المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ وَحيَهُ هُدًى وَذِكرَى لِأُولِي الأَلبَابِ، وَفَتَحَ بَصَائِرَ أُولِي النُّهَى عَلَى أَسرَارِ مَا أَودَعَهُ فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ وَمُحكَمِ الكِتَابِ، وَيَسَّرَ لِمَن أَرَادَ بِهِم خَيرًا التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ فَارتَقَوا فِي الأَسبَابِ، أَحمَدُهُ حَقَّ حَمدِهِ وَهُوَ وَلِيُّ الحَمدِ فِي الأُولَى وَيَومَ المَآبِ، فَبِحَمدِهِ تَنزَاحُ الحُجُبُ وَتَلمَعُ بَوَارِقُ الصَّوَابِ، وَاللهُ وَلِيُّ المُؤمِنِينَ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَيَومَ الحِسَابِ،
ثُمَّ أُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الأُمَّةِ وَإِمَامِهَا، وَرَافِعِ لِوَاءِ الحَقِيقَةِ وَنَاشِرِ أَعلَامِهَا، وَمُنقِذِ المُؤمِنِينَ بِهُدَى رَبِّهِ وَمُحَقِّقِ أَمنِهَا وَسَلَامِهَا،
مِن طَاهِرِ سُنَّتِهِ امتَلَأَتِ العُقُولُ بِالحِكمَةِ، وَبِحِرصِهِ عَلَى البَيَانِ وَإِبلَاغِ وَحيِ اللهِ كَمُلَتِ الرَّحمَةُ، وَبِإِكرَامِ رَبِّ العِزَّةِ لِأُمَّتِهِ تَمَّتِ النِّعمَةُ،
ثَبَّتَنِي اللهُ وَإِيَّاكُم عَلَى الِالتِزَامِ بِسُنَّتِهِ، وَضَاعَفَ فِي قَلبِي وَقَلبِكُم زَكِيَّ مَحَبَّتِهِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى الآلِ وَالأَصحَابِ أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الرَّابِعِ مِن بَابٍ فِي الِاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ وَهُوَ الحَدِيثُ الخَامِسُ وَالأَربَعُونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ
الحديث
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسرٌ، وَلَن يُشَادَّ الدِّينُ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا، وَاستَعِينُوا بِالغَدوَةِ وَالرَّوحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلجَةِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغدُوا وَرُوحُوا، وَشَيءٌ مِنَ الدُّلجَةِ، القَصدَ القَصدَ تَبلُغُوا». قَولُهُ: «الدِّينُ»: هُوَ مَرفُوعٌ عَلَى مَا لَم يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَرُوِيَ مَنصُوبًا وَرُوِيَ: «لَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ». وَقَولُهُ ﷺ: «إِلَّا غَلَبَهُ»: أَي غَلَبَهُ الدِّينُ وَعَجَزَ ذَلِكَ المُشَادُّ عَن مُقَاوَمَةِ الدِّينِ لِكَثرَةِ طُرُقِهِ. وَ«الغَدوَةُ»: سَيرُ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَ «الرَّوحَةُ»: آخِرُ النَّهَارِ. وَ «الدُّلجَةُ»: آخِرُ اللَّيلِ. وَهَذَا استِعَارَةٌ وَتَمثِيلٌ، وَمَعنَاهُ: استَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالأَعمَالِ فِي وَقتِ نَشَاطِكُم وَفَرَاغِ قُلُوبِكُم بِحَيثُ تَستَلِذُّونَ العِبَادَةَ وَلَا تَسأَمُونَ وَتَبلُغُونَ مَقصُودَكُم، كَمَا أَنَّ المُسَافِرَ الحَاذِقَ يَسِيرُ فِي هَذِهِ الأَوقَاتِ وَيَستَرِيحُ هُوَ وَدَابَّتُهُ فِي غَيرِهَا فَيَصِلُ المَقصُودَ بِغَيرِ تَعَبٍ، وَاللهُ أَعلَمُ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَعنَى الحَدِيثِ بِالعُمُومِ كَمَا قَالَ الخَطَّابِيُّ: الأَمرُ بِالِاقتِصَادِ في العِبَادَةِ، وَتَركِ الحَملِ مِنهَا عَلَى النَّفسِ مَا يُتعِبُهَا وَيُثقِلُهَا. فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَم يَتَعَبَّد خَلقَهُ بِأَن يَنصَبُوا آنَاءَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَلَا يَفتُرُوا وَلَا يَستَرِيحُوا أَبَدًا، وَإِنَّمَا أَوجَبَ عَلَيهِم وَظَائِفَ الطَّاعَاتِ، فِي وَقتٍ دُونَ وَقتٍ، تَيسِيرًا مِنهُ وَرَحمَةً، فَعَلَيكُم بِالسَّدَادِ، وَلَا تُكَلِّفُوا أَنفُسَكُم مَا لَا تُطِيقُونَهُ، وَاخلِطُوا طَرَفَ اللَّيلِ بِطَرَفِ النَّهَارِ، وَأَجمِلُوا أَنفُسَكُم فِيمَا بَينَهُمَا لِئَلَّا تَنقَطِعَ بِكُم) «إِنَّ الدِّينَ (الدِّينُ فِي الِاصطِلَاحِ الشَّرعِيِّ يُطلَقُ وَيُرَادُ بِهَا دِينُ الإِسلَامِ، قَالَ ابنُ بَطَّال فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: الدِّينُ وَالإِسلَامُ وَالإِيمَانُ شَيءٌ وَاحِدٌ. فَلَا دِينَ صَحِيحٌ إِلَّا الإِسلَامُ، الدِّينُ الحَقُّ عِندَ اللَّهِ الإِسلامُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمرَان/85]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلامُ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمرَان/19]. وَكُلُّ الأَنبِيَاءِ مُسلِمُونَ، فَمَن كَانَ مُتَّبِعًا لِمُوسَى ﷺ فَهُوَ مُسلِمٌ مُوسَوِيٌّ، وَمَن كَانَ مُتَّبِعًا لِعِيسَى ﷺ فَهُوَ مُسلِمٌ عِيسَوِيٌّ، وَيَصِحُّ أَن يُقَالَ لِمَنِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا ﷺ مُحَمَّدِيٌّ.
