المقدمة
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي اصطَفَى الإِسلَامَ دِينًا لِصَفوَةِ بَرِيَّتِهِ، وَبَعَثَ بِهِ المُرسَلِينَ الَّذِينَ اختَارَهُم مِن خَلِيقَتِهِ، وَجَعَلَنَا قَوَّامِينَ بِشَرِيعَتِهِ وَعَلَى مِلَّتِهِ، ذَابِّينَ عَن شَرِيعَتِهِ عَامِلِينَ بِسُنَّتِهِ، نَحمَدُهُ حَقَّ حَمدِهِ، وَنَسأَلُهُ التَّوفِيقَ لِرُشدِهِ، وَنَرغَبُ إِلَيهِ فِي المَزِيدِ مِن فَضلِهِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفضَلِ النَّبِيِّينَ وَخِيَرَةِ اللَّهِ مِنَ الخَلقِ أَجمَعِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ أَوَّلِ تَابِعٍ مِنَ الرِّجَالِ عَلَى الدِّينِ، وَعَلَى عُمَرَ القَوِيِّ فِي أَمرِ اللهِ فَلَا يَلِينُ، وَعَلَى عُثمَانَ زَوجِ ابنَتَيِ الرَّسُولِ وَنِعمَ القَرِينُ، وَعَلَى عَلِيٍّ بَحرِ العُلُومِ وَالصِّهرِ الأَمِينِ، وَعَلَى آلِ بَيتِ الرَّسُولِ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصَحَابِهِ الأَخيَارِ المُنتَجَبِينَ الطَّيِّبِينَ، وَعَلَى أَتبَاعِهِ الصَّالِحِينَ وَتَابِعِيهِم بِالإِحسَانِ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَسَلَّم تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:
افتتاح شهر رمضان المبارك
أَحبَابِيَ الكِرَامَ: فِي افتِتَاحِنَا شَهرَ رَمَضَانَ الكَرِيمَ المُبَارَكَ أَقُولُ لَكُم: وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُم لِعَمَلِ الخَيرَاتِ، وَعَصَمَنَا وَإِيَّاكُم مِنَ اقتِحَامِ البِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ، وَرَزَقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم تَمَامَ المَبَرَّاتِ، وَأَحيَانَا وَإِيَّاكُم لِإِكمَالِ شَهرِ الفَضَائِلِ وَالخَيرَاتِ، وَلَا رَدَّنَا وَإِيَّاكُم عَلَى أَعقَابِنَا بَعدَ إِذ هَدَانَا لِلإِسلَامِ وَهَدَانَا لِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُنكَرَاتِ.
يَقُولُ رَبُّ العِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان﴾ — [سورة البقرة: 185]
وَرُوِيَ عَن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ: مَرحَبًا بِمُطَهِّرِنَا. فَرَمَضَانُ خَيرٌ كُلُّهُ: صِيَامُ نَهَارِهِ، وَقِيَامُ لَيلِهِ، وَالنَّفَقَةُ فِيهِ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ.اهـ
وَعَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ وَقَد دَنَا شَهرُ رَمَضَانَ:
«لَو يَعلَمُ العِبَادُ مَا فِي رَمَضَانَ لَتَمَنَّت أُمَّتِي أَن يَكُونَ سَنَةً»
فَبَادِرُوا إِخوَانِي شَهرَكُم بِأَفعَالِ الخَيرِ، وَأَفرِدُوهَا عَنِ الخَطَايَا لِتَكُونَ وَحدَهَا لَا غَيرُ، وَاعلَمُوا أَنَّ شَهرَكُم هَذَا شَهرُ إِنعَامٍ وَخَيرٍ، تَعرِفُ حُرمَتَهُ المَلَائِكَةُ وَالجِنُّ وَالطَّيرُ.
وَاهًا لِأَوقَاتِهِ مِن زَوَاهِرَ مَا أَشرَفَهَا، وَلِسَاعَاتِهِ الَّتِي كَالجَوَاهِرِ مَا أَظرَفَهَا.
أَشرَقَتْ لَيَالِيهَا بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَأَنَارَت أَيَّامُهَا بِالصَّلَاةِ وَالتَّسبِيحِ.
حِليَتُهَا الإِخلَاصُ وَالصِّدقُ، وَثَمَرَتُهَا الخَلاصُ وَالعِتقُ.
التوبة والتهيؤ لشهر رمضان
قصة أبي محمد الجريري
عَرَفَ الفُطَنَاءُ الأَذكِيَاءُ فَضَائِلَ هَذَا الشَّهرِ العَظِيمِ فَشَدُّوا وَاستَعَدُّوا، فَقَدِ اعتَكَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُرَيرِيُّ (أَحمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَينِ الجُرَيرِيُّ أَحَدُ عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَمِنْ أَعلَامِ التَّصَوُّفِ فِي القَرنِ الرَّابِعِ الهِجرِيِّ، كَانَ مِن عُلَمَاءِ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ، وَمِنْ كِبَارِ أَصحَابِ الجُنَيدِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الجُنَيدُ أَجلَسُوهُ مَكَانَهُ، وَأَخَذُوا عَنهُ آدَابَ التَّصَوُّفِ)، هذا اعتكف فِي الحَرَمِ سَنَةً لَم يَمُدَّ رِجلَهُ وَلَم يَضطَجِع، فَقِيلَ لَهُ: كَيفَ قَدَرتَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: عَلِمَ صِدقَ بَاطِنِي فَأَعَانَنِي عَلَى ظَاهِرِي.
الذكر في رمضان
وَرُوِيَ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«ذَاكِرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمَضَانَ مَغفُورٌ لَهُ، وَسَائِلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ لَا يَخِيبُ»
آداب الصوم
أَحبَابِي: إِنَّ لِلصَّومِ آدَابًا مِنهَا: حِفظُ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَحِرَاسَةُ الخَوَاطِرِ البَاطِنَةِ، فَيَنبَغِي أَن يُتَلقَّى رَمَضَانُ بِتَوبَةٍ صَادِقَةٍ، وَعَزِيمَةٍ مُوَافِقَةٍ.
وَيَنبَغِي تَقدِيمُ النِّيَّةِ، وَهِيَ لَازِمَةٌ فِي كُلِّ لَيلَةٍ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِن مُلَازَمَةِ الصَّمتِ عَنِ الكَلَامِ الفَاحِشِ وَالغِيبَةِ، فَإِنَّهُ مَا صَامَ صَومًا كَامِلًا مَن ظَلَّ يَأكُلُ لُحُومَ النَّاسِ، وَمِنهَا: كَفُّ البَصَرِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الحَرَامِ.
تأمل في أحوال المنصرمين
أَحبَابِي: أَينَ مَن كَانَ مَعَكُم فِي رَمَضَانَ المَاضِي؟ أَمَا أَفنَتهُم آفَاتُ المَنُونِ القَوَاضِي؟ أَينَ مَن كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى المَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ؟ سَافَرَ عَن دَارِهِ مُنذُ زَمَانٍ وَلَم يَرجِع، أَينَ مَن صَبَرَ عَلَى مَشَقَّةِ الجُوعِ وَالظَّمَأ؟ غَابَ فَمَا آبَ، وَمَضَى، أَينَ الَّذِينَ ارتَفَعَت أَصوَاتُهُم بِالأَدعِيَةِ، فَخَرَجَت تِلكَ الجَوَاهِرُ مِن تِلكَ الأَوعِيَةِ؟ أَينَ مَن جَمَعَ مَالًا وَوَلَدًا، وَنَامَ وَلَم يَعلَم أَينَ يَكُونُ غَدًا؟
الخمس التي أُعطيت هذه الأمة في رمضان
رُوِيَ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«أُعطِيَت أُمَّتِي فِي شَهرِ رَمَضَانَ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبلِي:
- أَمَّا وَاحِدَةٌ: فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيلَةٍ مِنْ شَهرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيهِم [أَي رَحِمَهُم رَحمَةً خَاصَّةً]، وَمَن نَظَرَ اللَّهُ إِلَيهِ لَم يُعَذِّبهُ أَبَدًا.
- وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُم يُمسُونَ وَخُلُوفُ أَفوَاهِهِم أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ.
- وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَستَغفِرُ لَهُم فِي لَيلِهِم وَنَهَارِهِم.
- وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأمُرُ جَنَّتَهُ أَنِ استَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي، فَيُوشِكُ أَن يَذهَبَ عَنهُم نَصَبُ الدُّنيَا وَأَذَاهَا وَيَصِيرُونَ إِلَى جَنَّتِي وَكَرَامَتِي.
- وَأَمَّا الخَامِسَةُ: فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيلَةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُم جَمِيعًا»، فَقَالَ قَائِلٌ: هِيَ لَيلَةُ القَدرِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَلَم تَرَ إِلَى العُمَّالِ إِذَا فَرَغُوا مِن أَعمَالِهِم وُفُّوا؟».اهـ
المناجاة والتوبة
وَقَد قِيلَ: يَا نَادِمًا عَلَى الذُنُوبِ، أَينَ أَثَرُ نَدَمِكَ؟ أَينَ بُكَاؤُكَ عَلَى زَلَّةِ قَدَمِكَ؟ أَينَ حَذَرُكَ مِن أَلِيمِ العِقَابِ؟ أَينَ قَلَقُكَ مِن خَوفِ العِتَابِ؟ جَرِّدْ قَلبَكَ مِنَ الأَقذَارِ، ثُمَّ أَلبِسهُ الِاعتِذَارَ، ثُمَّ حَلِّهِ حُلَّةَ الِانكِسَارِ، ثُمَّ أَقِمهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ.
وَلَهَجَ بَعضُ العُبَّادِ بِالبُكَاءِ، فَعُوتِبَ عَلَى كَثرَتِهِ فَقَالَ:
بَكَيتُ عَلَى الذُّنُوبِ لِعُظمِ جُرمِي … وَحُقَّ لِكُلِّ مَن يَعصِي البُكَاءُ فَلَو أَنَّ البُكَاءَ يَرُدُّ هَمِّي … لأَسعَدَتِ الدُّمُوعَ مَعًا دِمَاءُ
فَاعلَم أَنَّ التَّائِبَ المُحَقِّقَ يَشغَلُهُ: تَنظِيفُ مَا وَسَّخَ، وَالحُزنُ عَلَى مَا فَرَّطَ عَن تَصوِيرِ زَلَّةٍ ثَانِيَةٍ.
يَا هَذَا اكتُب قِصَّةَ الرُّجُوعِ، بِقَلَمِ النُّزُوعِ، بِمِدَادِ الدُّمُوعِ، وَاسعَ بِهَا عَلَى قَدَمِ الخُضُوعِ، إِلَى بَابِ الخُشُوعِ، وَأَتبِعهَا بِالعَطَشِ وَالجُوعِ، وَسَل رَفعَهَا فَرُبَّ سُؤَالٍ مَسمُوعٍ، كَم هَتَكَ سِترَ مَن فَعَلَ خَطِيئَةً، قَد فَعَلتَهَا وَسُتِرتَ، فَابكِ عَلَى كَثرَةِ الذَّنبِ أَو عَلَى قِلَّةِ الشُّكرِ.
وَرَحِمَ اللهُ مَن قَالَ:
لَئِن جَلَّ ذَنبِي وَارتَكَبتُ المَآثِمَا … وَأَصبَحتُ فِي بَحرِ الخَطِيئَةِ عَائِمَا أُجَرِّرُ ذَيلِي فِي مُتَابَعَةِ الهَوَى … لأَقضِيَ أَوطَارَ البَطَالَةِ هَائِمَا فَهَا أَنَا ذَا يَا رَبِّ أَقرَرتُ بِالَّذِي … جَنَيتُ عَلَى نَفسِي وَأَصبَحتُ نَادِمَا أَجَلُّ ذُنُوبِي عِندَ عَفوِكَ سَيِّدِي … حَقِيرٌ وَإِن كَانَت ذُنُوبِي عَظَائِمَا
فضل العلم والحديث النبوي
أَحبَابِي: إِنَّ مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ الَّتِي نَشغَلُ أَوقَاتَنَا بِهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَيَّامِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ وَنَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ: الِاشتِغَالَ بِعِلمِ الدِّينِ، فَإِنَّ العِلمَ أَشرَفُ مَا رَغَّبَ فِيهِ الرَّاغِبُ، وَأَفضَلُ مَا طَلَبَ وَجَدَّ فِيهِ الطَّالِبُ، وَأَنفَعُ مَا كَسَبَهُ وَاقتَنَاهُ الكَاسِبُ؛ لِأَنَّ شَرَفَهُ يُثمِرُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَفَضلَهُ يُنمِي عَلَى طَالِبِهِ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ﴾ — [سورة الزمر: 9]
فَمَنَعَ المُسَاوَاةَ بَينَ العَالِمِ وَالجَاهِلِ لِمَا قَد خُصَّ بِهِ العَالِمُ مِن فَضِيلَةِ العِلمِ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا يَعقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾ — [سورة العنكبوت: 43]
فَنَفَى أَن يَكُونَ غَيرُ العَالِمِ يَعقِلُ عَنهُ أَمرًا كَالعَالِمِ، أَو يَفهَمُ مِنهُ زَجرًا كَالعَالِمِ.
حديث: فضل العالم على العابد
وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ فقَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا عَالِمٌ وَالآخَرُ عَابِدٌ، فَقَالَ ﷺ:
«فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضلِي عَلَى أَدنَاكُم»
وَقَالَ مُصعَبُ بنُ الزُّبَيرِ: تَعَلَّمِ العِلمَ، فَإِن يَكُن لَك مَالٌ كَانَ لَك جَمَالًا، وَإِن لَم يَكُن لَك مَالٌ كَانَ لَك مَالًا.
وَقَالَ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروَانَ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ، تَعَلَّمُوا العِلمَ، فَإِن كُنتُم سَادَةً فُقْتُمْ، وَإِنْ كُنتُم وَسَطًا سُدتُم، وَإِن كُنتُم سُوقَةً عِشتُم.
