَةً.

اللهم افتَح لَنَا فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ بَابَ كُلِّ خَيرٍ، وَاجعَلنَا مِن أَولِيَائِكَ وَأَهلِ طَاعَتِكَ، وَارزُقنَا رِزقًا تُغِيثُنَا بِهِ مِن رِزقِكَ الطَّيِّبِ الحَلَالِ.

اللهم بِبَرَكَةِ هَذِهِ اللَّيلَةِ ارزُقنَا مِنَ الخَيرِ وَالعَافِيَةِ وَالصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَسَعَةِ الرِّزقِ مَا فِيهِ صَلَاحٌ لَنَا.

اللهم مَا عَمِلنَا فِيهَا مِنَ الطَّاعَاتِ فَتَقَبَّلهُ مِنَّا وَأَحسِن قَبُولَهُ، وَمَا كَانَ مِنَّا مِن تَفرِيطٍ وَتَقصِيرٍ وَتَضيِيعٍ فَتَجَاوَزهُ عَنَّا بِسَعَةِ رَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللهم تَغَمَّدنَا فِيهَا بِوَاسِعِ كَرَمِكَ، وَاجعَلنَا فِيهَا مِن أَولِيَائِكَ، وَاجعَلهَا لَنَا خَيرًا مِن أَلفِ شَهرٍ مَعَ عَظِيمِ الأَجرِ وَكَرِيمِ الذُّخرِ.

اللهم لَا تَصرِفنَا مِن هَذِهِ اللَّيلَةِ إِلَّا بِذَنبٍ مَغفُورٍ، وسَعيٍ مَشكُورٍ، وَعَمَلٍ مُتَقَبَّلٍ مَبرُورٍ، وَتِجَارَةٍ لَن تَبُورَ، وَشِفَاءٍ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَتَوبَةٍ خَالِصَةٍ لَكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللهم اجعَلنَا وَأَهلَنَا فِيهَا فِي المَغفُورِ لَهُم، وَاجعَلنَا مِن عُتَقَائِكَ مِن جَهَنَّمَ، وَطُلَقَائِكَ مِنَ النَّارِ.

اللهم نَسأَلُكَ بِلَيلَةِ القَدرِ وَأَسرَارِهَا وَأَنوَارِهَا وَبَرَكَاتِهَا أَن تَتَقَبَّلَ مِنَّا دُعَاءَنَا وَأَن تَقضِيَ حَاجَاتِنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

يَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم يَا مُفَرِّجَ الهَمِّ، يَا كَاشِفَ الهَمِّ، يَا مُجِيبَ دَعوَةِ المُضطَرِّينَ، لَا يَخفَى عَلَيكَ شَيءٌ مِن أَمرِنَا، نَسأَلُكَ يَا رَبَّنَا مَسأَلَةَ المَسَاكِينِ، وَنَبتَهِلُ إِلَيكَ يَا رَبَّنَا ابتِهَالَ الخَاضِعِ المُذنِبِ الذَّلِيلِ.

اللهم يَدعُوكَ مَن خَضَعَت لَكَ رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ لَكَ جِسمُهُ، وَرَغِمَ لَكَ أَنفُهُ، وَفَاضَت لَكَ عَينُهُ. يَا مَن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، يَا مَن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، يَا مَن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، يَا مَن يَكشِفُ السُّوءَ عَمَّن نَادَاهُ. يَا رَبَّنَا اجعَل خَيرَ أَعمَارِنَا آخِرَهَا، وَخَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ، يَا رَبُّ أَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ.

اللهم ارزُقنَا شَفَاعَةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيهِ أَفضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَأَورِدنَا حَوضَهُ، وَاسقِنَا مِن يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَربَةً هَنِيئَةً لَا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا بِجَاهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

اللهم كَمَا آمَنَّا بِهِ وَلَم نَرَهُ فَلَا تُفَرِّق بَينَنَا وَبَينَهُ حَتَّى تُدخِلَنَا مَعَهُ الجَنَّةَ. اللهم اجزِهِ عَنَّا خَيرَ مَا جَزَيتَ بِهِ نَبِيًّا عَن قَومِهِ، وَرَسُولًا عَن أُمَّتِهِ، بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللهم كَمَا بَلَّغتَنَا رَمَضَانَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ أَن تَجعَلَنَا مِمَّن وَفَّقتَهُم لِقِيَامِ لَيلَةِ القَدرِ، وَبَلِّغنَا لَيلَةَ القَدرِ. اللهم ارزُقنَا خَيرَهَا وَفَضلَهَا، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ.

يَا رَبُّ إِنَّا طَرَقنَا بَابَكَ فَافتَح لَنَا أَبوَابَ رَحمَتِكَ، وَأَجِرنَا مِن عَظِيمِ بَلَائِكَ. اللهم يَا مُسَخِّرَ القَوِيِّ لِلضَّعِيفِ، وَمُسَخِّرَ الجِنِّ لِنَبِيِّنَا سُلَيمَانَ، وَمُسَخِّرَ الطَّيرِ وَالحَدِيدِ لِنَبِيِّنَا دَاوُدَ، وَمُسَخِّرَ النَّارِ لِنَبِيِّنَا إِبرَاهِيمَ، سَخِّر لَنَا عِبَادَكَ الطَّيِّبِينَ، وَسَهِّل لَنَا أُمُورَنَا، وَارزُقنَا مِن حَيثُ لَا نَحتَسِبُ.

يَا رَبُّ بِحَولِكَ وَقُوَّتِكَ وَعِزَّتِكَ وَقُدرَتِكَ أَنتَ القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ وَحدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، يَا وَدُودُ يَا وَدُودُ، يَا ذَا العَرشِ المَجِيدُ، يَا مُبدِئُ يَا مُعِيدُ، يَا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، نَسأَلُكَ بِقُدرَتِكَ الَّتِي قَدَرتَ بِهَا عَلَى جَمِيعِ خَلقِكَ، وَنَسأَلُكَ بِرَحمَتِكَ الَّتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ وَنَسأَلُكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، يَا مُغِيثُ أَغِثنَا، يَا مُغِيثُ أَغِثنَا، يَا مُغِيثُ أَغِثنَا.

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ زِيَادَةً فِي اليَقِينِ، وَبَرَكَةً فِي العُمُرِ، وَصِحَّةً فِي الجَسَدِ، وَسَعَةً فِي الرِّزقِ، وَتَوبَةً قَبلَ المَوتِ، وَشَهَادَةً عِندَ المَوتِ، وَمَغفِرَةً بَعدَ المَوتِ، وَعَفوًا عِندَ الحِسَابِ، وَأَمَانًا مِنَ العَذَابِ، وَدُخُولًا لِلجَنَّةِ.

اللهم ارحَمْ مَوتَانَا، وَاشفِ مَرضَانَا. اللهم مِنكَ الفَرَجُ. اللهم مَنِ اعتَزَّ بِكَ فَلَن يَذِلَّ، وَمَنِ اهتَدَى بِكَ فَلَن يَضِلَّ، وَمَنِ استَغنَى بِكَ فَلَن يَفتَقِرَ، وَمَنِ استَنصَرَكَ فَلَن يُخذَلَ، وَمَنِ استَعَانَ بِكَ فَلَن يُغلَبَ، وَمَن تَوَكَّلَ عَلَيكَ فَلَن يَخِيبَ، وَمَن جَعَلَكَ مَلَاذَهُ فَلَن يَضِيعَ، وَمَنِ اعتَصَمَ بِكَ فَقَد هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ.

اللهم فَكُن لَنَا وَلِيًّا وَنَصِيرًا، وَكُن لَنَا مُعِينًا وَمُجِيرًا، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا.