وَالإِسلامُ هُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، وَلا يُسَمَّى اللَّهُ مُسلِمًا كَمَا تَلَفَظَّ بِهِ بَعضُ الجُهَّالِ، وَالمَبدَأُ الإِسلامِيُّ الجَامِعُ لِجَمِيعِ أَهلِ الإِسلامِ هو عِبَادَةُ اللَّهِ وَحدَهُ)
(وَمِن هُنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبُّ دِينِ المُسلِمِ، فَمَن لَعَنَ دِينَ المُسلِمِ فَقَد خَرَجَ مِنَ الدِّينِ وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ القَولُ المُنتَشِرُ عَلَى أَلسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ العَوَامِّ فِى بِلادِ الشَّامِ “كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دِينِهِ اللَّهُ يُعِينُهُ” فَإِنَّهُم يَقُولُونَهُ بِقَصدِ الدُّعَاءِ لِكُلٍّ مِنَ المُسلِمِينَ وَالكُفَّارِ مُتَضِّمِنًا مَعنَى الرِّضَا بِكُفرِ الكُفَّارِ فَيَكُونُ كُفرًا لِأَنَّ الرِّضَا بِالكُفرِ كُفرٌ وَأَمَّا مَن قَالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ بِقَصدِ الإِخبَارِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى يُقدِرُ الكَافِرَ عَلَى الكُفرِ وَيُمَكِّنُهُ مِنهُ فَلَا يَكفُرُ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الِاعتِقَادُ الصَّحِيحُ فَإِنَّ اللَّهَ يَهدِى مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَالإِعَانَةُ هُنَا مَعنَاهَا التَّمكِينُ وَالإِقدَارُ لا الرِّضَا وَأَمَّا قَولُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ يُونُسَ إِخبَارًا عَن سَيِّدِنَا مُوسَى أَنَّهُ قَالَ ﴿رَبَّنَا اطمِس عَلَى أَموَالِهِم وَاشدُد عَلَى قُلُوبِهِم فَلا يُؤمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ﴾ فَلَم يَكُن ذَلِكَ مِنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا وَسَلَّمَ رِضًى بِالكُفرِ لَهُم وَإِنَّمَا بِإِرَادَةِ وَقَصدِ تَشدِيدِ العَذَابِ عَلَيهِم) يُسرٌ (قَالَ حُذَيفَةُ: خِيَارُكُمُ الَّذِينَ يَأخُذُونَ مِن دُنيَاهُم لِآخِرَتِهِم، وَمِن آخِرَتِهِم لِدُنيَاهُم.
وَكَانَ يُقَالُ: دِينُ اللهِ بَينَ المُقَصِّرِ وَالغَالِي. وَقَالَ المُطَرِّفُ لِابنِهِ: يَا بُنَيَّ، الحَسَنَةَ بَينَ السَّيِّئَتَينِ، يَعنِي بَينَ الإِفرَاطِ وَالتَّقصِيرِ، وَخَيرُ الأُمُورِ أَوسَاطُهَا، وَشَرُّ السَّيرِ الحَقحَقَةُ [وَهُوَ أَن يُّلِحَّ فِي شِدَّةِ السَّيرِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيهِ رَاحِلَتُهُ أَو تُعطَبَ فَيَبقَى مُنقَطِعًا بِهِ. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلمُجتَهِدِ فِي العِبَادَة حَتَّى يُقَصِّرَ].
وَلَيسَ مَعنَى قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسرٌ»، كَمَا يَفهَمُ بَعضُ الجُهَّالِ مِنَ العَوَامِّ فَيَقَعُونَ فِي مُخَالَفَةِ الشَّرعِ وَعِندَمَا تَقُولُ لَهُمُ الحُكمُ هَكَذَا فِي الدِّينِ يَقُولُ لَكَ: يَا شَيخُ الدِّينُ يُسرٌ.
نَعَم الدِّينُ يُسرٌ وَلَكِنَّ اليُسرَ هُوَ مُوَافَقَةُ الشَّرِيعَةِ وَلَيسَ مُوَافَقَةَ هَوَى الشَّخصِ نَفسِهِ، فَيَتبَعَ هَوَاهُ عَلَى الوَجهِ المُخَالِفِ لِلشَّرعِ ثُمَّ يَقُولَ الدِّينُ يُسرٌ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى)، وَلَن يُشَادَّ الدِّينُ إِلَّا غَلَبَهُ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: المُشَادَّةُ بِالتَّشدِيدِ المُغَالَبَةُ، يُقَالُ شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إِذَا قَاوَاهُ.
وَالمَعنَى لَا يَتَنَطَّعُ أَحَدٌ فِي الأَعمَالِ الدِّينِيَّةِ وَيَترُكُ الرِّفقَ إِلَّا عَجَزَ وَانقَطَعَ فَيُغلَبُ.
قَالَ ابنُ المُنِيرِ: فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَمٌ مِن أَعلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَد رَأَينَا وَرَأَى النَّاسُ قَبلَنَا أَنَّ كُلَّ مُتَنَطِّعٍ فِي الدِّينِ يَنقَطِعُ.
وَلَيسَ المُرَادُ مَنعَ طَلَبِ الأَكمَلِ فِي العِبَادَةِ فَإِنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المَحمُودَةِ.
بَل مَنعُ الإِفرَاطِ المُؤَدِّي إِلَى المَلَالِ، أَوِ المُبَالَغَةِ فِي التَّطَوُّعِ المُفضِي إِلَى تَركِ الأَفضَلِ، أَو إِخرَاجِ الفَرضِ عَن وَقتِهِ كَمَن بَاتَ يُصَلِّي اللَّيلَ كُلَّهُ وَيُغَالِبُ النَّومَ إِلَى أَن غَلَبَتهُ عَينَاهُ فِي آخِرِ اللَّيلِ فَنَامَ عَن صَلَاةِ الصُّبحِ فِي الجَمَاعَةِ.
وَفِي حَدِيثِ مِحجَنِ بنِ الأَدرَعِ عِندَ أَحمَدَ: إِنَّكُم لَن تَنَالُوا هَذَا الأَمرَ بِالمُغَالَبَةِ، وَخَيرُ دِينِكُمُ اليَسَرَةُ.
وَقَد يُستَفَادُ مِن هَذَا الإِشَارَة إِلَى الأَخذِ بِالرُّخصَةِ الشَّرعِيَّةِ، فَإِنَّ الأَخذَ بِالعَزِيمَةِ فِي مَوضِعِ الرُّخصَةِ في بعض الأحيان تَنَطُّعٌ، كَمَن يَترُكُ التَّيَمُّمَ عِندَ العَجزِ عَنِ استِعمَالِ المَاءِ فَيُفضِي بِهِ استِعمَالُهُ إِلَى حُصُولِ الضَّرَرِ) (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأَينَا بَعضَهُ وَسَمِعنَا وَقَرَأنَا فِي التَّارِيخِ عَنهُ، فَإِنَّهُ مَا مِن أَحَدٍ شَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ دِينُ اللهِ، أَمَّا إِذَا أَخَذَ الدِّينَ بِوَسَطِيَّتِهِ وَاعتِدَالِهِ وَوُضُوحِ مَنهَجِهِ فَإِنَّهُ لَن يُغلَبَ وَلَن يَهلِكَ، وَفِي هَذَا البَابِ مِن رِيَاضِ الصَّالِحِينَ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَحَادِيثَ عَدِيدَةً تُبَيِّنُ وَسَطِيَّةَ الإِسلَامِ وَاعتِدَالَهُ، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تُحمَلُ لِلتَّوَسُّطِ فِي كُلِّ شَيءٍ، فِي الأَخلَاقِ وَالعِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَةِ لِعِبَادِ اللهِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَتُؤخَذُ أَيضًا لِلدَّعوَةِ إِلَى التَّوَسُّطِ وَالِاعتِدَالِ فِي العَقِيدَةِ وَلُزُومِ عَقِيدَةِ الإِسلَامِ عَقِيدَةِ دِينِ الحَقِّ دِينِ الأَنبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاجِينَ يَومَ الدِّينِ.
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ أَنَّ طَرِيقَ هَذَا الدِّينِ هُوَ الِاعتِدَالُ وَالتَّوَسُّطُ لَا الغُلُوُّ وَالتَّشَدُّدُ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَسَأَضرِبُ بِإِذنِ اللهِ فِي أَثنَاءِ شَرحِي لِهَذَهِ الأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ أَمثِلَةً مِنَ التَّارِيخِ تُؤَكِّدُ مَعَانِيَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَتُبَيِّنُ فِعلًا أَنَّ النَّجَاةَ بِالخَطِّ القَوِيمِ وَالطَّرِيقِ المُستَقِيمِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ مَن شَادَّ هَذَا الدِّينَ فَلَا بُدَّ أَن يُغلَبَ، وَتُبَيِّنُ أَيضًا أَهَمِّيَّةَ العِلمِ فِي دِينِ اللهِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ فَإِنَّ الَّذِي يَغلُو إِنَّمَا يَفعَلُ ذَلِكَ بِسَبَبِ جَهلِهِ فِي الدِّينِ وَهَؤُلَاءِ يَدخُلُونَ لِعَوَامِّ المُسلِمِينَ بِسَبَبِ الجَهلِ المُتَفَشِّي عِندَ البَعضِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَقَد رُوِيَ عَنِ ابنِ سِيرِينَ قَالَ إِنَّ قَومًا تَرَكُوا العِلمَ وَمُجَالَسَةَ العُلَمَاءِ وَاتَّخَذُوا مَحَارِيبَ يُصَلُّونَ فِيهَا حَتَّى يَبِسَ جِلدُ أَحَدِهِم عَلَى عَظمِهِ خَالَفُوا السُّنَّةَ فَهَلَكُوا وَاللهِ مَا عَمِلَ عَامِلٌ بِغَيرِ عِلمٍ إِلَّا كَانَ مَا يُفسِدُ أَكثَرَ مِمَّا يُصلِحُ)
(وَسَأَذكُرُ بَعضَ الفِرَقِ الَّتِي خَالَفَت عَقِيدَةَ المُسلِمِينَ وَشَذَّت وَعَن وَسَطِيَّةِ الإِسلَامِ فِي بعض الدروس إِن شَاءَ اللهُ حَتَّى نُؤَكِّدَ المَعنَى الحَقِيقِيَّ لِدِينِ الإِسلَامِ فَأَوَّلُ فِرقَةٍ ظَهَرَت فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ وَخَالَفَت عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَخَالَفَت عَقِيدَةَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ هِيَ فِرقَةُ الخَوَارِجِ، فَقَد غَلَوا فِي دِينِ اللهِ وَتَشَدَّدُوا وَقَاتَلَهُمُ الصَّحَابَةُ وَأَفنَى عَلِيٌّ أَغلَبَهُم، فَبَعدَ أَن حَصَلَت حَادِثَةُ التَّحكِيمِ بَينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَمُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ قَالَ الخَوَارِجُ وَكَانُوا يُسَمَّونَ القُرَّاءَ:
أَتُحَكِّمُونَ فِي دِينِ اللهِ الرِّجَالَ؟ وَقَالُوا: إِنِ الحُكمُ إِلَّا للهِ. فَسُمُّوا المُحَكِّمِيَّةَ.
وَلَمَّا كَانَ عليٌ قَد قَرُبَ مِن دُخُولِ الكُوفَةِ انفَصَلَ مَن جَيشِهِ قَرِيبٌ مِنِ اثنَي عَشَرَ أَلفًا وَهُمُ الخَوَارِجُ، وَأَبَوا أَن يُسَاكِنُوهُ فِي بَلَدِهِ، وَنَزَلُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: حَرُورَاءُ. وَأَنكَرُوا عَلَيهِ أَشيَاءَ فِيمَا يَزعُمُونَ أَنَّهُ ارتَكَبَهَا، فَبَعَثَ إِلَيهِم عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُم وَعَلَى قَولٍ أَنَّهُ هُوَ نَاظَرَهُم بِنَفسِهِ، فَرَجَعَ أَكثَرُهُم وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُم، فَقَاتَلَهُم عَلِيٌّ وَأَصحَابُهُ. وَهَؤُلَاءِ الخَوَارِجُ هُمُ المُشَارُ إِلَيهِم فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَمرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرقَةٍ مِنَ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنَ المُسلِمِينَ“» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِن أُمَّتِي فَيَقتُلُهَا أَولَى الطَّائِفَتَينِ بِالحَقِّ».
وَفِي روايةٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ قَومًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخرُجُونَ فِي فِرقَةٍ مِنَ النَّاسِ سِيمَاهُمُ التَّحلِيقُ، هُم شَرُّ الخَلقِ أَو مِن شَرِّ الخَلقِ يَقتُلُهُم أَدنَى الطَّائِفَتَينِ مِنَ الحَقِّ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنتُم قَتَلتُمُوهُم يَا أَهلَ العِرَاقِ.
أما مُنَاظَرَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلخَوَارِجِ: قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ: جَاءَ عَبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ مَرجِعَهُ مِنَ العِرَاقَ لَيَالِيَ قَتلِ عَلِيٍّ فَقَالَت لَهُ: يَا عَبدَ اللهِ بنَ شَدَّادٍ، هَل أَنتَ صَادِقِي عَمَّا أَسأَلُكَ عَنهُ؟ تُحَدِّثُنِي عَن هَؤُلَاءِ القَومِ الَّذِينَ قَتَلَهُم عَلِيٌّ. قَالَ: وَمَا لِي لَا أَصدُقُكِ. قَالَت: فَحَدِّثنِي عَن قِصَّتِهِم. قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الحَكَمَانِ، خَرَجَ عَلَيهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِن قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ. مِن جَانِبِ الكُوفَةِ، وَأَنَّهُم عَتَبُوا عَلَيهِ، فَقَالُوا: انسَلَختَ مِن قَمِيصٍ أَلبَسَكَهُ اللهُ، وَاسمٍ سَمَّاكَ بِهِ اللهُ، ثُمَّ انطَلَقتَ فَحَكَّمتَ فِي دِينِ اللهِ وَلَا حُكمَ إِلَّا للهِ. فَلَمَّا أَن بَلَغَ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيهِ، فَأَمَرَ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَن لَا يَدخُلَ عَلَى أَمِيرِ المُؤمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ قَد حَمَلَ القُرآنَ. فَلَمَّا أَنِ امتَلَأَتِ الدَّارُ مِن قُرَّاءِ النَّاسِ، دَعَا بِمُصحَفٍ، فَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا المُصحَفُ، حَدِّثِ النَّاسَ! فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ مَا تَسأَلُ عَنهُ! إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ، وَنَحنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينَا مِنهُ، فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَصحَابُكُم هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا، بَينِي وَبَينَهُم كِتَابُ اللهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امرَأَةٍ وَرَجُلٍ: ﴿وَإِن خِفتُم شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابعَثُوا حَكَمًا مِن أَهلِهِ وَحَكَمًا مِن أَهلِهَا إِن يُرِيدَا إِصلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَينَهُمَا﴾ فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعظَمُ دَمًا وَحُرمَةً مِنَ امرَأَةٍ وَرَجُلٍ.
وَنَقمُوا عَلَيَّ أَن كَاتَبتُ مُعَاوِيَةَ: كَتَبَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَد جَاءَنَا سُهَيلُ بنُ عَمرٍو وَنَحنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالحُدَيبِيَةَ حِينَ صَالَحَ قَومَهُ قُرَيشًا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ» فَقَالَ سُهَيلُ: لَا أَكتُبُ بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: «كَيفَ نَكتُبُ؟»، فَقَالَ: اكتُب بِاسمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ قُرَيشًا» يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ﴾ فَبَعَثَ إِلَيهِم عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ فَخَرَجتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطتُ عَسكَرَهُم قَامَ ابنُ الكَوَّاءِ يَخطُبُ النَّاسَ فَقَالَ: يَا حَمَلَةَ القُرآنِ، هَذَا عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ فَمَن لَم يَكُن يَعرِفُهُ فَأَنَا أَعرِفُهُ، هَذَا مِمَّن يُخَاصِمُ فِي كِتَابِ اللهِ بِمَا لَا يَعرِفُهُ، هَذَا مِمَّن نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَومِهِ ﴿بَل هُم قَومٌ خَصِمُونَ﴾ فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللهِ. فَقَالَ بَعضُهُم: وَاللهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ، فَإِن جَاءَ بِحَقٍّ نَعرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ، وَإِن جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ. فَوَاضَعُوا عَبدَ اللهِ الكِتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنهُم أَربَعَةُ آلَافٍ كُلُّهُم تَائِبٌ، فِيهِمُ ابنُ الكَوَّاءِ، حَتَّى أَدخَلَهُم عَلَى عَلِيٍّ الكُوفَةَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى بَقِيَّتِهِم فَقَالَ: قَد كَانَ مِن أَمرِنَا وَأَمرِ النَّاسِ مَا قَد رَأَيتُم، فَقِفُوا حَيثُ شِئتُم حَتَّى تَجتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
بَينَنَا وَبَينَكُم أَن لَا تَسفِكُوا دَمًا حَرَامًا، أَو تَقطَعُوا سَبِيلًا، أَو تَظلِمُوا ذِمَّةً، فَإِنَّكُم إِن فَعَلتُم فَقَد نَبَذنَا إِلَيكُمُ الحَربَ عَلَى سَوَاءٍ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: يَا ابنَ شَدَّادٍ فَقَتَلَهُم؟ فَقَالَ: وَاللهِ مَا بَعَثَ إِلَيهِم حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَاستَحَلُّوا أَهلَ الذِّمَّةِ. فَقَالَت: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَد كَانَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ وَأَنَّهُم عَتَبُوا عَلَيهِ فِي كَونِهِ حَكَّمَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهُ مَحَا اسمَهُ مِنَ الإِمرَةِ، وَأَنَّهُ غَزَا يَومَ الجَمَلِ فَقَتَلَ الأَنفُسَ الحَرَامَ وَلَم يَقسِمِ الأَموَالَ وَالسَّبيَ، فَأَجَابَ عَنِ الأَوَّلَتَينِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ الثَّالِثَةِ بِأَن قَالَ: قَد كَانَ فِي السَّبيِ أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ، فَإِن قُلتُم: لَيسَت لَكُم بِأُمٍّ. فَقَد كَفَرتُم، وَإِنِ استَحلَلتُم سَبيَ أُمِّكُم فَقَد كَفَرتُم. قَالَ: فَرَجَعَ مِنهُم أَلفَانِ وَخَرَجَ سَائِرُهُم فَتَقَاتَلُوا. وَذَكَرَ غَيرُهُ أَنَّ ابنَ عَبَّاسِ لَبِسَ حُلَّةً لَمَّا خَرَجَ إِلَيهِم، فَنَاظَرُوهُ فِي لُبسِهِ إِيَّاهَا، فَاحتَجَّ عَلَيهِم بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزقِ﴾ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ لِعَلِيٍّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ﴿لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ فَقَرَأَ عَلِيٌّ: ﴿فَاصبِر إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَستَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ وَذَكَرَ ابنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا الكَلَامَ إِنَّمَا قَالَهُ وَعَلِيٌّ يَخطُبُ، لَا فِي الصَّلَاةِ.
وَذَكَرَ ابنُ جَرِيرٍ أَيضًا أَنَّ عَلِيًّا بَينَمَا هُوَ يَخطُبُ يَومًا إِذ قَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَشرَكتَ فِي دِينِ اللهِ الرِّجَالَ وَلَا حُكمَ إِلَّا للهِ. فَتُنَادُوا مِن كُلِّ جَانِبٍ: لَا حُكمَ إِلَّا للهِ، لَا حُكمَ إِلَّا للهِ. فَجَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ.
فَسَدِّدُوا (أَيِ: الزَمُوا السَّدَادَ وَهُوَ الصَّوَابُ مِن غَيرِ إِفرَاطٍ وَلَا تَفرِيطٍ، قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: السَّدَادُ التَّوَسُّطُ فِي العَمَلِ) وَقَارِبُوا (أَي: إِن لَم تَستَطِيعُوا الأَخذَ بِالأَكمَلِ فَاعمَلُوا بِمَا يُقَرِّبُ مِنهُ) وَأَبشِرُوا (أَي: بِالثَّوَابِ عَلَى العَمَلِ الدَّائِمِ وَإِن قَلَّ، وَالمُرَادُ تَبشِيرُ مَن عَجَزَ عَنِ العَمَلِ بِالأَكمَلِ بِأَنَّ العَجزَ إِذَا لَم يَكُن مِن صَنِيعِهِ لَا يَستَلزِمُ نَقصَ أَجرِهِ، وَأَبهَمَ المُبَشَّرَ بِهِ تَعظِيمًا لَهُ وَتَفخِيمًا)، وَاستَعِينُوا بِالغَدوَةِ وَالرَّوحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلجَةِ (أَيِ: استَعِينُوا عَلَى مُدَاوَمَةِ العِبَادَةِ بِإِيقَاعِهَا فِي الأَوقَاتِ المُنَشِّطَةِ.
وَالغَدوَةُ بِالفَتحِ سَيرُ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَالَ الجَوهَرِيُّ: مَا بَينَ صَلَاةِ الغَدَاةِ وَطُلُوعِ الشَّمسِ. وَالرَّوحَةُ بِالفَتحِ السَّيرُ بَعدَ الزَّوَالِ. وَالدُّلجَةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتحِهِ وَإِسكَانِ اللَّامِ سَيرُ آخِرِ اللَّيلِ، وَقِيلَ سَيرُ اللَّيلِ كُلِّهِ، وَلِهَذَا عَبَّرَ فِيهِ بِالتَّبعِيضِ، وَلِأَنَّ عَمَلَ اللَّيلِ أَشَقُّ مِن عَمَلِ النَّهَارِ.
وَهَذِهِ الأَوقَاتُ أَطيَبُ أَوقَاتِ المُسَافِرِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ خَاطَبَ مُسَافِرًا إِلَى مَقصِدٍ فَنَبَّهَهُ عَلَى أَوقَاتِ نَشَاطِهِ، لِأَنَّ المُسَافِرَ إِذَا سَافَرَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ جَمِيعًا عَجَزَ وَانقَطَعَ، وَإِذَا تَحَرَّى السَّيرَ فِي هَذِهِ الأَوقَاتِ المُنَشِّطَةِ أَمكَنَتهُ المُدَاوَمَةُ مِن غَيرِ مَشَقَّةٍ.
وَحُسنُ هَذِهِ الِاستِعَارَةِ أَنَّ الدُّنيَا فِي الحَقِيقَةِ دَارُ نُقلَةٍ إِلَى الآخِرَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الأَوقَاتِ بِخُصُوصِهَا أَروَحُ مَا يَكُونُ فِيهَا البَدَنُ لِلعِبَادَةِ.
وَقَولُهُ فِي رِوَايَةِ ابنِ أَبِي ذِئبٍ «القَصدَ القَصدَ» بِالنَّصبِ فِيهِمَا عَلَى الإِغرَاءِ، وَالقَصدُ الأَخذُ بِالأَمرِ الأَوسَطِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا الحَدِيثُ: أنَّ الأَولَى لِلعَامِلِ بِذَلِكَ أَن لَا يُجهِدَ نَفسَهُ بِحَيثُ يَعجِزُ وَيَنقَطِعُ، بَل يَعمَلُ بِتَلَطُّفٍ وَتَدرِيجٍ لِيَدُومَ عَمَلُهُ وَلَا يَنقَطِعُ)» (وَكُلُّ هَذَا تَصرِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَدَمِ الغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَعَدَمِ المُشَادَّةِ فِيهِ عَلَى الوَجهِ المُخَالِفِ وَبِغَيرِ حَقٍّ، وَهَذِهِ الأَلفَاظُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا تَنوِيعٌ وَالمُؤَدَّى وَاحِدٌ وَهُوَ التَّأكِيدُ عَلَى استِقَامَةِ الدِّينِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ دِينٌ قَوِيمٌ مُستَقِيمٌ لَا يُؤخَذُ بِالتَّقصِيرِ وَلَا بِالغُلُوِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، بَل هُوَ حَدٌّ وَسَطٌ لَا يَعلَمُهُ وَيَلتَزِمُهُ إِلَّا مَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرًا، نَقُومُ فِي صَلَاتِنَا فَنَقرَأُ الآيَةَ الَّتِي تُؤَكِّدُ هَذِهِ المَعَانِيَ العَظِيمَةَ فَنَقُولُ:﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، أَي أَكرِمنَا بِاستِدَامَةِ الهِدَايَةِ عَلَى الإِسلامِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ فِي قَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقِيمَ﴾: هُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي لَا يَقبَلُ مِنَ العِبَادِ غَيرَهُ.
وَأَصلُ الصِّرَاطِ فِي كَلَامِ العَرَبِ الطَّرِيقُ. وَالمُستَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لَا غِلَظَ فِيهِ، وَقَد وَصَفَ اللهُ في سُورةِ الفاتحةِ الصِّرَاطَ بِأَنَّهُ: ﴿صِرَاطَ الذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾، أَي دِينَ الَّذِينَ أَكرَمتَهُم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمَلائِكَةِ وَهُوَ الإِسلامُ. والمُنعَم عَلَيهِم، هم النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. ودليل ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾. فَالَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم هُمُ الَّذِينَ رَضِيَ لَهُمُ الإِسلَامَ دِينًا وَهُم أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَهُم عُدُولٌ دَائِمًا بَينَ أَطرَافِ شُذُوذٍ، هُم جُمهُورُ هَذِهِ الأُمَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ.
قَالَ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ: [إِنَّ أَبَا الحَسَنِ الأَشعَرِيَّ رَحِمَهُ اللهُ لَم يُحدِث فِي دِينِ اللهِ حَدَثًا، وَلَم يَأتِ فِيهِ بِبِدعَةٍ، بَل أَخَذَ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعدَهُم مِنَ الأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَنَصَرَهَا بِزِيَادَةٍ وَشَرحٍ وَتَبيِينٍ].
وَيَقُولُ تَاجُ الدِّينِ السُّبكِيُّ: [وَهَؤُلَاءِ الحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالمَالِكِيَّةُ وَفُضَلَاءُ الحَنَابِلَةِ فِي العَقَائِدِ يَدٌ وَاحِدَةٌ كُلُّهُم عَلَى رَأيِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَدِينُونَ للهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ شَيخِ السُّنَّةِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ].
ثُمَّ يَقُولُ: [وَبِالجُملَةِ فَإِنَّ عَقِيدَةَ الأَشعَرِيِّ هِيَ مَا تَضَمَّنَتهُ عَقِيدَةُ أَبِي جَعفَرٍ الطَّحَاوِيِّ الَّتِي تَلَقَّاهَا عُلَمَاءُ المَذَاهِبِ بِالقَبُولِ وَرَضُوهَا عَقِيدَةً].
وَقَالَ الحَافِظُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرحِ إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ: [إِذَا أُطلِقَ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَالمُرَادُ بِهِمُ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ].
وَقَالَ الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ ابنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ: [أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَهُمُ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ].
وَإِنَّ عَقَائِدَ المُسلِمِينَ يَندَرِجُ تَحتَهَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ وَهِيَ تُفهَمُ مِن مَعنَى الشَّهَادَتَينِ.