قصة عطاء بن أبي رباح مع الخليفة عبد الملك
هَذَا وَاللهِ شَأنُ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، فَقَد رَفَعَهُم رَبُّ العَالَمِينَ بِعِلْمِهِم، رَوَى ابنُ عَسَاكِرَ عَنِ الأَصمَعِيِّ يَقُولُ: دَخَلَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ عَلَى عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ، وَحَوَالَيهِ الأَشرَافُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ فِي وَقتِ حَجِّهِ فِي خِلَافَتِهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ الخَلِيفَةُ عَبدُ المَلِكِ قَامَ إِلَيهِ، وَأَجلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَعَدَ بَينَ يَدَيهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَاجَتُكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي حَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحَرَمِ رَسُولِهِ ﷺ، فَتَعَاهَدْهُ بِالعِمَارَةِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَولَادِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، فَإِنَّكَ بِهِم جَلَستَ هَذَا المَجلِسَ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَهلِ الثُّغُورِ، فَإِنَّهُم حِصنُ المُسلِمِينَ، وَتَفَقَّد أُمُورَ المُسلِمِينَ فَإِنَّكَ المَسؤُولُ عَنهُم، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَن عَلَى بَابِكَ وَلَا تَغفُل عَنهُم، وَلَا تُغلِق دُونَهُم بَابَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَفعَلُ. ثُمَّ نَهَضَ، فَقَبَضَ عَلَيهُ عَبدُ المَلِكِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا سَأَلتَنَا حَوَائِجَ غَيرِكَ، وَقَد قَضَينَاهَا، فَمَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: مَالِي إِلَى مَخلُوقٍ حَاجَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ. فَقَالَ عَبدُ المَلِكِ: هَذَا وَاللهِ الشَّرَفُ، هَذَا وَاللهِ السُّؤدُدُ.اهـ
أهل الحديث ومكانتهم
وَلِكُلِّ هَذِهِ الفَضَائِلِ -أَحبَابِي- فَإِنَّنَا سَنَبدَأُ بِإِذنِ اللهِ فِي سَنَتِنَا هَذِهِ وَفِي شَهرِنَا المُبَارَكِ هَذَا بِدِرَاسَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَرحِهِ مِن أَصَحِّ كِتَابٍ بَعدَ كِتَابِ اللهِ، وَهُوَ صَحِيحُ إِمَامِ الأَئِمَّةِ وَشَيخِ الأُمَّةِ وَدُرَّةِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ وَحَافِظِ العُصُورِ مِن زَمَانِهِ إِلَى زَمَانِنَا، الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وأَرضَاهُ.
فَإِنَّ لِدِرَاسَةِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ فَوَائِدَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً لَا أَقدِرُ عَلَى إِحصَائِهَا فِي جَلسَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الحَدِيثَ يَشتَمِلُ عَلَى مَعرِفَةِ أُصُولِ التَّوحِيد [وَهِيَ الأُمُورُ السِّتَّةُ المَذكُورَةُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ عِندَمَا سُئِلَ عَنِ الإِيمَانِ:
«أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ».اهـ
]، وَفِي عِلمِ الحَدِيثِ بَيَانُ مَا جَاءَ مِن وُجُوهِ الوَعدِ وَالوَعِيدِ، وِصِفَاتِ رَبِّ العَالَمِين تَعَالَى عَن مَقَالَاتِ المُلحِدِينَ [وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوصُوفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكُلُّ صِفَاتِهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَا يَطرَأُ عَلَيهَا تَغيِيرٌ وَلَا تُبتَدَأُ وَلَا تُختَتَمُ وَلَا تَتَقَطَّعُ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي المَقَاصِدِ النَّوَوِيَّةِ: المَقصِدُ الأَوَّلُ: فِي بَيَانِ عَقَائِدِ الإِسلَامِ وَأُصُولِ الأَحكَامِ: أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ مَعرِفَةُ اللهِ تَعَالَى. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ: مَوجُودٌ لَيسَ بِمَعدُومٍ، قَدِيمٌ لَيسَ بِحَادِثٍ، بَاقٍ لَا يَطرَأُ عَلَيهِ العَدَمُ، مُخَالِفٌ لِلحَوَادِثِ لَا شَيءَ يُمَاثِلُهُ، قَائِمٌ بِنَفسِهِ لَا يَحتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ وَلَا مُخَصِّصٍ، وَاحِدٌ لَا مُشَارِكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفعَالِهِ، لَهُ القُدرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالعِلمُ وَالحَيَاةُ وَالسَّمعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ، فَهُوَ القَادِرُ وَالمُرِيدُ وَالعَالِمُ وَالحَيُّ وَالسَّمِيعُ وَالبَصِيرُ وَالمُتَكَلِّمُ.اهـ].
وَفِي عِلمِ الحَدِيثِ الإِخبَارُ عَن صِفَاتِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى فِيهِمَا لِلمُتَّقِينَ وَالفُجَّارِ، وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي الأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ مِن صُنُوفِ العَجَائِبِ وَعَظِيمِ الآيَاتِ، وَذِكرُ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَفِي الحَدِيثِ قَصَصُ الأَنبِيَاءِ، وَأَخبَارُ الزُّهَّادِ وَالأَولِيَاءِ، وَمَوَاعِظُ البُلَغَاءِ وَكَلَامُ الفُقَهَاءِ، وَسِيَرُ مُلُوكِ العَرَبِ وَالعَجَمِ، وَأَقَاصِيصُ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ الأُمَمِ، وَشَرحُ مَغَازِي الرَّسُولِ ﷺ وَسَرَايَاهُ، وَجُمَلُ أَحكَامِهِ وَقَضَايَاهُ، وَخُطَبُهُ وَعِظَاتُهُ وَمُعجِزَاتُهُ، وَعِدَّةُ أَزوَاجِهِ وَأَولَادِهِ وَأَصهَارِهِ وَأَصحَابِهِ، وَذِكرُ فَضَائِلِهِم وَمَآثِرِهِم، وَشَرحُ أَخبَارِهِم وَمَنَاقِبِهِم، وَمَبلَغُ أَعمَارِهِم، وَبَيَانُ أَنسَابِهِم.
وَفِيهِ تَفسِيرُ القُرآنِ العَظِيمِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّبَإِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ فِي الأَحكَامِ المَحفُوظَةِ عَنهُم، وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعَالَى أَهلَ الحَدِيثِ أَركَانَ الشَّرِيعَةِ، وَهَدَمَ بِهِم كُلَّ بِدعَةٍ شَنِيعَةٍ، فَهُمُ الأُمَنَاءُ عَلَى دِينِ اللهِ مِن خَلِيقَتِهِ، وَالوَاسِطَةُ بَينَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَالمُجتَهِدُونَ فِي حَفِظِ مِلَّتِهِ، أَنوَارُهُم زَاهِرَةٌ، وَفَضَائِلُهُم سَائِرَةٌ، وَآيَاتُهُم بَاهِرَةٌ، وَمَذَاهِبُهُم ظَاهِرَةٌ، وَحُجَجُهُم قَاهِرَةٌ، فَإِنَّ الكِتَابَ عُدَّتُهُم، وَالسُّنَّةَ حُجَّتُهُم، وَالرَّسُولَ فِئَتُهُم، وَإِلَيهِ نِسبَتُهُم، لَا يُعَرِّجُونَ عَلَى الأَهوَاءِ، وَلَا يَلتَفِتُونَ إِلَى الآرَاءِ المُخَالِفَةِ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يُقبَلُ مِنهُم مَا رَوَوا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وَهُمُ المَأمُونُونَ عَلَيهِ وَالعُدُولُ، وَهُم حَفَظَةُ الدِّينِ وَخَزَنَتُهُ، وَأَوعِيَةُ العِلمِ وَحَمَلَتُهُ.
وَهُمُ الجُمهُورُ العَظِيمُ، وَسَبِيلُهُمُ السَّبِيلُ المُستَقِيمُ، مَن كَادَهُم أَهَانَهُ اللهُ، وَمَن عَانَدَهُم خَذَلَهُ اللهُ، لَا يَضُرُّهُمُ مَن خَذَلَهُم، وَلَا يُفلِحُ مَنِ اعتَزَلَهُمُ. المُحتَاطُ لِدِينِهِ إِلَى إِرشَادِهِم فَقِيرٌ، وَبَصَرُ النَّاظِرِ بِالسُّوءِ إِلَيهِم حَسِيرٌ، وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصرِهِم لَقَدِيرٌ.
