المقدمة
الحمد لله ((الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)). ثم قرن طاعته بطاعته، وضمن الهدى في متابعته. فقال: ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)) وقال جل جلاله: ((وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا))، وشهد له بالصدق فيما قاله وبلغه فقال عز وجل: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى))، وأمر باتباعه فيما شرعه وسَنه فقال عز وجل: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) وأحمد الله الذي جعلنا من أمته فأكرمنا بدينه وسنته وعلمنا منهما ما لم نكن نعلم وكان فضله علينا عظيما، نحمده على جميع آلائه قديمها وحديثها، الظاهرة منها والباطنة، حمدَ المعترفين بنعمه وآلائه، العاجزين عن إحصاء مزيد فضله، المجتهدين في بلوغ شكره، الراغبين في المزيد من نوافل بره، ونسأله أن يصلي على محمد عبِده ورسوله أفضلَ صلاة صلاها على نبي من أنبيائه وأرفعَها درجة وأسناها ذكرا، صلاة تامة زاكية غادية عليه ورائحة، كما قد جاهد فيه حق جهاده، وأخلص في إرشاد خلقه وعباده، وعادى فيه الأقربين، ووالى الأجانب الأبعدين، وصدع بما أُمِرَ حتى أتاه اليقين، وأن يضاعف من بركاته عليه، ويزلف مقامه لديه، وأن يسلم عليه وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا عظيما، أما بعد:
سنبدأ بالكلام على الحديث الاول من باب بيان كثرة طرق الخير وهو الحديث السابع عشر بعد المائة من كتاب رياض الصالحين
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وأما الأحاديث فكثيرة جدًا، وهي غيرُ منحصرةٍ فنذكُرُ طرفًا مِنْهَا: الأول: عن أبي ذر جُنْدبِ بنِ جُنَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ باللهِ وَالجِهادُ فِي سَبيلِهِ». قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أَهلِهَا وَأَكثَرُهَا ثَمَنًا». قُلْتُ: فإنْ لَمْ أفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ». قُلْتُ: يَا رَسُول الله، أرأيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَالَ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ». مُتَّفَقٌ عليه. «الصَّانِعُ» بالصاد المهملة هَذَا هُوَ المشهور، وروي «ضائعًا» بالمعجمة: أي ذا ضِياع مِنْ فقرٍ أَوْ عيالٍ ونحوَ ذلِكَ، «وَالأَخْرَقُ»: الَّذِي لا يُتقِنُ مَا يُحَاوِل فِعلهُ.
الشرح
عن أبي ذر جُنْدبِ بنِ جُنَادَةَ رضي الله عنه (كنا تكلمنا في ترجمته في دروس سابقة رضي الله عنه وأرضاه، ويكفي أن أذكر في فضائله ما روي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَيُّكُمْ يَلْقَانِي عَلَى الحَالِ الَّذِي أُفَارِقُهُ عَلَيْهِ؟) فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَنَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (مَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، وَلاَ أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ! مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى زُهْدِ عِيْسَى فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ.اهـ رضي الله عنه وأرضاه. وسُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ فَقَالَ: وَعَى عِلْماً عَجِزَ عَنْهُ، وَكَانَ شَحِيْحًا عَلَى دِيْنِهِ، حَرِيْصًا عَلَى العِلْمِ، يُكْثِرُ السُّؤَالَ، وَعَجِزَ عَنْ كَشْفِ مَا عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ) قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ (هذا السؤال فيه إشارة إلى أن الصحابة كانوا يبحثون عن أعالي الدرجات ولا يقنعون بالقليل من العمل للآخرة، لذلك تجد أنه قد رُوي عنهم أنهم يسألون النبي ﷺ مثلَ هذه الأسئلة، فهم يريدون أن يعرفوا أفضل الأعمال الموصلة إلى رضى الله عز وجل فيملؤوا أوقاتهم بها، وهذه نظرةُ وعزيمةُ الباحث عن أعالي المراتب في أمر الآخرة، وقد ورد الكثير مثلُ هذا في أحاديث النبي ﷺ: فقد روى البخاري عن أبي هُرَيرة رضي الله عنه «أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فقال: «إِيمانٌ باللّهِ ورَسولهِ». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثُمَّ ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبْرور».اهـ
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللّهِ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ».اهـ وقد كان شيخنا يوصي بالترقي في أمر الآخرة فقال: «لِيَكُنْ غَدُكُمْ خَيْرًا مِنْ أَمْسِكُمْ». وقد قيل:
تَزَوَّدْ للَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ … فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ العِبَادِ
