بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة فيها التذكير بالموت
عَن سَهلِ بِنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ جِبرِيلُ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: عِشْ مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعمَلْ مَا شِئتََ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، وَأَحبِبْ مََن شِئتََ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤمِنِِ قِيَامُ اللَّيلِ، وَعِزَّهِ استِغنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ. رَوَاهُ الحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمِهِ الأَوسَطِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران الآية:١٨٥]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعدَ المَوتِ، وَالعَاجِزُ مَن أَتبَعَ نَفسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ المَوتَ حَقٌّ لَا بُدَّ أَنْ يَستَعِدَّ لَهُ وَيَنبَغِي عَلَينَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَعلَمَ كَيفَ نُعِدُّ أَحِبَّتَنَا لِمَا يُوَاجِهُونَهُ فِي القَبرِ؟
وَقَدْ أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكُلِّ ذَلِكَ مُعَلِّمًا لِلأُمَّةِ وَمُرشِدًا لَهُم، وَأَرشَدَهُم لِتَلقِينِ أَموَاتِهِمُ المُسلِمِينَ، وَنَحنُ نُصَدِّقُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فِيمَا أَخبَرَ بِهِ وَلَا نَترُكُ العَمَلَ بِإِرشَادَاتِهِ النَّبَوِيَّةِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فَمَا دَورُ الإِيمَانِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالتَّصدِيقِ بكُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ عَن تِلكَ اللَّحَظَاتِ؟ ومَا حُكمُ الشَّرعِ فِي أَمرِ التَّلقِينِ؟
كل ما أخبر به رسول الله ﷺ فهو حق وصدق
يَجِبُ الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ رَسُولٌ مِن عِندِ اللهِ أَرسَلَهُ لِيُبَلِّغَ النَّاسَ دِينَهُم وَيَدعُوهُم إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ، فالنَّبِيُّ ﷺ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبلِّغُهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِن أُمُورِ التَّشرِيعِ، أَوِ العَقَائِدِ، أَوِ الأَخبَارِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأُمَمِ السَّابِقَةِ، أَو أُمُورِ الآخِرَةِ، أَوِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ. وَهَذِهِ العِصمَةُ الَّتِي تَكُونُ للرُّسُلِ، وتَقتَضِي أَنَّهُ ﷺ لَا يُخطِئُ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ، لِأَنَّ هَذَا التَبلِيغَ هَوُ وَحيٌ مِنَ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم:3-4]. وَهَذَا مُقتَضَى الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ بِأَن يُؤمِنَ الوَاحِدُ وَيُقِرَّ بِجَمِيعِ مَا أَخبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَِأنَّهُ حَقٌّ وَصِدقٌ.
وَمِن جُملَةِ مَا أَخبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ التَّصدِيقُ بِهِ عَذَابُ القَبرِ وَسُؤَالُ المَلَكَينِ مُنكَرٍ وَنَكِيرٍ فَقَد قَالَ ﷺ: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ: لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وكَذَا أَخبَرَ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الإِنسَانِ بَعدَ وَفَاتِهِ.
وَمِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُفعَلُ لِلمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ تَلقِينُهُ حُجَّتَهُ، وَمَعَ ضَعفِ الحَدِيثِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجَازُوا العَمَلَ بِالأَحَادِيثِ الضََّعِيفَةِ فِي فَضَائلِ الأَعمَالِ وَهُوَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا التَّلْقِينِ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَفِي زَمَنِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنَ الفُقَهَاءِ إِلَى يَومِنَا هَذَا.
وَفِي هَذَا المَقَالِ، نَتَنَاوَلُ مَسأَلَةَ تَلقِينِ المَيِّتِ مِن زَاوِيَةٍ شَرعِيَّةٍ، نَعرِضُ أَدِلَّتَهَا وَأَقوَالَ العُلَمَاءِ، وَنُبَيِّنُ كَيفَ أَنَّ هَذَا العَمَلَ لَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ بَل يَتَمَاشَى مَعَ مَقَاصِدِهَا، وَيُعَدُّ تَعبِيرًا عَنِ الحِرصِ عَلَى دُعَاءِ الخَيرِ لِلمَيِّتِ.
تلقين الميت وحكمه
كيف يكون تلقين الميت؟
وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ المُلَقِّنُ لِلمَيِّتِ المُسلِمِ المُلَقَّنِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا.
متى يستحب تلقين الميت؟
ويُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْمُكَلَّفِ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ لِخَبَرِ «إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ فَإِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ» الْحَدِيثَ، فَتَأْخِيرُ تَلْقِينِهِ لِمَا بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ أَقْرَبُ إلَى حَالَةِ سُؤَالِهِ.
وَكَمَا وََرَدَ أَنَّ مَن لُقِّنَ حُجَّتَهُ قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيْرٌ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا، مَا نَصْنَعُ بِهِ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ.
