المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
أحْمدُ الله على نعمه بجميع مَحامده، وأُثني عليه بآلائه في بادئ الأمر وعائِدِه، وأشكره على وافر عطائه ورافِدِه، وأعترف بلُطْفه في مَصادر التوفيق ومَوارده.
وأَشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله، شهادَةَ مُتَحَلٍّ بقلائد الإخلاص وفرائِدِه، مستقلٍ بإحكام قواعد التوحيدِ ومَعَاقدِهِ. وأصلي على رسوله رافع أعلام الإسلام ومَطارِدِه، وشارعِ نَهْج الهُدى لقاصِدِه، وهادي سبيل الحقّ وماهِدِه، وعلى آله وأصحابه حُماةِ معالمِ الدين ومَعاهِدِه،
وَأَشْهَدُ بِتَوْحِيدِ الله شَهَادَةَ مُخْلِصٍ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي نبع الماءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ يَدِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَفِيقِهِ فِي شَدَائِدِهِ، وَعَلَى عُمَرَ كَهْفِ الإِسْلامِ وَعَضُدِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ جَامِعِ الْقُرْآنِ فتَعسًا لِمُبِدِّدِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ كافي الحروب وَشُجْعَانِهَا بِمُفْرَدِهِ، وَالْمُضْطَجِعِ لَيْلَةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ عَلَى مَرْقَدِهِ، أما بعد:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الأَذَانَ أَوِ الإِقَامَةَ
رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة».
قال الفقهاء الشافعيّون كالشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله: الْأَذَانُ وَالتَّأْذِينُ بِالْمُعْجَمَةِ لُغَةً الْإِعْلَامُ قَالَ تَعَالَى: (وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ) [سورة التوبة/ الآية 3]وَشَرْعًا: قَوْلٌ مَخْصُوصٌ يُعْلَمُ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ) [سورة الجمعة/ الآية 9] وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ) [سورة المائدة/ الآية 58]
وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»
وَفِي أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيَضْرِبَ بِهِ النَّاسُ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْت: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَوَلَا أَدُلُّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْت له: بَلَى، فَقَالَ: تَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ. ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَتَقُولُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِ الْإِقَامَةِ. فَلَمَّا أَصْبَحْت أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْت فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» فَقُمْت مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ فَيُؤَذِّنُ بِهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ مَا رَأَى فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ».
والْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ سُنَّتَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَيُسَنُّ الْأَذَانُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالصَّلَاةِ. وَيُعْلِنُ أَيْ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ نَدْبًا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
أما حديثُ ابنِ حبانَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنَا إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ، مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ» معناه أنّ الرّجلَ الذي يقرأ القرءانَ يجهرُ به اللهُ يحبُّه أشدّ مما يحب صاحب الجارية جاريته التي تغني له. القينة هي الجارية التي تغني لسيدها، كان العرب يعلمون جواريهم الغناء حتى تُغنّي لهم كانوا يعلمونها اللغة والنحو والصرف حتى تصير بليغة ثم تغني لهم. «للهُ أَشَدُّ أَذَنًا»، فالأَذَنُ فِي اللُّغَةِ الاستِمَاعُ، قال ابنُ حَجَرٍ: وقولُهُ «أَذَنًا» بفتحِ الهمزَةِ والمعجمَةِ أي استِمَاعًا.اهـ وكذلك الأوزاعي قال ذلك.
رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ أَيْ: صَوْتَهُ أَوْ أَذَانَهُ. مُعظَمُ أَلفَاظِ الأَذَانِ تُكَرَّرُ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، إِلَّا التَّكبِيرَ أَوَّلَهُ فَأَربَعَ مَرَّاتٍ، وَإِلَّا لَفظَ التَّوحِيدِ ءَاخِرَهُ (وَهُوَ لَفظُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَوَاحِدَةً. وَمُعظَمُ أَلفَاظِ الإِقَامَةِ مُفرَدَةٌ إِلَّا التَّكبِيرَ الأَوَّلَ وَالأَخِيرَ وَلَفظَ الإِقَامَةِ (وَهُوَ لَفظُ: قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ) فَهُوَ مُثَنًّى.
وَمِن أَسرَارِ الأَذَانِ أَنَّهُ حِرزٌ مِنَ الشَّيطَانِ، وقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِذَا تَغَوَّلَت لِأَحَدِكُمُ الغِيلَانُ فَليُؤَذِّن، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ، والغيلانُ جِنسٌ مِنَ الجِنِّ.
فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ أَيْ: إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا فِي قَوْلِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ وَبِالْحَقِّ نَطَقْتَ، وَبَرِرْتَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: صِرْتَ ذَا بِرٍّ، أَيْ: خَيْرٍ كَثِيرٍ.
ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِكُمْ. هذا أمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان وهو عليه الصلاة والسلام لم يفرق هنا بين المؤذن والمستمع أو غيرهما، ومن هذا الحديث استدل الفقهاء كالسخاوي وغيره على جواز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، والأمة الإسلامية على هذا منذ القرن السادس الهجري من زمان الناصر السلطان المجاهد صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه الوسائل إلى مسامرة الأوائل وهذا ردٌّ على بعض الجهلة الذين يُنكرون ذلك حتى قال بعض رؤوسهم: إنّ الربابة في بيت الخاطئة يعني الزانية أقل إثما ممن يصلي على النبي بعد الأذان والعياذ بالله، كما نقل ذلك أحمد بن زيني دحلان وغيره،
وقال بعضهم: طهّرنا كذا وكذا مسجدا من هذه البدعة القبيحة وهي بزعمهم الصلاة على النبي بعد الأذان.
وقد رأيناهم هنا في بلادنا في بعض المساجد يركضون إلى السماعات والمايكات بعد الأذان ليطفؤوها قبل أن يصلي المؤذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظنون أنهم بفعلهم هذا يحافظون على التوحيد ويحفظون المساجد من البدعة، ويصدق فيهم قوله تعالى: (قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا) [سورة الكهف/ الآية 103-104]،
فقالوا لا يجوز الصلاة على النبي بعد الأذان جهرًا بل قالوا أنه كفر وشرك، فضللوا المسلمين وكفروهم واستحلوا دمائهم وإباحةَ قتلهم والعياذ بالله تعالى.
وهذه صفة الخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم،
وقد أرسل الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بدين الوسطية والاعتدال، الدين الذي تقبله النفوس والعقول السليمة، الدين الذي لا يخالف الفطرة السليمة هو دين بعيد كل البعد عن الغلو والتقصير، دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. فقد قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا) [سورة البقرة/ الآية 143]، فالمسلمون على هذا التوسط والاعتدال من زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهو معلم الاعتدال والوسطية إلى أن ظهر في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم رجل أخبر عن حاله نبي الرحمة ورسول الأمة عليه الصلاة والسلام، ففي البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْدِلْ. قَالَ: «وَيْلَكَ، مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ»، فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: «لَا، إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ»– أي يُكثرون من صورة الصلاة والصيام ولا علم ولا فقه لهم في دين الله عز وجل -، إلى أن قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: «يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، آيَتُهُمْ – أي علامتهم – رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخدري: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنِّي كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ قَاتَلَهُمْ، فَالْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى فَأُتِيَ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي رواية أخرى عند البخاري يقول: فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُ أَيَأْمَنُنِي اللهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي». فَلَمَّا وَلَّى قَالَ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».
فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً أَيْ: وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَيْ: أَعْطَاهُ بِهَا عَشْرًا أَيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عند الطبراني في المعجم الكبير: «صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» بَلْ أَكْثَرُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَمَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ الْآنَ عَقِبَ الْأَذَانِ مِنَ الْإِعْلَانِ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مِرَارًا أَصْلُهُ سُنَّةٌ.
حُكيَ عَن الشبلي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ: مَاتَ رجل من جيراني فرأيته فِي الْمَنَام فَسَأَلته عَن حَاله، فَقَالَ: يَا شبلي مرّت بِي أهوال عِظَام وَذَلِكَ أَنّه لمّا سُئِلت تلجلج لساني عِنْد السُّؤَال فجَاءَنِي الْملكَانِ وَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يبادرني بِالْعَذَابِ إِذا أَنا بشخص جميل مَا رَأَيْت أجمل مِنْهُ وَجها فحال بيني وَبَينهمَا، فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ من بعد مَا لَقَّنَنِي حجتي. فَقَالَ: أَنا ملك أرسلني الله بسبب ثَوَاب الصَّلَاة على مُحَمَّد وَأَنت كنت تكْثر الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ لأخلصنك بِإِذن الله من جَمِيع الأحزان وَمن عَذَاب النيرَان وَلَا أبارحك حَتَّى أدْخلك الْجنَّة برحمة الله.