أَتَرْضَى أَنْ تكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ … لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ) قالَ: «الإِيمَانُ باللهِ (أفضل الأعمال على الإطلاق هو الإيمان بالله ورسوله لهذا الحديث وللحديث الذي في البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، وعند النسائي «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ»، وَمَعْنَى الإِيمَانِ بِاللهِ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ اعْتِقَادًا جَازِمًا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ شَكَّ فِي وُجُودِهِ، مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الـمَوْجُودَاتِ، لَيْسَ جِسْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلَيْسَ حَجْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَحْجَامَ، لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَلَا جِسْمًا لَطِيفًا كَالهَوَاءِ وَالجِنِّ وَالـمَلاَئِكَةِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُشْبِهُ الإِنْسَانَ وَلاَ النَّبَاتَ وَلاَ الجَمَادَاتِ، وَلاَ يُشْبِهُ الهَوَاءَ وَلاَ الرُّوحَ وَلاَ الضَّوْءَ وَلاَ الـمَلاَئِكَةَ وَلاَ الجِنَّ فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا العَالَمِ بَلْ هُوَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وَمَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِخِلاَفِ ذَلِكَ أَيْ لاَ يُشْبِهُ ذَلِكَ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي الوَهْمِ وَلاَ يَتَمَثَّلُ فِى النَّفْسِ، غَايَةُ الـمَعْرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلاَ كَيْفٍ وَلاَ مَكَانٍ أَىْ أَقْصَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ كَالـمَوْجُودَاتِ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِى تَلِيقُ بِهِ وَالَّتِى لاَ تُشْبِهُ صِفَاتِ المـَخْلُوقِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ.
أحد من علماء المسلمين قال:
قُلْ لِلْمُشَبِّهَةِ الَّذِيْنَ تَجَاوَزُوْا *** حُجَجَ الْعُقُوْلِ بِكُلِّ قَوْلٍ مُنْكَرِ
يَا وَيْلَكُمْ قِسْتُمْ صِفَاتِ إِلَهِكُمْ *** بِصِفَاتِكُمْ هَذَا قِيَاسُ الْأَخْسَرِ
أَيُقَاسُ صَانِعُ صَنْعَةٍ بِصَنِيْعِهِ **** أَيُقَاسُ كَاتِبُ أَسْطُرٍ بِالْأَسْطُرِ
الخالق لا يشبه المخلوق سبحانه كل الأجسام متشابهة في الجسمية خالقها لا يكون جسما سبحانه. الأئمة كلهم قالوا من قال إن الله جسم فهو كافر. الأئمة الأربعة وغيرهم قالوا من قال إن الله جسم فهو كافر. الإمام الشافعي قال المجسم كافر. ما قال الشافعي المجسم الذي يقول إن الله جسم كالأجسام كافر أما الذي يقول إن الله جسم لا كالأجسام غير كافر. ما قال هذا إنما قال الشافعي المجسم كافر هذا يعم كل أنواع المجسمة كل مجسم يعني كافر هذا معناه المجسم كافر اللي بيعرف بعلوم اللغة أو بعلم الأصول يعرف أن هذا المجسم يدل على النوع على العموم يعني كل مجسم كافر المجسم كافر معناه كل مجسم كافر هذا معناه هكذا قال الإمام الشافعي رضي الله عنه والإمام أحمد بن حنبل قال من قال إن الله جسم لا كالأجسام فهو كافر حتى لو قال لا كالأجسام فهو كافر وهذا هو الصحيح، ليه لأن الجسم هو ما له طول وعرض وعمق طيب إذا واحد قال الله جسم وإذا قال الله جسم لا كالأجسام ما هو الفرق بينهما وهذا مثله هذا أثبت لله الجسمية وهذا أثبت لله الجسمية الذي يقول الله جسم ما معنى جسم له طول وعرض وعمق والذي يقول الله جسم لا كالأجسام معناه يثبت لله الطول والعرض والعمق وبعدين بيقول لا كالأجسام ماذا ينفعه هذا لا ينفعه لو قال إنسان الله يتعب لا كالذين يتعبون هل ينفعه قوله لا كالذين يتعبون لينجوا من الكفر لا ينفعه لو قال واحد الله عاجز لا كالعاجزين ماذا يحكم عليه بالكفر ليه لأنه نسب النقص إلى الله بقوله عاجز وإذا قال الله جسم نسب النقص إلى الله لو قال بعد ذلك لا كالأجسام ماذا ينفعه قوله لا كالأجسام بعد ذلك لو قال إنسان الله ينام لا كالنائمين والعياذ بالله ماذا يكون حكمه التكفير ليش لأنه نسب النقص إلى الله ماذا ينفعه قوله لا كالنائمين بعد ذلك. وكذلك لو قال الله جسم لا كالأجسام نسب النقص إلى الله بقوله الله جسم ماذا ينفعه بعد ذلك قوله لا كالأجسام لا ينفعه لذلك العلماء الأئمة قالوا الذي يقول الله جسم أو يقول الله جسم لا كالأجسام فهو كافر وما قاله بعض المتأخرين لا يلتفت إليه خارج عن ما قاله الأئمة لا عبرة به. العلماء مراتب أعلى مرتبة قلنا ايش المجتهد المطلق ثم بعده المجتهد في المذهب ثم بعده أهل الترجيح الذين يرجحون قولا في المذهب على قول أو وجها على وجه ثم بعدهم النقلة إذا كان واحد من النقلة تعدى مرتبته هل يؤخذ بقوله لا يؤخذ بقوله إذا كان واحد مرتبته أنه ناقل قال كلاما يخالف قول أصحاب الوجوه أو يخالف قول المجتهد المطلق هل يؤخذ بكلامه لا يؤخذ لأنه عمله أيش أن ينقل ما قاله هؤلاء فإذا تعدى مرتبته لا يؤخذ بكلامه ليست شغلته هذا ليس فنه ليس متأهلا لذلك يرد عليه كلامه يقال له أنت لست من أهل تلك المرتبة الأئمة الأربعة كفروا المجسم بعد هذا إذا طلع من بين أتباعهم واحد ينتسب إليهم فقال الراجح أن المجسم لا يكفر هل يلتفت إليه لا يلتفت إليه كلامنا عن الذي يعرف معنى الجسم ما عم نحكي عن واحد ما بيعرف عربي بفكر معناها شيء ثاني أو نحو ذلك لا كلامنا عن الذي يعرف معنى الجسم إذا قال إنسان عن الله إنه جسم أليس نسب إلى الله الطول والعرض والعمق أليس هذا صفة المخلوق كيف لا يكفر إذا ما الفرق بين المجسم وبين عابد الصنم عابد الصنم لماذا يكفر ليش لأنه عبد غير الله والذي يعتقد أن الله جسم هل عبد الله ما عبد الله يعبد جسما يتخيله الله ليس جسما هذا ما عبد الله وهذا ما عبد الله كما أن هذا كافر هذا كافر العلّة السبب الذي يكفر لأجله هذا أيضا لأجله يكفر هذا فلا يلتفت لكلام من قال إن الذي يقول الله جسم لا كالأجسام لا يكفر أو الذي يقول إن الله جسم لا يكفر كلام هؤلاء لا يلتفت إليه ما له وزن الذي يقول الله عاجز ما حكمه التكفير ليه لانه نسب النقص إلى الله لأن العجز ينافي الألوهية والجسمية تنافي الألوهية كما أن ذاك يكفر هذا يكفر.
أَمَّا الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ اعْتِقَادًا جَازِمًا لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ بِأَنَّ مُحَمّدًا ﷺ رَسُولُ اللهِ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَمْ مِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ أَمْ مِنْ أُمُورِ البَرْزَخِ وَالآخِرَةِ لاَ يُخْطِئُ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَيَّدَهُ اللهُ بِالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ الدَّالَّةِ دِلاَلَةً قَطْعِيَةً عَلَى صِدْقِهِ وَحَلَّاهُ رَبُّهُ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيَانَةِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالـمُرْسَلِينَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ كُفْرٌ لاَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلاَ بَعْدَهَا وَلاَ يَحْصُلُ مِنْهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ وَلاَ فِعْلٌ خَسِيسٌ يَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةٍ وَخِسَّةِ نَفْسٍ، دَعَا النَّاسَ لِدِينِ الإِسْلاَمِ دِينِ كُلِّ الأَنْبِيَّاءِ، الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، الدِّينُ الَّذِي مَنْ مَاتَ عَلَيْهِ لاَ بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَإِنْ سَبَقَ لَهُ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللهُ عَنْهُ، الدِّينُ الَّذِي مَنِ ابْتَغَى دِينًا غَيْرَهُ يَدِينُ بِهِ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ بَلْ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ الهَالِكِينَ، فَلا سَبِيلَ لِلنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ إِلاَّ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ وَيُكْرِمَنَا بِالوَفَاةِ عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَيَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَذَابٍ إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ) (وقوله هنا: الإيمان بالله. وأراد الإيمان بالله ورسوله. وهذا أسلوب الاكتفاء. وهذا مثل ما ورد فِى حَدِيثٍ ءَاخَرَ: حيث قال عليه الصلاة والسلام: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَىْ حَرَّمَ أَنْ يَبْقَى فِيهَا إِلَى الأَبَدِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَىْ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ.اﻫ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. فإنه يَجِبُ قَرْنُ الإِيمَانِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ ضَرُورِىٌّ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ وَذَلِكَ أَىِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ اعْتِقَادِ مَعْنَاهُمَا أَقَلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنَ الْخُلُودِ الأَبَدِىِّ فِى النَّارِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وَإِنَّما اكْتُفِىَ فِى الْحَدِيثِ بِذِكْرِ الشَّهَادَةِ الأُولَى لِأَنَّ ذِكْرَهَا فِى هَذَا الْمَقَامِ مَلْحُوظٌ فِيهِ فِى عُرْفِ الشَّرْعِ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَوْ مُسْلِمٌ فَزَعْمُهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الإِيمَانَ بِالنَّبِىِّ مُحَمَّدٍ ﷺ شَرْطٌ لا بُدَّ مِنْهُ لِيَكُونَ الْعَبْدُ عِنْدَ اللهِ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْفَتْحِ ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ أَىْ مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الإِيمَانَ بِالنَّبِىِّ ﷺ إِلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا هَيَّأَ اللَّهُ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ جَزَاءً فِى الآخِرَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَمَنْ نَازَعَ فِى هَذَا الْمَوْضُوعِ يَكُونُ قَدْ عَانَدَ الْقُرْءَانَ وَكَذَّبَهُ وَمَنْ عَانَدَ الْقُرْءَانَ كَفَرَ) وَالجِهادُ فِي سَبيلِهِ» (وقد وصفه الرسول ﷺ في حديث الترمذي فقال: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ.اهـ شَبَّهَ الجِهاد بِأَعْلَى جزْءٍ فِى الأَمر لأنَّ الجِهادَ فِى سبيلِ الله، بِه حِمايَةُ بيضَةِ الدّين، بِهِ رِفْعَةُ أَهْلِ هذا الدّين، بهِ سَلامَةُ أَهْلِ هذا الدّين، بهِ سَلامَةُ بِلادِ أَهْلِ هذا الدّين وَقَد ذَكَرَ الجِهادَ فِى القُرءان مَقْرُونًا بِالهِدايَة، فقالَ الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وَجاءَ فِى الحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا جاءَ إِلَى الرسولِ فقالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهاد. قالَ: لا تَستَطِيعُهُ. قالَ: دُلَّنِي، قالَ: “هَلْ تَستَطِيعُ إِذا خَرَجَ المُجاهِدُ فِى سبيلِ اللهِ أَنْ تَدْخُلَ مسجدا فتَقُومَ وَلا تَفتر وَتَصُومَ فَلا تُفْطِر؟” قالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ هذا؟ لِذلِكَ قالَ النّبِيُّ: “وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهاد”. ولا يخفى ما للمجاهد في سبيل الله من الفضيلة والدرجة عند الله عز وجل. ومما يبين فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله ما روي عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: «{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} فَقَالَ: ثَامَنَهُمُ اللَّهُ فَأَغْلَى لَهُمْ»، يُروى عنْ أحدِ الفقهاءِ وهوَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ فِى مَجْلِسِنَا هَذَا نَتَهَيَّأُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ وَقَدْ أَمَرْتُ أَصْحَابِى أَنْ يَتَهَيَّئُوا لِقِرَاءَةِ ءَايَتَيْنِ فَقَرَأَ رَجُلٌ فِى مَجْلِسِنَا ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ فَقَامَ غُلامٌ فِى مِقْدَارِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَوَرَّثَهُ مَالًا كَثِيرًا فَقَالَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ بنَ زَيْدٍ فَقُلْتُ نَعَمْ يَا حَبِيبِي فَقَالَ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ بِعْتُ نَفْسِى وَمَالِي بِأَنَّ لِيَ الْجَنَّةَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ حَدَّ السَّيْفِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ صَبِىٌّ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ لا تَصْبِرَ وَتَعْجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ أُبَايِعُ اللَّهَ تَعَالَى بِالْجَنَّةِ ثُمَّ أَعْجَزُ أَنَا أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى أَنِّى قَدْ بَايَعْتُهُ. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا وَقُلْنَا صَبِىٌّ يَعْقِلُ وَنَحْنُ لا نَعْقِلُ فَخَرَجَ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ وَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا فَرَسَهُ وَسِلاحَهُ وَنَفَقَتَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ عَلَيْنَا فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ فَقُلْتُ وَعَلَيْكَ السَّلامُ رَبِحَ الْبَيْعُ ثُمَّ سِرْنَا وَهُوَ مَعَنَا يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَخْدِمُنَا وَيَخْدِمُ دَوَابَّنَا وَيَحْرُسُنَا إِذَا نِمْنَا حَتَّى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ وَهُوَ يُنَادِى وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقَالَ أَصْحَابِي لَعَلَّهُ وُسْوِسَ لِهَذَا الصَّبِىِّ وَاخْتَلَطَ عَقْلُهُ فَقُلْتُ حَبِيبِى وَمَا هَذِهِ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ فَقَالَ إِنِّي غَفَوْتُ غَفْوَةً فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ أَتَانِي ءَاتٍ فَقَالَ لِيَ اذْهَبْ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَهَجَمَ بِى عَلَى رَوْضَةٍ فِيهَا نَهْرٌ مِنْ مَاءٍ وَإِذَا عَلَى قُرْبِ النَّهْرِ جَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحُلِىِّ وَالْحُلَلِ مَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَصِفَهُ فَلَمَّا