بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للهِ الَّذِي قَصَمَ بِالمَوتِ رِقَابَ الجَبَابِرَةِ، وَكَسَرَ بِهِ ظُهُورَ الأَكَاسِرَةِ، وَقَصَّرَ بِهِ ءَامَالَ القَيَاصِرَةِ، الَّذِينَ لَم تَزَل قُلُوبُهُم عَن ذِكرِ المَوتِ نَافِرَةً، حَتَّى جَاءَهُمُ الوَعدُ الحَقُّ فَأَردَاهُم فِي الحَافِرَةِ، فَنُقِلُوا مِنَ القُصُورِ إِلَى القُبُورِ، وَمِن ضِيَاءِ المُهُودِ إِلَى ظُلمَةِ اللُّحُودِ، وَمِن مُلَاعَبَةِ الجَوَارِي وَالغِلمَانِ إِلَى مُقَاسَاةِ الهَوَامِّ وَالدِّيدَانِ، وَمِنَ التَّمَتُّعِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَى التَّمَرُّغِ فِي التُّرَابِ، وَمِن أُنسِ العِشرَةِ إِلَى وَحشَةِ الوَحدَةِ، فَانظُرُوا وَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللهُ، هَل وَجَدُوا مِنَ المَوتِ حِصنًا وَعِزًّا، أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ حِجَابًا وَحِرزًا، فَسُبحَانَ مَن جَعَلَ المَوتَ مُخَلِّصًا لِلأَتقِيَاءِ، وَمَوعِدًا فِي حَقِّهِم لِلِّقَاءِ، وَجَعَلَ القَبرَ سِجنًا لِلأَشقِيَاءِ وَحَبسًا ضَيِّقًا عَلَيهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالقَضَاءِ،
وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِ الأَنبِيَاءِ وَأَعظَمِ الشُّفَعَاءِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَبِي القَاسِمِ وَالزَّهرَاءِ، وَعَلَى صَاحِبِه أَبِي بَكرٍ رَفِيقِهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ يَخشَى رَبَّهُ فِي العَلَنِ وَفِي الخَفَاءِ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي كَانَت تَستَحِي مِنهُ المَلَائِكَةُ الكُرَمَاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي استَقَى مِن عِلمِهِ العُلَمَاءُ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم وَمَشَى عَلَى سُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَاللِّقَاءِ،
أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى قَولِهِ:
بَابُ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ وَمَا يُقَالُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَيِّتِ
الشَّرْحُ:
بَابُ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ وَمَا يُقَالُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَيِّتِ هَذَا الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِيهِ تَذْكِيرٌ لَنَا بِالْمَوْتِ الَّذِي سَنَصِيرُ إِلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ حُسْنَ الْخِتَامِ، وَقَدْ وَرَدَ الْكَثِيرُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَفَضْلِ الْإِكْثَارِ لَهُ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ. بَعْضُ النَّاسِ هَذِهِ الْأَيَّامَ إِذَا ذَكَرْتَ لَهُمُ الْمَوْتَ يَتَشَاءَمُ بِزَعْمِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ لَنَا شَيْئًا آخَرَ، لَا تُذَكِّرْنَا بِالْمَوْتِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَهَذَا مِنْ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ)) يَعْنِي الْمَوْتَ.
معنى حديث: «أكثروا ذكر هاذم اللذات» وأثره في قصر الأمل والزهد في الدنيا
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ)) قُلْنَا يَا رَسُولُ اللَّهِ: وَمَا هَاذِمُ اللَّذَّاتِ؟ قَالَ: ((الْمَوْتُ)).
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ! أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)). قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: ((أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ)).
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْكَيِّسُ – الذّكي – مَنْ دَانَ نَفْسَهُ – حاسبها –، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ – المُقصِّر – مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)).
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يُمَحِّصُ الذُّنُوبَ، وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا)). وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفَرِّقًا)).
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة الملك/ الآية 2] أَيْ أَكْثَرُكُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَلَهُ أَحْسَنُ اسْتِعْدَادًا، وَمِنْهُ أَشَدُّ خَوْفًا وَحَذَرًا.
مواعظ الصالحين في تذكّر الموت والموقف بين يدي الله تعالى
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: “قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ))؛ الْمَوْتُ. كَلَامٌ مُخْتَصَرٌ وَجِيزٌ، قَدْ جَمَعَ التَّذْكِرَةَ، وَأَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ، فَإِنَّ مَنْ ذَكَرَ الْمَوْتَ حَقِيقَةَ ذِكْرِهِ نَغَّصَ عَلَيْهِ لَذَّتَهُ الْحَاضِرَةَ، وَمَنَعَهُ مِنْ تَمَنِّيهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَزَهَّدَهُ فِيمَا كَانَ مِنْهَا يُؤَمِّلُ، وَلَكِنَّ النُّفُوسَ الرَّاكِدَةَ، وَالْقُلُوبَ الْغَافِلَةَ تَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلِ الْوُعَّاظِ، وَتَزْوِيقِ الْأَلْفَاظِ، وَإِلَّا فَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ)) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 185] مَا يَكْفِي السَّامِعَ لَهُ، وَيَشْغَلُ النَّاظِرَ فِيهِ.
وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
| لَا شَـيْءَ مِمَّا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ | يَبْقَـــى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ | |
| لَمْ تُغْـنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ | وَالْخُلْدَ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا | |
| وَلَا سُلَيْمَانُ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ لَهُ | وَالْإِنْـــــسُ وَالْجِنُّ فِيمَا بَيْنَهَا بُرُدُ | |
| أَيْـــنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ لِعِزَّتِهَا | مِـــنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا وَافِــــدٌ يَفِدُ؟ | |
| حَـوْضٌ هُنَالِكَ مَوْرُودٌ بِلَا كَذِبٍ | لَا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَــا وَرَدُوا |
وَيُودِي: يفنى
بُرُدُ: تَرِدُ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا: إِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ يُورِثُ اسْتِشْعَارَ الِانْزِعَاجِ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ، وَالتَّوَجُّهَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ؛ ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَالَتَيْ ضِيقٍ وَسَعَةٍ، وَنِعْمَةٍ وَمِحْنَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ ضِيقٍ وَمِحْنَةٍ، فَذِكْرُ الْمَوْتِ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُومُ، وَالْمَوْتُ أَصْعَبُ مِنْهُ، أَوْ فِي حَالِ نِعْمَةٍ وَسَعَةٍ فَذِكْرُ الْمَوْتِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهَا وَالسُّكُونِ إِلَيْهَا؛ لِقَطْعِهِ عَنْهَا.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:
| اذْكُـرِ الْمَوْتَ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ | وَتَجَهَّزْ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ يَأتِي |
وَقَالَ غَيْرُهُ:
| وَاذْكُرِ الْمَــوْتَ تَجِدْ رَاحَـةً | فِي ادِّكَارِ الْمَوْتِ تَقْصِيرُ الْأَمَل |
وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ لَهُ سِنٌّ مَعْلُومَةٌ، وَلَا زَمَنٌ مَعْلُومٌ، وَلَا مَرَضٌ مَعْلُومٌ؛ وَذَلِكَ لِيَكُونَ الْمَرْءُ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ ذَلِكَ، مُسْتَعِدًّا لِذَلِكَ.
وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ يُنَادِي بِلَيْلٍ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ: الرَّحِيلَ، الرَّحِيلَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ فَقَدَ صَوْتَهُ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ:
| مَا زَالَ يَلْهَجُ بِالرَّحِيلِ وَذِكْـرِهِ | حَتَّـى أَنَاخَ بِبَابِهِ الْجَمَّالُ | |
| فَأَصَابَـــهُ مُتَيَقِّظًــا مُتَشَمِّــــرًا | ذَا أُهْبَــةٍ لَمْ تُلْهِهِ الْآمَالُ |
وَكَانَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: وَيْحَكَ يَا يَزِيدُ، مَنْ ذَا يُصَلِّي عَنْكَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ مَنْ ذَا يَصُومُ عَنْكَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ مَنْ ذَا يُرْضِي عَنْكَ رَبَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا تَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بَاقِيَ حَيَاتِكُمْ؟ مَنِ الْمَوْتُ مَوْعِدُهُ، وَالْقَبْرُ بَيْتُهُ، وَالتُّرَابُ فِرَاشُهُ، وَالدُّودُ أَنِيسُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَنْتَظِرُ الْفَزَعَ الْأَكْبَرَ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟ ثُمَّ يَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وَقَالَ التَّيْمِيُّ: شَيْئَانِ قَطَعَا عَنِّي لَذَّةَ الدُّنْيَا: ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَذِكْرُ الْمَوْقِفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى – أَيْ وَقْتَ الْحِسَابِ -.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجْمَعُ الْعُلَمَاءَ فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ وَالْآخِرَةَ، فَيَبْكُونَ حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جِنَازَةً.
وَكَانَ عمر بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ كَثِيرًا:
| مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ | أَوِ الْغُبَـــــارُ يَخَافُ الشَّيْنَ وَالشَّعَثَا | |
| وَيَأْلَــــفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَـــــى بَشَاشَتُهُ | فَسَـــــوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا رَاغِمًا جَدَثَا | |
| فِي قَعْرِ مُظْلِمَـــةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَـــــةٍ | يُطِيلُ فِي قَعْرِهَا تَحْتَ الثَّرَى اللَّبَثَا | |
| تَجَهَّــــزِي بِجِهَـــــازٍ تَبْلُغِيـــــــنَ بِهِ | يَا نَفْــسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا |
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَقَدْ نَغَّصَ هَذَا الْمَوْتُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَا هُمْ فِيهِ مِنْ غَضَارَةِ – نضارة – الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهَا كَذَلِكَ وَعَلَى ذَلِكَ، أَتَاهُمْ حِيَاضُ الْمَوْتِ فَاخْتَرَمَهُمْ، فَالْوَيْلُ، وَالْحَسْرَةُ هُنَالِكَ لِمَنْ لَمْ يَحْذَرِ الْمَوْتَ وَيَذْكُرْهُ فِي الرَّخَاءِ، فَيُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا يَجِدُهُ بَعْدَمَا فَارَقَ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا»، قَالَ: ثُمَّ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ فَقَامَ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: كَانَ الثَّوْرِيُّ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ يَنْقَطِعُ عَنِ النَّاسِ أَيَّامًا، فَإِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: لَا أَدْرِي، لَا أَدْرِي.