فَالأَمرُ الأَوَّلُ: هُوَ مَعرِفَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَي مَعرِفَةُ صِفَاتِهِ الوَاجِبَةِ لَهُ إِجمَاعًا وَمَعرِفَةُ مَا يَستَحِيلُ عَلَيهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يُعرَفُ مِنَ الشَّهَادَةِ الأُولَى وَهِيَ قَولُنَا: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
وَالأَمرُ الثَّانِي: هُوَ مَعرِفَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَمَا أَخبَرَ بِهِ مِمَّا ثَبَتَ عَنهُ مِن أُمُورِ القَبرِ وَالآخِرَةِ وَمَا بَعدَ ذَلِكَ، وَمَعرِفَةُ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا يَلِيقُ بِهِم مِن صِفَاتٍ وَمَا لَا يَلِيقُ بِهِم مِن صِفَاتٍ، وَهُو يُعرَفُ مِن قَولِنَا: وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَالأَمرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَعرِفَةُ أُمُورِ الرِّدَّةِ: فَالمُسلِمُ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَحفَظَ هَاتَينِ الشَّهَادَتَينِ عَمَّا يَنقُضُهُما وَالَّذِي يَنقُضُهُمَا هُوَ الرِّدَّةُ فَلِذَلِكَ يَجِبُ مَعرِفَةُ أَحكَامِهَا). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغدُوا وَرُوحُوا (هَذِهِ الأَلفَاظُ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى العَمَلِ وَلَيسَ إِلَى تَركِ العَمَلِ لَكِن بِاعتِدَالٍ وَتَوسِطٍ وَعِلمٍ وَفَهمٍ لِأَحكَامِ الدِّينِ وَنُصُوصِهِ)، وَشَيءٌ مِنَ الدُّلجَةِ (أَي كَمَا بَيَّنتُ اختَارُوا الوَقتَ الأَنسَبَ لِلثَّبَاتِ عَلَى العِبَادَةِ وَالزِّيَادَةِ النَّافِعَةِ مِنهَا)،
القَصدَ القَصدَ تَبلُغُوا (مَن لَم يَتَّخِذ مَنهَجَ القَصدِ وَالتَّوَسُّطِ لَن يَصِلَ كَمَا بَيَّنتُ فِي ذِكرِ الخَوَارِجِ، فَهُم يَظُنُّونَ أَنفُسَهُم عَلَى حَقٍّ وَهُم عَلَى بَاطِلٍ، يُذكَرُ مِن أَمرِهِم أَيضًا: اشتَدَّ أَمرُ الخَوَارِجِ وَبَالَغُوا فِي النَّكِيرِ عَلَى عَلِيٍّ وَصَرَّحُوا بِكُفرِهِ، فَجَاءَ إِلَيهِ رَجُلَانِ مِنهُم، وَهَمَا زُرعَةُ بنُ البُرجِ الطَّائِيُّ، وَحُرقُوصُ بنُ زُهَيرٍ السَّعدِيُّ، فَقَالَا: لَا حُكمَ إِلَّا للهِ.. وقَالَ لَهُ حُرقُوصُ: تُب إِلَى اللهِ مِن خَطِيئَتِكَ، وَارجِع عَن قَضِيَّتِكَ،. وجرى بينهم كلام الى أن قَالَ لَهُ زُرعَةُ بنُ البُرجِ: أَمَا وَاللهِ يَا عَلِيُّ لَئِن لَم تَدَع تَحكِيمَ الرِّجَالِ فِي كِتَابِ اللهِ لَأُقَاتِلَنَّكَ أَطلُبُ بِذَلِكَ وَجهَ اللَّهِ وَرِضوَانَهُ. فَقَالَ لَهُ: تَبًّا لَكَ مَا أَشقَاكَ! كَأَنِّي بِكَ قَتِيلًا تَسفِي عَلَيكَ الرِّيحُ. فَقَالَ: وَدِدتُ أَن قَد كَانَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إن الشَّيطَانَ قَدِ استَهوَاكُم.
وَاجتَمَعُوا فِي بَيتِ زَيدِ بنِ حُصَينٍ الطَّائِيِّ فَخَطَبَهُم وَحَثَّهُم عَلَى الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَتَلَا عَلَيهِم آيَاتٍ مِنَ القُرآنِ مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ وَقَولُهُ: ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾. وَالَّتِي بَعدَهَا وَبَعدَهَا: الظَّالِمُونَ الفَاسِقُونَ ثُمَّ قَالَ: فَأَشهَدُ عَلَى أَهلِ دَعوَتِنَا مِن أَهلِ قِبلَتِنَا أَنَّهُم قَدِ اتَّبَعُوا الهَوَى، وَنَبَذُوا حُكمَ الكِتَابِ، وَجَارُوا فِي القَولِ وَالأَعمَالِ، وَأَنَّ جِهَادَهُم حَقٌّ عَلَى المُؤمِنِينَ. قَالَ: فَبَكَى رَجُلٌ مِنهُم يُقَالُ لَهُ: عَبدُ اللهِ بنُ شَجَرَةُ السُّلَمِيُّ. ثُمَّ حَرَّضَ أُولَئِكَ عَلَى الخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ فِي كَلَامِهِ: اضرِبُوا وُجُوهَهُم وَجِبَاهَهُم بِالسُّيُوفِ حَتَّى يُطَاعَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ، فَإِن أَنتُم ظَفِرتُم وَأُطِيعَ اللهُ كَمَا أَرَدتُم، آتَاكُمُ اللهُ ثَوَابَ المُطِيعِينَ لَهُ العَامِلِينَ بِأَمرِهِ، وَإِن قُتِلتُم فَأَيُّ شَيءٍ أَفضَلُ مِنَ الصَّبرِ وَالمَصِيرِ إِلَى اللهِ وَرِضوَانِهِ وَجَنَّتِهِ؟ وَلَمَّا قَاتَلَهُم عَلِيٌّ قَالَ لِأَصحَابِهِ: كُفُّوا عَنهُم حَتَّى يَبدَأُوكُم. وَأَقبَلَتِ الخَوَارِجُ وَهُم يَقُولُونَ: لَا حُكمَ إِلَّا للهِ، الرَّوَاحَ الرَّوَاحَ إِلَى الجَنَّةِ! وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: وَطَعَنتُ رَجُلًا مِنَ الخَوَارِجِ بِالرُّمحِ، فَأَنفَذتُهُ مِن ظَهرِهِ، وَقُلتُ لَهُ: أَبشِر يَا عَدُوَّ اللهِ بِالنَّارِ، فَقَالَ: سَتَعلَمُ أَيُّنَا أَولَى بِهَا صِلِيًّا.