رَأَيْنَنِي اسْتَبْشَرْنَ بِي وَقُلْنَ هَذَا زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ فَقُلْنَ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا امْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ أَمَامِي فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فِى رَوْضَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ فِيهَا جَوَارٍ لَمَّا رَأَيْتُهُنَّ افْتُتِنْتُ بِحُسْنِ جَمَالِهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَنِي اسْتَبْشَرْنَ بِي وَقُلْنَ هَذَا وَاللَّهِ زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ فَقُلْنَ وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا وَلِيَّ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ فَتَقَدَّمْتُ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ مِنْ خَمْرٍ غَيْرِ خَمْرِ الدُّنْيَا لا يُسْكِرُ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَبِقُرْبِ النَّهْرِ جَوَارٍ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ قُلْنَ لا نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا امْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ ءَاخَرَ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَجَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ النُّورِ وَالْجَمَالِ مَا أَنْسَانِي مَا خَلَّفْتُ فَقُلْتُ السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ قُلْنَ يَا وَلِىَ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا فَامْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ فَوَصَلْتُ إِلَى خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَعَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِىِّ وَالْحُلَلِ مَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَصِفَهُ فَلَمَّا رَأَتْنِي اسْتَبْشَرَتْ وَنَادَتْ مَنْ فِى الْخَيْمَةِ أَيَّتُهَا الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ هَذَا بَعْلُكِ قَدْ قَدِمَ. قَالَ فَدَنَوْتُ مِنَ الْخَيْمَةِ وَدَخَلْتُ فَإِذَا هِيَ قَاعِدَةٌ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فَلَمَّا رَأَيْتُهَا افْتُتِنْتُ بِهَا وَهِىَ تَقُولُ مَرْحَبًا بِكَ يَا وَلِىَ الرَّحْمٰنِ قَدْ دَنَا لَكَ الْقُدُومُ عَلَيْنَا فَذَهَبْتُ لِأُعَانِقَهَا فَقَالَتْ مَهْلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تُعَانِقَنِي لِأَنَّ فِيكَ رُوحَ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فَانْتَبَهْتُ (اسْتَيْقَظْتُ) يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ وَلا صَبْرَ لِي عَنْهَا قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَمَا انْقَطَعَ كَلامُنَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ لَنَا سَرِيَّةٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَهَجَمَ الْغُلامُ عَلَيْهِمْ فَعَدَدْتُ تِسْعَةً مِنَ الْعَدُوِّ قَتَلَهُمْ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ فَمَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَهُوَ يَضْحَكُ مِلْءَ فِيهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
يَا مَنْ يُعَانِقُ دُنْيَا لا بَقَاءَ لَهَا **** يُمْسِي وَيُصْبِحُ مَغْرُورًا وَغَرَّارًا
هَلَّا تَرَكْتَ مِنَ الدُّنْيَا مُعَانَقَةً **** حَتَّى تُعَانِقَ فِي الْفِرْدَوْسِ أَبْكَارًا
إِنْ كُنْتَ تَبْغِى جِنَانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُهَا **** فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ لا تَأْمَنَ النَّارَا
وقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَغْسِلُ الدَّرَنَ، وَالْقَتْلُ قَتْلَانِ كَفَّارَةٌ وَدَرَجَةٌ»، وروي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَاءَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَضَى بِسَيْفِهِ قُدُمًا يَضْرِبُ بِهِ حَتَّى قُتِلَ”، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَاغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وفي البخاري قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ»، وروي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَوْلَا ثَلَاثٌ: لَوْلَا أَنْ أَسِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يُغَبَّرَ جَبِينِي فِي السُّجُودِ، أَوْ أُقَاعِدَ قَوْمًا يَنْتَقُونَ طَيِّبَ الْكَلَامِ، كَمَا يُنْتَقَى طَيِّبُ الثَّمَرِ؛ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ لَحِقْتُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَل».
