دعاء السفر والصبر على البلاء وكرامات الأولياء

حلية البشر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الأَعلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحتَ الثَّرَى، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلمًا، خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ وَلَا يُشبِهُ شَيئًا، وَلَا يُشبِهُهُ شَيءٌ وَللهِ المَثَلُ الأَعلَى، جَعَلَ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَأَمنًا، وَجَعَلَ أَفئِدَةَ النَّاسِ تَهوِي إِلَيهِ وَالمُؤمِنُونَ يَؤُمُّونَهُ أَمًّا، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَبِحَمدِهِ يَلهَجُ أُولُو الأَحلَامِ وَالنُّهَى.

وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجوَى، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى كَلِمَةِ التَّقوَى، رَفَعَ اللهُ مَقَامَهُ فَهُوَ خَيرُ مَن مَشَى بَينَ الحَطِيمِ وَزَمزَمَ وَطَافَ وَسَعَى، وَنَالَ فِي هَذِهِ البِقَاعِ الشَّرِيفَةِ مَا تَمَنَّى، اللهم صَلِّ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَئِمَّةِ العِلمِ وَالهُدَى، مَا هَبَّتِ الصَّبَا، وَمَا عَاشِقٌ تَرَنَّمَ بِمَدحِهِ وَأَثنَى، وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا.

رِوَايَةٌ أُخرَى لِدُعَاءِ السَّفَرِ

نَذكُرُ اليَومَ رِوَايَةً أُخرَى لِدُعَاءِ السَّفَرِ، وَكُنَّا قَد شَرَحنَا الرِّوَايَةَ المَشهُورَةَ بَينَ النَّاسِ الدَّرسَ المَاضِي:

وَرَوَى الطَّبَرَانِىُّ وَأَحمَدُ وَابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُم عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَن يَخرُجَ فِى سَفَرٍ قَالَ:

«اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِى السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِى الأَهلِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضَّبنَةِ فِى السَّفَرِ، وَالكَآبَةِ فِى المُنقَلَبِ، اللَّهُمَّ اقبِض لَنَا الأَرضَ وَهَوِّن عَلَينَا السَّفَرَ»

وَالضَّبنَةُ الزَّمَانَةُ، وَالزَّمَانَةُ المَرَضُ الَّذِى يَكسِرُ صَاحِبَهُ كَالفَالِجِ.

شَرحُ الحَدِيثِ

«اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِى السَّفَرِ» أَي بِالحِفظِ لَا بِالذَّاتِ وَالمَكَانِ، فَمَعنَى المَعِيَّةِ فِي حَقِّ اللهِ مَعِيَّةُ الحِفظِ وَالنُّصرَةِ وَالعِلمِ لَا مَعِيَّةُ الأَجسَامِ وَصِفَاتِ الجِسمِ كَمَا تَقُولُ المُشَبِّهَةُ وَأَهلُ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَإِذَا وَرَدَت آيَةٌ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا خِلَافَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَن يُصَارَ إِلَى التَّأوِيلِ، حَتَّى لَا تَختَلِطَ وَتَتَعَارَضَ نُصُوصُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مَثَلًا كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحَدِيدِ:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرضِ وَما يَخرُجُ مِنها وَما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَاللَّهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ [سورة الحديد/ الآية 4]

قَالَ القُرطُبِيُّ: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ يَعنِي بِقُدرَتِهِ وَسُلطَانِهِ وَعِلمِهِ ﴿أَينَ مَا كُنتُم وَاللَّهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يُبصِرُ أَعمَالَكُم وَيَرَاهَا ولا يخفى عليه شيء مِنهَا.

وَقَد جَمَعَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بَينَ ﴿استَوى عَلَى العَرشِ وَبَينَ ﴿وَهُوَ مَعَكُم وَالأَخذُ بِالظَّاهِرَينِ تَنَاقُضٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّأوِيلِ، وَالإِعرَاضُ عَنِ التَّأوِيلِ اعتِرَافٌ بِالتَّنَاقُضِ.

«وَالخَلِيفَةُ فِى الأَهلِ» المَعنَى أَنتَ الَّذِي أَرجُوهُ وَأَعتَمِدُ عَلَيهِ فِي سَفَرِي بِأَن يَكُونَ مُعِينِي وَحَافِظِي، وَفِي غَيبَتِي عَن أَهلِي أَن تَلُمَّ شَعَثَهُم وَتُدَاوِيَ سُقمَهُم وَتَحفَظَ عَلَيهِم دِينَهُم وَأَمَانَتَهُم.

مَعنَى «الضَّبنَةِ فِي السَّفَرِ»

«اللهم إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضَّبنَةِ فِى السَّفَرِ» — الضَّبنَةُ الزَّمَانَةُ، وَالزَّمَانَةُ المَرَضُ الَّذِى يَكسِرُ صَاحِبَهُ كَالفَالِجِ.

وَمَا أَكثَرَهَا اليَومَ، صِرنَا نَسمَعُ بِأَمرَاضٍ لَم يَكُن لَهَا ذِكرٌ فِي المَاضِي، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِسَبَبِ انتِشَارِ المَعَاصِي وَالآثَامِ بَينَ النَّاسِ، حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا شَيءٌ عَادِيٌّ عِندَ البَعضِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، بَل صَارَ مَن يَعبُدُ رَبَّهُ وَيَتَّقِيهِ غَرِيبًا، فَصَارَتِ الأَمرَاضُ تَتَفَشَّى وَالبَلَايَا تَنزِلُ عَلَى النَّاسِ كَالمَطَرِ.

الصَّبرُ عَلَى البَلَاءِ

وَلَا بُدَّ لِمَن أَصَابَهُ مَرَضٌ مُزمِنٌ أَو بَلَاءٌ أَن يَصبِرَ وَيَتَجَلَّدَ وَلَا يَعتَرِضَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَلَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ الشَّخصُ كَحِمَارِ جَوفٍ، وَهُوَ رَجُلٌ كَانَ عِندَهُ مَالٌ كَثِيرٌ وَأَولَادٌ يَسكُنُ وَادِيًا فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ اسمُهُ جَوفٌ، فَابتَلَاهُ اللهُ بِبَلَاءٍ أَرسَلَ صَاعِقَةً عَلَى أَولَادِهِ فَأَحرَقَتهُم وَمَاتُوا، فَلَم يَصبِر وَاعتَرَضَ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَقَالَ: أَعبَدُكَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً ثُمَّ تَقتُلُ أَولَادِي، لَا أَعبُدُكَ بَعدَ اليَومِ أَبَدًا، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ صَارَ يَزِيدُ فِي الكُفرِ وَيَتَجَبَّرُ فَلَا يَمُرُّ أَحَدٌ بِالوَادِي الَّذِي هُوَ فِيهِ إِلَّا قَالَ لَهُ: إِمَّا أَن تَكفُرَ أَو قَتَلتُكَ، فَأَرسَلَ اللهُ عَلَيهِ نَارًا وَأَحرَقَت وَادِيَهُ بِمَا فِيهِ وَصَارَ رَمَادًا.

أَمَّا الصَّالِحُونَ فَحَالُهُم أَنَّهُم يَصبِرُونَ عَلَى البَلَاءِ، بَل يَفرَحُونَ بِهِ، كَمَا قِيلَ: البَلَايَا أَعيَادُ المُرِيدِينَ، يَفرَحُونَ بِالبَلَاءِ كَمَا يَفرَحُ الوَاحِدُ مِنَّا بِالهَدِيَّةِ، لِأَنَّ فِيهَا ثَوَابًا وَرَفعًا لِلدَّرَجَاتِ إِذَا صَبَرَ العَبدُ عَلَيهَا، فَقَد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ:

«الأَنبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، إِن كَانَ لَيُبتَلَى بِالفَقرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا العَبَاءَةَ فَيَجُوبُهَا وَيَلبَسُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيهِم مِنَ العَطَاءِ»

وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ هَذِهِ الأَمرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا مَاذَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: «كَفَّارَاتٌ» قَالَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِن قَلَّت؟ قَالَ: «شَوكَةٌ فَمَا فَوقَهَا» قَالَ: فَدَعَا أُبَيٌّ عَلَى نَفسِهِ أَلَّا يُفَارِقُهُ الوَعَكُ حَتَّى يَمُوتَ فِي أَلَّا يَشغَلُهُ عَن حَجٍّ وَلَا عُمرَةٍ وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، قَالَ: فَمَا بَاشَرَ رَجُلٌ جِلدَهُ بَعدَهَا إِلَّا وَجَدَ حَرَّهَا حَتَّى مَاتَ.

وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن وُعِكَ لَيلَةً فَصَبَرَ وَرَضِيَ بِهَا عَنِ اللَّهِ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ» أخرجه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان.

مَعنَى «وَالكَآبَةِ فِي المُنقَلَبِ» و«اقبِض لَنَا الأَرضَ»

«وَالكَآبَةِ فِى المُنقَلَبِ» أَي أَن لَا يَنقَلِبَ الرَّجُلُ وَيَنصَرِفَ مِن سَفَرِهِ إِلَى أَمرٍ يُحزِنُهُ وَيَكتَئِبُ مِنهُ.

«اللَّهُمَّ اقبِض لَنَا الأَرضَ وَهَوِّن عَلَينَا السَّفَرَ» مَعنَاهُ اجعَل لَنَا بَرَكَةً فَلَا نُحِسُّ بِطُولِ مَسَافَةِ السَّفَرِ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ فَهُوَ سُبحَانَهُ قَد يَطوِي المَسَافَاتِ البَعِيدَةَ فَلَا تَحُسُّونَ بِهَا فِي أَسفَارِكِم، وَقَد يَطوِيهَا عَزَّ وَجَلَّ لِبَعضِ أَولِيَائِهِ مِن بَابِ الكَرَامَاتِ.

قِصَّةُ حَاتِمٍ الأَصَمِّ وَطَيُّ الأَرضِ

فَقَد رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَن يَختَبِرَ حَاتِمًا الأَصَمَّ لِمَا يَسمَعُ مِن زُهدِهِ وَوَرَعِهِ وَصَلَاحِهِ، فَرَاقَبَهُ إِذَا هُوَ يَذهَبُ إِلَى السُّوقِ وَيَشتَرِي اللَّحمَ المَشوِيَّ كُلَّ أُسبُوعٍ وَيَذهَبُ بِهِ، فَتَعَجَّبَ وَقَالَ فِي نَفسِهِ:نَسمَعُ عَن زُهدِهِ وَوَرَعِهِ وَهُوَ يَأكُلُ اللَّحمَ المَشوِيَّ كُلَّ أُسبُوعٍ؟! فَقَرَّرَ فِي يَومٍ أَن يَلحَقَ بِهِ لِيَرَى مَاذَا يَصنَعُ بِهَذَا اللَّحمِ، فَمَشَى خَلفَهُ مِن بَعدِ الظُّهرِ إِلَى العَصرِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى نَاحِيَةٍ فَدَخَلَ فِيهَا بَيتًا فِيهِ عَجُوزٌ وَصَارَ يُطعِمُهَا هَذَا اللَّحمَ، فَقَالَ أَترُكُهُ وَأَتَجَوَّلُ فِي المَكَانِ حَتَّى يَنتَهِيَ، فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَهُ قَد ذَهَبَ، فَدَخَلَ عَلَى العَجُوزِ وَسَأَلَهَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ عِندَهَا، فَقَالَت: هَذَا حَاتِمٌ الأَصَمُّ، يُطعِمُنِي اللَّحمَ المَشوِيَّ كُلَّ أُسبُوعٍ، فَعَرَفَ قَدرَ حَاتِمٍ وَأَنَّهُ استَعجَلَ فِي الحُكمِ عَلَيهِ، فَقَالَ لَهَا: أُرِيدُ أَن أَرجِعَ إِلَى مَحَلَّةِ كَذَا وَكَذَا، كَيفَ أَرجِعُ؟ فَقَالَت: هَذَا مَكَانٌ بَعِيدٌ يَحتَاجُ إِلَى أُسبُوعٍ، قَالَ: جِئتُ خَلفَ حَاتِمٍ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ، قَالَت: ذَاكَ حَاتِمٌ، انتَظِر حَتَّى يَأتِيَ الأُسبُوعَ المُقبِلَ فَارجِع مَعَهُ.

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ

رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ وَابنُ مَاجَه عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ قَالَ:

«بِسمِ اللَّهِ، تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَن أَضِلَّ أَو أُضَلَّ، أَو أَزِلَّ أَو أُزَلَّ، أَو أَظلِمَ أَو أُظلَمَ، أَو أَجهَلَ أَو يُجهَلَ عَلَىَّ»

ذِكرُ اللهِ فِي كُلِّ الأَحيَانِ

النَّبِيُّ ﷺ يَذكُرُ اللهَ فِي كُلِّ أَحيَانِهِ، وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا بَدَا وَاضِحًا لَنَا وَنَحنُ نَشرَحُ أَذكَارَهُ المُبَارَكَةَ ﷺ، فِي صَلَاتِهِ وَخَارِجَ الصَّلَاةِ وَقَبلَ نَومِهِ وَعِندَ استِيقَاظِهِ لَيلًا وَصَبَاحًا وَفِي دُخُولِهِ المَسجِدَ وَخُرُوجِهِ مِنهُ وَفِي خُرُوجِهِ مِنَ البَيتِ وَفِي دُخُولِهِ إِلَى البَيتِ، وَهَذَا مِن أَدَلِّ الأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّنَا عَلَى أَنَّهُ فِعلًا كَانَ يَذكُرُ اللهَ فِي كُلِّ أَحيَانِهِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ.

وَهُنَا أَمرٌ آخَرُ: مَا دَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَذكُرُ اللهَ فِي كُلِّ أَحيَانِهِ كَمَا صَحَّ فِي الحَدِيثِ، فَنَقُولُ: إِنَّ مِن أَحيَانِهِ الجَنَائِزَ، فَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَن يُحَرِّمُ عَلَى المُسلِمِينَ أَن يَذكُرُوا اللهَ خَلفَ الجِنَازَةِ أَو عِندَ إِنزَالِ المَيِّتِ فِي القَبرِ وَيَقُولُونَ التَزِمُوا الصَّمتَ فِي هَذَا، وَيُحَرِّمُونَ عَلَى المُسلِمِينَ حَتَّى أَن يَنطِقُوا بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ خَلفَ الجِنَازَةِ أَو أَن يَقُولُوا لِبَعضِهِمُ البَعضِ: وَحِّدُوا اللهَ، صَارَ تَذكِيرُ النَّاسِ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ حَرَامًا عِندَهُم وَالعِيَاذُ بِاللهِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَذكُرُ اللهَ فِي كُلِّ أَحيَانِهِ، وَمِن أَحيَانِهِ الجَنَائِزُ.

تَرجَمَةُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا

رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ وَابنُ مَاجَه عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا — هي أُمُّ سَلَمَةَ، السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ، هِندُ بِنتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخزُومِ بنِ يَقَظَةَ بنِ مُرَّةَ المَخزُومِيَّةُ، وَأَبُوهَا هُوَ زَادُ الرَّاكِبِ، أَحَدُ الأَجوَادِ، قِيلَ: اسمُهُ حُذَيفَةُ. وَفِي لِسَانِ العَرَبِ: «وَأَزوَادُ الرَّكبِ مِن قُرَيشٍ: أَبُو أُمَيَّةَ بنُ المُغِيرَةِ، وَالأَسوَدُ بنُ المُطَّلِبِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى، وَمُسَافِرُ بنُ أَبي عَمرِو بنِ أُمَيَّةَ عَمُّ عُقبَةَ، كَانُوا إِذا سَافَرُوا فَخَرَجَ مَعَهُمُ النَّاسُ فَلَم يَتَّخِذُوا زَادًا مَعَهُم وَلَم يُوقِدُوا، يَكفُونَهُم وَيُغنُونَهُم»، وَهِيَ بِنتُ عَمِّ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ سَيفِ اللهِ المَسلُولِ، وَبِنتُ عَمِّ أَبِي جَهلِ بنِ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللهُ.

كَانَت قَبلَ النَّبِيِّ ﷺ عِندَ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الأَسَدِ المَخزُومِيِّ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَدَخَلَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَنَةِ أَربَعٍ مِنَ الهِجرَةِ، وَلَهَا أَولَادٌ صَحَابِيُّونَ: عُمَرُ، وَسَلَمَةُ، وَزَينَبُ. وَكَانَت مِن أَجمَلِ النِّسَاءِ وَأَشرَفِهِنَّ نَسَبًا، وَكَانَت تُعَدُّ مِنَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، وَمِن فُقَهَاءِ الصَّحَابِيَّاتِ.

وَفَاةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوَاجُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ

رُوِيَ عَن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبِي إِلَى أَبِي قَطَنٍ فِي المُحَرَّمِ سنَةَ أَربَعٍ، فَغَابَ تِسعًا وَعِشرِينَ لَيلَةً ثُمَّ رَجَعَ فِي صَفَرٍ وَجُرحُهُ الَّذِي أَصَابَهُ يَومَ أُحُدٍ مُنتَقِضٌ، فَمَاتَ مِنهُ لِثَمَانٍ خَلَونَ مِن جُمَادَى الآخِرَةِ، وَحَلَّت أُمِّي فِي شَوَّالٍ، وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَقَالَت أُمُّ سَلَمَةَ لِأَبِي سَلَمَةَ يَومًا: بَلَغَنِي أَنَّهُ لَيسَ امرَأَةٌ يَمُوتُ زَوجُهَا وَهُوَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ ثُمَّ لَم تَزَوَّج إِلَّا جَمَعَ اللهُ بَينَهُمَا فِي الجَنَّةِ، فَتَعَالَ أُعَاهِدكَ أَلَاّ تَزَوَّجَ بَعدِي ولَا أَتَزَوَّجُ بَعدَكِ، قَالَ: أَتُطِيعِينَنِي؟ قَالَت: نَعَم، قَالَ: إِذَا مِتُّ تَزَوَّجِي، اللَّهُمَّ ارزُق أُمَّ سَلَمَةَ بَعدِي رَجُلًا خَيرًا مِنِّي لَا يُحزِنُهَا وَلَا يُؤذِيهَا، فَلَمَّا مَاتَ قُلتُ: مَن خَيرٌ مِن أَبِي سَلَمَةَ؟ فَمَا لَبِثتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَلَى البَابِ فَذَكَرَ الخِطبَةَ إِلَى ابنِ أَخِيهَا أَوِ ابنِهَا، فَقَالَت: أَرُدُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ أَو أَتَقَدَّمُ عَلَيهِ بِعِيَالِي؟ ثُمَّ جَاءَ الغَدُ فَخَطَبَ.

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَت: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلتُ: كَيفَ أَقُولُ؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ اغفِر لَنَا وَلَهُ وَأَعقِبنِي مِنهُ عُقبَى صَالِحَةً» فَقُلتُهَا، فَأَعقَبَنِي اللهُ مُحَمَّدا ﷺ.

وَرُوِيَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمَّا انقَضَت عِدَّتُهَا خَطَبَهَا أَبُو بَكرٍ فَرَدَّتهُ، ثُمَّ عُمَرُ فَرَدَّتهُ، فَبَعَثَ إِلَيهَا رَسُولُ اللهِ فَقَالَت: مَرحَبًا، أَخبِر رَسُولَ اللهِ أَنِّي غَيرَى وَأَنِّي مُصبِيَةٌ وَلَيسَ أَحَدٌ مِن أَولِيَائِي شَاهِدًا، فَبَعَثَ إِلَيهَا: «أَمَّا قَولُكِ: إِنِّي مُصبِيَةٌ، فَإِنَّ اللهَ سَيَكفِيكِ صِبيَانَكِ، وَأَمَّا قَولُكِ: إِنِّي غَيرَى، فَسَأَدعُو اللهَ أَن يُذهِبَ غَيرَتَكِ، وَأَمَّا الأَولِيَاءُ، فَلَيسَ أَحَدٌ مِنهُم إِلَّا سَيَرضَى بِي»

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَت أُمُّ سَلَمَةَ: أَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَنِي وَبَينَنَا حِجَابٌ، فَخَطَبَنِي، فَقُلتُ: وَمَا تُرِيدُ إِلَيَّ؟ إِنِّي امرَأَةٌ قَد أَدبَرَ مِن سِنِّي، وَإِنِّي أُمُّ أَيتَامٍ، وَأَنَا شَدِيدَةُ الغَيرَةِ، وَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ تَجمَعُ النِّسَاءَ، قَالَ: «أَمَّا الغَيرَةُ فَيُذهِبُهَا اللهُ، وَأَمَّا السِّنُّ فَأَنَا أَكبَرُ مِنكِ، وَأَمَّا أَيتَامُكِ فَعَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ» فَأَذِنتُ فَتَزَوَّجَنِي.

وَعَنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ حَنطَبٍ، قَالَ: دَخَلَت أَيِّمُ العَرَبِ عَلَى سَيِّدِ المُسلِمِينَ أَوَّلَ العِشَاءِ عَرُوسًا، وَقَامَت آخِرَ اللَّيلِ تَطحَنُ — يَعنِي: أُمَّ سَلَمَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ قَالَ: «لَيسَ بِكِ عَلَى أَهلِكِ هَوَانٌ، إِن شِئتِ سَبَّعتُ لَكِ وَسَبَّعتُ عِندَهُنَّ، وَإِن شِئتِ ثَلَاثًا وَدُرتُ؟»

قَالَت: ثَلَاثًا. وَلَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: «إِنِّي قَد أَهدَيتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ أَوَاقِيَّ مِن مِسكٍ وَحُلَّةً، وَإِنِّي أَرَاهُ قَد مَاتَ، وَلَا أَرَى الهَدِيَّةَ إِلَّا سَتُرَدُّ، فَإِن رُدَّت فَهِيَ لَكِ» قَالَت: فَكَانَ كَمَا قَالَ، فَأَعطَى كُلَّ امرَأَةٍ مِن نِسَائِهِ أُوقِيَّةٍ، وَأَعطَى سَائِرَهُ أُمَّ سَلَمَةَ وَالحُلَّةَ.

مَروِيَّاتُهَا وَوَفَاتُهَا

وَلَهَا جُملَةُ أَحَادِيثَ، رَوَى عَنهَا: سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَشَقِيقُ بنُ سَلَمَةَ، وَالأَسوَدُ بنُ يَزِيدَ، وَالشَّعبِيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، وَمُجَاهِدٌ، وَنَافِعُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، وَنَافِعٌ مَولَاهَا، وَنَافِعٌ مَولَى ابنِ عُمَرَ، وَعَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَشَهرُ بنُ حَوشَبٍ، وَابنُ أَبِي مُلَيكَةَ، وَخَلقٌ كَثِيرٌ.

وَيَبلُغُ مُسنَدُهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً وَسَبعِينَ حَدِيثا، وَاتَّفَقَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ لَهَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَانفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَلَاثَةٍ، وَمُسلِمٌ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ.

عَاشَت نَحوًا مِن تِسعِينَ سَنَةً، وَكَانَت آخِرَ مَن مَاتَ مِن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، عُمِّرَت حَتَّى بَلَغَهَا مَقتَلُ الحُسَينِ الشَّهِيدِ، فَوَجَمَت لِذَلِكَ وَغُشِيَ عَلَيهَا وَحَزِنَت عَلَيهِ كَثِيرًا، ثُمَّ لَم تَلبَث بَعدَهُ إِلَّا يَسِيرًا وَتوفيت.

أَذكَارُ الدُّخُولِ وَالخُرُوجِ مِنَ البَيتِ

أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ — وَرَدَت أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِيمَا يَقُولُ العَبدُ المُؤمِنُ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ وَإِذَا دَخَلَ، فَحَافِظُوا عَلَيهَا: وَمِنهَا هَذَا الذِّكرُ المَأثُورُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي سَنَشرَحُهُ، وَمِن ذَلِكَ أَيضًا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حِينَ يَدخُلُ مَنزِلَهُ نَفَتِ الفَقرَ عَن أَهلِ ذَلِكَ المَنزِلِ وَالجِيرَانِ»

وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ قَالَ: كَانَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ إِذَا دَخَلَ مَنزِلَهُ قَرَأَ فِي زَوَايَا البَيتِ آيَةَ الكُرسِيِّ. رَوَاهُ أَبُو يَعلَى.

وَعَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«مَا مِن مُسلِمٍ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَو غَيرَهُ فَقَالَ حِينَ يَخرُجُ: آمَنتُ بِاللَّهِ، اعتَصَمتُ بِاللَّهِ، تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، إِلَّا رُزِقَ خَيرُ ذَلِكَ المَخرَجِ، وَصُرِفَ عَنهُ شَرُّ ذَلِكَ المَخرَجِ»رَوَاهُ أَحمَدُ.

وَعَن زَيدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ خَصِيفَةَ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ:«بِسمِ اللَّهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ، تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ، حَسبِيَ اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.