رَوَى الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ عَن عَلِيِّ بنِ المَدِينِيِ شَيخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم»
قَالَ: هُم أَهلُ الحَدِيثِ، وَالَّذِينَ يَتَعَاهَدُونَ مَذَاهِبَ الرَّسُولِ ﷺ، وَيَذُبُّون عَنِ العِلمِ.اهـ
فَقَد جَعَلَهم رَبُّ العَالَمِينَ الطَّائِفَةَ المَنصُورَةَ حُرَّاسَ الدِّينِ، وَصَرَفَ عَنهُم كَيدَ المُعَانِدِينَ؛ لِتَمَسُّكِهِم بِالشَّرعِ المَتِينِ، وَاقتِفَائِهِم آثَارَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَشَأنُهُم حِفظُ الآثَارِ، وَقَطعُ المَفَاوِزِ وَالقِفَارِ [أَيِ المَنَاطِقِ المُهلِكَةِ]، وَرُكُوبُ البَرَارِي وَالبِحَارِ، فِي سَبِيلِ اقتِبَاسِ مَا شَرَعَ الرَّسُولُ المُصطَفَى، لَا يُعَرِّجُونَ عَنهُ إِلَى رَأيٍ مُخَالِفٍ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا هَوًى.
قَبِلُوا شَرِيعَتَهُ قَولًا وَفِعلًا، وَحَرَسُوا سُنَّتَهُ حِفظًا وَنَقلًا، حَتَّى ثَبَّتُوا بِذَلِكَ أَصلَهَا، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهلَهَا، وَكَم مِن مُلحِدٍ يُرِيدُ أَن يَخلِطَ بِالشَّرِيعَةِ مَا لَيسَ مِنهَا، وَاللهُ تَعَالَى يَدفَعُ بِأَصحَابِ الحَدِيثِ عَنهَا، فَهُمُ الحُفَّاظُ لِأَركَانِهَا، وَالقَوَّامُونَ بِأَمرِهَا وَشَأنِهَا:
﴿أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ — [سورة المجادلة: 22]
الإعلان عن شرح صحيح البخاري
أَحبَابِي: لِأَجلِ أَن نَنَالَ شَيئًا مِن كُلِّ هَذِهِ الفَضَائِلِ وَالخَيرَاتِ الَّتِي ذَكَرتُ، وَنَكُونَ فِي عِقدِ وَسِلسِلَةِ نَقَلَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ سَنَجعَلُ شَهرَ رَمَضَانَ هَذَا العَامَ مُنطَلَقًا لِشَرحِنَا لِصَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مُتَبَرِّكِينَ بِذِكرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمُتَبَرِّكِينَ بِصَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ، وَبِالإِمَامِ البُخَارِيِّ نَفسِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ.
وَأَحُثُّكُم عَلَى سَمَاعِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ المُبَارَكَةِ بِسَنَدِنَا إِلَى الإِمَامِ البُخَارِيِّ، وَمِنهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد يَسَّرَ اللهُ لَنَا أَن نُحَصِّلَ أَسَانِيدَ عَدِيدَةً هِيَ مِن أَعلَى الأَسَانِيدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إِلَى الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَللهِ الحَمدُ، وَكَانَ دَأبُ العُلَمَاءِ أَنَّهُم يَرحَلُونَ وَيُسَافِرُونَ لِطَلَبِ عُلُوِّ الإِسنَادِ، فَقَد قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ:
«طَلَبُ عُلُوِّ الإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ»
وَأَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِالقَولِ: إِنَّ صَحِيحَ البُخَارِيِّ كَانَ العُلَمَاءُ يَتَسَابَقُونَ إِلَى قِرَاءَتِهِ وَإِقرَائِهِ، كَمَا سَأُبَيِّنُ، وَكَانُوا يَقرَؤُونَهُ لِتَفرِيجِ الكُرُبَاتِ، وَلِنَيلِ المَطَالِبِ العَالِيَاتِ، فَتَتَحَقَّقُ لَهُم المَطَالِبُ وَتَأتِيهِمُ البَرَكَاتُ وَالخَيرَاتُ.
وَأَبدَأُ كَلَامِي بِإِذنِ اللهِ بِتَرجَمَةٍ مُوجَزَةٍ لِلإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، تَبَرُّكًا بِهِ رَحِمَهُ اللهُ، وَبِالتَّعرِيفِ بِصَحِيحِهِ الجَامِعِ.
وَأُذَكِّرُكُم بِأَن تَضَعُوا بَينَ أَيدِيكُم نُسَخَكُم مِن كِتَابِنَا فِي حَلِّ أَلفَاظِ صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ، وَتَضَعُوا الزِّيَادَاتِ المُنَاسِبَةَ وَالتَّوضِيحَاتِ الَّتِي سَأَذكُرُهَا، وَتَضبِطُوا النُّسَخَ، وَلَا يَشغَلكُم شَاغِلٌ عَن هَذَا.
وَانوُوا بِحُضُورِكُم هَذِهِ المَجَالِسَ تَفرِيجَ الكَربِ عَن أُمَّةِ صَاحِبِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ ﷺ، وَنَيلَ الخَيرَاتِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَرَدَّ كَيدِ الأَعدَاءِ المُتَرَبِّصِينَ بِالمُسلِمِينَ وَبِأُمَّةِ الإِسلَامِ، فَلَا تَتَأَخَّرُوا عَنِ الحُضُورِ، وَاجلِبُوا أَولَادَكُم وَأَزوَاجَكُم إِلَيهَا، وَنَسأَلُ اللهَ أَن يُفِيضَ عَلَينَا مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالنَّفَحَاتِ مَا يُحِبُّ وَيَرضَى، وَأَن يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنكُم، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
تعريف موجز بالإمام أبي عبد الله البخاري رضي الله عنه
اسمه ونسبه وقبيلته
هُوَ: مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلَ بنِ إِبرَاهِيمَ بنِ المُغِيرَةِ بنِ بَردِزْبَهْ، وَقِيلَ: بَذدُزْبَهْ، وَهِيَ لَفظَةٌ بخَارِيَّةٌ، معنَاهَا الزَّرَّاعُ، الجُعفِيُّ مَولَاهُم، أَبُو عَبدِ اللَّهِ البُخَارِيُّ الحَافِظُ، إِمَامُ أَهلِ الحَدِيثِ فِي زَمَانِهِ، وَالمُقتَدَى بِهِ فِي أَوَانِهِ، وَالمُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ أَقرَانِهِ.
وَأَبُوهُ: إِسمَاعِيلُ، وكَانَ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، رَوَى عَن حَمَّادِ بنِ زَيدٍ، وَمَالِكٍ، وَصَحِبَ ابنَ المُبَارَكِ، وَرَوَى عَنهُ العِرَاقِيُّونَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أَعلَمُ فِي جَمِيعِ مَالِي دِرهَمًا مِن شُبهَةٍ.
وَجَدُّهُ: المُغِيرَةُ، وَقَد أَسلَمَ عَلَى يَدِ اليَمَانِ الجُعفِيِّ وَالِي بُخَارَى، وَكَانَ قَبلَ ذَلِكَ مَجُوسِيًّا، ثُمَّ جَاءَ بَعدَ إِسلَامِهِ إِلَى قَبِيلَةِ الجُعْفِ وَرَبَطَ نَفسَهُ بِهِم وَتَحَالَفَ مَعَهُم، فَنُسِبَ إِلَيهِم.
وَنِسبَتُهُ: البُخَارِيُّ، نِسبَةً إِلَى بُخَارَى: وَهِيَ بَلدَةٌ عَظِيمَةٌ مِن بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهرِ، وَنُسِبَ إِلَيهَا لِأَنَّهُ وُلِدَ فِيهَا، ثُمَّ صَارَت هَذِهِ النِّسبَةُ عَلَمًا عَلَيهِ وَعَلَى كِتَابِهِ، وَاشتَهَرَ بِهَا اشتِهَارًا كَبِيرًا.
