المحتويات
- المقدمة
- (58) بَابُ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ
- (59) بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا
- (60) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:66].
- السُّؤَالُ
- مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
- الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
المقدمة
الْحَمْدُ لله العالم بعبده وما أخفته نفسه، نَحْمَدُهُ سبحانه حمدًا كما ينبغي لِكَرَمِ وجهه وعِزِّ جلاله، ونستعينُهُ استعانةَ مَنْ لا حولَ له ولا قوةَ إلا به، ونستهديه بهداه الذي لا يَضِلُّ مَنْ أنعَمَ به عليه، ونستغفرُهُ لِمَا أَزْلَفْنَا وأَخَّرْنَا استغفارَ مَنْ يُقِرُّ بعبوديته، ويعلمُ أنه لا يغفر ذنبَهُ ولا يُنَجِّيهِ منه إلا هو، ونَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسوله، بعثَهُ اللهُ على حينِ فَتْرةٍ من الرسلِ، فكان خِيرَتَهُ المصطفَى لوحيه، المنتَخَبَ لرسالته، المُفضَّلَ على جميع خلقِه،
أفضلَ خلقِهِ نَفْسًا، وخيرَهم نسبًا ودارًا، فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغفَلَ عن ذِكْره الغافلون، وصلَّى عليه في الأوَّلين والآخِرِين، أفضلَ وأكثَرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ مِنْ خَلْقِه،
وجزاه اللهُ عنا أفضَلَ ما جزى مُرْسَلًا عَمَّنْ أُرْسِلَ إليه، فلم تُمْسِ بنا نعمةٌ ظهرَتْ ولا بطنَتْ، نلنا بها حَظًّا في دينٍ ودنيا، أو دُفِعَ بها عنا مكروهٌ فيهما أو في واحدٍ منهما إلا ومحمَّدٌ صلى الله عليه سَبَبُهَا، القائدُ إلى خَيْرِها، والهادي إلى رُشْدِها، فالصلاة والسلام عليه وعلى آله وأصحابه الغر الميامين وبعد:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
(58) بَابُ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ
الشَّرحُ:
(58) بَابُ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ (أَي بَابُ فَضلِ الفَهمِ فِي العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ)
72- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
الشَّرحُ:
72- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا (كُلَّ مُدَّةِ السَّفَرِ مَا سَمِعتُهُ حَدَّثَنَا إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن بَابِ التَّوَقِّي وَالِاحتِيَاطِ، وَهَكَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِن لَم تَدعُ الحَاجَةُ أَن يُحَدِّثُوا فَلَا يُحَدِّثُونَ مَخَافَةَ أَن يُخطِئُوا وَأَن يَزِلَّ بِهِمُ اللِّسَانُ فَيُضِيفُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا لَم يَقُلهُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ مِنَ المُكثِرِينَ مِنَ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يُسأَلُ فَيُجِيبُ فَيُبَيِّنُ الحُجَّةَ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ)، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ (هُوَ شَحمُ النَّخِيلِ) فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (وَقَد أَعَادَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هَذَا الحَدِيثَ لِلمَرَّةِ الثَّالِثَةِ لِيُؤَكِّدَ مَعنَى البَابِ وَأَنَّهُ لَيسَ كُلُّ النَّاسِ أَعطَاهُمُ اللهُ تَعَالَى فَهمًا فِي العُلُومِ بَل يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَهِمَ المُرَادَ دُونَ الحَاضِرِينَ)
(هَذَا الحَدِيثُ أَعَادَهُ البُخَارِيُّ لِلمَرَّةِ الثَّالِثَةِ مَعَ اختِلَافِ الأَسَانِيدِ، لَكِن كَانَ لَهُ بِكُلِّ رِوَايَةٍ مُرَادٌ مُختَلِفٌ، فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زَادَ أَشيَاءَ حَتَّى نَفهَمَ مَا مُرَادُهُ مِن هَذَا البَابِ بَابِ الفَهمِ فِي العِلمِ، مَعنَاهُ لَيسَ كُلُّ النَّاسِ اللهُ تَعَالَى أَعطَاهُم فَهمًا فِي العُلُومِ، نَسمَعُ الآيَاتِ مَثَلًا وَلَكِن لَيسَ كُلُّنَا نَعرِفُ مَعَانِيَهَا، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصحَابَهُ عَن شَجَرَةٍ لَا يَسقُطُ وَرَقُهَا مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسلِمِ مِن بَينِ الحَاضِرِينَ تَفَطَّنَ وَفَهِمَ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ النَّخلَةَ هُوَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَصغَرَ الحَاضِرِينَ كَانَ صَغِيرًا فِي السِّنِّ، لَكِن مَا تَكَلَّمَ مَا قَالَ هِيَ النَّخلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ مَعَ أَنَّهُ فَهِمَ، قَالَ أَنَا استَحيَيتُ، فِي المَجلِسِ أَبُو بَكرٍ فِي المَجلِسِ عُمَرُ مَا تَكَلَّمَا أَنَا أَتَكَلَّمُ؟!
(فَالفَهمُ فِطنَةٌ يَفهَمُ بِهَا صَاحِبُهَا مِنَ الكَلَامِ مَا يَقتَرِنُ بِهِ مِن قَولٍ أَو فِعلٍ، وجاء في الحديث أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جلَس على المِنبَرِ فقال : (إنَّ عبدًا خيَّره اللهُ بيْنَ أنْ يُؤتيَه مِن زَهرةِ الدُّنيا ما شاء وبيْنَ ما عندَه فاختار ما عندَه) فبكى أبو بكرٍ وقال: فدَيْناك بآبائِنا وأمَّهاتِنا فَتَعَجَّبَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكرٍ فَهِمَ مِنَ المَقَامِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ المُخَيَّرٌ، فَمِن ثَمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَكَانَ أَبُو بَكرٍ أَعلَمَنَا بِهِ).
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: (إنَّ أمَنَّ النَّاسِ علَيَّ في مالِه وصُحبتِه أبو بكرٍ ولو كُنْتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكِنْ أخوَّةُ الإسلامِ لا يبقَيَنَّ في المسجدِ خَوخةٌ إلَّا خَوخةُ أبي بكرٍ).
(59) بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا
الشَّرحُ:
(59) بَابُ الِاغْتِبَاطِ (مِنَ الغِبطَةِ، وَهِيَ أَن يَتَمَنَّى الإِنسَانُ أَن يَكُونَ لَهُ مِثلُ مَا لِأَخِيهِ مِنَ النِّعمَةِ مِن غَيرِ أَن يَتَمَنَّى زَوَالَهَا عَن أَخِيهِ، وَهِيَ فِي العِلمِ مَطلُوبَةٌ)
(مَثَلًا رَأَيتَ شَيئًا حَسَنًا مِن أَخِيكَ رَأَيتَهُ عَلَى عِلمٍ مَثَلًا فَأَنتَ تَغبِطُهُ عَلَى ذَلِكَ تَتَمَنَّى أَن يَكُونَ عِندَكَ مِنَ العِلمِ مِثلَ مَا عِندَهُ مِن غَيرِ أَن تَتَمَنَّى زَوَالَ العِلمِ عَن أَخِيكَ، هَذَا مَعنَى الِاغتِبَاطِ،
أَمَّا الحَسَدُ فَهُوَ أَن يَرَاهُ عَلَى خَيرٍ وَيَتَمَنَّى أَن تَزُولَ عَنهُ تِلكَ النِّعمَةُ وَتَصِيرَ عِندَهُ وَيَعمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، هَذَا الحَسَدُ المُحَرَّمُ أَمَّا هُنَا غِبطَةٌ، بَابُ الِاغتِبَاطِ فِي العِلمِ وَالحِكمَةِيَعنِي يَستَحِقُّ لِأَجلِ العِلمِ وَالحِكمَةِ أَن تَغبِطَ مَن عِندَهُ عِلمٌ وَعِندَهُ حِكمَةٌ) فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ،
وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا (أَي تَعَلَّمُوا قَبلَ أَن تَصِيرُوا رُؤَسَاءَ وَسَادَةً، أَوِ المُرَادُ: قَبلَ أَن تَتَزَوَّجُوا)
(أَيْ تَعَلَّمُوا وَتَفَقَّهُوا قَبلَ أَن تَصِيرُوا سَادَةً، لِأَنَّ مَن سَيَتَوَلَّى أَمرًا مِن أُمُورِ المُسلِمِينَ العَامَّةِ لَابُدَّ أَن يَكُونَ عَلَى عِلمٍ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنَّهَا قَد تَكُونُ سَبَبًا لِلمَنعِ، لِأَنَّ الرَّئِيسَ قَد يَمنَعُهُ الكِبرُ وَالِاحتِشَامُ أَن يَجلِسَ مَجلِسَ المُتَعَلِّمِينَ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا تَصَدَّرَ الحَدَثُ فَاتَهُ عِلمٌ كَثِيرٌ، وَقَد فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيدٍ فِي كِتَابِهِ: غَرِيبِ الحَدِيثِ فَقَالَ: مَعنَاهُ تَفَقَّهُوا وَأَنتُم صِغَارٌ، قَبلَ أَن تَصِيرُوا سَادَةً فَتَمنَعُكُمُ الأَنَفَةُ عَنِ الأَخذِ عَمَّن هُوَ دُونَكُم فَتَبقَوا جُهَّالًا)
73- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ -عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌٍ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
الشَّرحُ:
73- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ -عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: (أَرَادَ الحَسَدَ بِالمَعنَى المَجَازِيِّ وَهُوَ الغِبطَةُ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: الحَسَدُ المَذكُورُ فِي الحَدِيثِ هُوَ الغِبطَةُ، وَأَطلَقَ الحَسَدَ عَلَيهَا مَجَازًا، وَهِيَ أَن يَتَمَنَّى أَن يَكُونَ لَهُ مِثلُ مَا لِغَيرِهِ مِن غَيرِ أَن يَزُولَ عَنهُ، وَالحِرصُ عَلَى هَذَا يُسَمَّى مُنَافَسَةً، فَإِن كَانَ فِي الطَّاعَةِ فَهُوَ مَحمُودٌ، وَمِنهُ: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ وَإِن كَانَ فِي المَعصِيَةِ فَهُوَ مَذمُومٌ، وَمِنهُ: “وَلَا تَنَافَسُوا”.اهـ) رَجُلٌٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا (نَكَّرَهُ لِيَشمَلَ القَلِيلَ وَالكَثِيرَ) فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ (أَي أَفنَاهُ فِي الحَقِّ وَصَرَفَهُ فِي الطَّاعَاتِ)
(الشَّيءُ الأَوَّلُ رَجُلٌ أَعطَاهُ اللهُ تَعَالَى مَالًا كَثِيرًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ أَفنَاهُ فِي الحَقِّ، صَرَفَ هَذَا المَالَ فِي طَاعَةِ اللهِ، يَعنِي مَا كَانَ مُبَذِّرًا يَستَعمِلُ المَالَ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، فَمَن كَانَ هَذَا حَالَهُ يُغبَطُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا رَأَينَا أَحَدًا عِندَهُ هَذَا المَالُ مِن الحَلَالِ وَيَصرِفُ مَالَهُ فِي الحَلَالِ نَغبِطُهُ، لَيتَنَا عِندَنَا مَالٌ فَنَفَعلَ كَمَا يَفعَلُ مِن غَيرِ أَن تَزُولَ عَنهُ تِلكَ النِّعمَةَ)، وَرَجُلٌٍ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ (قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: أَيِ العِلمَ) فَهُوَ يَقْضِي بِهَا (أَي بَينَ النَّاسِ) وَيُعَلِّمُهَا» (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: اللَّامُ لِلعَهدِ، لِأَنَّ المُرَادَ بِهَا القُرآنُ، وَقِيلَ: المُرَادُ بِالحِكمَةِ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنَ الجَهلِ وَزَجَرَ عَنِ القَبِيحِ) (قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: الحِكمَةُ هُنَا أَيِ العِلمُ، وَمَعنَاهُ: كَذَلِكَ مَن آتَاهُ اللهُ تَعَالَى العِلمَ هَذَا أَمرٌ يُغبَطُ عَلَيهِ).
(60) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:66].
الشَّرحُ:
(60) (هَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِلتَّرغِيبِ فِي احتِمَالِ المَشَقَّةِ فِي طَلَبِ العِلمِ) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ (هُوَ مُوسَى بنُ عِمرَانَ صَاحِبُ المُعجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَصَاحِبُ التَّورَاةِ، وَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَهُوَ أَحَدُ أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُوَ مِن سِبطِ لَاوِي ابنِ نَبِيِّ الله يَعقُوبَ إِسرَائِيلَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَد أَنزَلَ الله تَعَالَى عَلَيهِ التَّورَاةَ كِتَابًا بِالعِبرَانِيَّةِ، وَالتَّورَاةُ الأَصلِيَّةُ فِيهَا الأَمرُ بِعِبَادَةِ الله وَحدَهُ وَأَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَيءٌ، وَفِيهَا ذِكرُ آخِرِ الأَنبِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ مِن صِفَاتِهِ أَنَّهُ لَا يَجزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ بَل يَعفُو وَيَصفَحُ، وَفِيهَا مِثلُ بَعضِ مَا جَاءَ فِي القُرآنِ، فَقَد أَخرَجَ ابنُ الضُّرَيسِ عَن كَعبِ الأَحبَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ فَاتِحَةَ التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ فَاتِحَةُ الأَنعَام: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾،
وَفِي التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ أَيضًا حَدُّ الرَّجمِ فِي الزِّنَا، وَفِيهَا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى ﷺ يُدفَنُ عِندَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ حَرَّفَتِ اليَهُودُ التَّورَاةَ الصَّحِيحَةَ بَعدَ ذَلِكَ فَلَم تَعُد مَوجُودَةً فِي الأَرضِ بَعدَ ذَلِكَ، فَلَا يُسَمَّى مَا فِيهِ أَنَّ عُزَيرًا ابنُ الله تَورَاةً، هَذَا لَيسَ مِنَ التَّورَاةِ، بَل هَذَا مُحَرَّفٌ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَا فِيهِ أَنَّ عِيسَى ابنُ الله إِنجِيلًا، بَل هَذَا مُحَرَّفٌ، فَكُلُّ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِيهَا تَوحِيدُ الله تَعَالَى، وَلنَذكُر قَولَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فَدِينُ الأَنبِيَاءِ هُوَ دِينٌ سَمَاوِيٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الإِسلَامُ وَلَيسَت أَديَانًا سَمَاوِيَّةً مُختَلِفَةً، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.اهـ)
فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ (وَخَضِرٌ بِفَتحِ أَوَّلِهِ وَكَسرِ ثَانِيهِ أَو بِكَسرِ أَوَّلِهِ وَإِسكَانِ ثَانِيهِ، ثَبَتَت بِهِمَا الرِّوَايَةُ، وَبِإِثبَاتِ الأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ، وَبِحَذفِهِمَا،
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: جُمهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مَوجُودٌ بَينَ أَظهُرِنَا، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ عِندَ الصُّوفِيَّةِ وَأَهلِ الصَّلَاحِ وَالمَعرِفَةِ وَحِكَايَاتُهُم فِي رُؤيَتِهِ وَالِاجتِمَاعِ بِهِ وَالأَخذِ عَنهُ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ، وَوُجُودِهِ فِي المَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ وَمَوَاطِنِ الخَيرِ أَكثَرُ مِن أَن يُحصَرَ وَأَشهَرُ مِن أَن يُستَرَ،
وَقَالَ الشَّيخُ أَبُو عَمْرَو بنُ الصَّلَاحِ: هُوَ حَيٌّ عِندَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَالعَامَّةُ مَعَهُم فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا شَذَّ بِإِنكَارِهِ بَعضُ المُحَدِّثِينَ،
وَقَالَ الثَّعلَبِيُّ المُفَسِّرُ: الخَضِرُ نَبِيٌّ مُعَمَّرٌ مَحجُوبٌ عَنِ الأَبصَارِ يَعنِي عَن أَبصَارِ أَكثَرِ النَّاسِ، قَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يُرفَعُ القُرآنُ،
وَذَكَرَ الثَّعلَبِيُّ فِي أَنَّ الخَضِرَ كَانَ مِن زَمَنِ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ وَكُنيَةُ الخَضِرِ أَبُو العَبَّاسِ وَاسمُهُ بَليَاءُ بِمُوَحَّدَةٍ مَفتُوحَةٍ ثُمَّ لَامٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحتُ بنُ مَلكَانَ بِفَتحِ المِيمِ وَإِسكَانِ اللَّامِ وَقِيلَ كَليَانَ، قَالُوا وَكَانَ أَبُوهُ مِنَ المُلُوكِ.
وَاختَلَفُوا فِي لَقَبِهِ الخَضِرِ، فَقَالَ الأَكثَرُونَ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَروَةٍ بَيضَاءَ فَصَارَت خَضرَاءَ وَالفَروَةُ وَجهُ الأَرضِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى اخضَرَّ مَا حَولَهُ، وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ، فَقَد صَحَّ فِي البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَروَةٍ فَإِذَا هِيَ تَهتَزُّ مِن خَلفِهِ خَضرَاءَ».
وَالخَضِرُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى القَولِ الرَّاجِحِ هُوَ نَبِيٌّ مُعَمَّرٌ، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ إِنَّهُ وَلِيٌّ فَقَط، ثُمَّ اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الخَضِرِ هَل هُوَ مَاتَ أَو لَم يَمُت، وَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ بَعدُ لَم يَمُت، لَكِنَّهُ يَمُوتُ عِندَ رَفعِ القُرآنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبلَ قِيَامِ السَّاعَةِ،
وَمِن أَصَحِّ الأَخبَارِ القَدِيمَةِ فِي إِثبَاتِ حَيَاةِ الخَضِرِ ﷺ مَا رَوَاهُ يَعقُوبُ بنُ سُفيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِن طَرِيقِ رِيَاحِ بنِ عُبَيدَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: رَأَيتُ رَجُلًا يُمَاشِي عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَا أُرَاكَ إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا، ذَاكَ أَخِي الخَضِرُ، بَشَّرَنِي أَنِّي سَأَلِي وَأَعدِلُ، قَالَ الحَافِظُ العَسقَلَانِيُّ فِي “الإِصَابَةِ”: قُلتُ هَذَا أَصلَحُ إِسنَادٍ وَقَفتُ عَلَيهِ فِي هَذَا البَابِ، ثُمَّ سَاقَ الحَافِظُ أَسَانِيدَ أُخرَى وَقَالَ: قَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ فِي تَصنِيفِهِ: سَمِعتُ مُحَمَّدَ بنَ عَبدِ الله الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعتُ بِلَالًا الخَوَّاصَ يَقُولُ: كُنتُ فِي تِيهِ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَإِذَا رَجُلٌ يُمَاشِينِي، فَتَعَجَّبتُ، ثُمَّ أُلهِمتُ أَنَّهُ الخَضِرُ، فَقُلتُ: بِحَقِّ الحَقِّ مَن أَنتَ؟ قَالَ: أَنَا أَخُوكَ الخَضِرُ، فَقُلتُ: مَا تَقُولُ فِي الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ: مِنَ الأَبدَالِ، قُلتُ: فَأَحمَدَ بنِ حَنبَلَ؟ قَالَ: صِدِّيقٌ، قُلتُ: فَبِشرِ بنِ الحَارِثِ؟ قَالَ لَم يُخَلِّف بَعدَهُ مِثلَهُ، قُلتُ: بِأَيِّ وَسِيلَةٍ رَأَيتُكَ؟ قَالَ: بِبِرِّكَ لِأُمِّكَ.اهـ
فَإِذَا رُفِعَ المُصحَفُ مِن بَينِ الصُّدُورِ وَالسُّطُورِ عِندَهَا يَمُوتُ الخَضِرُ عَلَيهِ سَلَامُ اللهِ.
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مِن أَسبَابِ طُولِ عُمُرِ الخَضِرِ أَنَّهُ شَرِبَ مِن مَاءِ الحَيَاةِ، فَهُوَ لَا يَزَالُ حَيًّا إِلَى يَومِنَا هَذَا، لَكِن إِذَا سَمِعنَا أَنَّ بَعضَ العُلَمَاءِ قَالُوا: الخَضِرُ مَاتَ فَهَذَا قَولُ بَعضِ العُلَمَاءِ فِي بَعضِ السَّلَفِ، عَدَدٌ قَلِيلٌ جِدًّا قَالَ هَذَا، أَمَّا الأَكثَرُ مِنَ العُلَمَاءِ قَالُوا هُوَ لَا يَزَالُ حَيًّا، أَمَّا الأَولِيَاءُ وَالصُّوفِيَّةُ المُتَحَقِّقُونَ كُلُّهُم مُجمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَزَالُ حَيًّا وَحِكَايَتُهُم مَعَهُ أَنَّهُمُ اجتَمَعُوا بِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
(قصة الخضر وشربه من ماء الحياة: كيف عاش الخضر إلى آخر الزمان إلى أن كَذَّب بالدجال
وَالسَّبَبُ فِي بَقَائِهِ حَيًّا أَنَّهُ شَرِبَ شَيئًا وَكَانَ قَد سَارَ إِلَيهِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَيهِ، سَارَ مَعَ جَيشٍ عَظِيمٍ فِي رِحلَةٍ عَجِيبَةٍ استَمَرَّتِ اثنَتَي عَشرَةَ سَنَةً، وَكَانَ تَحتَ إِمرَةِ ذِي القَرنَينِ وَهُوَ الَّذِي بَنَى السَّدَّ عَلَى يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ.
وَهَذِهِ القِصَّةُ الَّتِي سَنَذكُرُهَا رَوَاهَا السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ المَنثُورِ وَشَيءٌ مِنهَا فِي الفَتحِ لِابنِ حَجَرٍ وَرَوَاهَا ابنُ حَجَرٍ أَيضًا فِي الإِصَابَةِ وَابنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشقَ وَغَيرُهُمُ الكَثِيرُ رَوَوهَا، فَأَنَا أَذكُرُ لَكُم مَجمُوعَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِيهَا.
ذُو القَرنَينِ كَانَ مِن عُبَّادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ قَد مَلَكَ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمغرِب، كَانَ أَحَدَ المُلُوكِ الأَربَعَةِ الذينَ مَلَكُوا الأَرضَ، فَقَد مَلَكَ الأَرضَ أَربَعَةٌ، مُؤمِنَانِ وَكَافِرَانِ، وكَانَ لَهُ صَدِيقٌ مِنَ المَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُ رَفَائِيلُ، وَكَانَ هَذَا المَلَكُ يَأتِي ذَا القَرنَينِ وَيَزُورُهُ، فَبَينَمَا هُمَا ذَاتَ يومٍ يَتَحَدَّثَانِ، إِذ قَالَ ذُو القَرنَينِ الصَّعبُ بنُ مَرَاثِدَ لِلمَلَكِ: حَدِّثنِي كَيفَ عِبَادَتُكُم فِي السَّمَاء؟ فَقَالَ: وَمَا عِبَادَتُكُم عِندَ عِبَادَتِنَا، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَمَلائِكَةً قِيَامًا وَسُجَّدًا وَرُكَّعًا وَيَقُولُونَ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلَائِكَةِ والرُّوحِ، رَبَّنَا مَا عَبَدنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. فَبَكَى ذُو القَرنَينِ وَقَالَ: يَا رَفَائِيلُ، إِنِّي أُحِبُّ أَن أُعَمِّرَ، حَتَّى أَبلُغَ عِبَادَةَ رَبِّي حَقَّ طَاعَتِهِ، قَالَ: وَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَم، فَقَالَ: فَإِنَّ للهِ عَينًا تُسَمَّى عَينَ الحَيَاةِ، مَن شَرِبَ مِنهَا شَربَةً يَعِيشُ طَوِيلًا إِلَى ءَاخِرِ الزَّمَانِ- حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسأَلُ رَبَّهُ المَوتَ. فَقَالَ ذُو القَرنَينِ: فَهَل تَعلَمُ مَوضِعَهَا، قَالَ: لَا، غَيرَ أَنَّا نَتَحَدَّثُ فِي السَّمَاءِ أَنَّ للهِ ظُلمَةً فِي الأَرضِ، لَم يَطَأهَا إِنسٌ وَلَا جَانٌّ، فَنَحنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلكَ العينَ فِي تِلكَ الظُّلمَةِ.
بَعدَ أَن عَرَفَ ذُو القَرنَينِ عَن مَاءِ الحَيَاةِ مِن صَدِيقِهِ المَلَكِ رَفَائِيل، جَمَعَ عُلَمَاءَ الأَرضِ فَسَأَلَهُم عَن مَاءِ الحَيَاة، فَقَالَ: هَل عِندَكُم عِلمٌ بِأَنَّ اللهَ وَضَعَ فِي الأَرضِ عَينًا سَمَّاهَا عَينَ الحَيَاة؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ ذُو القَرنَينِ: فَهَل عَلِمتُم أَنَّ اللهَ وَضَعَ فِي الأَرضِ ظُلمَةً لَم يَطَأهَا إِنسٌ وَلَا جَانٌّ؟ فَقَالَ عَالِمٌ مِنهُم: أَيُّهَا المَلِكُ، لِمَ تَسأَلُ عَن هَذَا؟ فَأَخبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ المَلَكُ رَفَائِيلُ، فَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنِّي قَرَأتُ فِي وَصِيَّةِ ءادَمَ عَليهِ السَّلامُ أَنَّ اللهَ وَضَعَ فِي الأَرضِ ظُلمَةً لَم يَطَأهَا إِنسٌ وَلَا جَانٌّ، فَقَالَ ذُو القَرنَينِ: فَأَينَ وَجَدتَهَا مِنَ الأَرضِ؟ قَالَ: وَجَدتُهَا عِندَ قَرنِ الشَّمسِ. يَعنِي أَوَّلَ مَا تَطلُعُ عِندَ بُزُوغِهَا.
وَبَعدَ أَن سَارُوا اثنَتَي عَشرَةَ سَنَةً وَصَلُوا إِلَى طَرَفِ الظُّلمَةِ، فَإِذَا هِيَ لَيسَت بِلَيلٍ، وَإنَّمَا هِيَ ظُلمَةٌ تَفُورُ مِثلَ الدُّخَانِ، فَجَمَعَ عُلَمَاءَ أَهلِ عَسكَرِهِ فَقَالَ لَهُم: إِنِّي أُرِيدُ أَن أَسلُكَ هَذِهِ الظُّلمَةَ، فَقَالُوا: أَيُّهَا المَلِكُ، قَد كَانَ قَبلَكَ الأنبياءُ والمُلوكُ فَلَم يَطلُبُوا هَذِه الظُّلمَة، فَإِنَّا نَخَافُ أَن يُصِيبَكَ أَمرٌ تَكرَهُهُ وَيَكُونَ فِيهِ فَسَادُ أَهلِ الأَرضِ، فَقَالَ: فَجَمَعَ مِن عَسكَرِهِ سِتَّةَ ءالافِ رَجُلٍ وَفَرَسٍ وَوَضَعَ الخَضِرَ قَائِدًا، عَلَى مُقَدِّمَةِ أَلفَا رَجُلٍ مِنَ الجُنُودِ، وَخَرَجَ هُوَ مَعَ أَربَعَةِ ءَالافٍ، فَسَارَ الخَضِرُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَفِيرِ وَادٍ، فَإِذَا هُوَ عَلَى حَافَةِ عَينٍ مِن مَاءٍ، فَإِذَا هُوَ مَاءٌ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأحلَى مِنَ الشَّهدِ أَيِ العَسَلِ، فَشَرِبَ مِنهُ وَاغتَسَلَ وَتَوَضَّأَ.