وَقَالَ الدَّقَّاقُ: مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ، وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ، وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ. وَمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ عُوقِبَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، وَتَرْكِ الرِّضَى بِالْكَفَافِ، وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ.
فَتَفَكَّرْ يَا مَغْرُورُ فِي الْمَوْتِ وَسَكْرَتِهِ، وَصُعُوبَةِ كَأْسِهِ وَمَرَارَتِهِ، فَيَا لِلْمَوْتِ مِنْ وَعْدٍ مَا أَصْدَقَهُ، وَمِنْ حَاكِمٍ مَا أَعْدَلَهُ، كَفَى بِالْمَوْتِ مُقْرِحًا لِلْقُلُوبِ، وَمُبْكِيًا لِلْعُيُونِ، وَمُفَرِّقًا لِلْجَمَاعَاتِ، وَهَادِمًا لِلَّذَّاتِ، وَقَاطِعًا لِلْأُمْنِيَاتِ. فَهَلْ تَفَكَّرْتَ يَا ابْنَ آدَمَ فِي يَوْمِ مَصْرَعِكَ وَانْتِقَالِكَ مِنْ مَوْضِعِكَ؟ وَإِذَا نُقِلْتَ مِنْ سَعَةٍ إِلَى ضِيقٍ، وَخَانَكَ – وتركك – الصَّاحِبُ وَالرَّفِيقُ، وَهَجَرَكَ الْأَخُ وَالصَّدِيقُ، وَأُخِذْتَ مِنْ فِرَاشِكَ وَغِطَائِكَ إِلَى غُرَرٍ، وَغَطَّوكَ مِنْ بَعْدِ لِينِ لِحَافِكَ بِتُرَابٍ وَمَدَرٍ؟
فَيَا جَامِعَ الْمَالِ وَالْمُجْتَهِدَ فِي الْبُنْيَانِ؛ لَيْسَ لَكَ وَاللَّهِ مِنْ مَالِكَ إِلَّا الْأَكْفَانُ، بَلْ هِيَ وَاللَّهِ لِلْخَرَابِ وَالذَّهَابِ، وَجِسْمُكَ لِلتُّرَابِ وَالْمَآبِ، فَأَيْنَ الَّذِي جَمَعْتَهُ مِنَ الْمَالِ؟ فَهَلْ أَنْقَذَكَ مِنَ الْأَهْوَالِ؟ كَلَّا، بَلْ تَرَكْتَهُ إِلَى مَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَقَدِمْتَ بِأَوْزَارِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعْذِرُكَ.
وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [سورة القصص/ الآية 77]؛ أَنَّ النَّصِيبَ: الْكَفَنُ، فَهُوَ وَعْظٌ مُتَّصِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [سورة القصص/ الآية 77]؛ أَيِ: اطْلُبْ فِيمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا الدَّارَ الْآخِرَةَ وَهِيَ الْجَنَّةُ؛ فَإِنَّ حَقَّ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَصْرِفَ الدُّنْيَا فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، لَا فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ وَالتَّجَبُّرِ وَالْبَغْيِ. فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَنْسَ أَنَّكَ تَتْرُكُ جَمِيعَ مَالِكَ إِلَّا نَصِيبَكَ الَّذِي هُوَ الْكَفَنُ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّـهُ | رِدَاءَانِ تُلْوَى فِيهِمَا وَحَنُوطُ |
وَقَالَ آخَرُ:
| هِــيَ الْقَنَاعَةُ لَا تَبْغِي بِهَا بَدَلًا | فِيهَا النَّعِيمُ وَفِيهَا رَاحَـــــةُ الْبَـــــدَنِ | |
| انْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا | هَلْ رَاحَ مِنْهَـا بِغَيْرِ الْقُطْنِ وَالْكَفَنِ؟ |
معنى الكيّس والعاجز في قوله ﷺ: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت…».
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ))؛ دَانَ: حَاسَبَ، واستعد لِعَاقِبَةِ أَمْرِهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، وَالتَّنَصُّلِ مِنْ سَالِفِ زَللِهِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ فَهَذَا هُوَ الزَّادُ لِيَوْمِ الْمَعَادِ.
وَالْعَاجِزُ ضِدُّ الْكَيِّسِ؛ وَالْكَيِّسُ: الْعَاقِلُ، وَالْعَاجِزُ: الْمُقَصِّرُ فِي الْأُمُورِ، فَهُوَ مَعَ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَاتِّبَاعِ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ، مُتَمَنٍّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الِاغْتِرَارُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ وَنَهَاهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ حَسَنَةٌ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي! وَكَذَبَ؛ لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة فصلت/ الآية 23].
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «الْغرَّةُ بِاللَّهِ أَنْ يَتَمَادَى الرَّجُلُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ».
وَقَالَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ: كَتَبَ أَبُو عُمَيْرٍ الصُّورِيُّ إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ تُؤَمِّلُ الدَّنْيَا بِطُولِ عُمُرِكَ، وَتَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ بِسُوءِ فِعْلِكَ، وَإِنَّمَا تَضْرِبُ حَدِيدًا بَارِدًا، وَالسَّلَامُ». اهـ
حكم تلقين الميت، وكيف يكون التلقين بعد الدفن.