مكانته ومنزلته في علم الحديث
هُوَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ، وَنَاصِرُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَاشِرُ المَوَارِيثِ المُحَمَّدِيَّةِ، قِيلَ: لَم يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثلُهُ مِن جِهَةِ حِفظِ الحَدِيثِ وَإِتقَانِهِ وَفَهمِ مَعَانِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَمِن حَيثِيَّةِ حِدَّةِ ذِهنِهِ، وَدقَّةِ نَظَرِهِ، وَوُفُورِ فِقهِهِ، وَكَمَالِ زُهدِهِ، وَغَايَةِ وَرَعِهِ، وَكَثرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الحَدِيثِ وَعِلَلِهِ، وَقُوَّةِ اجتِهَادِهِ وَاستِنبَاطِهِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطنِيُّ: لَولَا البُخَارِيُّ لَمَا رَاحَ مُسلِمٌ وَلَا جَاءَ، أَخَذَ كِتَابَهُ وَزَادَ عَلَيهِ أَبوَابَهُ.
وَرُوِيَ عَن يَحيَى بنِ جَعفَرِ بنِ أَعيَنَ المَروَزِيِّ (وَهُوَ إِمَامٌ حَافِظٌ وَثِقَةٌ لُقِّبَ بِمُحَدِّثِ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهَرِ) أَنَّهُ قَالَ: لَو قَدَرتُ عَلَى أَن أَزِيدَ مِن عُمُرِي فِي عُمُرِ البُخَارِيِّ لَفَعَلتُ، لَأَنَّ مَوتِي مَوتُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَوتُ البُخَارِيِّ ذَهَابُ العِلمِ وَمَوتُ العَالَمِ.
نشأته وطلبه للعلم
تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَنَشَأَ فِي حِجرِ وَالِدَتِهِ، ثُمَّ عَمِيَ وَقَد عَجَزَ الأَطِبَّاءُ عَن مُعَالَجَتِهِ، فَرَأَت أُمُّهُ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي المَنَامِ قَائِلًا لَهَا: قَد رَدَّ اللهُ عَلَى ابنِكِ بَصَرَهُ بِكَثرَةِ دُعَائِكِ لَهُ، وَكَانَت أَمُّهُ مُستَجَابَةَ الدَّعوَةِ، فَأَصبَحَ وَقَد رَدَّ اللهُ عَلَيهِ بَصَرَهُ، فَنَشَأَ مُتَرَبِّيًا فِي حِجرِ العِلمِ، مُرتَضِعًا مِن ثَديِ الفَضلِ، ثُمَّ أُلهِمَ طَلَبَ الحَدِيثِ وَلَهُ عَشرُ سِنِينَ.
وَلَمَّا بَلَغَ إِحدَى عَشرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعضِ مَشَايِخِهِ بَبُخَارَى غَلَطًا وَقَعَ لَهُ فِي سَنَدٍ حَتَّى أَصلَحَ كِتَابَهُ مِن حِفظِ البُخَارِيِّ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ شَيخًا مِن مَشَايِخِهِ فِي مَجلِسٍ مِن مَجَالِسِ حَدِيثِهِ قَالَ فِي إِسنَادِ حَدِيثٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ عَن أَبِي الزُّهَيرِ، عَن إِبرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ البُخَارِيُّ: أَبُو الزُّهَيرِ لَيسَ لَهُ رِوَايَةٌ عَن إِبرَاهِيمَ، فَهَيَّبَ عَلَيهِ الشَّيخُ، فَقَالَ لَهُ البُخَارِيُّ: ارجِع إِلَى الأَصلِ إِن كَانَ عِندَكَ، فَقَامَ الشَّيخُ مِنَ المَجلِسِ وَدَخَلَ بَيتَهُ وَطَالَعَ فِي أَصلِهِ وَتَأَمَّلَ فِيهِ حَقَّ تَأَمُّلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَجلِسِهِ فَقَالَ لِلبُخَارِيِّ: فَكَيفَ الرِّوَايَةُ؟ فَقَالَ: لَيسَ أَبُو الزُّهَيرِ بِالهَاءِ، إِنَّمَا هُوَ الزُّبَيرُ بِالبَاءِ، وَهُوَ الزُّبَيرُ بنُ عَدِيٍّ، فَقَالَ: صَدَقتَ، وَأَخَذَ القَلَمَ وَأَصلَحَ كِتَابَهُ.
وَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابنِ المُبَارَكِ وَوَكِيعٍ، وَعَرَفَ كَلَامَ أَصحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ أَحمَدَ بنِ إِسمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ، فَرَجَعَ أَخُوهُ وَأَقَامَ هُوَ لِطَلَبِ الحَدِيثِ.
فَلَمَّا بَلَغَ ثَمَانِيَ عَشرَةَ سَنَةً صَنَّفَ قَضَايَا الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَقَاوِيلَهُم، وَصَنَّفَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ عِندَ التُّربَةِ المُطَهَّرَةِ تَارِيخَهُ الكَبِيرَ فِي اللَّيَالِي المُقمِرَةِ، وَكَتَبُوا عَنهُ وَسِنُّهُ ثَمَانِي عَشرَةَ سَنَةً.
وَلَمَّا رَجَعَ مِن مَكَّةَ ارتَحَلَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الحَدِيثِ فِي أَكثَرِ المُدُنِ وَالأَقَالِيمِ، وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: ارتَحَلتُ فِي استِفَادَةِ الحَدِيثِ إِلَى مِصرَ وَالشَّامِ مَرَّتَينِ، وَإِلَى البَصرَةِ أَربَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا أُحصِي مَا دَخَلتُ مَعَ المُحَدِّثِينَ فِي بَغدَادَ وَالكُوفَةِ، وَأَقَمتُ فِي الحِجَازِ سِتَّ سِنِينَ طَالِبًا لِعِلمِ الحَدِيثِ.
اجتهاده في العبادة وقوة حافظته
كَانَ وِردُهُ فِي رَمَضَانَ خَتمَةً فِي كُلِّ يَومٍ، وَثُلُثَهَا فِي سَحَرِ كُلِّ لَيلَةٍ.
وَكَانَ يَقُولُ: وَأَحفَظُ مِائَةَ أَلفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَي أَلفٍ غَيرَ صَحِيحٍ، أَي: بِاعتِبَارِ كَثرَةِ طُرُقِهَا مَعَ عَدِّ المُكَرَّرِ وَالمَوقُوفِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيرِهِم وَفَتَاوِيهِم مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطلِقُونَ عَلَيهِ كُلِّهِ حَدِيثًا.
وَقِيلَ: كَانَ يَحفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبعِينَ أَلفَ حَدِيثٍ سَردًا، وَيَنظُرُ فِي الكِتَابِ نَظرَةً وَاحِدَةً فَيَحفَظُ مَا فِيهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: دَخَلتُ بَلْخَ فَسَأَلَنِي أَهلُهَا أَن أُملِيَ عَلَيهِم مِن كُلِّ مَن كَتَبتُ عَنهُ، فَأَملَيتُ أَلفَ حَدِيثٍ عَن أَلفِ شَيخٍ.
وَلِبُلُوغِ نِهَايَتِهِ فِي مَعرِفَةِ عِلَلِ الحَدِيثِ كَانَ مُسلِمُ بنُ الحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ: دَعنِي أُقَبِّل رِجلَيكَ يَا أُستَاذَ الأُستَاذِينَ، وَسَيِّدَ المُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ.
وَقَالَ التِّرمِذِيُّ: لَم أَرَ أَحَدًا بِالعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي ذَلِكَ أَعلَمَ مِنهُ.