قَالَ بَعضُ الشُّرَّاحِ: وَهَذَا الضَّربُ مِنَ النَّاسِ مَن أَغرَبَ أَشكَالِ بَنِي آدَمَ، فَسُبحَانَ مَن نَوَّعَ خَلْقَهُ كَمَا أَرَادَ، وَسَبَقَ فِي قَدَرِهِ ذَلِكَ.
وَمَا أَحسَنَ مَا قَالَ بَعضُ السَّلَفِ فِي الخَوَارِجِ: إِنَّهُمُ المَذكُورُونَ فِي قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت أَعمَالُهُم فَلَا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا﴾.
وَالمَقصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةَ الضُّلَّالَ، وَالأَشقِيَاءَ فِي الأَقوَالِ وَالأَفعَالِ، اجتَمَعَ رَأيُهُم عَلَى الخُرُوجِ مِن بَينِ أَظهُرِ المُسلِمِينَ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى المَسِيرِ إِلَى المَدَائِنِ لِيَملِكُوهَا وَيَتَحَصَّنُوا بِهَا، ثُمَّ يَبعَثُوا إِلَى إِخوَانِهِم وَأَضرَابِهِم مِمَّن هُوَ عَلَى مَا هُم عَلَيهِ مِن أَهلِ البَصرَةِ وَغَيرِهَا فَيُوَافُوهُم إِلَيهَا، وَيَكُونُ اجتِمَاعُهُم عَلَيهَا. فَقَالَ لَهُم زَيدُ بنُ حُصَينٍ الطَّائِيُّ: إِنَّ المَدَائِنَ لَا تَقدِرُونَ عَلَيهَا، فَإِنَّ بِهَا جَيشًا لَا تُطِيقُونَهُ وَسَيَمنَعُوهَا مِنكُم، وَلَكِن وَاعِدُوا إِخوَانَكُم وَلَا تَخرُجُوا مِنَ الكُوفَةِ جَمَاعَاتٍ، وَلَكِنِ اخرُجُوا وُحدَانًا لِئَلَّا يَشعُرُوا بِكُم. فَكَتَبُوا كِتَابًا عَامًّا إِلَى مَن هُوَ عَلَى مَذهَبِهِم وَمَسلَكِهِم مِن أَهلِ البَصرَةِ وَغَيرِهَا، وَبَعَثُوا بِهِ إِلَيهِم لِيُوَافُوهُم إِلَى النَّهرِ، لِيَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجُوا يَتَسَلَّلُونَ وُحدَانَا لِئَلَّا يَعلَمَ أَحَدٌ بِهِم فَيَمنَعُوهُم مِنَ الخُرُوجِ فَخَرَجُوا مِن بَينِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالأَعمَامِ وَالعَمَّاتِ وَفَارَقُوا سَائِرَ القَرَابَاتِ، يَعتَقِدُونَ بِجَهلِهِم وَقِلَّةِ عِلمِهِم وَعَقلِهِم أَنَّ هَذَا الأَمرَ يُرضِي رَبَّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَلَم يَعلَمُوا أَنَّهُ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ وَالذُّنُوبِ المُوبِقَاتِ وَالعَظَائِمِ وَالخَطِيئَاتِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يُزَيِّنُهُ لَهُم إِبلِيسُ وَأَنفُسُهُمُ الَّتِي هِيَ بِالسُّوءِ أَمَّارَاتٌ. واللهُ المُستَعَانُ)».
أسئلة فقهية
ما حكم قول بعضهم: الحائض تنجس كل ما تلمس؟
الجَوَابُ: لَا يَصِحُّ اعتِقَادُ أَنَّ الحَائِضَ تُنَجِّسُ كُلَّ شَيءٍ تَلمِسُهُ فَترَةَ حَيضِهَا فَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الحَائِضَ لَا تَكُونُ نَجِسَةً فَترَةَ حَيضِهَا، قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ المُؤمِنَ لَا يَنجُسُ.اهـ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَقَد ظَهَرَت فِرقَةٌ مِنَ النِّسَاءِ فِي بَعضِ بِلَادِ الشَّامِ اليَومَ يَقُولُونَ بِهَذِهِ العَقِيدَةِ الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ اليَهُودِ وَيُعَلِّمُونَهَا لِلنِّسَاءِ فَليُحذَر مِن هَذِهِ العِبَارَةِ وَليُحذَر مِن هَذِهِ الفِرقَةِ. وَيَنبَغِي التَّنبِيهُ أَيضًا إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ لَمسِ الحَائِضِ لَا يَنقُضُ الوُضُوءَ إِن كَانَت مِنَ المَحَارِمِ.
هل أخذ الإبرة في العضل ينقض الوضوء؟
الجَوَابُ: لَا يَنقُضُ أَخذُ الإِبرَةِ الوُضُوءَ وَلَا تَتَوَضَّأ بَعدَهَا وَلَو نَزَلَ شَيءٌ مِنَ الدَّمِ، فَلَو جُرِحَ الشَّخصُ لَا يَنتَقِضُ وُضُوؤُهُ، حَتَّى إِنَّ القَلِيلَ مِن دَمِ جُرحِ الشَّخصِ نَفسِهِ مَعفُوٌّ عَنهُ فِي الصَّلَاةِ.