يَا رَبُّ عِبَادُكَ ضَاقَت بِهِمُ الأَسبَابُ، وَأُغلِقَت دُونَهُمُ الأَبوَابُ، وَزَادَ بِهِمُ الهَمُّ وَالغَمُّ وَالِاكتِئَابُ وَأَنتَ المَرجُوُّ سُبحَانَكَ لِكَشفِ هَذَا المُصَابِ.

يَا مَن إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، يَا سَرِيعَ الحِسَابِ، يَا رَبَّ الأَربَابِ، یَا كَرِیمُ یَا وَهَّابُ.

يَا رَبُّ لَا تَرُدَّ دَعوَتَنَا وَمَسأَلَتَنَا، وَلَا تَكِلنَا إِلَى حَولِنَا وَقُوَّتِنَا، وَارحَم عَجزَنَا، فَقَد ضَاقَ صَدرُنَا، وَتَاهَ فِكرُنَا، وَتَحَيَّرنَا فِي أَمرِنَا، أَنتَ العَالِمُ سُبحَانَكَ بِسِرِّنَا وَجَهرِنَا، المَالِكُ لِنَفعِنَا وَضُرِّنَا، القَادِرُ عَلَى تَفرِيجِ كَربِنَا وَتَيسِيرِ عُسرِنَا.

اللهم ارحَم تَضَرُّعَنَا، وَقَوِّمِ اعوِجَاجَنَا، وَكُن مَعَنَا وَلَا تَكُن عَلَينَا.

اللهم وَلَا تَصرِفنَا عَن بَحرِ جُودِكَ خَاسِرِينَ، وَلَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِمَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ.

اللهم اختِم شَهرَنَا هَذَا بِالعَفوِ وَالمَغفِرَةِ وَالرِّضوَانِ وَالعِتقِ مِنَ النِّيرَانِ وَتَقَبَّل صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَتِلَاوَتَنَا لِلقُرآنِ وَطَاعَاتِنَا، وَاجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَجَلَاءَ هُمُومِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللهم أَعِد عَلَينَا شَهرَ رَمَضَانَ أَعوَامًا عَدِيدَةً وَقَد تَحَقَّقَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ نَصرُهَا وَعِزُّهَا وَاجتِمَاعُ كَلِمَتِهَا يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ يَا اللهُ، اللهم اجعَلنَا فِي هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ مِنَ المَقبُولِينَ وَلَا تَجعَلنَا مِنَ المَطرُودِينَ.

اللهم ارزُقنَا سُؤلَنَا مِنَ الخَيرِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ، وَاغفِر لَنَا، وَاستُر عَلَينَا، وَأَعلِ دَرَجَاتِنَا، وَارفَع قَدرَنَا، وَفَرِّج كُرُبَاتِنَا، وَيَسِّر أُمُورَنَا، وَوَسِّع فِي الدَّارَينِ عَلَينَا، وَاجعَلنَا مِن أَحبَابِكَ وَأَصفِيَائِكَ، وَاجعَلِ الفِردَوسَ دَارَنَا، وَأَنِر قُبُورَنَا، وَمِمَّا نَرجُو مِنَ الخَيرِ ارزُقنَا، وأَسِرَّ أَروَاحَنَا بِرُؤيَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَنَامِ فِي كُلِّ لَيلَةٍ.

اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنَّا.

إِلَـٰهَنَا أَعِنَّا عَلَى مَا تَبَقَّىٰ مِن شَهرِ رَمَضَانَ وَاجعَلهُ شَاهِدًا لَنَا لَا عَلَينَا. اللَّهُمَّ بَلِّغنَا بِفَضلِكَ لَيلَةَ القَدرِ، وَلَا تَحرِمنَا نُورَهَا وَبَرَكَتَهَا وَأَجرَهَا وَسِرَّهَا.

