المحتويات
- المقدمة
- (53) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
- (54) بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ
- (55) بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
- (56) بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
- (57) بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
- السُّؤَالُ الفِقهِيُّ
- مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
- الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
المقدمة
الحَمدُ للهِ خَالِقِ الدُّجَى وَالصَّبَاحِ، وَمُسَبِّبِ الهُدَى وَالصَّلَاحِ، وَمُقَدِّرِ الغُمُومِ وَالأَفرَاحِ، الجَائِدِ بِالفَضلِ الزَّائِدِ وَالسَّمَاحِ، مَالِكِ المُلكِ المُنجِي مِنَ الهَلَكِ وَمُسَيِّرِ الفُلكِ وَالفَلَكِ ومُسَيِّرِ الجَنَاحِ، سُبحَانَهُ أعَزَّ مَن شَاءَ مِن خَلقِهِ فَارتَفَعَ، وَفَرَّقَ وَجَمَعَ، وَوَصَلَ وَقَطَعَ، وَحَرَّمَ وَأَبَاحَ، مَلَكَ وَقَدَّرَ، وَطَوَى وَنَشَرَ، وَخَلَقَ البَشَرَ والأرواح، رَفَعَ السَّمَاءَ، وَأَنزَلَ المَاءَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاءَ، وَذَرَى الرِّيَاحَ، أَعطَى وَمَنَحَ، وَأَنعَمَ وَمَدَحَ، وَعَفَا عَمَّنِ اجتَرَحَ، وَدَاوَى الجِرَاحَ، عَلِمَ مَا كَانَ وَيَكُونُ، وَخَلَقَ الحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ، وَإِلَيهِ الرُّجُوعُ والركون، في الغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ.
أَحمَدُهُ وَأَستَعِينُهُ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَأَسأَلُهُ التَّوفِيقَ لِعَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَيهِ، وَأَشهَدُ بِوَحدَانِيَّتِهِ عَن أَدِلَّةٍ صِحَاحٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ المُقَدَّمُ، وَرَسُولُهُ المُعَظَّمُ، وَحَبِيبُهُ المُكَرَّمُ، تَفدِيهِ الأَروَاحُ، صّلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِي بَكرٍ رَفِيقِهِ فِي الغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ فَتَّاحِ الأَمصَارِ، وَعَلَى عُثمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يَفتِكُ رُعبُهُ قَبلَ لُبسِ السِّلاحِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَ مَنِ اتَّبَعَ نَهجَ الفَوزِ وَالفَلَاحِ، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
(53) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
الشَّرحُ: (53) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»(كَلِمَةُ: رُبَّ: هِيَ حَرفُ جَرٍّ يُفِيدُ التَّكثِيرَ، مَعنَاهُ كَثِيرٌ سَيَأتُونَ بَعدِي يَبلُغُهُم كَلَامِي وَحَدِيثِي يَكُونُونَ أَوعَى أَي أَفهَمُ مِن بَعضِكُم مِمَّن يَسمَعُ كَلَامِيَ الآنَ، وَهَذَا الكَلَامُ مِن دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) (أَي لَعَلَّ مَن يَبلُغُهُ حَدِيثِي بِوَاسِطَةٍ أَفهَمُ لِمَا أَقُولُهُ مِمَّن سَمِعَهُ مِنِّي مِن غَيرِ وَاسِطَةٍ)
(فَالنَّبِيُّ ﷺ يُشَجِّعُ عَلَى نَشرِ العِلمِ وَتَبلِيغِ العِلمِ وَقَالَ ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَةً»، فَلَا يَقُلِ الوَاحِدُ مِنَّا: أَنَا لَا أُبَلِّغُ العِلمَ حَتَّى تَصِيرَ رُتبَتِي مِثلَ رُتبَةِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ فِي العِلمِ، سَتَمُوتُ وَلَن تَصِيرَ مِثلَ رُتبَةِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، الرَّسُولُ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَةً»، سَاهِم فِي هَذَا الأَمرِ، قَد تَسمَعُ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ وَالأَحكَامَ الشَّرعِيَّةَ وَتُبَلِّغَهَا لِآخَرِينَ وَقَد يَطلُعُ مِن هَؤُلَاءِ الآخَرِينَ أَشخَاصٌ أَفهَمُ مِنكَ فِي مَعَانِي الحَدِيثِ الَّذِي أَنتَ تَروِيهِ لِغَيرِكَ، اللهُ تَعَالَى يَفعَلُ مَا يُرِيدُ، كَم مِن طَالِبٍ قَد فَاقَ أُستَاذَهُ، وَهَكَذَا بَينَ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مَا كَانَ كُلُّ الصَّحَابَةِ فِي نَفسِ رُتبَةِ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَعدٍ وَسَعِيدٍ وَأَبِي عُبَيدَةَ، لا، مِنهُمُ المُجتَهِدُونَ الكِبَارُ وَمِنهُمُ مَن كَانُوا يَأتُونَ إِلَى المُجتَهِدِينَ فَيَسأَلُونَهُم فِي مَسَائِلَ فِي الدِّينِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَّ الكُلَّ عَلَى أَن يُبَلِّغُوا مَا يَسمَعُونَهُ، لِأَنَّهُ قَد يَكُونُ الثَّانِي المُبَلَّغُ أَوعَى مِنَ المُبَلِّغِ السَّامِعِ، قَد يَطلُعُ أَوعَى مِن هَذَا الصَّحَابِيِّ فِي مَعَانِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، الصَّحَابِيُّ رَوَى مَا حَرَّفَ وَرِوَايَتُهُ مَقبُولَةٌ فِي الحَدِيثِ فَالصَّحَابِيُّ لَا يَكذِبُ عَلَى النَّبِيِّ، لَكِن لَيسَ كُلُّ أَصحَابِ النَّبِيِّ فَهِمُوا وَاستَنبَطُوا أَحكَامًا مِن الأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَوهَا، هَذَا مَعنَى رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوعَى مِن سَامِعٍ مِمَّن سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ)
67- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ».
الشَّرحُ: 67- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ (جَلَسَ عَلَى بَعِيرِهِ بِمِنًى يَومَ النَّحرِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، مَعنَاهُ أَبُو بَكرَةَ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ عِندَمَا قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ مَرَّةً مِن يَومِ النَّحرِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ (أَبُو بَكرَةَ هُوَ الَّذِي كَانَ يُمسِكُ بِخِطَامِ بَعِيرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالخِطَامُ: الخَيطُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الحَلقَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَنفِ البَعِيرِ) قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» (الرَّسُولُ ﷺ يُخَاطِبُ أَصحَابَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم)، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» (هُوَ يَومُ عِيدِ الأَضحَى العَاشِرُ مِن ذِي الحِجَّةِ)، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى (قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا السُّؤَالُ وَالسُّكُوتُ وَالتَّفسِيرُ أَرَادَ بِهِ التَّفخِيمَ وَالتَّقرِيرَ وَالتَّنبِيهَ عَلَى عِظَمِ مَرتَبَةِ هَذَا الشَّهرِ وَالبَلَدِ وَاليَومِ)، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ (أَي سَفكَهَا) وَأَمْوَالَكُمْ (أَي أَخذَهَا بِغَيرِ حَقٍّ) وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا (لِأَنَّهُم كَانُوا يُعَظِّمُونَ هَذِهِ الأَيَّامَ، فَأَكَّدَ عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَهَمِّيَّةَ مَا سَيُلقِيهِ عَلَى مَسَامِعِهِم، وَبَيَّنَ عَظِيمَ حُرمَةِ مَا سَيَذكُرُهُ)
(المُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ بَيَانُ تَوكِيدِ غِلَظِ تَحرِيمِ الأَموَالِ وَالدِّمَاءِ وَالأَعرَاضِ وَالتَّحذِيرُ مِن ذَلِكَ. وَفِي يَومٍ حَرَامٍ أَي فِي يَومٍ لَهُ حُرمَةٌ، فِي شَهرٍ لَهُ حُرمَةٌ، هَذَا مُرَادُ النَّبِيِّ، وَفِي بَلَدٍ لَهُ حُرمَةٌ، يُؤَكِّدُ عَلَيهِم ﷺ أَهَمِّيَّةَ مَا سَيُلقِيهِ عَلَى مَسَامِعِهِم، فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم بَينَكُم حَرَامٌ)، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ (أَي مَن سَمِعَ مِنِّي هَذَا لِيُبَلِّغ مَن غَابَ وَلَم يَسمَع) (يُستَفَادُ مِنهُ تَبلِيغُ العِلمِ فَيَنبغي تَبلِيغُهُ بِحَيثُ يَنتَشِرُ قَولُهُ ﷺ)، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ».