قصة اختباره في حفظ الحديث
كَانَ بِسَمَرقَندَ أَربَعُمِائَةِ مُحَدِّثٍ اجتَمَعُوا تِسعَةَ أَيَّامٍ لِمُغَالَطَتِهِ، فَخَلَطُوا الأَسَانِيدَ بَعضَهَا فِي بَعضٍ: إِسنَادَ الشَّامِيِّينَ فِي العِرَاقِيِّينَ، وَإِسنَادَ العِرَاقِيِّينَ فِي الشَّامِيِّينَ، وَإِسنَادَ أَهلِ الحَرَمِ فِي اليَمَانِيِّينَ، وَعَكسَهُ، وَعَرَضُوهَا عَلَيهِ، فَمَا استَطَاعُوا مَعَ ذَلِكَ أَن يَتَغَلَّبُوا عَلَيهِ سَقطَةً لَا فِي إِسنَادٍ وَلَا فِي مَتنٍ.
وَلَمَّا قَدِمَ بَغدَادَ فَعَلُوا مَعَهُ نَظِيرَ ذَلِكَ، فَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وَأَسَانِيدَهَا، وَدَفَعُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةً لِيُلقِيَهَا عَلَيهِ فِي مَجلِسِهِ الغَاصِّ بِالنَّاسِ امتِحَانًا لَهُ، فَقَامَ أَحَدُهُم وَسَأَلَهُ عَن حَدِيثٍ مِن تِلكَ العَشَرَةِ، فَقَالَ: لَا أَعرِفُهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الثَّانِي فَقَالَ مِثلَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا إِلَى العَاشِرِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَكَانَ كَالأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّالِثُ، وَهَكَذَا إِلَى أَن فَرَغُوا، فَقَالَ العُلَمَاءُ المُطَّلِعُونَ عَلَى أَصلِ القَضِيَّةِ وَحِفظِهِ: فَهِمَ الرَّجُلُ، وَمَن لَم يَكُن لَهُم وُقُوفٌ عَلَى القَضِيَّةِ تَوَهَّمُوا عَجزَهُ، وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى قُصُورِ ضَبطِهِ وَسُوءِ حِفظِهِ، فَالتَفَتَ إِلَى الأَوَّلِ فَقَالَ: أَمَّا حَدِيثُكَ الأَوَّلُ بِذَلِكَ الإِسنَادِ فَخَطَأٌ وَصَوَابُهُ كَذَا وَكَذَا، وَلَا زَالَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَن أَكمَلَ المِائَةَ، فَبُهِرَ النَّاسُ وَأَذعَنُوا لَهُ وَأَقَرُّوا بِحِفظِهِ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: هُنَا يُخضَعُ لِلبُخَارِيِّ، فَمَا العَجَبُ مِن رَدِّهِ الخَطَأَ إِلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّهُ كَانَ حَافِظًا، بَلِ العَجَبُ مِن حِفظِهِ لِلخَطَأِ عَلَى تَرتِيبِ مَا أَلقَوهُ عَلَيهِ مِن مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.اهـ
وَفِي هَذَا يَقُولُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ فِي أَلفِيَّتِهِ فِي عِلمِ الحَدِيثِ فِي شَرحِ الحَدِيثِ المَقلُوبِ:
وَمِنهُ قَلبُ سَنَدٍ لِمَتنِ **** نَحوُ: امتِحَانِهِم إمَامَ الفَنِّ فِي مِائَةٍ
لَمَّا أَتَى بَغدَادَا **** فَرَدَّهَا وَجَوَّدَ الإِسنَادَا
وَلَمَّا قَدِمَ البَصرَةَ نَادَى مُنَادٍ يُعلِمُهُم بِقُدُومِهِ، فَأَحدَقُوا بِهِ وَسَأَلُوهُ أَن يَعقِدَ لَهُم مَجلِسَ الإِملَاءِ، فَأَجَابَهُم فَنَادَى المُنَادِي يُعلِمُهُم أَنَّهُ أَجَابَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ اجتَمَعَ كَذَا وَكَذَا أَلفًا مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ، فَقَالَ لَهُم: يَا أَهلَ البَصرَةِ، أَنَا شَابٌّ، وَقَد سَأَلتُمُونِي أَن أُحَدِّثَكُم، وَسَأُحَدِّثُكُم أَحَادِيثَ عَن أَهلِ بَلَدِكُم -أَي لَيسَت عِندَكُم- تَستَفِيدُونَهَا، وَأَملَى عَلَيهِم مِن أَحَادِيثِ أَهلِ بَلَدِهِم مِمَّا لَيسَ عِندَهُم حَتَّى بَهَرَهُم.
وَمِن ثَمَّ كَثُرَ ثَنَاءُ الأَئِمَّةِ عَلَيهِ، حَتَّى صَحَّ عَن أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخرَجَت خُرَاسَانُ مِثلَهُ، وَقَالَ غَيرُ وَاحِدٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَقَالَ إِسحَاقُ بنُ رَاهَوَيهِ: يَا مَعشَرَ أَصحَابِ الحَدِيثِ، انظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّابِّ وَاكتُبُوا عَنهُ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي زَمَنِ الحَسَنِ البِصرِيِّ لَاحتَاجَ إِلَيهِ لِمَعرِفَتِهِ بِالحَدِيثِ وَفِقهِهِ، وَقَالَ ابنُ خُزَيمَةَ: مَا تَحتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعلَمُ بِالحَدِيثِ مِنهُ.
كرمه وجوده وزهده
وَرِثَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَبِيهِ مَالًا كَثِيرًا فَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ قَلِيلَ الأَكلِ جِدًّا.
قِيلَ: كَانَ يَقنَعُ كُلَّ يَومٍ بِلَوزَتَينِ أَو ثَلَاثِ لَوزَاتٍ.. وَقِيلَ: كَانَ يَدخُلُ عَلَيهِ كُلَّ شَهرٍ مِن مُستَغَلَّاتِهِ خَمسُمِائَةِ دِرهَمٍ، فَكَانَ يَصرِفُهَا فِي الفُقَرَاءِ وَطَلَبَةِ العِلمِ، وَكَانَ يُرَغِّبُهُم فِي تَحصِيلِ الحَدِيثِ، كَثِيرَ الإِحسَانِ إِلَى الطَّلَبَةِ، مُفرِطًا فِي الكَرَمِ. وَأُعطِيَ مَرَّةً خَمسَةَ آلَافِ دِرهَمٍ كَانَت رِبحَ بِضَاعَةٍ لَهُ فَفَرَّقَهَا وَلَم يَأخُذ مِنهَا شَيئًا لِنَفسِهِ، فَأَعطَاهُ آخَرُونَ عَشَرَةَ آلَافٍ، فَفَرَّقَهَا كَذَلِكَ.
وَكَانَ النَّجمُ بنُ الفُضَيلِ -أَحَدُ تَلَامِيذِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ- يَقُولُ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّومِ كَأَنَّهُ يَمشِي وَمُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلَ يَمشِي خَلفَهُ، فَكُلَّمَا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَدَمَهُ وَضَعَ مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلَ قَدَمَهُ فِي المَكَانِ الَّذِي رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَدَمَهُ.اهـ وَتَأَوَّلَهَا بَعضُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُتَابِعًا لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ بِحَالِهِ وَمَقَالِهِ، وَمَا التَّوفِيقُ إِلَّا مِن عِندِ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
عقيدته رضي الله عنه
الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هُوَ إِمَامُ المُسلِمِينَ، وَقُدوَةُ المُؤمِنِينَ، وَشَيخُ المُوَحِّدِينَ فِي زَمَانِهِ، كَانَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، لَم يَشُذَّ إِلَى اعتِزَالٍ وَلَا إِلَى رَفضٍ، وَلَم يَقُل بِمَقَالَةِ الخَوَارِجِ وَلَا المُشَبِّهَةِ وَلَا غَيرِهِم مِن فِرَقِ الضَّلَالِ، بَل كَانَ يُنَزِّهُ اللهَ تَعَالَى عَنِ الجَوَارِحِ وَالجِسمِيَّةِ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَقَد أَوَّلَ الوَجهَ فِي قَولِهِ تَعَالَى:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ — [سورة القصص: 88]
فَقَالَ: «إِلَّا مُلكَهُ، وَيُقَالُ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجهُهُ».اهـ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِهِ الَّذِي نَحنُ بِصَدَدِ شَرحِهِ فِي كِتَابِ التَّفسِيرِ فِي تَفسِيرِ سُورَةِ القَصَصِ، وَقَولُهُ: «إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجهُهُ» يَنقُلُهُ عَنِ الإِمَامِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ لِيُضَيِّفُوهُ شَيئًا، فَقُلنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن يَضُمُّ» أَو: «يُضِيفُ هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ: أَنَا، فَانطَلَقَ بِهِ إِلَى امرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكرِمِي ضَيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَت: مَا عِندَنَا إِلَّا قُوتُ صِبيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَت طَعَامَهَا، وَأَصبَحَت سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَت صِبيَانَهَا، ثُمَّ قَامَت كَأَنَّهَا تُصلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطفَأَتهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَينِ، فَلَمَّا أَصبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيلَةَ» أَو «عَجِبَ مِن فِعلِكُمَا» فَأَنزَلَ اللهُ:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ — [سورة الحشر: 9]
قَالَ البَيهَقِيُّ: «عَنِ البُخَارِيِّ قَالَ: مَعنَى الضَّحِكِ: الرَّحمَةُ».اهـ
وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِي سِيَاقِ شَرحِ كَلَامٍ لِلبُخَارِيِّ وَتَرتِيبِهِ لِبَعضِ الأَبوَابِ فِي صَحِيحِهِ: «غَرَضُ البُخَارِيِّ فِي هَذَا البَابِ الرَّدُّ عَلَى الجَهمِيَّةِ المُجَسِّمَةِ فِي تَعَلُّقِهَا بِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ، وَقَد تَقَرَّرَ أَنَّ اللهَ لَيسَ بِجِسمٍ فَلَا يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَستَقِرُّ فِيهِ، فَقَد كَانَ وَلَا مَكَانَ».اهـ
فَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّ الإِمَامَ البُخَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَم يُخَالِف أَهلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي أَقوَالِهِم، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِاعتِقَادِ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ وَتَنزِيهِ اللهِ عَنِ المَكَانِ وَمُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، مُخَالِفٌ لِلمُشَبِّهَةِ المُجَسِّمَةِ وَالمُعتَزِلَةِ وَالقَدَرِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ وَالخَوَارِجِ، أَمَّا مَا افتَرَاهُ عَلَيهِ بَعضُ حَاسِدِيهِ وَمُبغِضِيهِ عِندَ بَعضِ الخُلَفَاءِ وَنَسَبُوا إِلَيهِ أَقوَالًا تُخَالِفُ مَذهَبَ أَهلِ السُّنَّةِ فَهُوَ مَحضُ كَذِبٍ وَافتِرَاءٍ.
بداية محنته رضي الله عنه
لَمَّا رَجَعَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى بُخَارَى نُصِبَت لَهُ القِبَابُ عَلَى فَرسَخٍ مِنهَا، وَاستَقبَلَهُ عَامَّةُ أَهلِهَا، وَنُثِرَ عَلَيهِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، وَبَقِيَ مُدَّةً يُحَدِّثُهُم، وَأَرسَلَ إِلَيهِ أَمِيرُ البَلَدِ خَالِدُ بنُ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيُّ نَائِبُ الخِلَافَةِ العَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ، وَيَسأَلُهُ أَن يَأتِيَهُ بِالصَّحِيحِ وَيُحَدِّثَهُم بِهِ فِي قَصرِهِ، فَامتَنَعَ وَقَالَ لِرَسُولِهِ: قُل لَهُ: إِنِّي لَا أُذِلُّ العِلمَ وَلَا أَحمِلُهُ إِلَى أَبوَابِ السَّلَاطِينِ، فَمَنِ احتَاجَ إِلَى شَيءٍ مِنهُ فَليَحضُر فِي مَسجِدِي أَو دَارِي، فَإِنِّي لَا أَكتُمُ العِلمَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: العِلمُ يُؤتَى وَلَا يَأتِي، فَرَاسَلَهُ أَن يَعقِدَ مَجلِسًا لِأَولَادِهِ وَلَا يَحضُرَ غَيرُهُم، فَامتَنَعَ عَن ذَلِكَ أَيضًا، وَقَالَ: لَا يَسَعُنِي أَن أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَومًا دُونَ قَومٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: العِلمُ لَا يُمنَعُ، فَحَصَلَت بَينَهُمَا وَحشَةٌ، وَاستَعَانَ الأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي عَقِيدَتِهِ، فَأَمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ، فَدَعَا عَلَيهِم بِقَولِهِ: اللهم أَرِهِم مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنفُسِهِم، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعوَةِ، فَلَم يَأتِ شَهرٌ حَتَّى وَرَدَ أَمرُ الخِلَافَةِ بِأَن يُنَادَى عَلَى الأَمِيرِ، فَأُركِبَ حِمَارًا فَنُودِيَ عَلَيهِ فِيهَا وَحُبِسَ إِلَى أَن مَاتَ، وَلَم يَبقَ أَحَدٌ مِمَّن سَاعَدَهُ إِلَّا وَابتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ.
وفاته رحمه الله رحمة واسعة
لَمَّا خَرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن بُخَارَى كَتَبَ إِلَيهِ أَهلُ سَمَرقَندَ أَن يَأتِيَهُم لِبَلَدِهِم، فَسَارَ إِلَيهِم، فَلَمَّا كَانَ بِخَرتَنكَ، وَهُوَ مَوضِعٌ قَرِيبٌ بِسَمَرقَندَ عَلَى فَرسَخَينِ، وَقِيلَ: نَحوِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، بَلَغَهُ أَنَّهُ وَقَعَ بَينَ أَهلِ سَمَرقَندَ بِسَبَبِهِ فِتنَةٌ، فَقَومٌ يُرِيدُونَ دُخُولَهُ وَآخَرُونَ يَكرَهُونَهُ، وَكَانَ لَهُ أَقرِبَاءُ بِهَا، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى يَنجَلِيَ الأَمرُ، فَأَقَامَ أَيَّامًا فَمَرِضَ حَتَّى وُجِّهَ إِلَيهِ رَسُولٌ مِن أَهلِ سَمَرقَندَ يَلتَمِسُونَ خُرُوجَهُ إِلَيهِم، فَأَجَابَ وَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ وَلَبِسَ خُفَّيهِ وَتَعَمَّمَ، فَلَمَّا مَشَى قَدرَ عِشرِينَ خُطوَةً إِلَى الدَّابَّةِ لِيَركَبَهَا قَالَ: أَرسِلُونِي -أَيِ اترُكُونِي-، فَقَد ضَعُفتُ، فَأَرسَلُوهُ، فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ ثُمَّ اضطَجَعَ فَقَضَى، فَسَالَ مِنهُ عَرَقٌ كَثِيرٌ لَا يُوصَفُ، وَمَا سَكَنَ العَرَقُ حَتَّى أُدرِجَ فِي أَكفَانِهِ رَحِمَهُ اللهُ.