بَابُ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ
تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا: أَنْ تُمْلِيَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ، مِنْ نَحْوِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْبَابِ أَنَّ فِيهِ تَذْكِيرًا لِلْمَيِّتِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 55]، وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى التَّذْكِيرِ فِي هَذَا الْحَالِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يُعَارِضُ التَّلْقِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 22]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [سورة النمل/ الآية 80]، فَالنَّبِيُّ ﷺ نَادَى أَهْلَ الْقَلِيبِ وَأَسْمَعَهُمْ، وَقَالَ لِعُمَرَ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا)) رواه أحمد في مسنده. وَقَالَ فِي الْمَيِّتِ: ((إِنَّهُ ليَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ)) متفق عليه.
وَأَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ سَمَاعَ الْمَوْتَى وَرَدَّ قَوْلَهُ ﷺ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ))، وَأَنْكَرُوا تَلْقِينَ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَحَتَّى أُبَيِّنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ – وَهِيَ مَا حُكْمُ التَّلْقِينِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الشَّرْعِ، وَأَرُدَّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَذَاهِبِ – أُقَدِّمُ بَعْضَ الْمُقَدِّمَاتِ ثُمَّ أَذْكُرُ الْحُكْمَ:
- كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ
يَجِبُ الْإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ النَّاسَ دِينَهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ التَّشْرِيعِ، أَوِ الْعَقَائِدِ، أَوِ الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُمَمِ السَّابِقَةِ، أَوْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، أَوِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
وَهَذِهِ الْعِصْمَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلرُّسُلِ تَقْتَضِي أَنَّهُ ﷺ لَا يُخْطِئُ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّبْلِيغَ هُوَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم/ الآية 3-4]. وَهَذَا مُقْتَضَى الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ: بِأَنْ يُؤْمِنَ الْوَاحِدُ وَيُقِرَّ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ: عَذَابُ الْقَبْرِ، وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فَقَدْ قَالَ ﷺ: ((إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا أَخْبَرَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تُفْعَلُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ: تَلْقِينُهُ حُجَّتَهُ. وَمَعَ ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجَازُوا الْعَمَلَ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا التَّلْقِينِ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَفِي زَمَنِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
تَلْقِينُ الْمَيِّتِ وَحُكْمُهُ
- كَيْفَ يَكُونُ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ؟
وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ الْمُلَقِّنُ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ الْمُلَقَّنِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ، اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانًا.
- مَتَى يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ؟
وَيُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْمُكَلَّفِ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ؛ لِخَبَرِ الصحيحين: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ ليَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، إِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ)) الْحَدِيثَ؛ فَتَأْخِيرُ تَلْقِينِهِ لِمَا بَعْدَ إِهَالَةِ التُّرَابِ أَقْرَبُ إِلَى حَالَةِ سُؤَالِهِ.
وَكَمَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا، مَا نَصْنَعُ بِهِ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟
- حَدِيثُ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ
رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ لِي: يَا سَعِيدُ، إِذَا أَنَا مِتُّ، فَافْعَلُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ قَالَ لَنَا: ((إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ، فَنَثَرْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَكِنَّهُ لَا يُجِيبُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي جَالِسًا، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمْكَ اللَّهُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا؛ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا، مَا نَصْنَعُ بِهِ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟!)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: ((انْسُبْهُ إِلَى حَوَّاءَ)) اهـ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ.
- مَنْ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ: أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ
أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَزِيلُ حِمْصَ؛ هُوَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَرِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَعْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَعْصُرَ.
كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا؛ رَوَى الْبُخَارِيُّ خَمْسَةً مِنْهَا، وَمُسْلِمٌ ثَلَاثَةً، وَخَرَّجَ عَنْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. قُلْتُ لِأَبِي أُمَامَةَ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَرُوِيَ: أَنَّهُ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
وَرَوَى أحمد في مسنده عن رَجَاء بْن حَيْوَةَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ، وَغَنِّمْهُمْ)). فَغَزَوْنَا، فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا. وَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)). فَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ، وَامْرَأَتُهُ، وَخَادِمُهُ لَا يُلْفَوْنَ إِلَّا صِيَامًا.
وَقَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ، فَيُحَدِّثُنَا حَدِيثًا كَثِيرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَقُولُ: اعْقِلُوا، وَبَلِّغُوا عَنَّا مَا تَسْمَعُونَ.
وَلِأَبِي أُمَامَةَ كَرَامَةٌ بَاهِرَةٌ جَزِعَ هُوَ مِنْهَا، وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، فَلَقِيَ تَحْتَ مَتَاعِهِ ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ.
سَكَنَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ مِصْرَ ثُمَّ حِمْصَ وَتُوُفِّيَ فِيهَا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْبُلْدَانِ الْمُتَفَرِّقَةِ، قَالَ الْمَدَائِنِيُّ وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ.
بَيَانُ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَلْقِينِ الْمَيِّتِ وَجَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ
- النَّوَوِيُّ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّلْقِينِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: “وُيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ الْمَيِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ”، وَسَاقَ حَدِيثَ التَّلْقِينِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ فِي زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ: “قُلْتُ: هَذَا التَّلْقِينُ اسْتَحَبَّهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمُ: الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ كَحَدِيثِ: ((اسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ))، وَوَصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا التَّلْقِينِ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَزَمَنِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَقْعُدُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ، وَأَمَّا الطِّفْلُ وَنَحْوُهُ فَلَا يُلَقَّنُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ”. اهـ
- ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: التَّلْقِينُ فِعْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالصَّالِحِينَ
فَإِذًا: يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَلَامِ مَنْ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَكَلَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاضِحٌ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ يَكْفِي فِي إِثْبَاتِ أَنَّ لِلتَّلْقِينِ أَصْلًا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فِي الْمَسَالِكِ فِي شَرْحِ مُوَطَّأِ مَالِكٍ (كِتَابِ الْجَنَائِزِ، النَّهْيُ أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بِنَارٍ): “الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فَإِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ قَبْرَهُ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ فِعْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالصَّالِحِينَ وَالْأَخْيَارِ؛ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 55]، وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى التَّذْكِيرِ بِاللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ تَغَيُّرِ الْحَالِ وَخُرُوجِ الرُّوحِ وَعِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكِ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِسَهُ الشَّيْطَانُ فَيُذَكَّرُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: ((لَقِّنُوا أَمْوَاتَكُمْ لَا إِلَهَ إِلا الله))، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيُّ فِي الْمُصَنَّفِ”.
- الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: الْعَمَلُ بِالتَّلْقِينِ فِي الْأَنْدَلُسِ
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُفَسِّرُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُورِ الْآخِرَةِ: «يَنْبَغِي أَنْ يُرْشَدَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ حَيْثُ يُوضَعُ فِيهِ إِلَى جَوَابِ السُّؤَالِ، وَيُذَكَّرُ بِذَلِكَ؛ فَيُقَالُ لَهُ: قُلِ اللَّهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ رَسُولِي؛ فَإِنَّهُ عَنْ ذَلِكَ يُسْأَلُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ كَذَلِكَ». اهـ.
- الْحَافِظُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: التَّلْقِينُ سُنَّةُ السَّلَفِ
وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْمَالِكِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي نِهَايَةِ الْبَيَانِ: «إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ سُنَّةَ السَّلَفِ، نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الْمُعِينِ عَلَى فِعْلِ سُنَّةِ التَّلْقِينِ لِلْحَافِظِ النَّاجِي».
- أَبُو عَلِيٍّ الْبَجَائِيُّ الْمَالِكِيُّ: مُمَارَسَةُ السَّلَفِ لِلتَّلْقِينِ
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَجَائِيُّ الْمَالِكِيُّ: «كَانَ السَّلَفُ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ وَقَفُوا عِنْدَهُ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، لَا تَنْسَ مَا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا؛ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». اهـ.
- الْحَطَّابُ الْمَالِكِيُّ: تَقْوِيَةُ حَدِيثِ التَّلْقِينِ بِالشَّوَاهِدِ وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ
وَفِي مَوَاهِبِ الْجَلِيلِ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَابُلُسِيِّ الْمَغْرِبِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْحَطَّابِ الرُّعَيْنِيِّ الْمَالِكِيِّ (كِتَابِ الْجَنَائِزِ، مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْغَسْلِ وَالدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ، فَرْعٌ كَيْفِيَّةُ الْغَسْلِ): «وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبَابِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْإِرْشَادِ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّلَّاعِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ اعْتُضِدَ بِالشَّوَاهِدِ وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ قَدِيمًا».
وَقَدْ أَلَّفَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ جُزْءًا فِي التَّلْقِينِ نَقَلَ فِيهِ عَنْ أَئِمَّةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ اسْتِحْبَابَهُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ فِيهِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ شَوَاهِدَهُ، وَبَلَغَ فِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ شَاهِدًا.
وَتَلْقِينُ الْمَيِّتِ – أَيِ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ – فَهُوَ الَّذِي يُلَقَّنُ لَا الْكَافِرُ؛ فَالْكَافِرُ لَوْ عَمِلَ شَخْصٌ عَنْ رُوحِهِ أَعْمَالًا صَالِحَةً لَا تَنْفَعُهُ. لَوْ شَخْصٌ كَافِرٌ مَاتَ وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: “سَأَقْرَأُ عَلَيْهِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْ يس أَوْ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، أَوْ سَأَتَصَدَّقُ عَنْ رُوحِهِ”، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لِلرَّحْمَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنْ يَمُوتَ الشَّخْصُ مُسْلِمًا. فَمَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَانْتَفَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا – وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ – مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، لَوْ كَانَ أَبُوهُ صَالِحًا أَوْ أَخُوهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَبُوهُ نَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ لِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ.
كَمَا حَصَلَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ وَابْنِهِ؛ فَإِنَّ نُوحًا نَبِيٌّ كَرِيمٌ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَابْنُهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذِكْرِ ابْنِهِ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [سورة هود/ الآية 46]. أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة هود/ الآية 42]؛ أَيْ: يَا بُنَيَّ آمِنْأَوَّلًا ثُمَّ ارْكَبْ مَعَنَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ ارْكَبْ مَعَنَا وَأَنْتَ عَلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نُوحٍ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَيَنْجُونَ لَا غَيْرُ.
وَكَذَلِكَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ فَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا، هُوَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا أَبَاهُ لِلْإِسْلَامِ وَسَعَى سَعْيًا حَثِيثًا لِإِيمَانِ أَبِيهِ، لَكِنَّ الْمَهْدِيَّ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ. لَمْ يَقْبَلْ آزَرُ نَصِيحَةَ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَسْتَجِبْ لِدَعْوَتِهِ، بَلِ اسْتَكْبَرَ وَعَانَدَ وَتَوَعَّدَ وَهَدَّدَ ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ بِالشَّرِّ وَالرَّجْمِ وَالْقَتْلِ، وَقَالَ لَهُ مَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 46]، فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 47]؛ أَيْ: سَلَامٌ عَلَيْكَ لَا يَصِلُكَ مِنِّي مَكْرُوهٌ وَلَا يَنَالُكَ مِنِّي أَذًى، وَزَادَهُ بِأَنْ دَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ فَقَالَ: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 47].
قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ وَغَيْرُهُ: أَيْ أَسْأَلُهُ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَكَ إِذَا أَسْلَمْتَ، أَوْ أَسْأَلُهُ وَأَدْعُوهُ لِيُوَفِّقَكَ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي تَسْتَوْجِبُ بِهِ الِاسْتِغْفَارَ وَتَكُونُ أَهْلًا لَهُ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ مَا نَصُّهُ: “كِتَابُ الرِّدَّةِ: هِيَ قَطْعُ الْإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ، أَوْ قَوْلِ كُفْرٍ، أَوْ فِعْلٍ، سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً أَوْ عِنَادًا أَوْ اعْتِقَادًا”. اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ الْحَنَفِيُّ مَا نَصُّهُ: “وَأَمَّا أَقْسَامُ الْكُفْرِ فَهِيَ بِحَسَبِ الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ تَرْجِعُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ إِلَيْهَا وَهِيَ: التَّشْبِيهُ، وَالتَّعْطِيلُ، وَالتَّكْذِيبُ، وَأَمَّا التَّشْبِيهُ: فَهُوَ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ؛ كَالَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ فَوْقَ الْعَرْشِ، أَوْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَهُ يَدَيْنِ بِمَعْنَى الْجَارِحَتَيْنِ، وَأَنَّ لَهُ الصُّورَةَ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْفُلَانِيَّةِ، أَوْ أَنَّهُ نُورٌ يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ، أَوْ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ – أَيْ سَاكِنُ السَّمَاءِ -، أَوْ فِي جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ، أَوْ أَنَّهُ فِي مَكَانٍ مِنَ الْأَمَاكِنِ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ، أَوْ أَنَّهُ مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، أَوْ أَنَّ لَهُ الْحُلُولَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مُنْحَلَّةٌ مِنْهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا. وَجَمِيعُ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَسَبَبُهُ الْجَهْلُ بِمَعْرِفَةِ الْأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ”. اهـ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْخَلَاصَ مِنَ الْكُفْرِ يَكُونُ بِتَرْكِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادتَيْنِ لِلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.
ما يقال عند حضور المريض أو الميت، وفضل قول الخير والدعاء له.
وَمَا يُقَالُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَيِّتِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: «مَنْ حَضَرَ الْمَيِّتَ فَلَا يَلْغُ وَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ، وَيَدْعُ لِلْمَيِّتِ إِذَا مَاتَ، وَيُغْمِضُهُ».
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)). قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ: ((قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً)). قَالَ: فَقُلْتُ، فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ))، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: ((لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ))، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)) رواه مسلم.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا)) أَمْرُ نَدْبٍ وَتَعْلِيمٍ بِمَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَوِ الْمَيِّتِ، وَإِخْبَارٌ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى دُعَاءِ مَنْ هُنَاكَ. وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَحْضُرَ الْمَيِّتَ الصَّالِحُونَ وَأَهْلُ الْخَيْرِ حَالَةَ مَوْتِهِ لِيُذَكِّرُوهُ، وَيَدْعُوا لَهُ وَلِمَنْ يَخْلُفُهُ، وَيَقُولُوا خَيْرًا؛ فَيَجْتَمِعُ دُعَاؤُهُمْ وَتَأْمِينُ الْمَلَائِكَةِ، فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الْمَيِّتُ وَمَنْ يُصَابُ بِهِ وَمَنْ يَخْلُفُهُ.