وصح عن النبي ﷺ فيما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا). وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رِبَاطُ لَيْلَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ رَجُلٍ وَقِيَامِهِ فِي أَهْلِهِ شَهْرًا [أي نفلا]، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُرَابِطًا أَجَارَهُ اللَّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَأَمَّنَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَأَجْرَى عَمَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِذَا كُنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنْ خَلْفَهَا تَسُوقُ ضَعِيفَهَا، وَتُؤَمِّنُ خَائِفَهَا، يَكُنْ لَكَ مِثْلُ أُجُورِهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: السُّيُوفُ مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَزَيَّنَ الْحُورُ الْعِينُ فَأَظْلَمْنَ فَإِذَا أَقْبَلَ الرَّجُلُ قُلْنَ: اللَّهُمَّ أَبْصِرْهُ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ، فَإِذَا أَدْبَرَ احْتَجَبْنَ عَنْهُ وَقُلْنَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَإِذَا قُتِلَ مقبلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ دَمِهِ، كُلُّ ذَنْبٍ هُوَ لَهُ، وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ اثْنَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، تَمْسَحَانِ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ. وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا حَبَشِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَنَا كَمَا تَرَانِي دَمِيمُ الْوَجْهِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، غَيْرُ زَاكِي الْحَسَبِ، فَأَيْنَ أَنَا إِنْ قَاتَلْتُ حَتَّى أُقْتَلَ؟ قَالَ: «أَنْتَ فِي الْجَنَّةِ» فَقَالَ عِنْدِي غَنَمٌ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: «وَجِّهْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ صِحْ بِهَا فَإِنَّهَا سَتَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهَا» فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَحَمَ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا تَحَاجَزَ الْقَوْمُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَفَقَّدُوا إِخْوَانَكُمْ» فَفَعَلُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ الْحَبَشِيُّ قَتِيلٌ فِي وَادِي كَذَا. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِ قَالَ: «الْيَوْمَ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَزَكَّى حَسَبَكَ» فَبَكَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَعْرَضْتَ عَنْهُ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَزْوَاجَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ابْتَدَرْنَ حَتَّى بَدَتْ خَلَاخِيلُهُنَّ». وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» يَعْنِي لَا يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا وَإِنْ أُعْطِيَ لَهُ جَمِيعُ الدُّنْيَا «إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى». وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى الْمُجَاهِدِينَ ثَلَاثَ خِصَالٍ، مَنْ قُتِلَ مَنْهُمْ صَارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، وَمَنْ غَلَبَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا، وَمَنْ عَاشَ يَرْزُقُهُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا). قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ (أي في العتق) قَالَ: «أنْفَسُهَا (من النفاسة وهي الجودة) عِنْدَ أَهلِهَا وَأَكثَرهَا ثَمَنًا» (وهذا فيه ترغيب لعتق الرقاب، العتق : وهو إزالة الرق عن الآدمي. وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسلمةً، أَعْتَقَ اللّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ، عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ». قوله ﷺ: “مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسلمةً” ذكرا كان المعتق أو أنثى نفيسا أو خسيسا. وقوله ” أَعْتَقَ اللّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ ” أي بدل كل عضو من المعتق) (ومع عظيم أجر الذي يعتق الرقاب لوجه الله تعالى فإنه أَحيانًا قَدْ يَعدِل (يُساوِي) ذِكْرٌ واحِد أَعمالاً كَثِيرَة. ذِكْرٌ واحِد يَقُولُه الإِنسان بِنِيَّةٍ حسَنَة وَلَفْظٍ صَحيح، قَدْ يُساوِي عِنْدَ اللهِ صَدَقاتٍ كَثِيرَة. وجاءَ فِى الحَدِيثِ: “مَنْ قال: لا إِلٰه إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيت وَهُوَ عَلَى كُلِّ شىءٍ قَدِير”، مَنْ قالَهُ فِى اليومِ مائَةَ مَرَّة قالَ الرسول كانت لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقاب كَأنَّهُ أَعتَقَ عَشْرَ عَبيد.اهـ بهذه الكَلِمات الخَفيفَة وَكُتِبَت لَهُ مائَةُ حَسَنَة وَمُحِيَت عَنْهُ مائَةُ سَيِّئَة وَكانَت لَهُ حِرْزًا مِنَ الشيطانِ يَومَهُ ذلكَ حَتى يُمْسِى وَلَمْ يَـْتِ أَحدٌ بِأَفْضَلَ مِمّا جاءَ بِهِ إِلّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذلِك. فَلا ينبَغِي أَنْ يُضَيِّعَ المسلِم أَوقاتهُ. يسْتَغِلَّها الآن قبل فوات الأَوان! لا يعلَمُ الشخص بِأَيِّ عَمَلٍ اللهُ تعالَى يُعْتِقُهُ مِنَ النار، أَيِّ عَمَلٍ يرفَع دَرَجاتِهِ) (وَلا يَبْطُلُ حُكْمُ الِاسْتِرْقَاقِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَانَ فِي مَكَّةَ سُوقٌ تُسَمَّى «سُوقَ النَّخَّاسِينَ» يُبَاعُ فِيهَا الرَّقِيقُ عَلانِيَةً. وَلَمْ يَدْعُ الإِسْلامُ إِلَى إِلْغَاءِ الرِّقِّيَّةِ بَلْ رَغَّبَ فِي الإِعْتَاقِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِيَقْطَعَ الِاسْتِرْقَاقَ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَيْفَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كُلُّهُمْ كَانَ لَهُمْ رَقِيقٌ فَقَدْ كَانَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ نَحْوُ عِشْرِينَ أَمَةً اتَّخَذَهُنَّ فِرَاشًا فَوَلَدَ مِنْ بَعْضِهِنَّ أَوْلادًا وَكَذَلِكَ كَانَ الأَمْرُ فِي عَهْدِ الأُمَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ. فَلا عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ بَعْضُ أَدْعِيَاءِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِمْ أَنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِيَقْطَعَ الرِّقَّ بِالتَّدْرِيجِ، هَذَا كَذِبٌ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ، كَذَّبُوا قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [سُورَةَ الْمَعَارِج] فِعِنْدَهُمْ كَأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، لَكِنْ فِي شَرْعِ اللَّهِ حُكْمُهَا مُسْتَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. هَذَا وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَةً لِي جَارِيَةً أَمْلِكُهَا فَقَالَ «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ اهـ. فَضَّلَ تَرْكَ جَارِيَتِهَا عَلَى الرِّقِّيَّةِ وَأَنْ تَهَبَهَا لِأَخْوَالِهَا فَتَكُونَ مِلْكًا يَنْتَفِعُونَ بِهَا عَلَى الإِعْتَاقِ لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ لِاسْتِخْدَامِ الرَّقِيقِ، فَمَاذَا يَقُولُ هولاء الَّذِين قَالَ إِنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِيَقْطَعَ الرِّقَّ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارًا فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى عُمَرَ. بَلِ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ إِمَاءٌ وَعِبِيدٌ، وَابْنُهُ كَذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِرْقَاقَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، مِنْهَا أَنَّ الَّذِي يُجَامِعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا يُعْتِقُ عَبْدًا مَمْلُوكًا وَالَّذِي يَقْتُلُ مُسْلِمًا خَطَأً كَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ دَفْعُ الدِّيَةِ وَعِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ حَلَفَتْ ذَاتَ مَرَّةٍ أَنَّ قَرِيبًا لَهَا لا يَدْخُلُ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أَغْضَبَهَا بِسَبَبِ كَلامٍ تَكَلَّمَهُ فِيهَا، ثُمَّ النَّاسُ تَوَسَّطُوا لِقَرِيبِهَا هَذَا حَتَّى سَمَحَتْ لَهُ، ثُمَّ كَفَّرَتْ عَنْ يَمِينِهَا. أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقِيقًا أَيْ زَادَتْ فِي الإِعْتَاقِ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ. فَحُكْمُ الِاسْتِرْقَاقِ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ الِاسْتِرْقَاقُ لَيْسَ خَاصًّا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ بَلْ كَانَ أَيَّامَ إِبْرَاهِيمَ وَقَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ) قُلْتُ: فإنْ لَمْ أفْعَلْ؟ (أي إن كانت نفسي أنا لا تسمح بأن تعتق أنفس الرقاب، ولم يقل ذلك عن غيره، فقال له) قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا (مِنَ الصَّنْعَةِ أَيْ مَا بِهِ مَعَاشُ الرَّجُلِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْحِرْفَةُ وَالتِّجَارَةُ أَيْ صَانِعًا لَمْ يَتِمَّ كَسْبُهُ لِعِيَالِهِ، أَوْ ضَعِيفًا عَاجِزًا فِي صُنْعِهِ. وَفِي نُسْخَةٍ ضَائِعًا أَيْ ذَا ضَيَاعٍ مِنَ الضَّيَاعِ أَيْ: إِعَانَةُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَهِّدًا بِتَعَهُّدٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ) (ويجوز إطلاق لفظ الصانع على الله من باب الوصف، فيجوز أن نقول: إن الله هو صانع العالم سبحانه. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ: إِنَّهُ (أَيِ اللَّه) أَزَلِيٌّ لَيْسَ لِوُجُودِهِ أَوَّلٌ وَلَيْسَ لِوُجُودِهِ ءَاخِرٌ. وَإِنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ يَتَحَيَّزُ بَلْ يَتَعَالَى وَيَتَقَدَّسُ عَنْ مُنَاسَبَةِ الْحَوَادِثِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ مُؤَلَّفٍ مِنْ جَوَاهِرَ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ جِسْمٌ لَجَازَ أَنْ تُعْتَقَدَ الأُلُوهِيَّةُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَوْ لِشَىْءٍ ءَاخَرَ مِنْ أَقْسَامِ الأَجْسَامِ فَإِذًا لا يُشْبِهُ شَيْئًا وَلا يُشْبِهُهُ شَىْءٌ بَلْ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَأَنَّى يُشْبِهُ الْمَخْلُوقُ خَالِقَهُ وَالْمُقَدَّرُ مُقَدِّرَهُ وَالْمُصَوَّرُ مُصَوِّرَهُ.اهـ وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: »إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ«، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. الصَّنْعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرَادُ بِهَا الْعَمَلُ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ حَرَكَاتُهُ وَسُكُونُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ. وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهِ. فَالإِنْسَانُ جِسْمُهُ وَاحِدٌ، وَأَمَّا أَعْمَالُهُ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ تُعَدُّ بِالْمَلايِينِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَ الْجِسْمَ فَقَطْ وَالْعَبْدُ يَخْلُقُ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ لَكَانَ مَخْلُوقُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ مَخْلُوقِ اللَّهِ) أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ» (أَيْ مَنْ لَيْسَ لَهُ كَسْبٌ مِنْ خَرِقَ كَفَرِحَ خَرَقًا بِالتَّحْرِيكِ جَهِلَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ” أَخْرَقَ ” أَيِ الْجَاهِلِ بِمَا يَعْمَلُهُ أَوْ لَيْسَ فِي يَدِهِ صَنْعَةٌ يَتَكَسَّبُ بِهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْأَخْرَقُ هُنَا الَّذِي لَا يُحْسِنُ صَنْعَةً. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ رحمه الله: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقال النووي في شرحه لمسلم: الْأَخْرَقُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ يُقَالُ رَجُلٌ أَخْرَقُ وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ لِمَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ فَإِنْ كَانَ صَانِعًا حَاذِقًا قِيلَ رَجُلٌ صَنَعٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِفَتْحِ الصَّادِ) قُلْتُ: يَا رَسُول الله، أرأيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ (أي العمل المذكور من الإعانة والصنع أو مطلق العمل المأمور بالتعبد به: أي: إن عجزت عن فعل ذلك فما الطريق الموصل إلى تزايد الثواب على شيء مما أقدر عليه) (هذا من حسن أدب أبي ذر، فإنه لما ذكر حالاً يقتضي التقصير من المؤمنين لم ير أن ينسبها إلى غيره) قَالَ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ (قال ابن علان: قاصدًا سلامة الناس من ذلك لامتثال أمر الله تعالى بذلك، وهذا شرط في حصول الأجر هنا) (قال ابن رجب: ومِنْ أنواع الصَّدقة: كفُّ الأذى عن النَّاس باليد واللسان) (وفي هذا من الفقه إن الإنسان إذا ضعف عن أن يعمل الخير فينبغي أن يكون أقل أحواله الكف عن الشر، فإنه إذا لم يطق أن يعمل خيرًا فلا أقل من أن لا يعمل شرًا. وهذا من غاية تنبيهاته ﷺ ولطفه في حسن الموعظة) فإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ (في هذا من الفقه أن الإنسان إذا أتى شيئًا من الشر فقد عرض نفسه لاحتمال العقوبة على ذلك الشر، فإذا كف عنه فقد تصدق على نفسه بإراحتها من احتمال تلك العقوبة حين لم يمكنه أن يسعى في أن يحصل لنفسه الفوائد والغنائم، فلا أقل من أن يتصدق عليها بأن لا يعرضها من البلاء لما لا تطيقه)». (وفي ” صحيح ابن حبان ” عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، دُلَّني على عملٍ، إذا عملَ به العبدُ دخلَ به الجنَّةَ، قال: «يُؤمِنُ بالله» قلت: يا رسولَ الله، إنَّ مع الإيمان عملاً؟ قالَ: «يرضخُ ممَّا رزقه الله»، قلت: وإنْ كانَ معدمًا لا شيء لهُ؟ قالَ: «يقول معروفًا بلسانه»، قلتُ: فإنْ كانَ عيياً لا يُبلغُ عنه لسانُه؟ قال: «فيُعين مغلوبًا»، قلت: فإنْ كان ضعيفاً لا قُدرةَ له؟ قال: «فليصنع لأخرق»، قلت: فإنْ كان أخرقَ؟ فالتفت إليَّ، فقال: «ما تريدُ أنْ تدعَ في صاحبك شيئًا مِنَ الخيرِ؟ فليدع النَّاس من أذاه»، قلتُ: يا رسول الله، إنَّ هذا كلَّه ليسيرٌ، قال: «والذي نفسي بيده، ما مِنْ عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يُريد بها ما عندَ الله، إلا أَخذت بيده يومَ القيامة حتى يدخل الجنَّة»).