حديث تلقين الميت
رُوِيَ عَن سَعِيدٍ الأَزْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ لِي: يَا سَعِيْدُ، إِذَا أَنَا مِتُّ، فَافْعَلُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قَالَ لَنَا: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ، فَنَثَرْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بنُ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُجِيْبُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي جَالِسًا، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ بنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمْكَ اللهُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اذكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا؛ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيْتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبَالإِسْلَامِ دِيْنًا، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيْرٌ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا، مَا نَصْنَعُ بِهِ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟!». قِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ أُمَّهُ. قَالَ: «انْسِبْهُ إِلَى حَوَّاءَ»، اهـ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ.
من هو راوي الحديث: أبو أمامة الباهلي
أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَنَزِيلُ حِمْصَ، هو صُدَيُّ بنُ عَجْلَانَ بنِ وَهْبِ بنِ عَرِيْبِ بنِ وَهْبِ بنِ رِيَاحِ بنِ الحَارِثِ بنِ مَعْنِ بنِ مَالِكِ بنِ أَعْصُرَ.
كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن مَشهُورِي الصَّحَابَةِ، رَوَى عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِائَتَي وَخَمسِينَ حَدِيثًا، رَوَى البُخَارِيُّ خَمسَةً مِنهَا وَمُسلِمٌ ثَلَاثَةً، وَخَرَّجَ عَنهُ أَصحَابُ السُّنَنِ. قَالَ سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُوْلُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. قُلْتُ لأَبِي أُمَامَةَ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً. وَرُوِيَ: أَنَّهُ بَايعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. وروى رَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ادْعُ اللهَ لِي بِالشَّهَادَةِ. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ، وَغَنِّمْهُمْ». فَغَزَوْنَا، فَسَلِمْنَا، وَغَنِمْنَا. وَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». فَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ، وَامْرَأَتُهُ، وَخَادِمُهُ لَا يُلْفَوْنَ إِلَاّ صِيَاماً، وقال سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ، فَيُحَدِّثُنَا حَدِيْثاً كَثِيْراً عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ثُمَّ يَقُوْلُ: اعْقِلُوا، وَبَلِّغُوا عَنَّا مَا تَسْمَعُوْنَ.
وَلأَبِي أُمَامَةَ كَرَامَةٌ بَاهِرَةٌ، جَزِعَ هُوَ مِنْهَا، وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيْرَ، فَلَقِيَ تَحْتَ مَتَاعِهِ ثَلَاثَ مائَةِ دِيْنَارٍ.
سَكَنَ أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ مِصرَ ثُمَّ حِمصَ وَتُوُفِّيَ فِيَهَا، وَهُوَ آخِرُ مَن مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي البُلدَانِ المُتَفَرِّقَةِ، قَالَ المَدَائِنِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ.
بيان أقوال أهل السنة والجماعة في تلقين الميت وجواز العمل به
النووي والشافعية في استحباب التلقين
حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ المَذكُورُ سَابِقًا دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَِّة عَلَى جَوَازِ التَّلقِينِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ أَصحَابَهُ، وَأَنَّهُ فِي عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا الحَدِيثُ ذَكَرَهُ الفُقَهَاءُ وَلَو كَانَ بَعضُهُم ضَعَّفَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ، فَإِنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ بِالإِجمَاعِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الأَذكَارِ وَغَيرِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ المَيِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَسَاقَ حَدِيثَ التَّلقِينِ الَّذِي نَقَلنَاهُ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ثُمَّ قَالَ فِي زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوضَةِ: قُلْتُ: هَذَا التَّلْقِينُ اسْتَحَبَّهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمُ: الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، كَحَدِيثِ «اسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ» وَوَصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا التَّلْقِينِ مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَزَمَنِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَقْعُدُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ، وَأَمَّا الطِّفْلُ وَنَحْوُهُ، فَلَا يُلَقَّنُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ شَهِيدُ المَعرَكَةِ وَالأَنبِيَاءُ.اهـ
ابن العربي المالكي: التلقين فعل أهل المدينة والصالحين
فَإِذًا: يُستَحَبُّ تَلقِينُ المَيتِ بَعدَ الدَّفنِ وََلَا عِبرَةَ بِكَلَامِ مَن خَالَفَ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ فَكَلَامُ أَهلِ العِلمِ وَاضِحٌ وَالحَدِيثُ المَروِيُّ يَكفِي فِي إِثبَاتِ أَنَّ لِلتَّلقِينِ أَصلًا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيُّ المَالِكِيُّ فِي المَسَالِكِ فِي شَرحِ مُوَطَّأِ مَالِكٍ، كِتَابِ الجَنَائِزِ، النَّهيُ أَن تُتبَعَ الجِنَازَةُ بِنَارٍ: المَسأَلَةُ الثَّامِنَةُ، فَإِذَا أُدخِلَ المَيتُ قَبرَهُ فَإِنَّهُ يُستَحَبُّ تَلقِينُهُ فِي تِلكَ السَّاعَةِ وَهُوَ مُستَحَبٌّ وَهُوَ فِعلُ أَهلِ المَدِينَةِ وَالصَّالِحِينَ وَالأَخيَارِ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَأَحوَجُ مَا يَكُونُ العَبدُ إِلى التَّذكِيرِ بِاللهِ تَعَالَى عِندَ تَغَيُِّر الحَالِ وَخُرُوجِ الرُّوحِ وَعِندَ سُؤَالِ المَلَكِ لِأَنَّهُ يُخَافُ عِندَ ذَلِكَ أَن يَختَلِسَهُ الشَّيطَانُ فَيُذَكَّرُ بِاللهِ تَعَالَى، وَلِقَولِهِ ﷺ: «لَقِّنُوا أَمْوَاتَكُمْ لَا إِلَهَ إِلا الله»، رَوَاهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعَانِيُّ فِي المُصَنَّفِ.