تلقين المحتضر كلمة التوحيد برفق، دون إلحاح يثقله
رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ)) وَهَذَا فِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالثَّبَاتِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ حَتَّى الْمَمَاتِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [سورة محمد/ الآية 19] أَيِ اثبُت عَلَى هَذَا الِاعتِقَادِ، وَالخِطَابُ وَإِن كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأُمَّتِهِ، وَاستَدَلَّ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى فَضلِ العِلمِ، كَمَا أَخرَجَهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ أَنَّهُ تَلَاهَا فَقَالَ: أَلَم تَسمَع أَنَّهُ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: اعلَم ثُمَّ أَمَرَهُ بِالعَمَلِ. وَمَعنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَمَا قَالَ أَهلُ العِلمِ: لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ، لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ أَن نَتَذَلَّلَ لَهُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، اللهُ تَعَالَى خَلَقَنَا وَخَلَقَ أَعمَالَنَا الِاختِيَارِيَّةَ وَأَعمَالَنَا غَيرَ الِاختِيَارِيَّةِ، اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَبَدَأَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالعِلمِ، لِأَنَّ تَكمِلَةَ الآيَةِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاستَغفِر لِذَنبِكَ﴾، فَقَدَّمَ العِلمَ عَلَى الِاستِغفَارِ، فلذلكَ العلمُ يقدَّمُ والقولُ والعملُ لَا يُعْتَبَرَانِ إلَّا بالعلمِ، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، يَجِبُ أَن يُعتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الخَالِقُ الَّذِي أَبرَزَ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ فَلَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَمَا سِوَى اللهِ حَدَثَ بِخَلقِهِ تَعَالَى وَتَكوِينِهِ، فَاللهُ تَعَالَى يَفعَلُ بِقُدرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ بِلَا جَارِحَةٍ أَي بِلَا عُضوٍ وَلَا حَرَكَةٍ وَلَا ءَالَةٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ لِشَيءٍ أَي مِن غَيرِ مَسٍّ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يُمَسُّ وَلَا يَمَسُّ، خَلَقَ العَالَمَ مِن غَيرِ مُبَاشَرَةٍ لَيسَ مِثلَ العِبَادِ، العِبَادُ إِذَا أَرَادُوا أَن يَعمَلُوا شَيئًا يُمسِكُونَ الشَّيءَ بِأَيدِيهِم يَتَحَرَّكُونَ نَحوَهُ وَيُمسِكُونَهُ بِأَيدِيهِم أَو يُمسِكُونَ الآلَةَ ثُمَّ الآلَةُ تَتَّصِلُ بِذَلِكَ الشَّيءِ الَّذِي يَعمَلُونَهُ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ هَكَذَا، فَاللهُ تَعَالَى يَخلُقُ بِمَعنَى الإِخرَاجِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَلَا خَالِقَ عَلَى هَذَا الوَجهِ إِلَّا اللهُ، خَلَقَ العَالَمَ وَأَحدَثَهُ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ لَهُ احتِيَاجٌ إِلَيهِ وَلَا لِجَلبِ مَنفَعَةٍ أَو دَفعِ مَضَرَّةٍ عَن نَفسِهِ إِنَّمَا خَلَقَهُ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]، فَالآيَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ الأَجسَامِ وَالأَعمَالِ لِأَنَّ لَفظَ الشَّيءِ يَشمَلُ الأَجسَامَ وَالأَعمَالَ، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنَ الأَعيَانِ؛ وَهِيَ الأَشيَاءُ الَّتِي لَهَا حَجمٌ إِن كَانَت صَغِيرَةً كَالذَّرَّةِ أَو مَا كَانَ أَصغَرَ مِنهَا كَالجُزءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ لِكَونِهِ فِي مُنتَهَى القِلَّةِ وَهُوَ الجَوهَرُ الفَردُ، أَو كَبِيرَةً كَالعَرشِ الَّذِي هُوَ أَكبَرُ المَخلُوقَاتِ حَجمًا وَأَوسَعُهَا مِسَاحَةً، وَكَذَلِكَ أَعمَالُ العِبَادِ حَرَكَاتُهُم وَسَكَنَاتُهُم وَعُلُومُهُم وَنَظَرُهُم وَخَوَاطِرُهُمُ الَّتِي تَطرَأُ عَلَيهِم بِدُونِ إِرَادَتِهِم، اللهُ تَعَالَى هُوَ خَلَقَهَا فِيهِم، أَمَّا العِبَادُ فَلَا يَخلُقُونَ شَيئًا.
وَلَيسَ الأَمرُ كَمَا تَقُولُ المُعتَزِلَةُ: بِأَنَّ العَبدَ يَخلُقُ أَفعَالَهُ الِاختِيَارِيَّةَ أَي يُحدِثُهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَكَلَامُهُم هَذَا كُفرٌ قَطعًا لِأَنَّهُ تَكذِيبٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، أَي لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، هَذَا هُوَ الإِيمَانُ، هُوَ الِاعتِقَادُ الجَازِمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، مَعَ الإِقرَارِ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. المُؤمِنُ هُوَ مَن وَصَفَ اللهَ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ مَعَ تَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، المُؤمِنُ هُوَ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا وُجُودًا مُنَزَّهًا عَنِ التَّقَطُّعِ وَالزَّوَالِ، المُؤمِنُ مَن عَظَّمَ خَالِقَهُ وَنَزَّهَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، المُؤمِنُ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ. المُؤمِنُ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر/ الآية 15]، اللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنَّا، غَنِيٌّ عَنِ المَلَائِكَةِ، لَا يَحتَاجُ إِلَى المَلَائِكَةِ وَلَا إِلَى الأَنبِيَاءِ وَلَا إِلَى الإِنسِ وَلَا إِلَى الجَانِّ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى العَرشِ، فَلَا يُوصَفُ بِالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ عَلَى العَرشِ، غَنِيٌّ عَنِ السَّمَاءِ فَلَا يَسكُنُ السَّمَاءَ، غَنِيٌّ عَنِ المَكَانِ، خَلَقَ المَكَانَ وَكَانَ مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَلَمَّا خَلَقَ المَكَانَ لَم يَتَغَيَّر، فَهُوَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، لَا يُوصَفُ بِالجِسمِيَّةِ وَلَا بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، لَا يُوصَفُ بِالِاتِّصَالِ وَلَا بِالِانفِصَالِ وَلَا بِالحُدُودِ وَلَا بِالنِّهَايَاتِ، وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ البَشَرِ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَمَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى مِن مَعَانِي البَشَرِ فَقَد كَفَرَ.