(54) بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، [سُورَةُ مُحَمَّدٍ:19]، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، [سُورَةُ فَاطِرٍ:28]، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، [سُورَةُ العَنكَبُوتِ:43]، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، [سُورَةُ المُلكِ:10]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، [سُورَةُ الزُّمَرِ:9]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ»، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:79]، حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
الشَّرحُ: (54) بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ (هَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِبَيَانِ أَنَّ العِلمَ قَبلَ القَولِ وَالعَمَلِ وَأَنَّ القَولَ وَالعَمَلَ لَا يُعتَبَرَانِ إِلَّا بِالعِلمِ، فَانظُر يَا أَخِي لِأَهَمِّيَّةِ العِلمِ الشَّرعِيِّ)
(جَعَلَ البُخَارِيُّ هَذَا عُنوَانًا، بَابٌ العِلمُ قَبلَ القَولِ وَالعَمَلِ، قَبلَ أَن تَتَكَلَّمَ، قَبلَ أَن تَعمَلَ، عَلَيكَ أَن تَتَعَلَّمَ العِلمَ، فَبِالعِلمِ تَعرِفُ مَا يَحِلُّ مِنَ القَولِ وَمَا يَحرُمُ، بِالعِلمِ تَعرِفُ مَا يَحِلُّ مِنَ العَمَلِ وَمَا يَحرُمُ، فَلِذَلِكَ العِلمُ يُقَدَّمُ وَالقَولُ وَالعَمَلُ لَا يُعتَبَرَانِ إِلَّا بِالعِلمِ، كُلُّنَا نَعرِفُ أَنَّ هُنَاكَ أُنَاسًا تُصَلِّي وَتَصُومُ أَو كَذَا أَو كَذَا مِنَ الأَحكَامِ الفَرعِيَّةِ وَلَكن لَا يَعرِفُونَ كَيفَ يُصَلُّونَ وَلَا كَيفَ يَصُومُونَ وَلَا كَيفَ يُزَكُّونَ، يَدفَعُونَ مَالًا بِاسمِ الزَّكَاةِ لِبِنَاءِ مَسجِدٍ أَو مُصَلًّى أَو مَركَزٍ، أَلَم تَسمَعُوا بِهَذَا؟ بَلَى، وَلَكِن هَل هَذَا عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَقبُولٌ؟ الجَوَابُ: لَا، الَّذِي دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ لِبِنَاءِ مَسجِدٍ أَو مُصَلًّى أَو مَركَزٍ إِسلَامِيٍّ أَو مَدرَسَةٍ أَو لِإِصلَاحِ الطُّرُقَاتِ أَو شِرَاءِ أَكفَانٍ لِلمَوتَى أَو لِطِبَاعَةِ كُتُبٍ فَليَعلَم أَنَّ زَكَاتَهُ مَا صَحَّت وَأَنَّ ذِمَّتَهُ مَا بَرِئَت، أَمَّا بِنَاءُ مَسجِدٍ أَو مُصَلًّى أَو مَدرَسَةٍ أَو طِبَاعَةِ كُتُبٍ أَو مَا شَابَهَ ذَلِكَ فَمِن مَالِ التَّبَرُّعَاتِ، المُحسِنُونَ يَتَبَرَّعُونَ بِهَذِهِ الأَموَالِ مِن بَابِ المُسَاعَدَةِ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ مِن غَيرِ الزَّكَاةِ، هَذَا المَالُ يُوضَعُ فِي هَذَا المَحَلِّ، أَمَّا الزَّكَاةُ فَلَهَا مَصَارِفُهَا الثَّمَانِيَةُ المَذكُورَةُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى)
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ (أَيِ اثبُت عَلَى هَذَا الِاعتِقَادِ) (انظُر إِلَى فَطَانَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ، استَدَلَّ بِالآيَةِ عَلَى أَنَّ العِلمَ قَبلَ القَولِ وَالعَمَلِ، الآيَةُ: ﴿فَاعْلَم أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِر لِذَنْبِكَ﴾، قَالَ البُخَارِيُّ: قَدَّمَ اللهُ العِلمَ عَلَى الِاستِغفَارِ وَالِاستِغفَارُ مِنَ القَولِ، فَالعِلمُ يُقَدَّمُ عَلَى القَولِ وَالعَمَلِ فَبَدَأَ بِالعِلمِ بَدَأَ اللهُ تَعَالَى بِالعِلمِ (وَالخِطَابُ وَإِن كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأُمَّتِهِ، وَاستَدَلَّ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى فَضلِ العِلمِ، كَمَا أَخرَجَهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ أَنَّهُ تَلَاهَا فَقَالَ: أَلَم تَسمَع أَنَّهُ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: اعلَم ثُمَّ أَمَرَهُ بِالعَمَلِ وَمَعنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَمَا قَالَ أَهلُ العِلمِ: لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ، لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ أَن نَتَذَلَّلَ لَهُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، اللهُ تَعَالَى خَلَقَنَا وَخَلَقَ أَعمَالَنَا الِاختِيَارِيَّةَ وَأَعمَالَنَا غَيرَ الِاختِيَارِيَّةِ، اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ (بَدَأَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالعِلمِ، لِأَنَّ تَكمِلَةَ الآيَةِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاستَغفِر لِذَنبِكَ﴾، فَقَدَّمَ العِلمَ عَلَى الِاستِغفَارِ، فلذلكَ العلمُ يقدَّمُ والقولُ والعملُ لَا يُعْتَبَرَانِ إلَّا بالعلمِ)،
وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ (العُلَمَاءُ هُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، أَيِ العُلَمَاءُ العَامِلُونَ عُلَمَاءُ الدِّينِ هُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، وَالأَنبِيَاءُ مَا وَرَّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلمَ فَمَن أَخَذَ مِن مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ بِنَصِيبٍ كَامِلٍ فَهُوَ عَلَى خَيرٍ عَظِيمٍ، العُلَمَاءُ هُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ وَالأَنبِيَاءُ وَرَّثُوا العِلمَ قَالَ شُرَّاحُ الحَدِيثِ وَيَجُوزُ أَن تُقرَأَ وَرِثُوا العِلمَ فَيَكُونُ مَعنَاهُ العُلَمَاءُ وَرِثُوا العِلمَ)، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ (أَي بِنَصِيبٍ وَخَيرٍ عَظِيمٍ وَكَامِلٍ) وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا (نَكَّرَهَا وَنَكَّرَ عِلمًا لِيَتَنَاوَلَ أَنوَاعَ الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إِلَى تَحصِيلِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ، وَلِيَندَرِجَ فِيهِ القَلِيلُ وَالكَثِيرُ) يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا (أَي: فِي الآخِرَةِ، أَو فِي الدُّنيَا بِأَن يُوَفِّقَهُ لِلأَعمَالِ الصَّالِحَةِ المُوَصِّلَةِ إِلَى الجَنَّةِ، وَفِيهِ بِشَارَةٌ بِتَسهِيلِ العِلمِ عَلَى طَالِبِهِ، لِأَنَّ طَلَبَهُ مِنَ الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إِلَى الجَنَّةِ) إِلَى الْجَنَّةِ (وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البِصرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «مَن خَرَجَ مِن بَيتِهِ فِي طَلَبِ بَابٍ مِنَ العِلمِ حَفَّتهُ المَلَائِكَةُ بِأَجنِحَتِهَا، وَصَلَّت عَلَيهِ الطُّيُورُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَالسِّبَاعُ فِي البَرِّ، وَالحِيتَانُ فِي البَحرِ، أَلَا فَاطلُبُوا العِلمَ وَاطلُبُوا لِلعِلمِ السَّكِينَةَ، وَالحِلمَ، وَالوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَن تَتَعَلَّمُونَ مِنهُ وَلِمَن تُعَلِّمُونَهُ، وَلَا تُبَاهُوا بِهِ العُلَمَاءَ، وَلَا تُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَإِنَّ العَامِلَ بِغَيرِ عِلمٍ كَالحَائِدِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَهُوَ لَا يَزدَادُ اجتِهَادًا إِلَّا ازدَادَ بُعدًا، وَكَانَ مَا يُفسِدُهُ أَكثَرَ مِمَّا يُصلِحُهُ». قِيلَ لَهُ: عَمَّن هَذَا يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: «لَقِيتُ فِيهِ سَبعِينَ بَدرِيًّا وَاغتَرَبتُ فِي طَلَبِهِ أَربَعِينَ عَامًا»، هَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى طَلَبِ العِلمِ وَالذَّهَابِ لِطَلَبِ العِلمِ، حَتَّى وَلَو كَانَ بَينَ بَيتِكَ وَبَينَ مَجلِسِ العِلمِ مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ أَن تَذهَبَ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ لِتَتَعَلَّمَ عِلمَ الدِّينِ)،
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فَالعُلَمَاءُ العَامِلُونَ هُم أَشَدُّ النَّاسِ خَشيَةً للهِ لِأَنَّهُم أَعلَمُ بِاللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَي يَخَافُ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَن عَلِمَ قُدرَتَهُُ وَسُلطَانَهُ وَهُمُ العُلَمَاءُ) (العُلَمَاءُ العَامِلُونَ هُم أَشَدُّ النَّاسِ خَشيَةً للهِ لِأَنَّهُم أَعلَمُ بِاللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى)،
وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (أَي وَمَا يَعقِلُ هَذِهِ الأَمثَالَ المَضرُوبَةَ فِي سِيَاقِ تِلكَ الآيَاتِ إِلَّا أَهلُ العِلمِ، كَمَا رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «العَالِمُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ فَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ وَاجتَنَبَ سَخَطَهُ».اهـ فَالعِلمُ هُوَ الَّذِي يَمنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ المُخَالَفَاتِ إِذَا عَمِلَ بِمَا يَعلَمُ، وَقَد هَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُم أَقبَلُوا عَلَى العِبَادَاتِ وَهَجَمُوا عَلَيهَا بِدُونِ عِلمٍ، قَالَ ابنُ القَاسِمِ سَمِعتُ مَالِكًا يَقُولُ إِنَّ أَقوَامًا ابتَغَوُا العِبَادَةَ وَأَضَاعُوا العِلمَ فَخَرَجُوا عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِأَسيَافِهِم وَلَو ابتَغَوُا العِلمَ لَحَجَزَهُم عَن ذَلِك.اهـ
وَلِذَلِكَ قَالَ ابنُ وَهبٍ: كُنتُ بَينَ يَدَي مَالِكِ بنِ أَنَسٍ فَوَضَعتُ أَلوَاحِي وَقُمتُ إِلَى الصَّلَاةِ أَيِ النَّافِلَةِ فَقَالَ مَالك: لَيسَ الَّذِي قُمتَ إِلَيهِ بِأَفضَلَ مِنَ الَّذِي تَرَكتَهُ)،
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (أَي لَو كُنَّا نَسمَعُ كَلَامَ الرُّسُلِ وَنَقبَلُ ذَلِكَ وَنُفَكِّرُ فِي الحُكمِ وَالمَعَانِي تَفَكُّرَ المُستَبصِرِينَ مَا كُنَّا فِي أَصحَابِ السَّعِيرِ، مَعنَاهُ لَو كُنَّا مِن أَهلِ العِلمِ لَعَلِمنَا مَا يَجِبُ عَلَينَا فَعَمِلنَا بِهِ فَنَجَونَا، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَو كُنَّا نَسمَعُ الهُدَى أَو نَعقِلُهُ، أَو لَو كُنَّا نَسمَعُ سَمَاعَ مَن يَعِي وَيُفَكِّرُ، أَو نَعقِلُ عَقلَ مَن يُمَيِّزُ وَيَنظُرُ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الكَافِرَ لَم يُعطَ مِنَ العَقلِ الَّذِي يُنجِيهِ شَيئًا، وَهَذِهِ المَذكُورَةُ أَوصَافُ أَهلِ العِلمِ، فَالمَعنَى لَو كُنَّا مِن أَهلِ العِلمِ لَعَلِمنَا مَا يَجِبُ عَلَينَا فَعَمِلنَا بِهِ فَنَجَونَا)،
وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لَا يَستَوِي الجَاهِلُ مَعَ العَالِمِ كَمَا لَا يَستَوِي الأَعمَى مَعَ البَصِيرِ، هِيَ الآيَةُ أَوَّلُهَا: ﴿قُل هَل يَستَوِي﴾، لَكِنَّ الإِمَامَ البُخَارِيَّ بَدَأَ فِيهَا فَورًا مِن غَيرِ لَفظِ ﴿قُل﴾.اهـ
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لَولَا ثَلَاثٌ فِي الدُّنيَا لَمَا أَحبَبتُ البَقَاءَ فِيهَا، لَولَا أَن أَحمِلَ أَو أُجَهِّزَ جَيشًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَولَا مُكَابَدَةُ هَذَا الليلِ، وَلَولَا مُجَالَسَةُ أَقوَامٍ يَنتَقُونَ أَطَايِبَ الكَلَامِ كَمَا يُنتَقَى أَطَايِبُ التَّمرِ لَمَا أَحبَبتُ البَقَاءَ، فَالأَوَّلُ الجِهَادُ، وَالثَّانِي قِيَامُ الليلِ، وَالثَّالِثُ مُذَاكَرَةُ العِلمِ، فَاجتَمَعَت فِي الصَّحَابَةِ بِكَمَالِهِم وَتَفَرَّقَت فِيمَن بَعدَهُم غَالِبًا.اهـ
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ نَفيُ التَّسوِيَةِ بَينَ أَهلِهِ وَبَينَ غَيرِهِم كَمَا نَفَى التَّسوِيَةَ بَينَ أَصحَابِ الجَنَّةِ وَأَصحَابِ النَّارِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَستَوِي أَصحَابُ النَّارِ وَأَصحَابُ الجَنَّةِ﴾، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ فَضلِهِم وَشَرَفِهِم)،