شَرحُ «بِسمِ اللهِ تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ»

قَالَ: «بِسمِ اللهِ» — رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَبدُ اللهِ بن مسعود إِذَا خَرَجَ مِن بَيتِهِ قَالَ: «بِسمِ اللهِ، تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعبٍ القُرَظِيُّ:هَذَا فِي القُرآنِ: ﴿اركَبُوا فِيهَا بِسمِ اللَّهِ﴾ [سورة هود/ الآية 41] وَقَالَ:﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلنَا﴾ [سورة الأعراف/ الآية 89]

«تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ» أَيِ اعتَمَدتُ عَلَيهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِي. فَالتَّوَكُّلُ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العِبَادَاتِ الَّتِي تَجرِي عَلَى القَلبِ، وَهِيَ ثِقَةُ القَلبِ بِاللهِ وَالِاعتِمَادُ عَلَيهِ فِي كُلِّ الأُمُورِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَجَاءَ الأَمرُ بِهِ فِي القُرآنِ العَظِيمِ، قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: وَهُوَ يُقَالُ عَلَى وَجهَينِ: يُقَالُ: تَوَكَّلتُ لِفُلَانٍ بِمَعنَى تَوَلَّيتُ لَهُ. يُقَالُ: وَكَّلتُهُ تَوكِيلًا فَتَوَكَّلَ لِي، وَتَوَكَّلتُ عَلَيهِ بِمَعنَى اعتَمَدتُهُ.

مَعنَى «أَعُوذُ بِكَ أَن أَضِلَّ أَو أُضَلَّ»

«اللهم إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَن أَضِلَّ» مِنَ الضَّلَالَةِ، أَي عَنِ الهُدَى «أَو أُضَلَّ» أَي: يُضِلَّنِي أَحَدٌ. وَلَيسَ مَعنَى هَذَا الدُّعَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الضَّلَالَةُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ يَذكُرُ مِثلَ هَذِهِ الأَذكَارَ حَتَّى يُعَلِّمَنَا أَن نُكثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ بِهَا، وَحَتَّى يُرشِدَنَا أَن يَكُونَ اتِّكَالُنَا عَلَى اللهِ فِي طَلَبِ الهِدَايَةِ وَالبُعدِ عَنِ الضَّلَالَةِ. وَهَذَا فِيهِ إِرشَادٌ وَاضِحٌ وَصَرِيحٌ أَنَّ الهِدَايَةَ وَالضَّلَالَ مِن عِندِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ خَالِقُ الهِدَايَةِ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، وَهُوَ خَالِقُ الضَّلَالَةِ، مَن يَهدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِ، وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا مُرشِدًا.

قِصَّةُ عِكرِمَةَ بنِ أَبِي جَهلٍ

فَكَم مِن أُنَاسٍ عَاشَ حَيَاتَهُ عَلَى الضَّلَالِ وَاهتَدَى فِي آخِرِهَا فَخُتِمَ لَهُ عَلَى خَيرٍ، وَمِن ذَلِكَ:عِكرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ابنُ أَبِي جَهلٍ، وَكَانَ مِن سَادَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسلَمَ عَامَ الفَتحِ بَعدَمَا فَرَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الحَقِّ، وَاستَعمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى عُمَانَ حِينَ ارتَدُّوا فَظَفِرَ بِهِم، ثُمَّ قَدِمَ الشَّامَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعضِ الكَرَادِيسِ، وَكَانَ يُقَبِّلُ المُصحَفَ وَيَبكِي وَيَقُولُ: كَلَامُ رَبِّي كَلَامُ رَبِّي، وَاحتَجَّ بِهَذَا الإِمَامُ أَحمَدُ عَلَى جَوَازِ تَقبِيلِ المُصحَفِ وَمَشرُوعِيَّتِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ عِكرِمَةُ مَحمُودَ البَلَاءِ فِي الإِسلَامِ.

كَانَ قَاتَلَ رَسُولَ اللهِ فِي كُلِّ المَعَارِكِ قَبلَ الفَتحِ، وَكَانَ مِن قَادَةِ جُيُوشِ المُشرِكِينَ وَمِن أَشَدِّ الأَعدَاءِ عَلَى الرَّسُولِ وَدَعوَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ هَدَاهُ اللهُ وَخَتَمَ لَهُ عَلَى خَيرٍ وَمَاتَ شَهِيدًا فِي اليَرمُوكِ فِي جَيشِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ، وَقَالَ عِكرِمَةُ بنُ أَبِي جَهلٍ يَومَ اليَرمُوكِ: قَاتَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنكُمُ اليَومَ؟! ثُمَّ نَادَى: مَن يُبَايِعُ عَلَى المَوتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بنُ الأَزوَرِ فِي أَربَعِمِائَةٍ مِن وُجُوهِ المُسلِمِينَ وَفُرسَانِهِم، فَقَاتَلُوا حَتَّى أُثبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنهُم خَلقٌ مِنهُم ضِرَارُ بنُ الأَزوَرِ رِضَى اللهِ عَنهُم.

وَقَد ذُكِرَ أَنَّهُم لَمَّا صُرِعُوا مِنَ الجِرَاحِ استَسقَوا مَاءً، فَجِيءَ إِلَيهِم بِشَربَةِ مَاءٍ، فَلَمَّا قُرِّبَت إِلَى أَحَدِهِم نَظَرَ إِلَيهِ الآخَرُ فَقَالَ: ادفَعهَا إِلَيهِ، فَلَمَّا دُفِعَت إِلَيهِ نَظَرَ إِلَيهِ الآخَرُ فَقَالَ: ادفَعهَا إِلَيهِ، فَتَدَافَعُوهَا بَينَهُم مِن وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا وَلَم يَشرَبهَا أَحَدٌ مِنهُم، رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم أَجمَعِينَ، وَهَذَا يُعَلِّمُنَا الإِيثارَ.