اللهم مَا تُنزِلُهُ مِن خَيرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ وَمِنَحٍ وَهِبَاتٍ فِي هَـٰذِهِ الأيَّامِ وَاللَّيَالِي المُبَارَكَةِ فَاجعَل لَنَا مِن ذَٰلِكَ نَصِيبًا وَحَظًّا وَافِرًا. وَاجعَلنَا مِنَ المَقبُولِينَ ومِنَ المَرحُومِينَ وَمِنَ المَغفُورِ لَهُم وَمِن عُتَقَاءِ شَهرِ رَمَضَان يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ.

اللهم اجعَل لَنَا فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ المُبَارَكَةِ وَمَا بَعدَهَا رَحمَةً وَهَنَاءً، وَأَبعِد عَنَّا ضِيقَ المَعِيشَةِ وَالعَنَاءَ، وَاجعَل عَيشَنَا فِي سَعَةٍ وَرَخَاءٍ، وَارفَع عَنَّا كُلَّ بَلَاءٍ، وَسَلِّمنَا مِن كُلِّ دَاءٍ، وَأَبدِل لَنَا الكَدَرَ بِالصَّفَاءِ، وَاستَجِبَ لَنَا كُلَّ دُعَاءٍ، وَحَقِّقَ لَنا كُلَّ رَجَاءٍ، وَاجزِنَا اللهم خَيرَ الجَزَاءِ.

وارزُقنَا رُؤيَةَ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَزِيَارَتَهُ وَمُجَاوَرَتَهُ وَالمَوتَ فِي بَلَدِهِ وَشَفَاعَتَهُ وَالحَشرَ مَعَهُ وَشَربَةً مِن حَوضِهِ وَصُحبَتَهُ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى.

دعاء للمسلمين

اللهم يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ الطُف بِالمُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللهم فَرِّج كَربَهُم، اللهم آمِن رَوعَاتِهِم وَاستُر عَورَاتِهِم وَآمِنهُم فِي أَوطَانِهِم.

اللهم اشفِ مَرضَاهُم وَسَكِّن آلَامَهُم وَخَفِّف مُصَابَهُم وَأَنزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيهِم وَأَمِدَّهُم بِأَمدَادٍ مِن عِندِكَ.

اللهم اصرِف عَنا بَأسَ الغَاصِبِينَ وَرُدَّ الكَيدَ عَنا يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم اضرِبِ الكَافِرِينَ بِالكَافِرِينَ وَأَخرِجِ المُسلِمِينَ مِن بَينِ أَيدِيهِم سَالِمِينَ، اللهم يَسِّر لَنَا فَرَجًا قَرِيبًا، اللهم أَرِنَا الأَقصَى مُحَرَّرًا، اللهم اشفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤمِنِينَ، اللهم ارحَم أَموَاتَ المُسلِمِينَ، اللهم ارزُقنَا الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ مُقبِلِينَ غَيرَ مُدبِرِينَ…