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ (أَي يَرزُقْهُ اللهُ تَعَالَى الفَهمَ فِي العِلمِ، لِأَنَّ خَيرَ مَا يُؤتَاهُ الإِنسَانُ المُسلِمُ هُوَ الفَهمُ الصَّحِيحُ) (هَذِهِ إِحدَى رِوَايَاتِ البُخَارِيِّ، وَالرِّوَايَةُ الأُخرَى عَنِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّههُ، وَالمَعنَى وَاحِدٌ يُفَقِّههُ وَيُفَهِّمهُ مَعنَاهُ يَرزُقُهُ اللهُ تَعَالَى الفَهمَ فِي العِلمِ لِأَنَّ خَيرَ مَا يُؤتَاهُ الإِنسَانُ المُسلِمُ هُوَ الفَهمُ الصَّحِيحُ، وَقَد يَقُولُ شَخصٌ أَنَا أَحفَظُ هَذَا الكِتَابَ وَهَذَا الكِتَابَ وَ وَ وَ وَلَكِن لَا يَفهَمُ مَا يَحفَظُ، مِثلَ مَا نَسمَعُ أَنَّ هَؤُلَاءِ المُشَبِّهَةَ المُجَسِّمَةَ أَعدَاءَ الإِسلَامِ يَقرَأُونَ بِلِسَانِهِم ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ لَكِن فِي المَعنَى يُكَذِّبُونَهَا، وَمِنَ النَّاسِ مِن أَصنَافِ أَهلِ الضَّلَالِ مِن أَهلِ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ يَقرَأُونَ بِلِسَانِهِم ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ وَيَقُولُونَ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ عَينُ كُلِّ شَيءٍ، كَذَّبُوهَا، هَؤُلَاءِ عَلَى ضَلَالٍ، وَهَؤُلَاءِ عَلَى ضَلَالٍ فَلَيسَ كُلُّ مَن قَرَأَ القُرءَانَ فَهِمَهُ لَيسَ كُلُّ مَن قَرَأَ الحَدِيثَ أَو حَفِظَهُ يَكُونُ قَد فَهِمَهُ فَالعِبرَةُ بِالفَهمِ السَّلِيمِ، مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَهِّمهُ يُفَقِّهْهُ، وَالفِقهُ هُوَ الفَهمُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أَي: لَا يَفهَمُونَ، وَالمُرَادُ: الفَهمُ فِي الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ)،
وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» (أَيِ الطَّرِيقَةُ المُعتَبَرَةُ فِي طَلَبِ العِلمِ وَالحُصُولِ عَلَيهِ وَنَيلِهِ تَكُونُ بِالتَّعَلُّمِ أَي بِتَلَقِّي العِلمِ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: هُوَ حَدِيثٌ مَرفُوعٌ أَيضًا، أَورَدَهُ ابنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَيضًا بِلَفظِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا، إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالفِقهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَن يُرِدِ الله بِهِ خَيرًا يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ إِسنَادُهُ حَسَنٌ)،
(أَمْرُ الدِّيْنِ لَيْسَ فِكْرَةً مُسْتَحْدَثَةً، أَوْ شِعَارًا يَرْفَعُهُ الْبَعْضُ لِأَغْرَاضِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ بَلْ أَمْرُ الدِّيْنِ يَكُوْنُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ أُوْلَئِكَ الْأَكَابِرِ وَالْتِزَامِ طَرِيْقِهِمْ وَمَا كَانُوْا عَلَيْهِ، بِمَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَقْلًا عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَبَعْدَ الْمَعْرِفَةِ يَنْبَغِي الْتِزَامُ خَطِّهِمْ وَمَا دَأَبُوْاعَلَيْهِ وَشَغَلُوْا عُمُرَهُمْ بِهِ حَتَّى وَصَلَنَا غَضًّا صَالِحًا وَاضِحًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ فَهُوَ الطَّرِيْقَةُ التِيْ أَوْصَى بِهَا نَبِيُّنَا ﷺ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الدِّيْنِ وَلِنَقْلِهَا، رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ». أَيْ بِالتَّلَقِّيْ وَالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ، وَرَوَىْ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ».اهـ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ: “فَلَوْلَا الْإِسْنَادُ وَطَلَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لَهُ وَكَثْرَةُ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى حِفْظِهِ لَدَرَسَ(أَيِ انْمَحَىْ) مَنَارُ الْإِسْلَامِ، وَلَتَمَكَّنَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ فِيهِ بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ، وَقَلْبِ الْأَسَانِيدِ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ إِذَا تَعَرَّتْ عَنْ وُجُودِ الْأَسَانِيدِ فِيهَا كَانَتْ بُتْرًا(أَيْ مَقْطُوْعَةً)”.اهـ
وَرَوَى الحَاكِمُ أَيضًا عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيْمٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِيْ فَرْوَةَ، وَعِنْدَهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: فَجَعَلَ ابْنُ أَبِي فَرْوَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّ: «قَاتَلَكَ اللهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللهِ لَا تُسْنِدُ حَدِيثَكَ؟ تُحَدِّثُنَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطُمٌ، وَلَا أَزِمَّةٌ(خِطَامُ الْبَعِيْرِ أَنْ يُؤْخذَ حَبْلٌ مِنْ لِيْفٍ أَوْ شَعَرٍ أَوْ كَتَّانٍ فيُجْعَلَ فِيْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ حَلْقَةٌ ثُمَّ يُشَدُّ فِيْهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ حَتَّىْ يَصِيْرَ كَالْحَلْقَةِ، ثُمَّ يُقَادُ الْبَعِيْرُ، ثُمَّ يُثَنَّىْ عَلَىْ مَخْطِمِهِ (أَيْ أَنْفِهِ). وَأَمَّا الَّذِيْ يُجْعَلُ فِيْ الْأَنْفِ دَقِيْقًا فَهُوَ الزِّمَامُ)».اهـ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: الْإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَكَ، فَبِمَ تُقَاتِلُ.اهـ
وَرَوَىْ كَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَذَهَبَ الدِّيْنُ، وَلَقَالَ امْرُؤٌ مَا شَاءَ يَقُوْلُ، وَلَكِنْ إِذَا قُلْتَ: عَمَّنْ؟ يَبْقَىْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَيْضًا: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْفَظُ الْأَسَانِيْدَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.اهـ )
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ (وَهَذَا الحَدِيثُ هُوَ مَا رُوِيَ عَن مَالِكِ بن مَرثَدٍ عَن أَبِيهِ قَالَ: أَتَيتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ جَالِسٌ عِندَ الجَمرَةِ الوُسطَى وَقَدِ اجتَمَعَ عَلَيهِ النَّاسُ يَستَفتُونَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَوَقَفَ عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ: أَلَم تُنهَ عَنِ الفُتيَا؟ فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَيهِ فَقَالَ: أَرَقِيبٌ أَنتَ عَلَيَّ؟ لَو وَضَعتُم…): لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ (وَالصَّمصَامَةُ بِمُهمَلَتَينِ الأُولَى مَفتُوحَةٌ هُوَ السَّيفُ الصَّارِمُ الَّذِي لَا يَنثَنِي، وَقِيلَ: الَّذِي لَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ) عَلَى هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ (أَي أُبَلِّغُ وَأُعَلِّمُ) كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ (قَبلَ أَن تَقتُلُونِي) لَأَنْفَذْتُهَا (هَذَا فِيهِ حَثٌّ أَكِيدٌ عَلَى تَبلِيغِ العِلمِ وَعَلَى احتِمَالِ المَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ وَالصَّبرِ عَلَى الأَذَى وَمُكَابَدَةِ المَشَاقِّ وَتَحَمُّلِهَا فِي نَشرِ العِلمِ طَلَبًا لِثَوَابِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى)
وَنَكَّرَ كَلِمَةً لِيَشمَلَ القَلِيلَ وَالكَثِيرَ، وَالمُرَادُ بِهِ يُبَلِّغُ مَا تَحَمَّلَهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا يَنتَهِي عَن ذَلِكَ وَلَو أَشرَفَ عَلَى القَتلِ. انظُرُوا إِلَى أَصحَابِ النَّبِيِّ كَم عِندَهُم مِنَ الهِمَّةِ فِي تَبلِيغِ العِلمِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى آخِرِ لَحظَةٍ مِن حَيَاتِِه، عِندَهُ هَمُّ حَمَلِ الأَمَانَةَ يُرِيدُ أَن يُبَلِّغَ هَذِهِ الأَمَانَةَ لِلنَّاسِ، قَالَ حَتَّى وَلَو وَضَعتُمُ الصَّمصَامَةَ عَلَى هَذَا، وَالصَّمصَامَةُ السَّيفُ الصَّارِمُ الَّذِي لَا يَنثَنِي، لَو وَضَعتُمُ السَّيفَ عَلَى قَفَايَ هُنَا لِتَقتُلُونِي وَأَنَا وَجَدتُ فَرَاغًا لَحظَةً لَحظَتَينِ حَتَّى أُبَلِّغَ عِلمَ النَّبِيِّ سَأُبَلِّغُ عِلمَ النَّبِيِّ إِلَى آخِرِ رَمَقٍ مِن حَيَاتِي، فِكرُهُم مَصرُوفٌ نَحوَ نَشرِ العِلمِ، الوَاحِدُ مِنَّا تَقُولُ لَهُ بَلِّغِ العِلمَ أَنتَ تَعَلَّمتَ بَابَ الِاعتِقَادِ وَمَعنَى الشَّهَادَتَينِ وَالضَّرُورِيَّاتِ فِي الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ بَلِّغهَا لِغَيرِكَ، أَنتَ لَستَ كَالشَّافِعِيِّ وَلَا نَحنُ كَالشَّافِعِيِّ، إِنَّمَا مَطلُوبٌ مِنكَ أَن تُبَلِّغَ العِلمَ وَزَكَاةُ العِلمِ أَن يُعَلَّمَ زَكَاةُ العِلمِ إِخرَاجُهُ لِلنَّاسِ، فَلَو أَشرَفَ الإِنسَانُ عَلَى القَتلِ لَكِن وَجَدَ فُسحَةً وَجَدَ وَقتًا وَلَو يَسِيرًا لِنَشرِ العِلمِ أَن يُبَلِّغَ هَذَا العِلمَ لِلنَّاسِ فَليُبَلِّغ)،
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (الرَّبَّانِيُّونَ: الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ، وَهُمُ العُلَمَاءُ الصَّادِقُونَ المَوصُوفُونَ بِالحِلمِ)، حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ (ابنُ عَبَّاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَسَّرَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ فَسَّرَ الرَّبَّانِيِّينَ العُلَمَاءُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ الله الصَّادِقُونَ قَالَ حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ هَذَا فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ حُكَمَاءَ عُلَمَاءَ مَعَ العِلمِ وَالعَمَلِ مَوصُوفُونَ بِالحِكمَةِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ،
كَانَ شَيخُنَا رَحَمَاتُ اللهِ عَلَيهِ يَقُولُ: العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ هُوَ العَالِمُ العَامِلُ بِعِلمِهِ المُخلِصُ لِرَبِّهِ المُعَلِّمُ لِغَيرِهِ هَذَا العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ العَالِمُ العَامِلُ بِعِلمِهِ تَعَلَّمَ وَتَمَكَّنَ بِالعِلمِ لَكِن تَعَلَّمَ مِمَّن؟ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَعَمِلَ بِهَذَا العِلمِ لِأَنَّ هُنَاكَ أُنَاسًا يَجمَعُونَ مَعلُومَاتٍ، وَلَكِن لَا يَعمَلُونَ بِعِلمِهِم لَا يُطَبِّقُونَ.
وَقَد قِيلَ: زَينُ العِلمِ الحِلمُ.اهـ
عَن إِبرَاهِيمَ بنِ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ، وَمُحَمَّدِ بنِ عَجلَانَ: مَا شَيءٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيطَانِ مِن عَالِمٍ حَلِيمٍ، إِن تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلمٍ وَإِن سَكَتَ سَكَتَ بِحِلمٍ يَقُولُ الشَّيطَانُ: انظُرُوا إِلَيهِ سُكُوتُهُ أَشَدُّ عَلَيَّ مِن كَلَامِهِ.
وعَن رَجَاءِ بنِ حَيوَةَ قَالَ: يُقَالُ: «مَا أَحْسَنَ الْإِسْلَامُ، وَيُزَيِّنُهُ الْإِيمَانُ، وَمَا أَحْسَنَ الْإِيمَانُ، وَيُزَيِّنُهُ التَّقْوَى، وَمَا أَحْسَنَ التَّقْوَى، وَيُزَيِّنُهُ الْعِلْمُ، وَمَا أَحْسَنَ الْعِلْمُ، وَيُزَيِّنُهُ الْحِلْمُ، وَمَا أَحْسَنَ الْحِلْمُ، وَيُزَيِّنُهُ الرِّفْقُ».
وَكَانَ مَكحُولٌ يَقُولُ: «اللهم انفَعنَا بِالعِلمِ وَزَيِّنَّا بِالحِلمِ وَجَمِّلنَا بِالعَافِيَةِ».اهـ)، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ (أَيِ الأُمُورِ الَّتِي يَحتَاجُونَهَا مِمَّا هُوَ وَاضِحٌ) قَبْلَ كِبَارِهِ (أَيِ المَسَائِلِ الَّتِي هِيَ بِحَاجَةٍ إِلَى تَدقِيقٍ وَفَهمٍ وَاسِعٍ)
(الإِمَامُ البُخَارِيُّ يَقُولُ: وَيُقَالُ يَعنِي قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ فِي تَفسِيرِ العَالِمِ الرَّبَّانِيِّ، مِن جُملَةِ مَا قِيلَ فِي تَفسِيرِهِ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلمِ قَبلَ كِبَارِهِ، يَعنِي الإِمَامُ البُخَارِيُّ يُبَيِّنُ فِي هَذَا أَنَّ مِن شَأنِ العَالِمِ الرَّبَّانِيِّ أَن يَبدَأَ بِتَعلِيمِ النَّاسِ الضَّرُورِيَّاتِ الدِّينِيَّةَ يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلمِ، مَعنَى بِصِغَارِ العِلمِ الأُمُورُ الَّتِي يَحتَاجُونَهَا مِمَّا هِيَ وَاضِحَةٌ قَبلَ أَن يَتَكَلَّمَ مَعَهُم بِكِبَارِ العِلمِ، وَكِبَارُ العِلمِ المَسَائِلُ الَّتِي هِيَ بِحَاجَةٍ إِلَى تَدقِيقٍ إِلَى فَهمٍ وَاسِعٍ، مَعنَاهُ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ يَنظُرُ مَاذَا يَحتَاجُ النَّاسُ اليَومَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يَأتِي العَالِمُ يَشرَحُ لَهُم سُورَةَ آلِ عِمرَانَ وَلَا يَشرَحُ لَهُم مَعنَى أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، مَاذَا يَحتَاجُ النَّاسُ أَن يَتَعَلَّمُوا؟ مَا مَعنَى سُورَةِ الزُّمَرِ أَم أَركَانَ الوُضُوءِ وَمُبطِلَاتِ الوُضُوءِ، يَنظُرُ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ مَاذَا يَحتَاجُ النَّاسُ، اليَومَ نَسمَعُ أُنَاسًا هُم مِن أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِن أَبنَاءِ المُسلِمِينَ يَقُولُونَ: أَشهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَا يَعرِفُونَ أَن يَقُولُوهَا لَيسُوا صِغَارًا فِي السِّنِّ، حَتَّى إِنَّ بَعضَ الكِبَارِ يَقُولُونَ: أَشهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لِأَنَّهُم لَيسُوا مُتَعَلِّمِينَ، تَقُولُ أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مَعَ إِدغَامٍ (أَلَّا) أَو بِدُونِ إِدغَامٍ (أَن لَا)، إِذَا قَالَ شَخصٌ أَشهَدُ أَنَّ زَيدًا وَسَكَتَ يَقُولُ العُلَمَاءُ هَذِهِ جُملَةٌ نَاقِصَةٌ، فَـ(أَنَّ) لَهَا اسمٌ وَلَهَا خَبَرٌ، (زَيدًا) هَذَا اسمُهَا وَتَحتَاجُ إِلَى خَبَرٍ، وَنسَمَعُ نَحنُ وَأَنتُم عَلَى التِّلفَازِ وَاليُوتيُوبِ وَغَيرِهَا مَن يَتَصَدَّرُ بِاسمِ التَّدرِيسِ وَيَظُنُّ نَفسَهُ شَيخًا وَعَلَّامَةً وَمُحَدِّثًا إِذَا ذُكِرَ اسمُ النَّبِيِّ وَأَرَادَ أَن يُصَلِّيَ عَلَيهِ مَاذَا يَقُولُ لَا نَفهَمُ عَلَيهِ، انظُرُوا كَمِ انتَشَرَ الجَهلُ بَينَ النَّاسِ لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ فَأَنتُمُ احمَدُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَعطَاكُم مِن هَذِهِ النِّعَمِ، فَالَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلمِ قَبلَ كِبَارِهِ هَذَا مِن آدَابِ العَالِمِ المُرَبِّي أَوِ المُدَرِّسِ الَّذِي يُلقِي العُلُومَ الشَّرعِيَّةَ عَلَى طَلَبَةِ العِلمِ، فَيَنبَغِي أَن يَعِيَ الطَّالِبُ مَا يُلقَى عَلَيهِ مِنَ العِلمِ،
وَلِذَلِكَ قَالَ شَيخُنَا: وَمِنَ المُهِمِّ أَيضًا التَّفكِيرُ في حَالِ الَّذِي يَدرُسُ عَلَى المُدَرِّسِ، فَيُلقِي إِلى المُبتَدِئِ مَا يُنَاسِبُهُ وَإِلى المُتَوَسِّطِ مَا يُنَاسِبُهُ وَإِلَى المُنتَهِي ما يُناسِبُهُ، فَيَبدَأُ بِتَعلِيمِ الطَّالِبِ صِغَارَ العِلمِ قَبلَ كِبَارِهِ. فَارتِقَاءُ العِلمِ مِثلُ ارتِقَاءِ السُّلَّمِ يَكُونُ درجَةً بعدَ درجةٍ، ولِذلِكَ شَيخُنا رحمهُ اللهُ تَعَالَى كَانَ يَقُولُ ابدَؤُوا بِالمُختَصَرَاتِ وَأَتقِنُوهَا.اهـ وَكَانَ يَقُولُ أَيضًا: صَادِقُ الهِمَّةِ في طَلَبِ العِلمِ لَا يَمَلُّ مِن تَكرارِ ما سَمِعَ.اهـ).
(55) بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
الشَّرحُ: (55) بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ (أَي يَتَعَهَّدُهُم، وَالمَوعِظَةُ النُّصحُ وَالتَّذكِيرُ، وَعَطفُ العِلمِ عَلَيهَا مِن بَابِ عَطفِ العَامِّ عَلَى الخَاصِّ؛ لِأَنَّ العِلمَ يَشمَلُ المَوعِظَةَ وَغَيرَهَا، وَإِنَّمَا عَطَفَهُ؛ لِأَنَّهَا مَنصُوصَةٌ فِي الحَدِيثِ، وَذَكَرَ العِلمَ استِنبَاطًا) بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا (أَي كَي لَا يَتَبَاعَدُوا) (مَعنَى النُّفُورِ هُنَا السَّآمَةَ، انظُرُوا آدَابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَالوَاحِدُ مِنَّا إِذَا كَانَ بِحَاجَةٍ لِلعِلمِ مِنَ الفُرُوضِ العَينِيَّةِ، نَقُولُ لَهُ لَيسَ مَرَّةً فِي الأُسبُوعِ تَعَالَ كُلَّ يَومٍ أَو تَبقَى مَعَنَا أَربَعَةَ أَيَّامٍ أَو خَمسَةً أَو أُعطِيكَ فِي النَّهَارِ دَرسَينِ، كَمَا كَانَ سَيِّدُنَا أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُعطِي دَرسَينِ فِي اليَومِ وَاحِدًا قَبلَ الظُّهرِ وَوَاحِدًا بَعدَ العَصرِ بِالفِقهِ وَالأَحكَامِ الضَّرُورِيَّةِ، وَيَومَ الخَمِيسِ بَعدَ صَلَاةِ الظُّهرِ يَجمَعُ النَّاسَ عَلَى المَوَاعِظِ يَعِظُهُم وَيُذَكِّرُهُم بِأُمُورِ الآخِرَةِ يُذَكِّرُهُم بِالعَمَلِ الصَّالِحِ بِالتَّرغِيبِ وَالتَّرهِيبِ، فَهَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِبَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَاعِي أَصحَابَهُ وَيُذَكِّرُهُم بِأُمُورِ الآخِرَةِ بِشَكلٍ لَا يَمَلُّ مِنهُ النَّاسُ لَا يَقُولُ لَهُم نَفسَ الكَلَامِ كُلَّ يَومٍ، بَل يَجعَلُ لَهُم مَوعِدًا فِي الأُسبُوعِ فَيَعِظُهُم فِي أُمُورِ الآخِرَةِ أَمَّا فِي أُمُورِ الأَحكَامِ الضَّرُورِيَّةِ هُوَ كُلَّ يِومٍ مَعَهُم كُلَّ يَومٍ يُعَلِّمُهُم، أَمَّا فِي المَوَاعِظِ وَالتَّذكِيرِ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ وَالتَّذكِيرِ بِالثَّوَابِ وَالعَذَابِ كَانَ يَتَخَوَّلُ يَتَحَيَّنُ الفُرَصَ المُنَاسِبَةَ حَتَّى لَا يَمَلُّوا هَذَا، فَمَعَنَى هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَتَعَاهَدُ أَصحَابَهُ بِالنُّصحِ وَالتَّذكِيرِ بِالعَوَاقِبِ كَي لَا يَنفِرُوا حَتَّى لَا يَتَبَاعَدُوا)
68- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
الشَّرحُ: 68- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ (أَي يُرَاعِي أَمرَ تَذكِيرِنَا بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ فِي أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ) كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا (أَي حَتَّى لَا نُصَابَ بِالمَلَلِ مِن هَذِهِ المَوَاعِظِ وَتَبقَى قُلُوبُنَا حَاضِرَةً).
69- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا».
الشَّرحُ: 69- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا (قَالَ النَّوَوِيُّ: لَوِ اقتَصَرَ عَلَى يَسِّرُوا لَصَدَقَ عَلَى مَن يَسَّرَ مَرَّةً وَعَسَّرَ كَثِيرًا، فَقَالَ: وَلَا تُعَسِّرُوا لِنَفيِ التَّعسِيرِ فِي جَمِيعِ الأَحوَالِ، وَكَذَا القَولُ فِي عَطفِهِ عَلَيهِ: وَلَا تُنَفِّرُوا)، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (وَالمُرَادُ تَألِيفُ مَن قَرُبَ إِسلَامُهُ وَتَركُ التَّشدِيدِ عَلَيهِ فِي الِابتِدَاءِ، وَكَذَلِكَ الزَّجرُ عَنِ المَعَاصِي يَنبَغِي أَن يَكُونَ بِتَلَطُّفٍ لِيُقبَلَ، وَكَذَا تَعَلُّيمُ العِلمَ يَنبَغِي أَن يَكُونَ بِالتَّدرِيجِ، لِأَنَّ الشَّيءَ إِذَا كَانَ فِي ابتِدَائِهِ سَهلًا حُبِّبَ إِلَى مَن يَدخُلُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ بِانبِسَاطٍ وَكَانَت عَاقِبَتُهُ غَالِبًا الِازدِيَادَ، بِخِلَافِ ضِدِّهِ، فَنَبدَأُ بِتَعَلُّمِ العِلمِ بِالتَّدَرُّجِ وَنُحَبِّبُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَنُعطِيهِم مَا هُوَ الأَسهَلُ عَلَيهِم لِتَتَعَلَّقَ قُلُوبُهُم بِذَلِكَ ثُمَّ مَن تَعَلَّقَ قَلبُهُ بِالعِلمِ غَالِبًا يَطلُبُ المَزِيدَ وَلَا يَشبَعُ أَمَّا لَو كَانَ بِالعَكسِ مِن أَوَّلِ الطَّرِيقِ حَمَّلتَهُ الكَثِيرَ مِنَ المَعلُومَاتِ قَد يَهرُبُ وَلَا يَحضُرُ مَجَالِسَ العِلمِ فَاعمَلُوا بِحَدِيثِ نَبِيِّنَا ﷺ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: يُستَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ استِحبَابُ تَركِ المُدَاوَمَةِ فِي الجِدِّ فِي العَمَلِ الصَّالِحِ خَشيَةَ المَلَالِ، وَإِن كَانَتِ المُوَاظَبَةُ مَطلُوبَةً لَكِنَّهَا عَلَى قِسمَينِ: إِمَّا كُلَّ يَومٍ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ، وَإِمَّا يَومًا بَعدَ يَومٍ، فَيَكُونُ يَومُ التَّركِ لِأَجلِ الرَّاحَةِ لِيُقبِلَ عَلَى الثَّانِي بِنَشَاطٍ، وَإِمَّا يَومًا فِي الجُمُعَةِ، وَيَختَلِفُ بِاختِلَافِ الأَحوَالِ وَالأَشخَاصِ، وَالضَّابِطُ الحَاجَةُ مَعَ مُرَاعَاةِ وُجُودِ النَّشَاطِ).
(56) بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
70- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
الشَّرحُ: (56) بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً (وَكُلُّ هَذِهِ الأَبوَابِ هِيَ مِن آدَابِ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ وَمَن يُلقِي هَذَا العِلمَ الشَّرعِيَّ عَلَى النَّاسِ، وَفِيهَا تَوجِيهَاتٌ تُفِيدُ المُعَلِّمَ وَطَالِبَ العِلمِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَهِيَ آدَابٌ نَبَوِيَّةٌ فِيهَا أَسَالِيبُ إِيصَالِ العِلمِ لِلنَّاسِ بِرِفقٍ وَشَفَقَةٍ وَمَحَبَّةٍ لِلخَيرِ لَهُم)
70- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ (هُوَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ (يَختَارُ يَومَ الخَمِيسِ لِأَجلِ المَوعِظَةِ وَالإِرشَادِ وَيُذَكِّرُهُمْ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ لِيَنصَحَهُم)، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ (هَذِهِ كُنيَةُ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ)، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ (هَذَا مِن أَصحَابِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، كَانَ يَقُولُ أَبُو وَائِلٍ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ كَانَ يُذَكِّرُ وَيَعِظُ النَّاسَ وَيُذَكِّرُهُم بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ كُلَّ يَومِ خَمِيسٍ مَرَّةً بِالأُسبُوعِ، فَقَالَ لَهُ هَذَا الرَّجُلُ مِن أَصحَابِ ابنِ مَسعُودٍ لِمَاذَا لَا تَعِظُنَا كُلَّ يَومٍ، كُلَّ يَومٍ ذَكِّرنَا بِالآخِرَةِ وَعَوَاقِبِ الأُمُورِ وَانصَحنَا وَعِظنَا، مِن شَيءٍ غَيرِ مَوضُوعِ الأَحكَامِ هَذَا حَرَامٌ وَهَذَا حَلَالٌ، فَكَانَ جَوَابُهُ) قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ (أَي أَن تُصَابُوا بِالضَّجَرِ وَأُدخِلَ عَلَيكُمُ المَلَلَ)، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
(57) بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
الشَّرحُ: (57) بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ (مَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرًا كَثِيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَيُسَهِّلْ لَهُ أَن يَتَعَلَّمَ عِلمَ الدِّينِ وَيَجعَلْهُ مِن أَهلِ العِلمِ وَالمَعرِفَةِ، وَمَن لَم يُيَسِّرِ اللهُ لَه أَن يَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ فَمَعنَاهُ أَنَّ اللهَ مَا أَرَادَ بِهِ خَيرًا كَثِيرًا) (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَمَفهُومُ الحَدِيثِ أَنَّ مَن لَم يَتَفَقَّه فِي الدِّينِ -أَي لَم يَتَعَلَّم قَوَاعِدَ الإِسلَامِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الفُرُوعِ- فَقَد حُرِمَ الخَيرَ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ ظَاهِرٌ لِفَضلِ العُلَمَاءِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَلِفَضلِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى سَائِرِ العُلُومِ).
71- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ».
الشَّرحُ: 71- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَي أَقسِمُ بَينَكُم تَبلِيغَ الوَحيِ مِن غَيرِ تَخصِيصٍ، أَنَا أُبَلِّغُ الجَمِيعَ وَأُعَلِّمُ الجَمِيعَ مَا أَوحَى اللهُ تَعَالَى بِهِ إِلَيَّ، وَلَا يُقَصِّرُ ﷺ، وَاللهُ يُعطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنكُم مِنَ الفَهمِ عَلَى قَدرِ مَا تَعَلَّقَت بِهِ إِرَادَةُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يَعنِي التَّفَاوُتُ فِي أَفهَامِكُم مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، النَّبِيُّ يُبَلِّغُ وَاللهُ تَعَالَى يُعطِي الفَهمَ السَّلِيمَ لِمَن يَشَاءُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَالتَّفَاوُتُ فِي الأَفهَامِ هَذَا مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هَذَا أَفهَمُ مِن هَذَا وَذَاكَ أَفهَمُ مِن ذَاكَ، اللهُ تَعَالَى يَفعَلُ مَا يُرِيدُ)، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ (عَلَى الدِّينِ الحَقِّ) لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ» (وَهِيَ الرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ فَتَقبِضُ أَروَاحَ المُسلِمِينَ، وَهَذَا مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الكُبرَى، وَعِندَ ذَلِكَ الوَقتِ لَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ مُسلِمٌ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَقَد جَزَمَ البُخَارِيُّ بِأَنَّ المُرَادَ بِهِم أَهلُ العِلمِ بِالآثَارِ، وَقَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: إِن لَم يَكُونُوا أَهلَ الحَدِيثِ، فَلَا أَدرِي مَن هُم، وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: أَرَادَ أَحمَدُ أَهلَ السُّنَّةِ وَمَن يَعتَقِدُ مَذهَبَ أَهلِ الحَدِيثِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مُحتَمَلٌ أَن تَكُونَ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فِرقَةً مِن أَنوَاعِ المُؤمِنِينَ مِمَّن يُقِيمُ أَمرَ الله تَعَالَى مِن مُجَاهِدٍ وَفَقِيهٍ، وَمُحَدِّثٍ وَزَاهِدٍ، وَآمِرٍ بِالمَعرُوفِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ الخَيرِ، وَلَا يَلزَمُ اجتِمَاعُهُم فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ)
(وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: هَذَا الحَدِيثُ مُشتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحكَامٍ: أَحَدُهَا: فَضلُ التفقه فِي الدِّينِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ المُعطِيَ فِي الحَقِيقَةِ هُوَ الله، وَثَالِثُهَا: أَنَّ بَعضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَبقَى عَلَى الحَقِّ أَبَدًا، فَالأَوَّلُ لَائِقٌ بِأَبوَابِ العِلمِ، وَالثَّانِي لَائِقٌ بِقَسمِ الصَّدَقَاتِ، وَلِهَذَا أَورَدَهُ مُسلِمٌ فِي الزَّكَاةِ، وَالبُخَارِيُّ فِي الخُمُسِ، وَالثَّالِثُ لَائِقٌ بِذِكرِ أَشرَاطِ السَّاعَةِ، والمُرَادُ بِأَمرِ الله هُنَا الرِّيحُ الَّتِي تَقبِضُ رُوحَ كُلِّ مَن فِي قَلبِهِ شَيءٌ مِنَ الإِيمَانِ وَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ)
(مَعنَاهُ: لَن تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمرِ اللهِ مَعنَاهُ الإِسلَامُ سَيَبقَى مُستَمِّرًا إِلَى أَن يَأتِيَ أَمرُ اللهِ أَمرُ اللهِ، وَالمُرَادُ بِهِ الرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ فَتَقبِضُ أَروَاحَ المُسلِمِينَ، وَهَذَا مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الكُبرَى، إِذَا جَاءَت تِلكَ الرِّيحُ وَقَبَضَت أَروَاحَ المُسلِمِينَ وَمَاتُوا جَمِيعًا عِندَ ذَلِكَ الوَقتِ لَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ مُسلِمٌ، هَذَا مَعنَى لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ، فَعِندَئِذٍ لَا يَبقَى عَلَى الأَرضِ إِلَّا شِرَارُ النَّاسِ إِلَّا الكُفَّارُ، نَستَطِيعُ أَن نَأخُذَ مِنَ الأَحَادِيثِ رَدًّا عَلَى هَذِهِ الفِرقَةِ المَعرُوفَةِ اليَومَ وَهِيَ فِرقَةُ الخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ المُسلِمِينَ يَعنِي حُكَّامًا وَشُعُوبًا حَتَّى قَالَ زَعِيمُهُم فِي بَعضِ كُتُبِهِ: الإِسلَامُ اليَومَ مُتَوَقِّفٌ عَنِ الوُجُودِ مُجَرَّد الوُجُودِ، قَالَ مَا فِي إِسلَامٌ كُلُّهُم كُفَّارٌ، هَذَا لَفظُهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ أَيضًا: ارتَدَّتِ البَشَرِيَّةُ بِجُملَتِهَا إِلَى عِبَادَةِ العِبَادِ، فَمَن يُكَفِّرُ النَّاسَ وَمَن يُكَفِّرُ المُسلِمِينَ وَمَن يُكَفِّرُ أُمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَن يُكَفِّرُ العُلَمَاءَ وَالعَوَامَّ هُم هَذِهِ الفِرقَةُ المُسَمَّاةُ فِرقَةَ الخَوَارِجِ).
السُّؤَالُ الفِقهِيُّ
مَتَى تَجِبُ زَكَاةُ الفِطرِ؟
تَجِبُ زَكَاةُ الفِطرِ بِغُرُوبِ الشَّمسِ مِن ءَاخِرِ يَومٍ مِن رَمَضَانَ عَلَى مَن أَدرَكَ جُزءًا مِن رَمَضَانَ وَجُزءًا مِن شَوَّالٍ فَعَلَى هَذَا تَجِبُ عَلَى الوَلِىِّ عَنِ المَولُودِ الجَدِيدِ الَّذِى وُلِدَ ءَاخِرَ أَيَّامِ رَمَضَانَ، أَو قَبلَ ذَلِكَ.
وَيَجِبُ أَدَاؤُهَا قَبلَ غُرُوبِ شَمسِ يَومِ العِيدِ وَيَحرُمُ تَأخِيرُهَا عَنهُ بِلا عُذرٍ وَيَجُوزُ تَعجِيلُهَا مِن أَوَّلِ رَمَضَانَ وَالأَفضَلُ أَن تُخرَجَ يَومَ العِيدِ قَبلَ الصَّلاةِ أَى قَبلَ صَلاةِ العِيدِ.
مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
مَا يُقَالُ عِندَ الكَربِ
عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمرٌ قَالَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ». قَالَ الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسنَادِ.
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ….
اللهم رَبَّ جِبرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهدِنَا إِلَى الحَقِّ إِنَّكَ تَهدِي مَن تَشَاءُ إِلَى صَرَاطٍ مُستَقِيمٍ.
اللهم اجعَلنَا مِنَ العُلَمَاءِ الحُلَمَاءِ البَرَرَةِ الأَتقِيَاءِ، اللهم فَقِّهنَا فِي الدِّينِ، وَاجعَلنَا مِنَ الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ النَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، اللهم أَكرِمنَا بِحِفظِ القُرآنِ العَظِيمِ، وَارزُقنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ، وَاحفَظنَا بِبَرَكَتِهِ وَبَرَكَةِ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاجعَلنَا مِنَ العَامِلِينَ بِأَحكَامِهِ، وَمِنَ الوَقَّافِينَ عِندَ حُدُودِهِ، وَاجعَلهُ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَينَا، وَاجعَلهُ نُورًا لَنَا فِي الدُّنيَا وَالقَبرِ وَالآخِرَةِ.
اللهم اجعَل فِى قَلبِنَا نُورًا، وَفِى لِسَانِنَا نُورًا، وَاجعَل فِى سَمعِنَا نُورًا، وَاجعَل فِى بَصَرِنَا نُورًا، وَاجعَل مِن خَلفِنَا نُورًا، وَمِن أَمَامِنَا نُورًا، وَاجعَل مِن فَوقِنَا نُورًا، وَمِن تَحتِنَا نُورًا، اللهم أَعطِنَا نُورًا.
اللهم اجعَلنَا مِنَ الطَّائِرِينَ فَوقَ الصِّرَاطِ، اللهم نَجِّنَا يَومَ الحَسرَةِ وَالنَّدَامَةِ، اللهم لَا تُخَيِّب رَجَاءَنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، اشرَح صُدُورَنَا، وَنَوِّر قُلُوبَنَا وَصُدُورَنَا، وَافتَح عَلَينَا فُتُوحَ العَارِفِينَ يَا اللهُ.
اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمنَا مِنهُ وَمَا لَم نَعلَم وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمنَا مِنهُ وَمَا لَم نَعلَم وَنَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ وَعَمَلٍ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ وَعَمَلٍ وَنَسأَلُكَ مِنَ خَيرِ مَا سَأَلَكَ مِنهُ عَبدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَنَستَعِيذُكَ مِمَّا استَعَاذَكَ مِنهُ عَبدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَنَسأَلُكَ مَا قَضَيتَ لَنَا مِن أَمرٍ أَن تَجعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهم إِنَّا نسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنسأَلُكَ أَن تَجعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقضِيهِ لنا خَيرًا، اللهم عَلِّمنَا ما جَهِلنَا وذَكِّرنَا مَا نَسِينَا وَانفَعنَا بِمَا عَلَّمتَنَا وَزِدنَا عِلمًا
اللهم انصُر أَهلَ فِلَسطِينَ نَصرًا مُؤَزَّرًا وَأَرِنَا قُدرَتَكَ وَغَضَبَكَ عَلَى اليَهُودِ اللهم أَرسِل عَلَيهِم طَيرًا أَبَابِيل تَرمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ تَجعَلُهُم كَعَصفٍ مَأكُولٍ. يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يَا مَن لَا يَخِيبُ عِندَهُ الرَّجَاءُ ارزُق أَهلَ غَزَّةَ الخَلَاصَ يَا اللهُ، وَصُبَّ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِم صَبًّا، وَهَيِّء لَهُم قُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِم. اللهم انصُر أَهلَ غَزَّةَ بِقُوَّتِكَ وَحَولِكَ وَجُنُودِكَ، اللهم سَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَالسَّمَاءَ لِنَصرِهِم. يَا رَبِّ يَا جَبَّارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ أَنزِل رَحمَتَكَ بِأَهلِ غَزَّةَ، وَقَوِّهِم وَكُن لَهُم عَونًا وَنَصِيرًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم.
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….