وَقِيلَ: ضَجِرَ لَيلَةً، فَدَعَا بَعدَ أَن فَرَغَ مِن صَلَاةِ اللَّيلِ: اللهم قَد ضَاقَت عَلَيَّ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت، فَاقبِضنِي إِلَيكَ، فَمَاتَ لَيلَةَ عِيدِ الفِطرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمسِينَ وَمِائَتَينِ عَنِ اثنَتَينِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَت وِلَادَتُهُ يَومَ الجُمُعَةِ بَعدَ صَلَاةِ العَصرِ فِي شَهرِ شَوَّالٍ سَنَةَ أَربَعٍ وَتِسعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيهِ وَوُضِعَ فِي حُفرَتِهِ فَاحَ مِن تُرَابِ قَبرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالمِسكِ جَعَلَ النَّاسُ يَختَلِفُونَ إِلَى قَبرِهِ مُدَّةً يَأخُذُونَ مِن تُرَابِ قَبرِهِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ.
قَالَ بَعضُهُم: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِن أَصحَابِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلتُ: مَا وُقُوفُكَ هُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنتَظِرُ مُحَمَّدَ بنَ إِسمَاعِيلَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعدَ أَيَّامٍ بَلَغَنِي مَوتُهُ، فَنَظَرتُ فَإِذَا هُوَ قَد مَاتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيهَا.
وَبَعدَ نَحوِ سَنَتَينِ مِن مَوتِهِ استَسقَى أَهلُ سَمَرقَندَ مِرَارًا فَلَم يُسقَوا، فَقَالَ بَعضُ الصَّالِحِينَ لِقَاضِيهَا: أَرَى أَن تَخَرُجَ بِالنَّاسِ إِلَى قَبرِ البُخَارِيِّ وَنَستَسقِيَ عِندَهُ، فَعَسَى اللهُ أَن يَسقِيَنَا، فَفَعَلَ، وَبَكَى النَّاسُ عِندَ القَبرِ، وَتَشَفَّعُوا بِهِ، فَأَرسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمُ السَّمَاءَ بِمَاءٍ غَزِيرٍ أَقَامَ النَّاسُ مِن أَجلِهِ نَحوَ سَبعَةِ أَيَّامٍ لَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ الوُصُولَ إِلَى سَمَرقَندَ مِن كَثرَةِ المَطَرِ.
نَبدَأُ إِن شَاءَ اللهُ الدَّرسَ القَادِمَ بِالتَّعرِيفِ بِصَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ مَعَ بِدَايَةِ شَرحِنَا لِأَحَادِيثِهِ.
سؤال فقهي
سُؤَالٌ فِقهِيٌّ: مَا مَعنَى الأَيمَانِ في قوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
الجواب: قال الله تعالى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ — [سورة البقرة]
مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ مَن حَلَفَ بِلَا إِرَادَةٍ كَقَولِ «لَا وَاللهِ، بَلَى وَاللهِ» بِدُونِ إِرَادَةٍ لَا يُكتَبُ عَلَيهِ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ.
وَفَرقٌ بَينَ «الأَيمَانِ» الَّتِي هِيَ جَمعُ «يَمِينٍ» كَمَا فَسَّرَهَا القُرطُبِيُّ فِي «الجَامِعِ لِأَحكَامِ القُرءَانِ»، «وَهُوَ القَسَمُ»، وَبَينَ التَّلَفُّظِ بِكَلَامِ الكُفرِ فَالأَيمَانُ بِفَتحِ الهَمزَةِ جَمعُ يَمِينٍ وَالإِيمَانُ بِكَسرِ الهَمزَةِ هُوَ المُعتَقَدُ فَلَم يَقُل بِإِيمَانِكُم بِكَسرِ الهَمزَةِ بَل بِفَتحِهَا فَالَّذِينَ أَبَاحُوا الكُفرَ حَرَّفُوا الآيَةَ مَبنَاهَا وَمَعنَاهَا، فَالآيَةُ مُفَسَّرَةٌ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ — [سورة المائدة]
فَلَا مُنَاسَبَةَ بَينَ هَذِهِ الآيَةِ وَبَينَ مَسأَلَةِ مَن تَلَفَّظَ بِالكُفرِ وَهُو لَا يَقصِدُ الكُفرَ. فَإِنَّ مِن فَرطِ الجَهلِ المُؤَدِّي إِلَى الكُفرِ احتِجَاجُ بَعضِ الجُهَّالِ بِالآيَةِ، ظَانِّينَ أَنَّ مَعنَاهَا أَنَّ الإِنسَانَ لَا يَكفُرُ إِذَا لَم يَقصِد بِكَلَام الكُفرِ الكُفرَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال:
«ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهزلهن جِدٌّ: الطلاقُ والنِّكاح والرَّجعَةُ»
فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجعَةُ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزلُهُنَّ جِدٌّ فَبِالأَولَى أَن يَكُونَ قَولُ الكُفرِ جِدًّا إِن كَانَ فِي حَالِ المَزحِ وَإِن كَانَ فِي حَالِ الغَضَبِ وَإِن كَانَ فِي حَالِ الرِّضَا.
ذِكرٌ مُجَرَّبٌ بِإِذنِ اللهِ
قُلْ: “يَا لَطِيفُ” لِفَكِّ المَسجُونِ 16664 مَرَّةً؟
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ:
اللهم بِعِلمِكَ بِحَالِنَا وَقُدرَتِكَ عَلَى إِصلَاحِنَا وَرَحمَتِكَ أَتمِم عَلَينَا نِعمَتَكَ وَأَنلنا رِضَاكَ وَرَحمَتَكَ وَأَجزِل نَصِيبَنَا مِن جَزِيلِ لُطفِكَ.
اللهم بِجَاهِ هَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ وَفِّقنَا لِلعَمَلِ بِمُوجِبَاتِ رِضَاكَ وَلَا تَحرِمنَا عَطَاءَكَ وَلَا تُوَلِّنَا أَحَدًا غَيرَكَ وَلَا تَحرِمنَا خَيرَكَ يَا مَن خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَة فِي خَزَائِنِهِ وَأَهلُ السَّمَوَات وَالأَرضِ مُفتَقِرُونَ لِرَحمَتِهِ.
اللهم إِنَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَأَسَأنَا فِي مُعَامَلَتِنَا وَغَفِلنَا عَنِ التَّيَقُّظِ مِن ذُنُوبِنَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى قُلُوبِنَا رَينُهَا، وَقَد نَدِمنَا عَلَى قُبحِ مَا فَعَلنَا وَارتَكَبنَا، وَبَدَا لَنَا سَيِّئَاتُ مَا كَسَبنَا.
اللهم اغفِر لَنَا مَغفِرَةً مِن عِندِكَ يَحسُنُ لَنَا بِهَا تَوفِيقُكَ وَتَكشِفُ بِهَا عَنَّا عَذَابَكَ وَتُغَشِّينَا بِهَا رَحمَتَكَ يَا مَن أَظهَرَ الجَمِيلَ وَسَتَرَ القَبِيحَ وَلَم يُؤَاخِذ بِالجَرِيرَةِ وَلَم يَهتِكِ السَّرِيرَةَ.
اللهم اجعَل فِي قَلبِنَا نُورًا، وَفِى لِسَانِنَا نُورًا، وَاجعَل فِي سَمعِنَا نُورًا، وَاجعَل فِي بَصَرِنَا نُورًا، وَاجعَل مِن خَلفِنَا نُورًا، وَمِن أَمَامِنَا نُورًا، وَاجعَل مِن فَوقِنَا نُورًا، وَمِن تَحتِنَا نُورًا، اللهم أَعطِنَا نُورًا.
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ.
اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم فُكَّ أَرضَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مِنَ اليَهُودِ الغَاصِبِينَ. اللهم الطُف بِالمُسلِمِينَ وَانصُرهُم يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم عَلَيكَ بِأَعدَاءِ الدِّينِ، اللهم الطُف بِالمُسلِمِينَ فِي شَتَّى بِقَاعِ الأَرضِ وَوَحِّد كَلِمَتَهُم وَانصُرهُم عَلَى أَعدَاءِ الدِّينِ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