بسم الله الرّحمن الرّحيم
الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ، الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ، الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ، تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ، نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ، وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنُ سَبِيلٍ، حمدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ قِيلَ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ، وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ، وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ، وسلّم تسليمًا كثيرًا،
أما بعد:
فإنّ فضائل وخصائص النّبي ﷺ كثيرة عديدة مشهودة معروفة، ذكرنا شيئا منها في درسنا السابق في هذه المجالس المباركة ونكمل في ذكر بعضها أيضًا تبرّكًا بسيرة محمّد ﷺ.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنه أحلت له الغنائم ولم تحل لأحد قبله وجعلت صفوف أمته كصفوف الملائكة، وجعلت له الأرض مسجدًا وترابها طهورًا
وهذه الخصائص تدلّ على علو مرتبته والرفق بأمته. ففي الصحيحين عن جابر أن النبي ﷺقال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة:«فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء». قال: وذكر خصلة أخرى، وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن أبي شيبة وهي: «وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي».
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنّ الله أثنى على خُلُقِهِ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم/ الآية 4] واستعظام العظماء للشىء يدلّ على تمكّنه في العظمة، فما الظن باستعظام أعظم العظماء. وقد روى ابن جرير في تفسيره عن سعد بن هشام قال أتيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقلت لها: أخبريني بخلق رسول الله ﷺ. فقالت: ((كان خلقه القرآن، أما تقرأ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾)). وفي مسند أحمد عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: ((أما تقرأ القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾)). وفي المسند أيضًا عن الحسن البصري قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ،فقالت: ((كان خلقه القرآن))، قال بعض الحفاظ في هذا: ومعناه أنه ﷺ صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجية له وخلقًا تطبعه وترك طبعه الجبلي فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه هذا مع ما جبله الله تعالى من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل. اهـ
ولله درّ القائل:
| أرى كلّ مدح في النّبي مقصرًا | وإن بالغ المثني عليه وأكثــــــرا | |
| إذا اللــــــه أثنى بالذي هو أهله | عليه فما مقدار ما يمدح الـورى؟ |
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنّ الله أوحى إليه بأنواع الوحي وهي ثلاثة: إحداها: الرؤيا الصّادقة. والثاني: الكلام من غير واسطة. والثالث: مع جبريل عليه السلام
أما الرؤيا ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ((أول ما بُدِىءَ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) الحديث، وأما الكلام من غير واسطة فإنه كان ليلة الإسراء – مع التنبيه إلى أنّ كلام الله ليس حرفا ولا صوتا -، والله تعالى أزال الحجاب عن سمع محمد ﷺ فسمع كلام الله الأزلي الذي ليس له بداية ولا نهاية ففهم منه فرضية الصلوات وغير ذلك في الإسراء والمعراج -، وأما الوحي مع جبريل عليه السلام فهو غالب أحواله.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أن كتابه ﷺ وهو القرآن الكريم مشتمل على ما اشتملت عليه التوراة والإنجيل والزبور، وفُضِّلَ بالمفصل
روى أحمد والطبراني عن وائلة بنت الأسقع رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ». وللطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَعْطَانِي رَبِّي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَالْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ»، والمفصل اختلف فيه فقيل يبتدئ من (الصافات) وقيل من سورة (الفتح) وقيل من سورة (ق) وقيل غير ذلك، ومنتهاه آخر القرآن بالاتفاق.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنّ أمّته أقلّ عملًا ممن قبلهم وأكثر أجرًا
كما جاء في الحديث الصحيح وهو ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». وروى البخاري أيضًا عن أبي موسى عن النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ».
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أن الله عرض عليه مفاتيح كنوز الأرض وخيّره بين أن يكون ملكًا أو نبيًا عبدًا – فاستشار جبريل فأشار عليه أن تواضع – فقال: بل نبيًا عبدًا أجوع يومًا وأشبع يومًا فإذا جعت دعوت الله وإذا شبعت شكرت
ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي»، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد حسن وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺذَات يَوْم وَجِبْرِيل على الصَّفَا فَقَالَ: «يَا جِبْرِيل مَا أَمْسَى لآل مُحَمَّد سفة من دَقِيق وَلَا كفة من سويق» فَلم يكن كَلَامه بأسرع من أَن سَمِعَ هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَتَاهُ إسْرَافيل فَقَالَ: إِن الله سمع مَا ذكرت فَبَعَثَنِي إِلَيْك بمفاتيح خَزَائِن الأَرْض وأمرني أَن أعرض عَلَيْك أَسِير مَعَك جبال تهَامَة زمردا وياقوتا وذهبا وَفِضة فعلت فَإِن شِئْت نَبيا ملكا وَإِن شِئْت نَبيا عبدا فَأَوْمأ إِلَيْهِ جِبْرِيل أَن تواضع فَقَالَ بل نَبيا عبدا ثَلَاثًا.
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا. قُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا أَوْ قَالَ: ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ».اهـ وإلى هذا أشار البوصيري عليه الرضوان بقوله في البردة:
| وراودته الجبال الشم من ذهـب | عن نفسه فأراها أيمـا شمم |
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أن الله أرسله رحمة للعالمين فأمهل عصاة أمته ولم يعاجلهم إبقاء عليهم
بخلاف من تقدمه من الأنبياء فإنهم لما كُذِّبوا عوجل مكذبهم. ففي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ» الفرط بفتح الفاء والراء هو الذي يتقدم الواردة فيهيىء لهم الدلاء والحياض، يريد أنه يتقدم بين أيديهم يشفع فيهم وينفعهم كالذي يتقدم الواردة ففي الحديث استعارة حسنة وتجوز بديع، وقد قصّ الله تعالى في كتابه الكريم ما عذب به الأمم السابقة حين كذبوا رسلهم وعصوا أمرهم، وقال لنبيه ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 33] فكان وجوده ﷺ مانعًا من نزول عذاب الاستئصال بالمكذبين من أمته، وهذا غاية الرحمة.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنّ الله أنزل أمّته منزلة العدول من الحكام
فإنّ الله إذا حكم بين العباد فجحدت الأمم تبليغ الرسالة أُحضرت أمّة محمّد ﷺ فيشهدون على النّاس بأنّ رسلهم أبلغتهم وهذه الخصيصة لم تثبت لأحد من الأنبياء. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة/ الآية 143] فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ» وروي بلفظ: «يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَيُدْعَى وَأُمَّتُهُ».اهـ وذكر الحديث كما ذكره البخاري وأخرج ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي بن كعب في هذه الآية قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وَكَانُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَانُوا شُهَدَاءَ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ وَقَوْمِ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ رُسُلَهُمْ بَلَّغَتْهُمْ وَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ. وروى أيضًا عن جابر عن النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا أَيَّتُهَا الْأُمَّةَ مَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا وَنَحْنُ شُهَدَاؤُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لَهُمْ»
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: عصمة أمّته بأنّها لا تجتمع على ضلالة في فرع ولا في أصل
لأحاديث الحضّ على لزوم الجماعة واتّباع السّواد الأعظم وأنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة وأنّ يد الله على الجماعة وما في هذا المعنى ممّا ورد عن النّبي ﷺ من طرق كثيرة، فالأمّة لا تجتمع على ضلالة، والإجماع لا يكون على شيء مخالف في الأصول أي في الاعتقادات ولا في الفروع، الإجماع أينما انعقد فهو يفيد القطع، وقد أجمعت الأمة في أصول الدّين على أنّ الله موجود ولا يشبه الموجودات موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا يسار، كما قال فخر الدين بن عساكر رحمه الله تعالى: “اعلم أرشدَنا الله وإياكَ أنّه يجبُ على كلّ مكلَّف أن يعلمَ أنّ الله عزَّ وجلَّ واحدٌ في مُلكِه، خلقَ العالمَ بأسرِهِ العلويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسَّمواتِ والأرضَ وما فيهما وما بينهما. جميعُ الخلائقِ مقهورونَ بقدرَتِهِ، لا تتحركُ ذرةٌ إلا بإذنِهِ، ليسَ معهُ مُدبّرٌ في الخَلقِ ولا شريكٌ في المُلكِ، حيٌّ قيومٌ لا تأخذُهُ سِنةٌ ولا نومٌ، عالمُ الغيب والشهادةِ، لا يَخفى عليهِ شىءٌ في الأرضِ ولا في السّماءِ، يعلمُ ما في البرّ، والبحرِ وما تسقطُ من ورقةٍ إلا يعلمُهَا، ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين. أحاط بكلّ شىءٍ علمًا وأحصى كلَّ شىءٍ عددًا، فعّالٌ لما يريدُ، قادرٌ على ما يشاءُ، له الملكُ وله الغِنَى، وله العزُّ والبقاءُ، ولهُ الحكمُ والقضاءُ، ولهُ الأسماءُ الحسنى، لا دافعَ لما قضى، ولا مانعَ لما أعطى، يفعلُ في مُلكِهِ ما يريدُ، ويحكمُ في خلقِه بما يشاءُ. لا يرجو ثوابًا ولا يخافُ عقابًا، ليس عليه حقٌّ [يلزمُهُ] ولا عليه حكمٌ، وكلُّ نِعمةٍ منهُ فضلٌ وكلُّ نِقمةٍ منه عدلٌ، لا يُسأَلُ عما يفعلُ وهم يسألونَ. موجودٌ قبل الخلقِ، ليس له قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يَمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ، ولا بعضٌ. ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان، كوَّنَ الأكوانَ ودبَّر الزمانَ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأن، ولا يلحقُهُ وهمٌ، ولا يكتَنِفُهُ عقلٌ، ولا يتخصَّصُ بالذهنِ، ولا يتمثلُ في النفسِ، ولا يتصورُ في الوهمِ، ولا يتكيَّفُ في العقلِ، لا تَلحقُهُ الأوهامُ والأفكارُ، ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾” اهـ فكل هذه الاعتقادات من أصول الدّين أجمعت الأمة عليها، وما أجمعت عليه الأمة لا يكون باطلا ولا ضلالا ولله الحمد والمنّة على ذلك.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: حفظ كتابه الذي أنزل عليه وهو القرآن الكريم من التحريف والتبديل
فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يزيدوا فيه كلمة أو ينقصوا منه كلمة لعجزوا عن ذلك ولا يخفى ما وقع من التّبديل في التّوراة والإنجيل. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 9].
ويروى في ذلك أنّه كَانَ لِلْمَأْمُونِ وَهُوَ أَمِيرٌ إِذْ ذَاكَ مَجْلِسُ نَظَرٍ، فَدَخَلَ فِي مجلسه مع النَّاسِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ، حَسَنُ الثَّوْبِ، حَسَنُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، قَالَ فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ الْعِبَارَةَ قَالَ: فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ، دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ إِسْرَائِيلِيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَلَ بِكَ، وَأَصْنَعَ، وَوَعَدَهُ، فَقَالَ: دِينِي، وَدِينُ آبَائِي، فَانْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ جَاءَنَا مُسْلِمًا، قَالَ فَتَكَلَّمَ عَلَى الْفِقْهِ، فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ. فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ صَاحِبَنَا بِالْأَمْسِ؟ قَالَ لَهُ: بَلَى! قَالَ: فَمَا كَانَ سبب إسلامك؟ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ حَضْرَتِكَ. فأحببت أَنْ أَمْتَحِنَ هَذِهِ الْأَدْيَانَ، وَأَنَا مَعَ مَا تَرَانِي حَسَنُ الْخَطِّ فَعَمَدْتُ إِلَى التَّوْرَاةِ. فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ، وَأَدْخَلْتُهَا الْكَنِيسَةَ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي، وَعَمَدْتُ إِلَى الْإِنْجِيلِ. فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نَسْخٍ فَزِدْتُ فِيهَا، ونقصت وَأَدْخَلْتُهَا الْبَيْعَةَ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي، وَعَمَدْتُ إِلَى الْقُرْآنِ فَعَمِلْتُ ثَلَاثَ نَسْخٍ، وَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ وَأَدْخَلْتُهَا إِلَى الْوَرَّاقِينَ، فَتَصَفَّحُوهَا، فَلَمَّا أَنْ وَجَدُوا فِيهَا الزِّيَادَةَ، وَالنُّقْصَانَ، رَمَوْا بِهَا فَلَمْ يَشْتَرُوهَا. فَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا كِتَابٌ مَحْفُوظٌ، فَكَانَ هَذَا سَبَبَ إِسْلَامِي.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: فَحَجَجْتُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَقِيتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَذَكَرْتُ لَهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي: مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: قُلْتُ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ؟ قَالَ: فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجل في التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة/ الآية 44] فَجَعَلَ حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَضَاعَ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 9] فَحَفِظَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنّ الله ستر على من يتقبل عمله من أمّته، وكان من قبلهم يقربون القرابين فتأكل النّار من تقبل منه وتدع ما لم يتقبل فيصبح صاحبه مفتضحًا
ولمثل ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 107]وقال ﷺ: «إنّما أنا رحمة مهداة»، وقال: «أنا نبيّ الرحمة».
كان هذا من شرائع الأمم السابقة كما قصّه الله علينا في كتابه الكريم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 183] وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 27] ورد في التفسير أنّ النّار نزلت على قربان هابيل، فأخذته وبذلك عرف قابيل أنّ قربانه لم يتقبل، وثبت في بعض طرق حديث إحلال الغنائم، أنّ من قبلنا كانوا إذا غنموا غنائم جمعوها فتجىء نار فتأخذها فإذا حصل فيها غلول لم تأخذها النار.
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنه يدخل من أمته الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولم يثبت ذلك لغيره
فقد قال ﷺ:«عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي. فقيل لي: هذا موسى ﷺ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ».
ومن فضائله وخصائصه ﷺ: أنّه بعث بجوامع الكلم واختصر له الحديث اختصارًا وفاق العرب في فصاحته وبلاغته، وكما فضّله الله على أنبيائه ورسله من البشر، فكذلك فضّله على من اصطفاه من رسله من أهل السّماء ملائكته
فقد ثبت في حديث الصحيحين في أنّه ﷺ أعطي جوامع الكلم، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنّ النّبي ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون». وروى ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ:«أعطيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه»، وفي مسند أبي يعلى بإسناد حسن أيضًا عن عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا». وقد اختلف في جوامع الكلم، فقال جماعة: هو القرآن، وقال الزهري: بلغني أنّ جوامع الكلم أنّ الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الوحي قبله، في الأمر الواحد، ومعنى هذا أنّه أعطي الكلمات البليغة الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة وتصح إرادة الكل كما لا يخفى، وفواتح الكلم حسن التوصل إلى غموض المعاني التي أغلقت على غيره، وخواتمه ختم الكلام بمقطع وجيز بليغ جامع، ومعنى هذا كما قال القرطبي وغيره أنّ كلامه ﷺ من مبدئه إلى خاتمته كله بليغ وجيز جامع، فهو ﷺ أفصح العرب لسانًا وأبلغهم كلامًا وأعذبهم منطقًا.
وأخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنّ الله تعالى فضّل محمدًا ﷺ على أهل السّماء وعلى الأنبياء، قالوا: يا ابن عباس فما فضله على أهل السّماء؟ قال: إنّ الله تعالى قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 29] وقال لمحمد: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح/ الآية 1-2] فقد كتب له براءة، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 4] وقال لمحمّد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ/ الآية 28] فأرسله إلى الإنس والجن.
وَلَهُ خَصَائِصُ أُخْرَى، مِنْهَا:
أَنَّهُ أُعْطِيَ سَاعَةً لَا حَقَّ فِيْهَا لِأَزْوَاجِهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ فَيَفْعَلُ بِهِنَّ مَا يُرِيْدُ وَلَو لِغَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، وَتَحْرِيْمُ زَوْجَاتِهِ الَّتِي تُوُفِيَّ عَنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهِ أَبَدًا، وَأَنَّهُ يُضَاعَفُ ثَوَابُ زَوْجَاتِهِ فِي الأَجْرِ وَيُضَاعَفُ عِقَابُهُنَّ فِي الوِزْرِ – أي في كل المعاصي – فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 30]، وَأَنَّ أُمَّتَهُ – أَيِ الْمُؤْمِنِيْنَ – خَيْرُ الأُمَمِ وَأَنَّهَا مَعْصُوْمَةٌ مِنَ الاجْتِمَاعِ عَلَى الضَّلَالِ، وَأَنَّ كِتَابَهُ الَّذِي هُوَ القُرْءَانُ مَحْفُوْظٌ مِنَ التَّبْدِيْلِ وَالتَّحْرِيْفِ عَلَى مَمَرِّ الدُّهُوْرِ، وَخَصَّهُ اللهُ بِأَنَّ الأَرْضَ كُلَّهَا جُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مَسْجِدًا وَأَنَّ تُرَابَهَا طَهُوْرٌ لِلتَّيَمُّمِ، وَأَنَّهُ نُصِرَ هُوَ بِالرُّعْبِ مَسِيْرَةَ شَهْرٍ أَمَامَهُ وَشَهْرٍ خَلْفَهُ – معناه الكفار أعداؤه يدخلهم الرّعب من مسيرة شهر، لو كانوا في مسيرة شهر وأرادوا قتاله يدخلهم الرعب وهم في أماكنهم فكيف الذين هو أدنى من ذلك، وهذا خاصٌّ بِه دُون أُمَّتِه -. وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا أنَّ رُؤْيَتَهُ ﷺ فِي حَيَاتِهِ لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الْخَاصِّيَةُ الَّتي جَعَلَهَا اللهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِمَنْ رَءَاهُ فِي الْمَنَامِ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَرُؤْيَةُ شَعَرِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِيهَا هَذِهِ الْمَزِيَّةُ الَّتي لَمْ تَكُنْ لِمَنْ رَأَى شَعَرَهُ فِي حَيَاتِهِ وَإِلاَّ كَانَ أَسْلَمَ كُلُّ مَنْ رَءَاهُ، وَهَذِهِ الْمَزِيَّةُ لِمَنْ رَأَى أَظْفَارَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ سَيْفَهُ أَوْ ثَوْبَهُ لَهَا خَاصِّيَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهَا فِي حَيَاتِهِ، اللَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَقُولَ فِي حَيَاتِهِ: «مَنْ رَءَانِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ». فَمَنْ رَءَاهُ فِي الْمَنَامِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَمَانًا لَهُ أَنَّهُ يَمُوْتُ عَلَى الإِيْمَانِ، أَمَّا مَنْ زَارَ قَبْرَهُ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَالعَقِيْدَةِ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ الوَفَاةُ عَلَى الإِيْمَانِ، وَإِنْ مَاتَ مُؤْمِنًا فَإِنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ ﷺ. فَمَنْ رَءَاهُ عَلَى صِفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ فِي الْمَنَامِ وَمَنْ رَءَاهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ كُلٌّ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَمُوْتَ عَلَى الإِيْمَانِ. وَمَنْ رَأَى شَعَرَةَ الرَّسُوْلِ أَوْ تَبَرَّكَ بِهَا بِالْمَسِّ، فِي بَعْضِ البَرَكَاتِ، كَأَّنُه رَأَى النَّبِيَّ جِهَارًا.
قال الإمام أبو سعيد النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى): الفضائل التي فضّل بها النّبي محمّد ﷺ على سائر الأنبياء ستون خصلة اهـ، وقال الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى: لم أقف على من عدّها وقد تتبعت الأحاديث والآثار فوجدت القدر المذكور وثلاثة أمثاله معه، وقد رأيتها أربعة أقسام:
- قسم اختصّ به في ذاته في الدّنيا.
- وقسم اختصّ به في ذاته في الآخرة.
- وقسم اختصّ به في أمّته في الدّنيا.
- وقسم اختصّ به في أمّته في الآخرة.
وقد ذكرها العلماء رحمهم الله وألّفوا فيها المؤلفاتِ الكثيرةَ وأطالوا في ذكرها وذكر استدلالاتها وشواهدها من الكتاب والسنة، وإنّما يدلّ كلّ هذا على عظيم فضل ومكانة محمد ﷺ، ويدلّ على اعتناء فقهاء الملّة جزاهم الله خيرًا في بيان ما كان عليه نبينا ﷺ من الرّتبة والمكانة والفضل، وكلّ هذا يزيد حبّ محمّد ﷺ في القلوب وبه ينصلح حال المسلمين، فالإسلام أعظم نعمة أنعم الله بها علينا ونحن لم نعرف الإسلام وأحكامه لولا أنّ الله منَّ علينا بمعرفة نبيه ﷺ، فطبت حيًّا وميّتًا يا رسول الله وجزاك الله عنّا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، اللهم ارزقنا شفاعته وزيارته بجاهه عندك يا رب العالمين. اللهم اجعلنا لدعوته سامعين ولأمره مطيعين ومن أوليائه المخلصين، ومن رفقائه المصاحِبين. اللهم أبلغه منّا السلام.
| يا من يجيب دعا المضطر في الظُلَمِ | يا كاشفَ الضر والبلـوى معَ السَقَمِ | |
| شفّــــعْ نبيَك فــــي ذلـــي ومسكنتـي | واستــر فإنك ذو فضــلٍ وذو كـرمِ | |
| واغفر ذنــوبي وسامحني بهـا كرمًا | تفضلًا منـك يا ذا الفضــل والنِعَــمِ | |
| وقــد وعدتَ بأن ندعـــو وتجيب لنا | وقد دعَـــونا فجُــــد بالعفو والكرمِ |
اللهم اجعل صلواتِك وبركاتِك ورحمتَك على سيدِ المرسلين وإمام المتقين محمّدٍ عبدِك ورسولِك إمام الخير وقائدِ الخير ورسولِ الرحمة.
اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطُه الأولون والآخرون.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