مَعنَى «أَو أَزِلَّ أَو أُزَلَّ أَو أَظلِمَ أَو أُظلَمَ»

«أَو أَزِلَّ» أَي أَزِلَّ عَنِ الحَقِّ «أَو أُزَلَّ» أَي أَن يُزِلَّنِي أَحَدٌ «أَو أَظلِمَ» أَي أَن أَظلِمَ أَحَدًا «أَو أُظلَمَ» أَي أَن يَظلِمَنِي أَحَدٌ.

وَهُنَا أَقُولُ وَأُنَبِّهُ: إِيَّاكَ أَن تَكُونَ ظَالِمًا لَكِن كُن عَبدَ اللهِ المَظلُومَ وَلَا تَكُن عَبدَ اللهِ الظَّالِمَ، المَظلُومُ عِندَ اللهِ خَيرٌ مِنَ الظَّالِم، وقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لصَحَابيٍّ اسمُهُ أبو جُرَيّ: «وَإِنِ امرُؤٌ عَيَّرَكَ بِما يَعلَمُ فِيكَ فَلا تُعَيِّرهُ بِما تَعلَمُ فِيهِ» قَالَ أبو جُرَيّ: فَمَا سَبَبتُ بَعدَ ذلِكَ ولا دَابَّةً، أَي أَنَّهُ امتَثَلَ لِكَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَمَعنَى الحَدِيثِ: أَنتَ سَامِحهُ وَلَا تَعمَل مَعَهُ كَمَا عَمِلَ مَعَكَ، فَإنَّ هَذَا أَفضَلُ، إِذَا مُسلِمٌ سَبَّ مُسلِمًا فَإِنَّهُ إِذَا لَم يَرُدَّ عَلَيهِ فَهُوَ أَفضَلُ عِندَ اللهِ.

وَالإِحسَانُ إِلَى مَن يُسِيءُ إِلَيكَ فِي الشَّرعِ مَطلُوبٌ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 134] فَالشَّرعُ حَضَّنَا عَلَى تَركِ الِانتِقَامِ وَالعَفوِ وَالصَّفحِ.

مَعنَى «أَو أَجهَلَ أَو يُجهَلَ عَلَيَّ»

«أَو أَجهَلَ» أَي: أُمُورَ الدِّينِ، أَو حُقُوقَ اللَّهِ، أَو حُقُوقَ النَّاسِ، أَو مَعرِفَةَ اللَّهِ، أَو فِي المُعَاشَرَةِ وَالمُخَالَطَةِ مَعَ الأَصحَابِ، أَو نَفعَلَ بِالنَّاسِ فِعلَ الجُهَّالِ مِنَ الإِيذَاءِ وَإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَيهِم.

«أَو يُجهَلَ عَلَىَّ» أَي: يَفعَلُ النَّاسُ بِنَا أَفعَالَ الجُهَّالِ مِن إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَينَا.

نَحنُ عِندَمَا نُخَالِطُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ غَالِبًا مَا نَتَعَرَّضُ لِلأَذَى مِنهُم، وَمَا أَكثَرَ ذَلِكَ، وَلَكِن حَثَّنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَلَى الصَّبرِ وَتَحَمُّلِ الأَذَى فَقَالَ

: «المُؤمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم أَفضَلُ مِنَ المُؤمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم»

وَقَد رَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللهُ الخَلَائِقَ يَومَ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَينَ أَهلُ الفَضلِ؟ فَيَقُومُ نَاسٌ  وَهُم يَسِيرٌ  فَيَنطَلِقُونَ سِرَاعًا إِلَى الجَنَّةِ، فَتَلقَاهُمُ المَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ: إِنَّا نَرَاكُم سِرَاعًا إِلَى الجَنَّةِ، فَمَن أَنتُم؟ فَيَقُولُونَ: نَحنُ أَهلُ الفَضلِ، فَيَقُولُونَ: وَمَا فَضلُكُم؟ فَيَقُولُونَ: إِذَا ظُلِمنَا صَبَرنَا، وَإِذَا أُسِيءَ إِلَينَا غَفَرنَا، وَإِذَا جُهِلَ عَلَينَا حَلِمنَا، فَيُقَالَ لَهُمُ: ادخُلُوا الجَنَّةَ فَنِعمَ أَجرُ العَامِلِينَ»

رِوَايَةُ مَيمُونَةَ

وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ بِرِوَايَةٍ فِيهَا قَيدٌ آخَرُ وَهِيَ: عَن مَيمُونَةَ قَالَت: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن بَيتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَضِلَّ أَو أُضَلَّ، أَو أَزِلَّ أَو أُزَلَّ، أَو أَجهَلَ أَو يُجهَلَ عَلَيَّ، أَو أَظلِمَ أَو أُظلَمَ» وَرَفعُ رَأسِهِ ﷺ لِلسَّمَاءِ لِأَنَّهَا مَهبِطُ البَرَكَاتِ وَالرَّحَمَاتِ وَقِبلَةُ الدُّعَاءِ وَمَسكَنُ المَلَائِكَةِ.