وَأَمَّا ذُو القَرنَينِ فَسَارَ فِي طَرِيقٍ ءاخَرَ فَأَخطَأَ طَرِيقَ الوَادِي وَلَم يَصِل إِلَى عَينِ الحَيَاةِ،
وَإِنَّمَا سَلَكَ تِلكَ الظُّلمَةِ أَربَعِينَ يَومًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى ضَوءٍ لَيسَ بِضَوءِ شَمسٍ وَلَا قَمَرٍ، فَرَأَى أَرضًا حَمرَاءَ، وَإِذَا فِي تِلكَ الأَرضِ قَصرٌ ضَخمٌ كَبِيرٌ لَهُ أَبوَابٌ، فَنَزَلَ ذُو القَرنَينِ بِعَسكَرِهِ، ثُمَّ سَارَ وَحدَهُ حَتَّى نَزَلَ القَصرَ، فَوَجَدَ طَائِرًا أَسوَدَ، فَتَكَلَّمَ الطَّائِرُ وَقَالَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: ذُو القَرنَينِ، قَالَ الطَّائِرُ: أَمَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى قَطَعتَ الظُّلمَةَ وَوَصَلتَ إِلَيَّ يَا ذَا القَرنَينِ؟! ثُمَّ سَأَلَهُ أَسئِلَةً عَن أَحوَالِ النَّاسِ وَعَن تَمَسُّكِهِم بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَعَن الصَّلَاةِ، وَسَأَلَهُ عَن شَهَادَةِ الزُّورِ وَالمَعَازِفِ، هَلِ انتَشَرَت فِي الأَرضِ؟ ثُمَّ طَلَبَ مِن ذِي القَرنَينِ أَن يَصعَدَ إِلَى أَعلَى القَصرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَعلَاهُ وَجَدَ شَخصًا رَافِعًا رَأسَهُ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ ذُو القَرنَينِ فَرَدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَن أَنتَ؟ فَقَالَ: أَنَا ذُو القَرنَينِ، فَمَن أَنتَ؟ قَالَ: أَنَا صَاحِبُ الصُّورِ -أَيِ المَلَكُ إِسرَافِيلُ الذي وَكَّلَهُ اللهُ بالنَّفخِ بالبُوقِ يَومَ القِيَامَةِ- قَالَ: فَمَا لِي أَرَاكَ وَاضِعًا يَدَكَ عَلَى فِيكَ رَافِعًا رَأسَكَ؟ قَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقتَرَبَت، فَأَنَا أَنتَظِرُ مِن رَبِّي أَن يَأمُرَنِي أَن أَنفُخَ فَأَنفُخَ، ثُمَّ أَخَذَ صَاحِبُ الصُّورِ مِن بَينِ يَدَيهِ شَيئًا كَأَنَّهُ حَجَرٌ فَقَالَ: خُذ هَذَا يَا ذَا القَرنَينِ، فَإِن شَبِعَ هَذَا الحَجَرُ شَبِعتَ وَإِن جَاعَ جُعتَ. أَخَذَ ذُو القَرنَينِ الحَجَرَ وَعَادَ إِلَى أَصحَابِهِ، وَحَدَّثَهُم عَنِ الطَّائِرِ وَعَنِ المَلَكِ إِسرَافِيلَ، وَطَلَبَ مِنهُم مَعرِفَةَ سِرِّ الحَجَرِ، فَوَضَعَ العُلَمَاءُ الحَجَرَ فِي كَفَّةِ المِيزَانِ، وَوَضَعُوا حَجَرًا عَادِيًّا بِحَجمِهِ فِي الكَفَّةِ الأُخرَى، فَرَجَحَ الحَجَرُ الذِي أَتَى بِهِ ذُو القَرنَينِ، وَهَكَذَا حَتَّى وَضَعُوا فِي الكَفَّةِ الأُخرَى أَلفَ حَجَرٍ، فَرَجَحَ عَلَيهِم ذَلِكَ الحَجَر! وَالخَضِرُ يَنظُرُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ ذُو القَرنَينِ لِلخَضِرِ: هَل عِندَكَ مِن هَذَا عِلمٌ؟ قَالَ: نَعَم، فَأَخَذَ المِيزَانَ ثُمَّ أَخَذَ الحَجَرَ الذِي جَاءَ بِهِ ذُو القَرنَينِ فَوَضَعَهُ فِي إِحدَى الكَفَّتَينِ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا بِحَجمِهِ فَوَضَعَهُ فِي الكَفَّةِ الأُخرَى، وَأَخَذَ قَبضَةً مِن تُرَابٍ فَوَضَعَهُ مَعَ الحَجَرِ الآخَرِ، فَرَجَحَ الحَجَرُ الذِي مَعَهُ التُّرَابُ عَلَى حَجَرِ صَاحِبِ الصُّورِ! فَخَرَّ العُلَمَاءُ سُجَّدًا وَقَالُوا: سُبحَانَ اللهِ، إِنَّ هَذَا العِلمَ مَا نَبلُغُهُ، فَسَأَلَهُ ذُو القَرنَينِ عَن تَفسِيرِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الخَضِرُ: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ سُلطَانَ اللهِ قَاهِرٌ لِخَلقِهِ، وَأَمرَهُ نَافِذٌ فِيهِم، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَكَ صَاحِبُ الصُّورِ، أَنَّ اللهَ جَعَلَكَ مَلِكًا عَلَى الدُّنيَا، وَمَكَّنَكَ مِن مَشرِقِ الأَرضِ وَمَغرِبِهَا، وَأَعطَاكَ مِنهَا مَا لَم يُعطِ أَحَدًا، فَلَم يَكفِكَ ذَلِكَ وَلَم تَشبَع، حَتَّى بَلَغتَ مِن سُلطَانِ اللهِ مَا لَم يَبلُغهُ أَحَدٌ، وَمَا لَم يَطلُبهُ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَكَ صَاحِبُ الصُّورِ، أَنَّهُ لَا يَملَأُ عَينَكَ إِلَّا التُّرَابُ، وَأَنَّ ابنَ ءادَمَ لَن يَشبَعَ أَبَدًا حَتَّى يُوَارَى بالتُّرَابِ، فَبَكَى ذُو القَرنَينِ وَقَرَّرَ أَن لَا يَطلُبَ شَيئًا بَعدَ رِحلَتِهِ حَتَّى يَمُوتَ.
وَرَجَعَ ذُو القَرنَينِ إِلَى مَنزِلِه يَعبُدُ اللهَ حَتَّى مَاتَ. وَيروى أن الرسول ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ السُّيُوطِيُّ: «رَحِمَ اللهُ أَخِي ذَا القَرنَينِ، دَخَلَ الظُّلمَةَ وَخَرَجَ مِنهَا زَاهِدًا، أَمَا إِنَّهُ لَو خَرَجَ مِنهَا رَاغِبًا لَمَا تَرَكَ مِنهَا حَجَرًا إِلَّا أَخرَجَه.
فَالَّذِي شَرِبَ مِن مَاءِ الحَيَاةِ وَمَا زَالَ حَيًّا إِلَى يَومِنَا هُوَ الخَضِرُ، وَهُوَ الذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ الكَهفِ.
قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبكِيُّ: قَالَ البَيهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ أَخبَرَنَا أَبُو عَبدِ اللهِ الْحَافِظُ أَخبَرَنِي أَبُو عَبدِ اللهِ الزُّبَيرُ بنُ عَبدِ الْوَاحِدِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا سَعِيدٍ مُحَمَّدَ بنَ عَقِيلٍ الفِريَابِيَّ يَقُولُ: قَالَ المُزَنِيُّ أَوِ الرَّبِيعُ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَينَ الظُّهْرِ وَالْعَصرِ عِنْدَ الصَّحنِ فِي الصُّفَّةِ وَالشَّافِعِيُّ قَدِ اسْتَنَدَ إِمَّا قَالَ إِلَى الأسطُوَانَةِ وَإِمَّا قَالَ إِلَى غَيرِهَا إِذْ جَاءَ شَيخٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَعِمَامَةُ صُوفٍ وَإِزَارُ صُوفٍ وَفِي يَدِهِ عُكَّازُهُ قَالَ فَقَامَ الشَّافِعِيُّ وَسَوَّى عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَاستَوَى جَالِسًا قَالَ وَسَلَّمَ الشَّيْخُ وَجَلَسَ وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ يَنظُرُ إِلَى الشَّيْخِ هَيْبَةً لَهُ إِذْ قَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَسأَلُ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَلْ، قَالَ: أَيشٍ الْحُجَّةُ فِي دِينِ اللهِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كِتَابُ اللهِ، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ: وَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ: اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ قُلتَ: اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: مِن كِتَابِ اللهِ، قَالَ: مِن أَيْنَ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: فَتَدَبَّرَ الشَّافِعِيُّ سَاعَةً، فَقَالَ الشَّيْخُ: قَد أَجَّلتُكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، تَأْتِي بِحُجَّةٍ مِن كِتَابِ اللهِ فِي الِاتِّفَاقِ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ لَونُ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ فَلَمْ يَخرُجْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَعْنِي بَينَ الظُّهْرِ وَالْعَصرِ وَقَدِ انتَفَخَ وَجْهُهُ وَيَدَاهُ وَرِجلَاهُ فَجَلَسَ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بِأَسرَعَ مِن أَنْ جَاءَ الشَّيْخُ فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، فَقَالَ: حَاجَتِي، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَعَمْ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، لَا نُصلِيهِ عَلَى خِلَافِ الْمُؤمِنِينَ إِلَّا وَهُوَ فَرضٌ، فَقَالَ: صَدَقتَ، وَقَامَ وَذَهَبَ، قَالَ الفِريَابِيُّ: قَالَ المُزَنِّيُّ أَوِ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا ذَهَبَ الرَّجُلُ: قَرَأتُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى وَقَفتُ عَلَيْهِ.اهـ قُلتُ: إِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّيْخُ الْخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَد فَهِمَهُ الشَّافِعِيُّ حِينَ أَجَّلَهُ وَاستَمَعَ لَهُ وَأَصغَى لَهُ وَاعْتَمَدَ إِشَارَتَهُ، وَسَنَدُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. انتَهَى كَلَامُ السُّبكِيُّ)
وَهَذَا البَابُ مِنْ صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ مَعقُودٌ لِلتَّرغِيبِ فِي احتِمَالِ المَشَقَّةِ فِي طَلَبِ العِلمِ، وَلِأَنَّ مُوسَى ﷺ لَم يَمنَعهُ بُلُوغُهُ مِنَ السِّيَادَةِ المَحَلَّ الأَعلَى مِن طَلَبِ العِلمِ وَرُكُوبَ البَرِّ وَالبَحرِ لِأَجلِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِمَا قَبلَهُ، وَمَا سَيُذكَرُ هُوَ كَذَلِكَ أَمرٌ يُغبَطُ عَلَيهِ أَنَّهُ سَافَرَ وَتَحَمَّلَ لِأَجلِ طَلَبِ العِلمِ، مَعَ كَونِ مُوسَى رَسُولًا مِن رُسُلِ اللهِ ذَهَبَ لِطَلَبِ العِلمِ، يَعنِي انظُر يَا أَخِي كَم فِي طَلَبِ العِلمِ مِن ثَوَابٍ وَكَم فِي طَلَبِ العِلمِ مِن فَضِيلَةٍ، مَا عَلَيكَ إِلَّا أَن تَطلُبَ العِلمَ وَأَن تَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ فِي طَلَبِ العِلمِ، لَا يَصِيرُ الشَّخصُ فَقِيهًا وَعَالِمًا بِالجُلُوسِ فِي البَيتِ، لَا بُدَّ أَن يَتعَبَ وَيَقصِدَ أَهلَ العِلمِ وَيَتَعَلَّمَ وَيُذَاكِرَ العِلمَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ، هَذَا مُوسَى رَسُولُ اللهِ مُوسَى بنُ عِمرَانَ عَلَيهِ سَلَامُ اللهُ مَعَ كَونِهِ مِنَ الرُّسُلِ ذَهَبَ لِطَلَبِ العِلمِ،
قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى الله عَلَيهِ فِي البَحرِ إِلَى الخَضِرِ) وَكَمَا سَيَمُرُّ مَعَنَا أَنَّهُ أَوَّلًا خَرَجَ فِي البَرِّ لَكِن رَكِبَ البَحرَ فِي السَّفِينَةِ هُوَ وَالخَضِرَ بَعدَ أَنِ التَقَيَا.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى﴾ يَعنِي عَلَى شَرطِ ﴿أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمتَ﴾ مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿رُشدًا﴾ بِالضَّمِّ، مَعنَاهُ عِلمًا ذَا رُشدٍ وَفِي بَعضِ القِرَاءَاتِ ﴿مِمَّا عُلِّمتَ رَشَدًا﴾) (هَذَا سُؤَالُ المُلَاطِفِ وَالمُخَاطِبِ المُستَنزِلِ المُبَالِغِ فِي حُسنِ الأَدَبِ، المَعنَى: هَل يَتَّفِقُ لَكَ وَيَخِفُّ عَلَيكَ؟ (وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوِ اكتَفَى أَحَدٌ مِنَ العِلمِ لَاكتَفَى نَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَم يَقُل هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا).
74- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:63]، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:64]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ».
الشَّرحُ:
74- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى (أَي تَجَادَلَ) هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ (هُوَ الحُرُّ بنُ قَيسِ بنِ حِصنِ بنِ حُذَيفَةَ بنِ بَدرِ بنِ عَمرٍو الفَزَارِيُّ، قَالَ الغَلَّابِيُّ: كَانَ لِلحُرِّ ابنٌ شِيعِيُّ، وَابنَةٌ حَرُورِيَّةٌ، وَامرَأَةٌ مُعتَزِلِيَّةٌ، وَأُختٌ مُرجِئَةٌ، فَقَالَ لَهُمُ الحُرُّ: أَنَا وَأَنتُم كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، أَي أَهوَاءٌ مُختَلِفَةٌ، وَفِي البُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ مِن النَّفَرِ الَّذِين يُدنِيهِم عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصحَابَ مَجلِسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَمُشاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَو شُبَّانًا) فِي صَاحِبِ مُوسَى (أَيِ الَّذِي جَرَت بَينَهُ وَبَينَ مُوسَى القِصَّةُ المَذكُورَةُ فِي سُورَةِ الكَهفِ)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (الظَّاهِرُ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ هُوَ مَن قَامَ إِلَيهِ، لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الأَدَبِ مَعَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ): هُوَ خَضِرٌ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: لَم يَذكُر مَا قَالَ الحُرُّ بنُ قَيسٍ وَلَا وَقَفتُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيءٍ مِن طُرُقِ هَذَا الحَدِيثِ)، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (وَهُوَ أَقرَأُ الصَّحَابَةِ كَمَا لَا يَخفَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ (تَجَادَلتُ وَاختَلَفتُ) أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ (أَي أَن يَلتَقِيَ بِهِ) (مَن هَذَا مُوسَى الَّذِي سَأَلَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى السَّبِيلَ إِلَى أَن يَلتَقِيَ بِهِ، مَن هُوَ؟)، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (أَي جَمَاعَةٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن أَولَادِ يَعقُوبَ) (يُحَدِّثُ جَمَاعَةً مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن نَسلِ سَيِّدِنَا يَعقُوبَ عَلَيهِ سَلَامُ اللهِ وَيُذَكِّرُهُم بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ وَيُذَكِّرُهُم بِأَيَّامِ اللهِ وَبِنِعَمِ اللهِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ) جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا (لِأَنَّهُ كَانَ أَفضَلَ مَن فِي ذَلِكَ الوَقتِ، وَلَا يَعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنهُ) (سَأَلَ أَحَدُ الحَاضِرِينَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: هَل تَعرِفُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنكَ يَا مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: لَا، لِأَنَّ مُوسَى عَلَيهِ سَلَامُ اللهِ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ فَبِالتَّالِي هُوَ أَفضَلُ مَن كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ، وَلَيسَ هَذَا تَكُبَّرًا مِنهُ) فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ(مَعنَاهُ أَوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى أَنَّهُ يُوجَدُ عَبدٌ مِن عِبَادِنَا اسمُهُ الخَضِرُ هُوَ أَعلَمُ مِنكَ يَا مُوسَى بِأَشيَاءَ، وَكَمَا هُوَ مَعرُوفٌ مُوسَى عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَهُوَ أَعلَمُ مِنَ الخَضِرِ بِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ، لَكِن هُنَاكَ أَشيَاءُ الخَضِرُ يَعلَمُهَا أَكثَرَ مِن مُوسَى، لِأَنَّ الخَضِرَ أَطوَلُ عُمرًا مِن مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ يَعلَمُ بِأَحوَالِ الكَائِنَاتِ أَكثَرَ مِن سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ سَلَامُ اللهِ تَعَالَى)، (أَي هُوَ أَعلَمُ مِنكَ بِأَشيَاءَ مَخصُوصَةٍ وَلَيسَ بِكُلِّ شَيءٍ، بَل كَانَ مُوسَى أَعلَمَ مِنهُ بِأَحكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ أَعلَمُ مِن مُوسَى بِشَيءٍ مَخصُوصٍ)، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ (أَي كَيفَ الطَّرِيقُ لِيَصِلَ إِلَيهِ) (كَيفَ أَلتَقِي بِهِ، سَأَلَ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كَيفَ السَّبِيلُ إِلَى أَن يَلتَقِيَ بِهَذَا الخَضِرِ يَعنِي لِطَلَبِ العِلمِ، مَعَ أَنَّ مُوسَى مِنَ الرُّسُلِ مَا قَالَ أَنَا رَسُولٌ يَكفِينِي مَا عِندِي بَل يُرِيدُ المَزِيدَ، لَمَّا سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى الخَضِرِ اللهُ تَعَالَى أَعلَمَهُ أَينَ يَطلُبُ الخَضِرَ، اطلُبهُ عَلَى السَّاحِلِ عِندَ الصَّخرَةِ قَالَ: يَا رَبِّ كَيفَ لِي بِهِ؟ فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعلَمَ مُوسَى بِأَن يَأخُذَ مَعَهُ حُوتًا وَالحُوتُ مَعنَاهُ السَّمَكَةُ الكَبِيرَةُ أَوِ الصَّغِيرَةُ فِي مِكتَلٍ فَحَيثُ فَقَدتَ الحُوتَ فَقَدتَ السَّمَكَةَ فَهُوَ هُنَاكَ، فَمُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ مَعَهُ سَمَكَةً مُمَلَّحَةً وَقَالَ لِفَتَاهُ وَهُوَ يُوشَعُ بنُ نُون إِذَا فَقَدتَ الحُوتَ فَأَخبِرنِي.
فَلَمَّا وَصَلَ عِندَ الصَّخرَةِ أَرَادَ أَن يَستَرِيحَ أَكَلَ مِن هَذِهِ السَّمَكَةِ جَانِبًا وَبَقِيَ جَانِبٌ فِيهِ لَحمٌ وَجَانِبٌ فِيهِ العَظمُ وَالحَسَكُ، ثُمَّ رَقَدَ هُنَاكَ وَاستَرَاحَ، وَبَينَمَا هُوَ هُنَاكَ إِذ نَبَعَ مِنَ الصَّخرَةِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الحَيَاةِ، فَنَزَلَت هَذِهِ المِيَاهُ عَلَى هَذِهِ السَّمَكَةِ فَأَحيَاهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ هَذِهِ السََّمَكَةُ بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ تَجرِي فَتَدخُلُ فِي البَحرِ،
يَقُولُ بَعضُ العُلَمَاءِ: حَصَلَ فِي أَيَّامِنَا أَن وَجَدنَا سَمَكَةً طَرَفٌ مِنهَا جَانِبٌ مِنهَا كُلُّهُ حَسَكٌ وَالطَّرَفُ الآخَرُ لَحمٌ فَقَط، فَيَقُولُونَ هَذِهِ مِن نَسلِ تِلكَ السَّمَكَةِ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَخبَرَهُ أَنَّهُ حَيثُ تَفقِدُ السَّمَكَةَ يَكُونُ هُنَاكَ الخَضِرُ، لَكِن هُوَ مَا انتَبَهَ، لَمَّا استَيقَظَ تَابَعَ الطَّرِيقَ مَعَ فَتَاهُ يُوشَعَ بنِ نُون، فَلَمَّا قَطَعَ مَسَافَةً طَوِيلَةً، يَومٌ وَلَيلَةٌ، تَذَكَّرَ يُوشَعُ أَنَّ السَّمَكَةَ كَانَت فِي القُفَّةِ وَهُنَاكَ عِندَ الصَّخرَةِ فَقَدنَاهَا، قَالَ هَذَا مَا كُنَّا نَبغِي هَذَا مَا كُنَّا نَطلُبُهُ فَارتَدَّا رَجَعَا إِلَى مَا كَانَا عَلَيهِ إِلَى حَيثُ كَانَا هُنَاكَ لِيَلتَقِيَ بِالخَضِرِ وَقَدِ التَقَى بِهِ هُنَاكَ)، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً (أَي عَلَامَةً لِمَكَانِ الخَضِرِ، وَالحُوتُ هُنَا السَّمَكَةُ)، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ (وَكَانَ فِي عَودَتِهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحرِ لِأَنَّ السَّمَكَةَ لَمَّا انسَلَّت مِنَ القُفَّةِ وَجَرَت نَحوَ البَحرِ جَعَلَت لَهَا شَيئًا يَابِسًا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ هَذَا مُعجِزَةً لِمُوسَى، فَحَيثُ جَرَت هَذِهِ السَّمَكَةُ انقَلَبَت هَذِهِ المِيَاهُ إِلَى يَبَسٍ فَانسَلَّت هَذِهِ السَّمَكَةُ وَدَخَلَت فِي البَحرِ فِي مِثلِ المَجرَى)، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ (فَتَى مُوسَى الَّذِي كَانَ مَعَهُ يُسَاعِدُهُ وَيُعِينُهُ، وَهُوَ نَبِيُّ اللهِ يُوشَعُ بنُ نُونٍ عَلَيهِ السَّلَامُ): ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ (أَي حِينَ كُنَّا عِندَ الصَّخرَةِ) فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ (وَفِي بَعضِ القِرَاءَاتِ: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ﴾ بِالضَّمِّ) إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:63]، ﴿قَالَ (أَي مُوسَى) ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي (قَالَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ فُقدَانُ الحُوتِ مَا كُنَّا نَطلُبُ هَذَا الَّذِي كُنَّا نَطلُبُهُ) فَارْتَدَّا (أَي رَجَعَا) عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (أَي رَجَعَا يَتبَعَانِ آثَارَهُمَا اتِّبَاعًا)، [سُورَةُ الكَهفِ:64]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا (مِن شَأنِ مُوسَى وَالخَضِرِ) الَّذِي قَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ» (يَتَتَبَّعَانِ آثَارَهُمَا اتِّبَاعًا، رَجَعُوا بِنَفسِ الخَطِّ وَنَفسِ الطَّرِيقِ الَّذِي كَانُوا قَد سَلَكُوهُ، رَجَعُوا مَسَافَةً طَوِيلَةً لِلخَلفِ، وَعِندَ الصَّخرَةِ التَقَى مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالخَضِرِ، وَجَدَهُ مُستَلقِيًا عَلَى البَحرِ فَقَالَ مُوسَى: السَّلَامُ عَلَيكُم، فَقَالَ: وَعَلَيكُمُ السَّلَامُ، وَأَنَّى بِأَرضِي السَّلَامُ، لِأَنَّ ذَلِكَ المَوضِعَ مِنَ الأَرضِ مَا فِيهِ مُسلِمٌ إِلَّا الخَضِرُ، فَمِن أَينَ يَأتِي السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ أَنتَ مُوسَى بَنِي إِسرَائِيلَ؟ قَالَ نَعَم، قَالَ: يَا مُوسَى، أَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ تَعَالَى لَا أَعلَمُهُ أَنَا وَأَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، فَالخَضِرُ يُحَاضِرُ مُوسَى بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ، فَكَانَ مِن شَأنِهِمَا، كَانَ مِن شَأنِ مُوسَى وَالخَضِرِ الَّذِي قَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الكَهفِ)
(وَفِي الحَدِيثِ جَوَازُ التَّجَادُلِ فِي العِلمِ إِذَا كَانَ بِغَيرِ تَعَنُّتٍ، وَالرُّجُوعِ إِلَى أَهلِ العِلمِ عِندَ التَّنَازُعِ، وَالعَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ الصَّدُوقِ، وَرُكُوبِ البَحرِ فِي طَلَبِ العِلمِ بَل فِي طَلَبِ الِاستِكثَارِ مِنهُ، وَمَشرُوعِيَّةِ حَملِ الزَّادِ فِي السَّفَرِ، وَلُزُومِ التَّوَاضُعِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلِهَذَا حَرَصَ مُوسَى عَلَى الِالتِقَاءِ بِالخَضِرِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَطَلَبَ التَّعَلُّمَ مِنهُ تَعلِيمًا لِقَومِهِ أَن يَتَأَدَّبُوا بِأَدَبِهِ، وَتَنبِيهًا لِمَن زَكَّى نَفسَهُ أَن يَسلُكَ مَسلَكَ التَّوَاضُعِ).
السُّؤَالُ
ما معنى قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾؟
الجواب: ليُعْلَمْ أَنَّ كُلَّ الأَنْبِيَاءِ فُصَحَاءُ فَلَيْسَ فِيهِمْ أَرَتُّ وَهُوَ الَّذِي يُعَجِّلُ فِي كَلامِهِ فَلا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ، وَلا تَأْتَاءُ وَلا أَلْثَغُ، وَأَمَّا الأَلْثَغُ فَهُوَ الَّذِي يُصَيِّرُ الرَّاءَ غَيْنًا أَوْ لامًا وَالسِّينَ ثَاءً وَأَمَّا نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي تَأَثَّرَ لِسَانُهُ بِالْجَمْرَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا وَوَضَعَهَا فِي فَمِهِ حِينَ كَانَ طِفْلًا أَمَامَ فِرْعَوْنَ لِحِكْمَةٍ، مَا تَرَكَتْ تِلْكَ الْجَمْرَةُ فِي لِسَانِهِ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ غَيْرَ مُفْهِمٍ لِلنَّاسِ إِنَّمَا كَانَتْ عُقْدَةً خَفِيفَةً بَلْ كَانَ كَلامُهُ مُفْهِمًا لا يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ بَلْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوَابِ لَكِنْ كَانَ فِيهِ عُقْدَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ بُطْءٌ مِنْ أَثَرِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ ثُمَّ دَعَا اللهَ تَعَالَى لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [سُورَةَ طَه] فَأَذْهَبَهَا اللهُ عَنْهُ.
مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
مَن قَرَأَ هَذَا الذِّكرَ بِمَرَضِهِ وَمَاتَ بِهَذَا المَرَضِ لَا يَمَسُّ جَسَدَهُ النَّارُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
اللهم بِعِلمِكَ الغَيبَ وَقُدرَتِكَ عَلَى الخَلقِ أَحيِنا مَا عَلِمتَ الحَيَاةَ خَيرًا لِنا، وَتَوَفَّنا إِذَا عَلِمتَ الوَفَاةَ خَيرًا لِنا، اللهم وَنسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنسأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَنسأَلُكَ القَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنسأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَنسأَلُكَ قُرَّةَ عَينٍ لَا تَنقَطِعُ، وَنسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَنسأَلُكَ بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، اللهم زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ.
اللهم أَصلِح لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصمَةُ أَمرِنا، وَأَصلِح لنا دُنيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصلِح لنَا آخِرَتَنا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا وَاجعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجعَلِ المَوتَ رَاحَةً لنا مِن كُلِّ شَرٍّ.
اللهم إِنا نسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى. اللهم لَكَ أَسلَمنا وَبِكَ آمَنا، وَعَلَيكَ تَوَكَّلنا وَإِلَيكَ أَنَبنا وَبِكَ خَاصَمنَا، اللهم إِنا نعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَن تُضِلَّنَا، أَنتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالجِنُّ وَالإِنسُ يَمُوتُونَ.
اللهم يَا اللهُ يا اللهُ أَذهِبِ الضِّيقَ وَالغُمُومَ عَنَّا، وَأَبعِد كَدَرَ الدُّنيَا وَالهُمُومَ عَن قُلُوبِنَا، وحَسِّن بِفَضلِكَ سِيرَتَنا، وَجَمِّل في الدُّنيَا هَيئَتَنَا، وَسَدِّد في الخَيرِ مَسِيرَتَنَا، وَانشُر بَينَ الملائِكَةِ ذِكرَنَا، وَاحفَظ بَينَ الخَلقِ كَرَامَتَنَا، وَعَطِّر بَينَ النَّاسِ سُمعَتَنَا، وَارفَع بَينَ الحُسَّادِ مَهَابَتَنَا، وَإِلى جَنَّاتِ الخُلدِ أَدخِلنَا، وَفي الدَّرجَاتِ العَالِيَةِ أَنزلنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَطَهِّر قُلُوبَنا، وَاحَفَظ فُرُوجَنا، وسَدِّد خُطَانا، وَأَلهِمنَا الطَّاعَاتِ فِي مَحيَانَا، وَأَسعدنَا فِي دُنيَانا وَأُخرَانا يَا اللهُ يا اللهُ.
اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ البُخلِ، وَنعُوذُ بِكَ مِن أَن نرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ، وَنعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ الدُّنيَا وَعَذَابِ القَبر.
اللهم كُن لِأَهلِ غَزَّةَ عَونًا وَنَصِيرًا، وَبَدِّل خَوفَهُم أَمنًا. اللهم ارزُق إِخوَانَنَا فِي فِلَسطِينَ الصُّمُودَ وَالقُوَّةَ فِي وَجهِ الطُّغيَانِ وَانصُرهُم. اللهم فَرِّج عَنِ المُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ. اللهم وَرُدَّ إِلَينَا المَسجِدَ الأَقصَى رَدًّا جَمِيلًا. اللهم احفَظ أَروَاحَ المُجَاهِدِينَ فِي فِلَسطِينَ، وَرُدَّهُم إِلَى أَهلِهِم مَرَدًّا كَرِيمًا آمِنًا. رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ…..