إِذًا: النبي ﷺ يقول: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ)) رواه مسلم.
الحرص على الثبات على «لا إله إلا الله» وحسن الخاتمة
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: تَلْقِينُ الْمَوْتَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ سُنَّةٌ مَأْثُورَةٌ عَمِلَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ؛ وَذَلِكَ ليكون آخِرَ كَلَامِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيُخْتَمَ لَهُم بِالسَّعَادَةِ، وَلِيَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) رواه الطبراني وأبو داود. وَلِيُنَبَّهَ الْمُحْتَضَرُ عَلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ الشَّيْطَانَ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلْمُحْتَضِرِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ.
فَإِذَا تَلَقَّنَهَا الْمُحْتَضَرُ وَقَالَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا تُعَادُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَضْجَرَ؛ وَقَدْ كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِكْثَارَ مِنَ التَّلْقِينِ، وَالْإِلْحَاحَ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ تَلَقَّنَهَا أَوْ فُهِمَ ذَلِكَ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «لَقِّنُوا الْمَيِّتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالَهَا فَدَعُوهُ».
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: «وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ إِذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ بِهَا أَنْ يَتَبَرَّمَ وَيَضْجَرَ، وَيُثَقِّلَهَا الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ سَبَبًا لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ». قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: «لَقِّنِّي – يَعْنِي الشَّهَادَةَ – وَلَا تُعِدْ عَلَيَّ إِلَّا أَنْ أَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ ثَانٍ».
وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ إِلَّا تَوْحِيدُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْقَلْبِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ هُوَ الَّذِي يُنْظَرُ فِيهِ، وَتَكُونُ النَّجَاةُ بِهِ، وَأَمَّا حَرَكَةُ اللِّسَانِ دُونَ أَنْ تَكُونَ تَرْجَمَةً عَمَّا فِي الْقَلْبِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا، وَلَا عِبْرَةَ عِنْدَهَا.
قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ التَّلْقِينُ بِذِكْرِ الْحَدِيثِ عِنْدَ الرَّجُلِ الْعَالِمِ؛ كَمَا ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا زُرْعَةَ كَانَ فِي السُّوقِ وَعِنْدَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، وَجَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَذَكَرُوا حَدِيثَ التَّلْقِينِ، فَاسْتَحْيَوْا مِنْ أَبِي زُرْعَةَ، فَقَالُوا: “يَا أَصْحَابَنَا تَعَالَوْا نَتَذَاكَرِ الْحَدِيثَ”.
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمَةَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي غَرِيبٍ – وَلَمْ يُجَاوِزْهُ -. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي غَرِيبٍ – وَلَمْ يُجَاوِزْهُ -، وَالْبَاقُونَ سُكُوتٌ.
فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ – وَهُوَ فِي السُّوقِ -: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي غَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) – وَفِي رِوَايَةٍ: ((حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ))-، وَتُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَلَى مَرِيضٍ نَعُودُهُ، فَوَجَدْنَاهُ لِمَا بِهِ، وَرَجُلٌ يُلَقِّنُهُ الشَّهَادَةَ وَيَقُولُ لَهُ: “قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”، وَهُوَ يُكْثِرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ: “ارْفَقْ بِهِ”. فَتَكَلَّمَ الْمَرِيضُ وَقَالَ: “إِنْ تُلَقِّنِّي أَوْ لَا تُلَقِّنِّي، فَإِنِّي لَا أَدَعُهَا”، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [سورة الفتح/ الآية 26]. فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّى صَاحِبَنَا هَذَا”.
وَقِيلَ لِلْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: “قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”. فَقَالَ: “مَا نَسِيتُهُ فَأَذْكُرَهُ”.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «لَا بُدَّ مِنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ، وَتَذْكِيرِهِ الشَّهَادَةَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ التَّيَقُّظِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ وَلَقِّنُوهُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَبَشِّرُوهُمْ بِالْجَنَّةِ؛ فَإِنَّ الْبَعْضَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَتَحَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَقْرَبُ مِنْ ابْنِ آدَمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ غَالِبًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمُعَايَنَةُ مَلَكِ الْمَوْتِ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ إِلَّا عَلَى مَنْ هَوَّنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَخْرُجُ نَفْسُ عَبْدٍ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَتَأَلَّمَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عَلَى حِيَالِهِ)).
والله تعالى أعلم وأحكم