قَالَ أَحمَدُ بنُ إِسمَاعِيلَ الكُورَانِيُّ الحَنَفِيُّ شَيخُ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ وَمُعَلِّمُهُ فِي كِتَابِهِ الكَوثَرِ الجَارِي عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيِّ: رَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّهَا قِبلَةُ الدُّعَاءِ. وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَنزِيهِ اللهِ عَنِ المَكَانِ، وَلَيسَ رَفعُ الوَجهِ إِلَى السَّمَاءِ أَو رَفعُ اليَدَينِ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّ اللهَ يَسكُنُهَا، لَا، بَل لِأَنَّهَا قِبلَةُ الدُّعَاءِ وَمَسكَنُ الرَّحَمَاتِ وَالبَرَكَاتِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ:السَّمَاءُ قِبلَةَ الدُّعَاءِ كَمَا أَنَّ الكَعبَةَ قِبلَةَ الصَّلَاةِ.

مِن أَخلَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ

وَهُنَا أُذَكِّرُكُم وَأُذَكِّرُ نَفسِي بِأَخلَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمِمَّا جَاءَ عَن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا رُوِيَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: لَم يَكُن رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا — الفُحشُ: مَا كَانَ مُستَبشَعًا بَينَ النَّاسِ مِنَ الأَلفَاظِ وَالأَقوَالِ وَالأَفعَالِ — وَلا مُتَفَحِّشًا — يَعنِي لَا يَتَكَلَّفُ الفُحشَ — وَلا صَخَّابًا فِي الأَسوَاقِ — الصَّخَبُ هُوَ الضَّجَّةُ وَالِاضطِرَابُ — وَلا يَجزِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ — لَيسَ مِثلَ بَعضِ النَّاسِ اليَومَ، الرَّسُولُ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُنَا الإِحسَانَ إِلَى مَن أَسَاءَ إِلَينَا. لِذَلِكَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكرٍ لَمَّا سَبَّهُ شَخصٌ وَقَالَ لَهُ: لَأَسُبَّنَّكَ سَبًّا يَنزِلُ مَعَكَ إِلَى قَبرِكَ، قَالَ لَهُ: بَل مَعَكَ يَنزِلُ.

وَلَمَّا جَاءَ وَاحِدٌ وَسَبَّ زَينَ العَابِدِينَ، وَكَانَ بِمَجمَعٍ مِن تَلَامِيذِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِيَّاكَ أَعنِي، أَنتَ أَنتَ، هَذَا ابنُ الحُسَينِ، كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ، مِنَ الصَّالِحِينَ، كَانَ يُصَلِّي فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ أَلفَ رَكعَةٍ، قَالَ لَهُ: إِيَّاكَ أَعنِي، فَقَالَ لَهُ زَينُ العَابِدِينَ: وَعَنكَ أُغضِي، ثُمَّ أَتَى بِسُرَّةٍ مِن مَالٍ وَأَلقَاهَا إِلَيهِ، فَنَزَلَ عِندَ قَدَمَيهِ يَستَغفِرُ وَيَتُوبُ وَيَستَسمِحُ.

جَعفَرٌ الصَّادِقُ — وَاحِدٌ سبَّ له أمّه، جَعفَرٌ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ: لَم أَرَ مِثلَ جَعفَرٍ، لَم أَرَ أَفقَهَ مِن جَعفَرٍ — قَالَ لَهُ: إِن كَانَت مِثلَ مَا تَقُولُ فَغَفَرَ اللهُ لَهَا، وَإِن لَم تَكُن كَذَلِكَ فَغَفَرَ اللهُ لَكَ، هَؤُلَاءِ أَكَابِرُ وَلَكِن يَعفُو وَيَصفَحُ مِن قَلبِهِ يَعفُو.

خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ الَّذِي كَانَ فِي أُحُدٍ قَائِدَ جَيشِ الكُفَّارِ حِينَهَا وَقُتِلَ سَبعُونَ شَخصًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، يَأتِي خَالِدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ أَن أَسلَمَ وَيَقُولُ: استَغفِرِ اللهَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ: «يَا خَالِدُ، أَمَا سَمِعتَ أَنَّ الإِسلَامَ يَهدِمُ مَا قَبلَهُ؟» يُعَزِّيهِ وَيُخَفِّفُ عَنهُ وَيَقُولُ لَهُ: انظُر لِلأَمَامِ.

لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ أَهلِ مَكَّةَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الكُفرِ دَمٌ وَقِتَالٌ عَشرَ سِنِينَ، قَتَلُوا لَهُ عَمَّهُ وَشَقُّوا لَهُ بَطنَهُ وَمَثَّلُوا بِهِ، مَثَّلُوا بِأَصحَابِهِ وَقَتَلُوهُم، قَالَ: «مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُم؟»، قَالُوا: أَخٌ كَرِيمٌ وَابنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «اذهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقَاءُ»، هَذِهِ أَخلَاقُ مُحَمَّدٍ ﷺ.

والله تعالى أعلم وأحكم