فَالله الله عباد الله لَا تملوا من الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ زين الْعباد الَّذِي خلُصنا بِهِ من حرّ جَهَنَّم وَبئسَ المهاد. وأنشدوا:
صلى الْإِلَه على النَّبِي مُحَمَّد *** خير ِالْأَنَام وجاءه التَّنْزِيل
وبفضله نطق الْكتاب وبينت *** بصفاته التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل
ذَاك النَّبِي الْهَاشِمِي الْمُصْطَفى *** قد جَاءَهُ الترفيع والتفضيل
أسرى بِهِ الْمولى إِلَى أفق السما *** فَوق الْبراق وَعِنْده جِبْرِيل
رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ أَنهم قَالُوا: مَا من مجْلِس يُصَلى فِيهِ على النَّبِي ﷺ إِلَّا نمت لَهُ رَائِحَة طيبَة حَتَّى تبلغ عَنان السَّمَاء فَتَقول الْمَلَائِكَة هَذِه رَائِحَة مجْلِسٍ صلي فِيهِ على النَّبِي مُحَمَّد ﷺ.
ثُمَّ سَلُوا اللهَ أَمْرٌ مِنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ قال ملا علي القاري: هِيَ فِي الْأَصْلِ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةُ مِنَ الْجَنَّةِ بِهَا لِأَنَّ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَائِزًا بِلِقَائِهِ، مَخْصُوصًا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الدَّرَجَاتِ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ.
ومن هذا المعنى يؤخذ معنى التوسل، فإنّ التوسل إلى الله هو التقرّب إلى الله عز وجل بما يُتَقَرَّب به إليه، وهذا التقرّب إلى الله عز وجل هو من باب الأخذ بالأسباب الواردُ في الشرع والذي لا يخالف الدين ولا يقدح في التوحيد، وقد يكون التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة أخذًا بالأسباب كحديث الثلاثة الذين تقربوا إلى الله بصالح عملهم ففرج الله عنهم وقد يكون التقرب إلى الله بذات النبي ﷺ كما في حديث الأعمى، والأخذ بالأسباب كثير بين الناس في حياتهم وليس قادحا في التوحيد، مع اعتقاد أن الله خالق الأسباب والمسبَّبات، فالمريض يذهب للطبيب ليُشفى واعتقاده أن الله هو الشافي المعافي، وأن الطبيب والدواء سببان، والله يحب من عباده الأخذَ بالأسباب في عمل الخيرات، فهذا لا ينافي مبدأ التوكل على الله سبحانه وتعالى، فبهذا عُلم أنّ التوسل بذوات الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ليس عبادة لهم، وإنّما هو أخذ بالأسباب، فالله هو النافع والضار على الحقيقة، فالتوسل بالمعنى الذي ذكرت عملٌ من الدين،
فَإِنَّهَا أَيِ: الْوَسِيلَةَ مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ أَيْ: مِنْ مَنَازِلِهَا، وَهِيَ أَعْلَاهَا وَأَغْلَاهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ لا تَنْبَغِي أَيْ: لَا تَتَسَيَّرُ وَلَا تَحْصُلُ وَلَا تَلِيقُ إلَّا لِعَبْدٍ أَيْ:وَاحِدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أي المؤمنين وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ قَالَهُ تَوَاضُعًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ الْأَنَامِ، فَلِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَقَامُ إلا له عليه السلام.
وإنّ لمحمد صلى الله عليه وسلم رتبةً لم ولن يصل إليها مخلوق غيره فهو صاحب أرفعِ الدرجات وأعلى المرتبات وأعزِّ المكانات، صلى الله عليه وسلم صلاة ينجينا الله بها من فتنة الدنيا والآخرة ومن فتنة المحيا والممات ومن عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن هول المطلع وهو يوم القيامة،
قال القاضي عياض في الشفا: لا خفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ: بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺوخُصُوصِهِ إيَّاهُ بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ لَا تَنْضَبِطُ لِزِمَامٍ، وَتَنويِهِهِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ، فَمِنْهَا مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى في كتابه، وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى جليل نِصَابِهِ، وَأَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ، وَحَضَّ الْعِبَادَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَتَقَلُّدِ إِيجَابِهِ، فَكَانَ جَلَّ جَلالُهُ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ وَأَوْلَى ثُمَّ طَهَّرَ وَزَكَّى، ثُمَّ مَدَحَ بِذَلِكَ وَأَثْنَى، ثُمَّ أَثَابَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، فَلَهُ الفضل بَدْءً وَعَوْدًا، وَلَهُ الْحَمْدُ أُولَى وأُخْرَى، وَمِنْهَا مَا أَبْرَزَهُ لِلْعِيَانِ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَخْصِيصِهِ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخلَاقِ الْحمِيدَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَرِيمَةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ البَيِّنَةِ، الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ، وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَى انْتَهَى عِلْمُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ عَلَيْنَا ﷺ، وممّا يدلّ على أنّه أعظم الخلق منزلة وأعلاهم رتبة كثيرٌ من الآيات والآثار والأقوال والحوادث والدلائل، منها ما روي في حديث الإسراء، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بالبراق لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جبريل: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذا، فَمَا رَكِبَكَ أحَدٌ أَكْرَمُ على الله منه؟ قال فَارْفَضَّ عَرَقًا.
فَمَنْ سَأَلَ لِيَ أَيْ: لِأَجْلِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة أَيْ: صَارَتْ حَلَالًا لَهُ غَيْرَ حَرَامٍ. وقَالَ بعض العلماء: أَيْ وَجَبَتْ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُلُولِ بِمَعْنَى النُّزُولِ، يَعْنِي اسْتَحَقَّ أَنْ أَشْفَعَ لَهُ مُجَازَاةً لِدُعَائِهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ.
وَالشَّفَاعَةُ لُغَةً طَلَبُ الخَيْرِ مِنَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَلَا يُشْفَعُ إِلَّا فِي الْمُؤْمِنِيْنَ، وَهِيَ أنواع: منها مَا هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ العُظْمَى وَالَّتِي تَكُوْنُ لِتَخْلِيْصِ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا تَخْتَصُّ بِشَفَاعَتِهِ لِبَعْضِ العُصَاةِ مِنْ أُمَّتِهِ فَقَطْ بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الشَّفَاعَةَ العُظْمَى، وَيَكُوْنُ صلى الله عليه وسلم مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُم، فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلُ مَنْ يَشْفَعُ وَأَوَّلُ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ، وكذلك يشفع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ الَّذِيْنَ مَاتُوا بِلَا تَوْبَةٍ سَوَاءٌ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ لِيَنْجُوا مِنَ العَذَابِ وَيَدْخُلُوا الجَنَّةَ أَوْ لِيَخْرُجُوْا مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ دَخَلُوْهُا فَيَكُوْنُ خُرُوْجُهُم قَبْلَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّوْنَهَا، وَيَشْفَعُ غَيْرُه صلى الله عليه وسلم مِمَّنْ يَأْذَنُ اللهُ لَهُم بِالشَّفَاعَةِ مِنْ مُرْتَضى اْلأَخْيَارِ كَالأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالعُلَمَاءِ الأَتْقِيَاءِ العَامِلينَ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ إِذْ يَشْفَعُ شهيدُ المعركةِ لِسَبْعِيْنَ مِنْ أَهْلِهِ الْمُؤْمِنِيْنَ، فَكُلٌّ مِنَ الْمَذْكُوْرِيْنَ يَشْفَعْ بِإِذْنِ اللهِ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ اللهُ بِالشَّفَاعَةِ لَهُ كما قَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي اْلأَخْبَارِ الحَدِيْثِيَّةِ الثَّابِتَةِ وَفِي نَصِّ القُرْءَانِ الكَرِيْمِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ) [سورة البقرة/ الآية 255]، وقال: (وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ) [سورة الأنبياء/ الآية 28]، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ أَيْضًا: «يَخرُجُ قَومٌ من النّارِ بشَفاعةِ مُحمَّدِ، فيدخُلون الجنة يُسَمَّونَ الجَهَنَّميِّين» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ،
وكُلُّ نَبيٍّ يَشْفَعُ لِبَعْضِ أَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَافِرَ لَيْسَ لَهُ شَفَاعَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ) [سورة الحاقة/ الآية 35]، أَيْ لَيْسَ لَهُ قَرِيْبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ عَذَابَ اللهِ تَعَالَى وَلَا مَنْ يَشْفَعُ لَهُ وَيُغِيْثُهُ مِمَّا هُوَ فِيْهِ مِنَ العَذَابِ وَالغَمِّ.
وقال تعالى: (فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ) [سورة المدثر/ الآية 48]، فَلَا تَكُوْنُ لَهم – أي الكفّار – شَفَاعَةُ تَخْفِيْفٍ لِلْعَذَابِ وَلَا شَفَاعَةُ إِنْقَاذٍ مِنْهُ.
ولذلك لا يجوز اعتقاد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لكافر أو أنّه يشفع لعمه أبي طالب وقد مات على الكفر أو أنّه يحبه لذاته، بل إنّه عليه الصلاة والسلام يحب له الاهتداء، ولكن مشيئة الله كانت أن يموت أبو طالب على الكفر فمات على الكفر، فالهداية من عند الله يختص برحمته من يشاء سبحانه، الرَّسُولُ كَانَ يُحِبُّ لِأَبِي طَالِبٍ أَنْ يَهْتَدِيَ وَمَعَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ مَاتَ كَافِرًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الرَّسُولَ وَيُدَافِعُ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ مَا رَضِيَ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمَّا كَانَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمُّ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَلَمْ يَفْعَلْ. وَقَالَ: إِنِّي عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، رواه البخاري. وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وروى أحمد في مسنده أنّه لَمَّا مَاتَ جَاءَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ قَالَ: «انْطَلِقْ فَوَارِهِ» جَهِّزْهُ لِلدَّفْنِ، وَالرَّسُولُ مَا خَرَجَ فِي جِنَازَتِهِ فَلَوْ كَانَ يُحِبُّهُ لِشَخْصِهِ كَانَ خَرَجَ فِي جِنَازَتِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ يُحِبُّ شَخْصَهُ بَلْ كَانَ كَارِهًا لَهُ مِنْ حَيْثُ كُفْرُهُ وَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ يُحِبُّ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 32] وَأَنْبِيَاءُ اللَّهِ لا يُحِبُّونَ الْكَافِرِينَ لِأَنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُمْ، إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ اهْتِدَاءَهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ) [سورة القصص/ الآية 56]، أَيْ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْلُقَ الِاهْتِدَاءَ فِي قَلْبِ مَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ، فَمَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ لا تَهْدِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لا يَهْتَدِيَ، (وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ) [سورة البقرة/ الآية 272] أَيْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ فِي الأَزَلِ يَهْتَدِي.
الرَّسُولُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَهْتَدِيَ أَبُو طَالِبٍ لِأَنَّهُ قَرِيبُهُ وَلِأَنَّهُ كَانَ يُنَاضِلُ عَنْهُ، لَكِنَّ اللَّهَ مَا شَاءَ لَهُ الإِيـمَانَ فَمَاتَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَقَدْ سَأَلَ الْعَبَّاسُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَاهُ: اللَّهُ جَعَلَ جَزَاءَهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ أَنَّ النَّارَ تَأْخُذُ مِنْهُ إِلَى الْقَدَمِ فَقَطْ، لا يَدْخُلُ الْمَكَانَ الَّذِي هُوَ بُعْدُهُ فِي النُّزُولِ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، الْكُفَّارُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار». وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مُسْلِمًا.
قال ابن الجوزي: فانظر أخي المسلم كيف أن النبي آثر أمته تلك الدعوة ثم طلب من المؤمنين حينما يسمعون الأذان أن يصلوا عليه عقبه ثم يسألوا له الوسيلة وهي المنزلة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ويرجو رسول الله أن تكون له هو، ولم يدع لنفسه بتلك الدعوة المجابة مع أنه كان يستطيع أن يدعو لنفسه بتلك الدعوة لكنه آثركم أيها المؤمنون بتلك الدعوة حبا لأمته فكيف لا تعشقون محمدا وكيف لا نزداد عشقا لمحمد ﷺ.
وقال ابن الجوزي: ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن على سَاق الْعَرْش مَكْتُوبًا (من اشتاق إِلَى رَحْمَتي رَحمته وَمن سَأَلَني أَعْطيته وَمن لم يسألني لم أنسه وَمن تقرب إِلَيّ بِقدر مُحَمَّد ﷺ غفرت ذنُوبه وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر).
فَالله الله يَا أمة مُحَمَّد وَيَا أحباب مُحَمَّد من أَصَابَته نائبة أَو وَقع فِي شدَّة فليتضرع إِلَى مَوْلَاهُ ويسأله بِقدر مُحَمَّد وبحرمة مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّ قدره عِنْد الله عَظِيم. فَأَكْثرُوا عباد الله يَا معشر من آمن بِاللَّه الْعَظِيم من الصَّلَاة على مُحَمَّد الْكَرِيم وَالنَّبِيّ السَّيِّد الرؤوف الرَّحِيم ينجيكم الله بهَا من الْعَذَاب الْأَلِيم ويدخلكم جنَّات الْخلد وَالنَّعِيم إِنَّه هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم.
والله تعالى أعلم وأحكم