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

التوسل والتضرع

اللهم إنا نتوسلُ إليكَ ونتوجهُ إليك باسمِك العظيمِ وبأسمائِك الحسنى وبحرمةِ القرآنِ العظيمِ وبسرِّ النبيينَ، اللهم إنا نسألكَ ونتوجه إليك بحبيبكَ محمدٍ، بحبيبك محمدٍ، بنبيك محمدٍ، يا محمدُ يا رسولَ الله إنا نتوجَّه بك إلى ربنا في دعائنا ليستجابَ لنا، بحبِّك لحبيبكَ محمدٍ بحبك لحبيبكَ محمدٍ أعتِقْنَا مِن النارِ أعتِقنا مِن النارِ أعتِقنا مِن النارِ يا عزيزُ يا غفارُ يا ذا الجلالِ والإكرامِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ أعتِقنا مِن النارِ، أنت ربُّنا ونحنُ عبيدُك فإنْ رحِمْتَنا فَبِفَضْلِكَ وإنْ عذَّبْتنَا فبعدلِك فأعْتِقنا من النارِ بفضلِك يا أكرمَ الأكرمينَ، هذه رقابُنا وها نحنُ نقرُّ بالذي قد كان منَّا وأنتَ تفعلُ بنا ما تشاءُ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ، فبالحبيبِ محمدٍ ارحمْنا لا تعذِّبنا لا تُدخِلنا النارَ لا تُدخِلنا النارَ لا تُدخِلنا النارَ، أنتَ القويُّ ونحنُ الضعفاءُ ومَن للضعيفِ سواكَ، أنتَ الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ فمَن للفقيرِ سواكَ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ بأسمائك الحسنى اجعلْنا مِن أحبابِك ومِن أحبابِ حبيبِك محمدٍ يا الله، انفعْنا ببركاتهِ وأنوارهِ وأسرارهِ وفيوضاتِه، واجعلْنا تحتَ لوائِه وأورِدنا حوضَه يا ربَّ العالمين، وشفِّعْه فينا يا أكرمَ الأكرمينَ. اللهم يَا اللهُ يَا اللهُ يَا حيُّ يَا قيومُ إنا لجَئنا إليك بقلوبٍ منكسرةٍ فلا تَرُدَّنَا خائبينَ يا رب، فلا ترُدَّنا خائبينَ يا رب، فلا تردُّنا خائبينَ يا رب، اجعَلْنا ممن أعتَقْتَه من النار في هذه الليلة، إنا تذَلَّلنا إليك وأنتَ أرحمُ الراحمينَ، انشرْ علينا رحمتَك وتوفَّنا وأنتَ راضٍ عنا.

دعاء الأمن والختام

اللهم أَدِم عَلَينَا نِعمَةَ الأَمنِ وَالأَمَانِ وَاجعَلنَا آمِنِينَ فِي بِلَادِنَا وَأَوطَانِنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا وَبَينَ أَهلِينَا بِجَاهِ رَسُولِكَ الكَرِيمِ ﷺ، اللهم سَلِّمْ بِلَادَنَا مِنَ الفِتَنِ وَالقَلَاقِلِ وَالبَلَابِلِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم احْفَظْ بلادنا وأهلنا وَأَبنَاءَنا وَنِسَاءَنا وَرِجَالَنا وَأَطفَالَنا وَعَجَائِزَنا وَأَرضَنا وَسَمَاءَنا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم إِنَّا نَستَودِعُكَ هَذِهِ البِلَادَ المُبَارَكَةَ فَاحْفَظْهَا، اللهم أنبِتْ أولادَنا نباتًا حسنًا واجعَلْنَا وإياهم خُدَّامًا لدينِك يا الله واجعلْنا وإياهم حراسًا لعقيدةِ حبيبِك محمدٍ وأنجِحْهُم في الدنيا والآخرة…

اللهم صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ؛ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَن ذِكرِكَ الغَافِلُونَ.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

اللهم أحيِنا على السنةِ وأمِتْنَا عليها وابعَثْنَا عليها، اللهم أحيِنا حياةً طيبةً وأمِتْنا ميتةً نقيةً، اللهم اجعلْ قبورَنا رياضًا مِن رياضِ الجنةِ ولا تجعَلْها حُفَرًا مِن حُفَرِ النارِ، اللهم إنا نسألُك كما هدَيْتَنا للإسلامِ أنْ تتوفَّانا عليهِ يا الله…

اللهم اختِم شَهرَنَا هَذَا بِالعَفوِ وَالمَغفِرَةِ وَالرِّضوَانِ وَالعِتقِ مِنَ النِّيرَانِ وَتَقَبَّل صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَطَاعَاتِنَا وَتِلَاوَتَنَا لِلقُرآنِ، وَاجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَجَلَاءَ هُمُومِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَصَلِّ اللهم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا.

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

اللهم وأوصل ثواب ما تقبل من أعمالنا الصالحة لمن حضر معنا دروسنا ومن استمع لها عبر القنوات ولمن سبقنا من إخواننا على الإيمان…