الإمام القرطبي: العمل بالتلقين في الأندلس
وَقَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ القُرطُبِيُّ فِي التَّذكِرَةِ فِي أَحوَالِ المَوتَى وَأُمُورِ الآخِرَةِ: «يَنبَغِي أَن يُرشَدَ المَيتُ فِي قَبرِهِ حَيثُ يُوضَعُ فِيهِ إِلى جَوَابِ السُّؤَالِ وَيُذَكَّرُ بِذَلِكَ فَيُقَالُ لُهُ قُلِ اللهُ رَبِّي، وَالإِسلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ رَسُولِي فَإِنَّهُ عَن ذَلِكَ يُسأَلُ كَمَا جَاءَت بِهِ الأَخبَارُ عَلَى مَا يَأتِي إِن شَاءَ اللهُ، وَقَد جَرَى العَمَلُ عِندَنَا بِقرطبة كَذَلِكَ». اهـ
الحافظ ابن دقيق العيد: التلقين سنة السلف
وَقَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ بنُ دَقِيقِ العِيدِ المَالِكِيُّ الشَّافِعِي فِي نِهَايَةِ البَيَانِ: «إِنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ فَقَد رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ سُنَّةَ السَّلَفِ نَقلًا عَن كِتَابِ المُعِينِ عَلَى فِعلِ سُنَّةِ التَلقِينِ لِلحَافِظِ النَّاجِي».
أبو علي البجائي المالكي: ممارسة السلف للتلقين
وَقَالَ الشَّيخُ أَبُو عَلِيٍّ البَجَائِيّ المَالِكِيُّ: «كَانَ السَّلَفُ إِذَا دُفِنَ المَيتُ وَقَفُوا عِندَهُ، فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُُ لَا تَنسَ مَا فَارَقتَنَا عَلَيهِ فِي دَارِ الدُّنيَا شَهَادَةَ أَن لَا إِلهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ». اهـ
الحطاب المالكي: تقوية حديث التلقين بالشواهد وعمل أهل الشام
وَفِي مَوَاهِبِ الجَلِيلِ فِي شَرحِ مُختَصَرِ خَلِيل لِأَبِي عَبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الطَرَابُلُسِيِّ المَغرِبِيِّ المَعرُوفِ بِالحَطَّابِ الرُّعَينِيِّ المَالِكِيِّ، كِتَابِ الجَنَائِزِ، مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالغَسلِ وَالدَّفنِ وَالصَّلَاةِ، فَرعٌ كَيفِيَةُ الغَسلِ «وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبَابِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْإِرْشَادِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَكِنَّهُ اعْتُضِدَ بِالشَّوَاهِدِ وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِّ قَدِيمًا ».
الخاتمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجمعة الآية:٨]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكثِرُوا مِن ذِكرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعنِي المَوتَ، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. وََرَوَى البُخَارِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنكِبِي ﻓَﻘَﺎلَ: «كُن فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابنُ عُمرَ يَقُولُ: «إِذَا أَﻣﺴَﻴﺖَ ﻓَﻼَ ﺗَﻨﺘَﻈِﺮِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصبَحتَ ﻓَﻼَ ﺗَﻨﺘَﻈِﺮِ المَسَاءَ وَخُذ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِن حَيَاتِكَ لِمَوتِكَ». وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَ جِبرِيلُ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ عِش مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَيتٌ وَاعمَل مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، وَأَحبِب مَن شِئتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُه، وَاعلَم أَنَّ شَرَفَ المُؤمِنِ صَلَاتُهُ بِاللَّيلِ وَعِزَّهُ استِغنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» رَوَاهُ الطَبَرَانِيُّ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيُّ.
- مُسنَدِ الطَّبَرَانِيُّ.
- مَوَاهِبِ الجَلِيلِ شَرحُ مُختَصَرِ خَلِيلٍ.
- نِهَايَةِ البَيَانِ.
- التَّذكِرَةِ فِي أَحوَالِ المَوتَى وَأُمُورِ الآخِرَةِ.
- المَسَالِكِ فِي شَرحِ مُوَطَّأِ مَالِكٍ.
- الرَّوضَةِ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ.