المقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهْرِ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الْجَهْرِ، الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، الْقَدِيمِ فَلا إِلَهَ سِوَاهُ، الْكَرِيمِ فِي مَنْحِهِ وَعَطَايَاهُ، الْقَاهِرِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ. أَنْعَمَ وَقَضَى بِنَفْعِ الْعَبْدِ وَضَيْرِهِ، وَأَمْضَى الْقَدَرَ بِشَرِّهِ وَخَيْرِهِ، فَحَثَّ عَلَى الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ، أحاط علما بالأشياء وحواها. كيف لا وهو الَّذِي بَنَاهَا، وَقَهَرَ الْمُضَادَّاتِ فَسَوَّاهَا بِلا مُعِينٍ يَمُدُّهُ بِالنَّصْرِ. لا كَيْفَ لَهُ ولا جسمَ ولا مكانَ لهُ وَلا شَبِيهَ ولا يجوز عليه التشبيه، عالمُ السِّرَّ وَمَا يُعْرَضُ فِيهِ، مُتَنَزِّهٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْفِكْرِ. أَقْسَمَ فِي الْقُرْآنِ بِصَنْعَتِهِ، وَالْقَسَمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِقُدْرَتِهِ، فَتَأَمَّلْ مَا تَحْتَ الْقَسَمِ مِنْ فائدته
﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
أَحْمَدُهُ حَمْدًا عَظيمَ الغاية، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَا رُدَّتْ لَهُ رَايَةٌ، صَلاةً تَصِلُ إِلَيْهِ فِي الْقَبْرِ. وَعَلَى أفضَلِ أصحابِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعلى عُمَرَ الشَّدِيدِ فِي الْحَقِّ الْوَثِيقِ، وَعلى عُثْمَانَ الْمُحِبِّ الشَّفِيقِ، وَعَلَى عليٍّ رَّفِيعِ الْقَدْرِ، وَعَلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ، الشَّرِيفِ الأَصْلِ كَرِيمِ الأَغْرَاسِ، الَّذِي نَسَبُهُ فِي الأَنْسَابِ لا يقاس، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم من خيار الناس،
أما بعد:
فضل العشر الأُوَل من ذي الحجة
يقول رب العزة سبحانه في أول سورة الفجر في ذكر عشر ذي الحجة:
﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
أَقْسَمَ سبحانه في بداية هذه السورة الكريمة بِالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَبالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ وهذه أَقْسَامٌ خَمْسَةٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشْرِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، فقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “الْعَشْرُ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ الذَّبْحِ، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ”، وجاء في فضلها الكثيرُ الكثيرُ ومن ذلك ما روى ابنُ ماجهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ». يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»
وفي رواية عند البيهقي عن النبي ﷺ قال:
«وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سِتَّ مِائَةِ ضِعْفٍ»
وروى البيهقي أيضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ: «كُلُّ يَوْمٍ أَلْفُ يَوْمٍ وَيَوْمُ عَرَفَةَ عَشَرَةُ آلَافٍ» قَالَ: يَعْنِي فِي الْفَضْلِ. قَالَ البيهقي رحمه الله: وَهَذَا إِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصَّائِمِينَ فِي الْإِخْلَاصِ وَالتَّحَفُّظِ فِي الصَّوْمِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ تَحَفُّظًا وَأَكْثَرَ يَقِينًا كَانَ صَوْمُهُ أَكْثَرَ ثَوَابًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.اهـ
وقال أبو عثمان النَّهْدِيُّ رحمه الله تعالى وكان من سادات التابعين: كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلاثَ عَشَرَاتٍ: الْعَشْرَ الأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرَ الأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرَ الأُوَلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ.اهـ فاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ عَشْرَكُمْ هَذِه لَيْسَتْ كَأيِّ عَشْرٍ فقد رغب الشرع على الازدياد من الطاعات فيها لكل المؤمنين حجَّاجًا وغيرَ حُجَّاجٍ. ولَمَّا كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام وليس كل أحد قادرا على مشاهدته في كل عام فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين في فعل الطاعات فمن عَجَزَ عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون فضله في دين الله عظيما وينال به الخيراتِ العظيمةَ والثواب الكبير، وقد قيل:
| لَيَالِي الْعَشْرِ أَوْقَــاتُ الْإِجَابَهْ | فَبَــــــادِرْ رَغْبَةً تَلْحَقْ ثَوَابَهْ |
| أَلَا لَا وَقْــــتَ لِلْعُمَّـــالِ فِيْــهِ | ثَوَابُ الْخَيْرِ أَقْرَبُ لِلْإِصَابَهْ |
| مِنْ أَوْقَاتِ الَّليَالِيْ الْعَشْرِ حَقًّا | فَشَمِّرْ وَاطْلُبَـــنْ فِيْهَا الْإِنَابَهْ |
أحبابي إنّ إخوانَكُم ممن كتب الله لهم الحج في هذهِ الأيَّامِ تجهزوا ليعقِدوا الإحرام، وليقصِدوا البيتَ الحرام، وليملؤوا الفضاءَ بالتَّلبيةِ والتَّكبيرِ والتَّهليلِ والتَّحميدِ والإعظام. لقد ساروا وقَعَدْنا، وقَرُبوا من البقاع المقدّسة وبَعُدْنا، فإنْ كانَ لنا معَهُم نصيبٌ سَعِدْنا، الغنيمةَ الغنيمة، بانتهازِ الفرصةِ في هذهِ الأيَّامِ العظيمة، فما منها عوضٌ. المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجلَ العجلَ قبلَ هجومِ الأجل، قبلَ أنْ يَنْدَمَ المفرِّطُ على ما فَعَل، قبلَ أنْ يَسْألَ الرَّجعةَ لِيَعْمَلَ صالحًا فلا يُجابَ إلى ما سَأل، قبلَ أنْ يَحولَ الموتُ بينَ المؤمِّلِ وبلوغِ الأمل، قبلَ أنْ يَصيرَ المرءُ مرتهنًا في حفرتِهِ بما قَدَّمَ مِن عمل، يا مَن طَلَعَ فجرُ شيبِهِ بعدَ بلوغِ الأربعين! يا مَن مَضى عليهِ بعدَ ذلكَ ليالي عشرِ سنينَ حتَّى بَلَغَ الخمسين! يا مَن هوَ في معتركِ المنايا ما بينَ الستِّينَ إلى السَّبعين! ماذا تَنْتَظِرُ بعدَ هذا الخبرِ إلَّا أنْ يَأْتِيَكَ اليقين. يا مَن ذنوبُهُ بعددِ الشَّفعِ والوَترِ! أما تَسْتَحي مِن الكرامِ الكاتبين؟ أم أنتَ ممَّن يُقصِّر في أحكام الدِّين؟ يا مَن ظلمةُ قلبِهِ كالليلِ إذا يَسْري! أما آنَ لقلبِكَ أنْ يَسْتَنيرَ أو يَلين؟ تَعَرَّضْ لنفحاتِ طاعةِ مولاكَ في هذه العشر؛ فإنَّ للهِ فيهِ نفحاتٍ يُصيبُ بها مَن يَشاءُ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ بها إلى آخرِ الدَّهر. نسأل الله أن يجعلنا من الذين وصفهم في القرآن الكريم بقوله عزّ وجلّ:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
ترجمة الإمام البخاري
ونذكر ترجمة مختصرة للإمام البخاري لأننا لو أردنا بسط الكلام في سيرته لضاق الوقت:
نسبه ومولده
هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ بَرْدِزَبَهَ، وَقِيْلَ: بَذْدُزْبَه وَهِيَ لَفْظَةٌ بخَارِيَّةٌ، معنَاهَا الزرَّاعُ، الْجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ الْحَافِظُ، إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِهِ، وَالْمُقْتَدَى بِهِ فِي أَوَانِهِ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ أَضْرَابِهِ وَأَقْرَانِهِ وَكِتَابُهُ الصَّحِيحُ يُسْتَسْقَى بِقِرَاءَتِهِ الْغَمَامُ وَأَجْمَعَ عَلَى قَبُولِهِ وَصِحَّةِ مَا فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُوهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَالِكٍ، وَصَحِبَ ابْنَ الْمُبَارَكِ، وَرَوَى عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ. قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي جَمِيعِ مَالِي دِرْهَمًا مِنْ شُبْهَةٍ. أَسلَمَ المُغِيْرَةُ عَلَى يَدِ اليَمَان الجُعْفِيِّ وَالِي بُخَارَى، وَكَانَ مَجُوْسِيًّا، وَطَلَبَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ العِلْمَ. يعني هو الجَعْفِيُّ وَإِذا قِيلَ لَهُ الجُعْفِيّ فَهُو مِنْ بابِ الوَلاء وَلَيسَ أَنَّ قَبِيلَتَهُ الجُعُف بِالدَّمّ، لا إِنَّما بِالوَلاء. بَعْدَما أَسْلَم، جَدُّهُ جاءَ إِلَى هذه القَبيلَة فَرَبَطَ نَفْسَهُ مَعَهُم. فَنُسِبَ إِلَيْهِم مِنْ بابِ الوَلاء ليسَ مِنْ بابِ النَّسَب وَوَلاء الحِلف وليسَ وَلاء الإِعْتاق لأَنَّهُ تَحالَفَ مَعَهُم فَنُسِبَ إِلَيْهِم. والبخاري نِسْبَةٌ إِلَى بُخَارَى: بَلْدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لِتَوَلُّدِهِ فِيهَا، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ لَهُ وَلِكِتَابِهِ.
منزلته العلمية
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: يُقَالُ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَنَاصِرُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَاشِرُ الْمَوَارِيثِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، قِيلَ: لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ مِنْ جِهَةِ حِفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانِهِ وَفَهْمِ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَمِنْ حَيْثِيَّةِ حِدَّةِ ذِهْنِهِ وَرِقَّةِ نَظَرِهِ وَوُفُورِ فِقْهِهِ وَكَمَالِ زُهْدِهِ وَغَايَةِ وَرَعِهِ وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ وَقُوَّةِ اجْتِهَادِهِ وَاسْتِنْبَاطِهِ وَكَانَتْ أَمُّهُ مُسْتَجَابَةَ الدَّعْوَةِ، تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَنَشَأَ فِي حِجْرِ وَالِدَتِهِ ثُمَّ عَمِيَ وَقَدْ عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مُعَالَجَتِهِ فَرَأَتْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَائِلًا لَهَا: قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى ابْنِكِ بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكِ لَهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَنَشَأَ مُتَرَبِّيًا فِي حِجْرِ الْعِلْمِ مُرْتَضِعًا مِنْ ثَدْيِ الْفَضْلِ، ثُمَّ أُلْهِمَ طَلَبَ الْحَدِيثِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَكْتَبِ.
نوادر من حفظه
وَلَمَّا بَلَغَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ بَبُخَارَى غَلَطًا وَقَعَ لَهُ فِي سَنَدٍ حَتَّى أَصْلَحَ كِتَابَهُ مِنْ حِفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ شَيْخًا مِنْ مَشَايِخِهِ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ حَدِيثِهِ قَالَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّهَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: أَبُو الزُّهَيْرِ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَهَيَّبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ. فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: ارْجِعْ إِلَى الْأَصْلِ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ، فَقَامَ الشَّيْخُ مِنَ الْمَجْلِسِ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَطَالَعَ فِي أَصْلِهِ وَتَأَمَّلَ فِيهِ حَقَّ تَأَمُّلِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَجْلِسِهِ. فَقَالَ لِلْبُخَارِيِّ: فَكَيْفَ الرِّوَايَةُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ أَبُو الزُّهَيْرِ بِالْهَاءِ، إِنَّمَا هُوَ الزُّبَيْرُ بِالْبَاءِ، وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ. فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ، وَأَصْلَحَ كِتَابَهُ.
رحلاته في طلب العلم
وَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ، وَعَرَفَ كَلَامَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ فَرَجَعَ أَخُوهُ وَأَقَامَ هُوَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ فَلَمَّا طَعَنَ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً صَنَّفَ قَضَايَا الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَقَاوِيلَهُمْ وَصَنَّفَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَ التُّرْبَةِ الْمُطَهَّرَةِ تَارِيخَهُ الْكَبِيرَ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ وَكَتَبُوا عَنْهُ وَسِنُّهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ ارْتَحَلَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي أَكْثَرِ الْمُدُنِ وَالْأَقَالِيمِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْتَحَلْتُ فِي اسْتِفَادَةِ الْحَدِيثِ إِلَى مِصْرَ وَالشَّامِ مَرَّتَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَلَا أُحْصِي مَا دَخَلْتُ مَعَ الْمُحَدِّثِينَ فِي بَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَأَقَمْتُ فِي الْحِجَازِ سِتَّ سِنِينَ طَالِبًا لِعِلْمِ الْحَدِيثِ.
تأليف صحيح البخاري
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالْحَامِلُ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ أَنَّنِي رَأَيْتُنِي وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ أَذُبُّ عَنْهُ فَعُبِّرَ لِي بِأَنِّي أَذُبُّ عَنْهُ الْكَذِبَ وَمَا وَضَعْتُ فِيهِ حَدِيثًا إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَأَخْرَجْتُهُ مِنْ زُهَاءِ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَصَنَّفْتُهُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَعَلْتُهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ إِلَّا صَحِيحًا وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ لِئَلَّا يَطُولَ. وَصَنَّفْتُهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ حَدِيثًا حَتَّى اسْتَخَرْتُ اللَّهَ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَتَيَقَّنْتُ صِحَّتَهُ. وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ وَتَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ ثُمَّ كَانَ يُخْرِجُ الْأَحَادِيثَ بَعْدُ فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مَحْمِلُ رِوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يُصَنِّفُهُ فِي الْبِلَادِ إِذْ مُدَّةُ تَصْنِيفِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ لَمْ يُجَاوِرْ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِمَكَّةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَنَّفَ الصَّحِيحَ فِي الْبَصْرَةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي بُخَارَى.
من كراماته وفضائله
وَرُوِيَ عَنِ الْوَرَّاقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ: جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْتَهَا فِي مُصَنَّفَاتِكَ هَلْ تَحْفَظُهَا؟ فَقَالَ: لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْهَا فَإِنِّي قَدْ صَنَّفْتُ كُتُبِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ التَّبْيِيضَ وَالتَّنْقِيحَ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي جَزَرَةَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنَ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ مَا قُرِئَ فِي شِدَّةٍ إِلَّا وَفُرِّجَتْ وَمَا رُكِبَ بِهِ فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ، وَأَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ وَلَقَدْ دَعَا لِقَارِئِهِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ يَسْتَسْقِي بِقِرَاءَتِهِ الْغَيْثَ، قِيلَ: وَيُسَمَّى التِّرْيَاقَ الْمُجَرَّبَ. وَنَقَلَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنْ عَمِّهِ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ: قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً لِلْوَقَائِعِ وَالْمُهِمَّاتِ لِي وَلِغَيْرِي فَحَصَلَ الْمُرَادَاتُ وَقَضَى الْحَاجَاتِ وَهَذَا كُلُّهُ بِبَرَكَةِ سَيِّدِ السَّادَاتِ وَمَنْبَعِ السَّادَاتِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَكْمَلُ التَّحِيَّاتِ. قِيلَ: وَكَانَ وِرْدُهُ فِي رَمَضَانَ خَتْمَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَثُلُثُهَا فِي سَحَرِ كُلِّ لَيْلَةٍ.
وَلَسَعَهُ زُنْبُورٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا لَسَعَكَ؟! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهَا، وَكَانَ يَقُولُ: وَأَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ طُرُقِهَا مَعَ عَدِّ الْمُكَرَّرِ وَالْمَوْقُوفِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا. وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا وَيَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ نَظْرَةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ: دَخَلْتُ بِلْخَ فَسَأَلَنِي أَهْلُهَا أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ فَأَمْلَيَتُ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ.
وَلِبُلُوغِ نِهَايَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ عِلَلِ الْحَدِيثِ كَانَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ: دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ وَيَا طَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ أَحَدًا بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَكَانَ بِسَمَرْقَنْدَ أَرْبَعُمِائَةِ مُحَدِّثٍ اجْتَمَعُوا تِسْعَةَ أَيَّامٍ لِمُغَالَطَتِهِ فَخَلَطُوا الْأَسَانِيدَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ: إِسْنَادُ الشَّامِيِّينَ فِي الْعِرَاقِيِّينَ وَإِسْنَادُ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الشَّامِيِّينَ وَإِسْنَادُ أَهْلِ الْحَرَمِ فِي الْيَمَانِيِّينَ وَعَكْسُهُ وَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَمَا اسْتَطَاعُوا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَغَلَّبُوا عَلَيْهِ سَقْطَةً لَا فِي إِسْنَادٍ وَلَا فِي مَتْنٍ، وَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ فَعَلُوا مَعَهُ نَظِيرَ ذَلِكَ فَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وَأَسَانِيدَهَا وَدَفَعُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةً لِيُلْقِيَهَا عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ الْغَاصِّ بِالنَّاسِ امْتِحَانًا فَقَامَ أَحَدُهُمْ وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا إِلَى الْعَاشِرِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَكَانَ كَالْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّالِثُ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ فَرَغُوا فَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا مُطَّلِعِينَ عَلَى أَصْلِ الْقَضِيَّةِ، وَحِفْظِهِ قَالُوا: فَهِمَ الرَّجُلُ، وَالَّذِينَ مَا كَانَ لَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى الْقَضِيَّةِ تَوَهَّمُوا عَجْزَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى قُصُورِ ضَبْطِهِ وَسُوءِ حِفْظِهِ فَالْتَفَتَ إِلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: أَمَّا حَدِيثُكَ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ فَخَطَأٌ وَصَوَابُهُ كَذَا وَكَذَا، وَلَا زَالَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ الْمِائَةَ فَبُهِرَ النَّاسُ وَأَذْعَنُوا لَهُ فَإِنَّه عِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أَوْ يُهَانُ، وَعِنْدَ الْمُبْصِرِينَ هَذَا الْفَنَّ لَيْسَ مِنَ الْعَجِيبِ رَدُّ خَطَئِهِمْ إِلَى الصَّوَابِ لِأَنَّهُ كَانَ حَافِظَ الْأَحَادِيثِ مَعَ الْأَسَانِيدِ، بَلْ كَانَ الْغَرِيبُ عِنْدَهُمْ حِفْظَهُ أَسَانِيدَهُمُ الْبَاطِلَةَ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ مَرَّةً وَإِعَادَتَهَا مُرَتَّبَةً وَهَذَا كَادَ أَنْ يَكُونَ خَرْقَ الْعَادَةِ وَمَحْضَ الْكَرَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِلْهَامَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعِنَايَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ. قال ابن حجر: هُنَا يخضع للْبُخَارِيّ فَمَا الْعجب من ردّه الْخَطَأ إِلَى الصَّوَاب فَإِنَّهُ كَانَ حَافِظًا بل الْعجب من حفظه للخطأ على تَرْتِيب مَا ألقوه عَلَيْهِ من مرّة وَاحِدَة. وفي هذا يقول الحافظ العراقي في ألفيته في علم الحديث في شرح الحديث المقلوب:
| وَمِنْهُ قَلْــــبُ سَنَدٍ لِمَتْنِ | نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ إمَامَ الفَنِّ |
| في مائَةٍ لَمَّا أتَى بَغْدَادَا | فَرَدَّهَــا، وَجَوَّدَ الإسْنَادَا |
وَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ نَادَى مُنَادٍ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ فَأَحْدَقُوا بِهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُمْ مَجْلِسَ الْإِمْلَاءِ فَأَجَابَهُمْ فَنَادَى الْمُنَادِي يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ أَجَابَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ كَذَا وَكَذَا أَلْفًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فَأَوَّلُ مَا جَلَسَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَنَا شَابٌّ وَقَدْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ وَسَأُحَدِّثُكُمْ أَحَادِيثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ تَسْتَفِيدُونَهَا، يَعْنِي لَيْسَتْ عِنْدَكُمْ، وَأَمْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِمْ مِمَّا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَتَّى بَهَرَهُمْ وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَ ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ حَتَّى صَحَّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّابِّ، وَاكْتُبُوا عَنْهُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَفَقْهِهِ.
من زهده وورعه وكرمه
وَقَدْ فَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، وَوَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مَالًا كَثِيرًا فَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ جِدًّا. قِيلَ: كَانَ يَقْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ بِلَوْزَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ لَوْزَاتٍ. وَقِيلَ: لَمْ يَأْكُلِ الْإِدَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قِيلَ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَكَانَ يَصْرِفُهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي تَحْصِيلِ الْحَدِيثِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الطَّلَبَةِ مُفْرِطًا فِي الْكَرَمِ، وَأُعْطِيَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ رِبْحَ بِضَاعَةٍ لَهُ فَأَخَّرَ فَأَعْطَاهُ آخَرُونَ عَشَرَةَ آلَافٍ فَقَالَ: إِنِّي نَوَيْتُ بَيْعَهَا لِلْأَوَّلِينَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ أُغَيِّرَ نِيَّتِي، وَعَثَرَتْ جَارِيَتُهُ بِمَحْبَرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَمْشِينَ؟ فَقَالَتْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ كَيْفَ أَمْشِي؟! فَقَالَ: اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَغْضَبَتْكَ فَأَعْتَقْتَهَا!! فَقَالَ: أَرْضَيْتُ نَفْسِي بِمَا فَعَلْتُ.
وَلَمَّا بَنَى رِبَاطًا مِمَّا يَلِي بُخَارَى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَبْنُونَهُ فَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فَيُقَالُ: قَدْ كُفِيتَ. فَقَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْفَعُنِي، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بُخَارَى نُصِبَتْ لَهُ الْقِبَابُ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا وَاسْتَقْبَلَهُ عَامَّةُ أَهْلِهَا وَنُثِرَ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَبَقِيَ مُدَّةً يُحَدِّثُهُمْ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْبَلَدِ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيُّ نَائِبُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالصَّحِيحِ وَيُحَدِّثَهُمْ بِهِ فِي قَصْرِهِ فَامْتَنَعَ وَقَالَ لِرَسُولِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ وَلَا أَحْمِلُهُ إِلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَحْضُرْ فِي مَسْجِدِي أَوْ دَارِي فَإِنْ لَمْ يُعْجِبْكَ هَذَا فَأَنْتَ سُلْطَانٌ فَامْنَعْنِي مِنَ الْمَجْلِسِ لِيَكُونَ لِي عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنِّي لَا أَكْتُمُ الْعِلْمَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، فَرَاسَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِأَوْلَادِهِ وَلَا يَحْضُرَ غَيْرُهُمْ. فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ: لَا يَسَعُنِي أَنْ أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يُمنَعُ، فَحَصَلَتْ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ فَاسْتَعَانَ الْأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيْهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَرِهِمْ مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ. فَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمْ يَأْتِ شَهْرٌ حَتَّى وَرَدَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى الْأَمِيرِ فَأُرْكِبَ حِمَارًا فَنُودِيَ عَلَيْهِ فِيهَا وَحُبِسَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَاعَدَهُ إِلَّا وَابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ.
وفاته
وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بُخَارَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ يَخْطُبُونَهُ لِبَلَدِهِمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا كَانَ بِخَرْتَنْكَ – بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي الْأَشْهَرِ، أَوْ مَكْسُورَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَكَافٍ -، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ بِسَمَرْقَنْدَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ وَقِيلَ: نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَلَغَهُ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ فَقَوْمٌ يُرِيدُونَ دُخُولَهُ وَآخَرُونَ يَكْرَهُونَهُ. وَكَانَ لَهُ أَقْرِبَاءُ بِهَا فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْأَمْرُ فَأَقَامَ أَيَّامًا فَمَرِضَ حَتَّى وُجِّهَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ يَلْتَمِسُونَ خُرُوجَهُ إِلَيْهِمْ فَأَجَابَ وَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَتَعَمَّمَ فَلَمَّا مَشَى قَدْرَ عِشْرِينَ خُطْوَةً إِلَى الدَّابَّةِ لِيَرْكَبَهَا قَالَ: أَرْسِلُونِي فَقَدْ ضَعُفْتُ فَأَرْسَلُوهُ فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَقَضَى فَسَالَ مِنْهُ عَرَقٌ كَثِيرٌ لَا يُوصَفُ، وَمَا سَكَنَ الْعَرَقُ حَتَّى أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ. وَقِيلَ: ضَجِرَ لَيْلَةً فَدَعَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ فَمَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ذَكَرٍ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ فَاحَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ جَعَلَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبْرِهِ مُدَّةً يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَا وُقُوفُكَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ بَلَغَنِي مَوْتُهُ فَنَظَرْتَ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيهَا، وَبَعْدَ نَحْوِ سَنَتَيْنِ مِنْ مَوْتِهِ اسْتَسْقَى أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ مِرَارًا فَلَمْ يُسْقَوْا فَقَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ لِقَاضِيهَا: أَرَى أَنْ تَخَرُجَ بِالنَّاسِ إِلَى قَبْرِ الْبُخَارِيِّ وَنَسْتَسْقِي عِنْدَهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَسْقِيَنَا فَفَعَلَ، وَبَكَى النَّاسُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَتَشَفَّعُوا بِصَاحِبِهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ بِمَاءٍ غَزِيرٍ أَقَامَ النَّاسُ مِنْ أَجْلِهِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ الْوُصُولَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ.
ثناء العلماء عليه
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ لَمَا رَاحَ مُسْلِمٌ وَلَا جَاءَ أَخَذَ كِتَابَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ أَبْوَابَهُ. ورُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَزِيدَ مِنْ عُمْرِي فِي عُمْرِ الْبُخَارِيِّ لَفَعَلْتُ لَأَنَّ مَوْتِي مَوْتُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ وَمَوْتُ الْبُخَارِيِّ ذَهَابُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْعَالَمِ، وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ: كُنْتُ نَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: (يَا أَبَا زَيْدٍ إِلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي؟) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا كِتَابُكَ؟! قَالَ: (جَامِعُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ). رحم الله الإمام البخاري وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين ونبي الإسلام خيرًا كثيرا.
التعريف بموضوع الكتاب – بر الوالدين
وكتاب الإمام البخاري هذا الذي نحن بصدد شرحه موضوعه في بر الوالدين، وهو أَمْرٌ أَمَرَ به الكتاب والسنة المطهرة وحث عليه الشرع الحنيف ويجد البار بوالديه البركة في الدنيا وفي القبر ويوم يقوم الأشهاد، وهذا ما سيظهر لنا في دراستنا لهذا الكتاب المبارك وشرحه، ولا يخفى ما في بر الوالدين والإحسان لهما وإكرام مكانتهما وتقديمهما على الزوجة والأولاد من فضل عند الله تعالى، يقول الله تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
شرح الآية الكريمة
فقد أمَرَ اللهُ عبادَهُ أمْرًا مَقْطوعًا بِهِ بأنْ لا يَعْبُدوا إلا إيَّاهُ، وأمَرَ بالإحسانِ للوالدينِ، فأوّل ما أمر الله به هو توحيده سبحانه وعبادته والتوحيد هو الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به مع الإقرار برسالة نبينا محمد ﷺ؛ أي أن تعتقد بوجوده تعالى على ما يليق به بأن لا تنسب إليه الشريك والشبيه والزوجة والولد والمكان والزمان والجسم والحد وسائر صفات المخلوقات، وتعتقد أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والإحسانُ للوالدين هوَ البِرُّ والإكرامُ لهما. قالَ ابنُ عباسٍ: “لا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فَيُصيبَهُما الغُبارُ”.
وقدْ نهَى اللهُ تعالى في هذِهِ الآيةِ عنْ قولِ ﴿أُفٍّ﴾ للوالِدَيْنِ وهوَ صوتٌ يدُلُّ على التَّضَجُّرِ، فالعبْدُ مأمورٌ بأنْ يستعمِلَ معهُمَا لِينَ الخُلقِ حتَّى لا يقولَ لهما إذا أضجرَهُ شىءٌ منهُمَا كلمة “أُفٍ”. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أيْ ولا تنهاهُمَا عنْ شىءٍ أحبَّاهُ لا معصِيَةَ للهِ فيهِ، وقلْ لهُمَا قوْلا ليّنًا لطيفًا أحسنَ ما تَجِدُ كما يَقْتَضيهِ حُسْنُ الأَدَبِ. وقول اللهِ تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أيْ أَلِنْ لهمَا جانِبَكَ مُتَذَلّلًا لهُما مِنْ فَرْطِ رحمَتِكَ إيَّاهُما وعطْفِكَ عليهِمَا. كُنْ لَيِّنَ الجانِبِ مُتذلّلًا لوالدَيْكَ، وتذكَّرْ أنَّكَ بالأمسِ في صِغَرِكَ كنتَ أفقرَ خلْقِ اللهِ إليْهِمَا، مَنِ الذي أزالَ عنكَ النَّجاسَةَ في صِغَرِكَ؟ منِ الذي سَهِرَ اللَّيالي لأجْلِ صِحَّتِكَ؟
وإن بِرَّ الأمَّهاتِ أعظمُ ثَوابًا مِنْ بِرّ الآباءِ لِعَظيمِ فَضْلِ الأُمّ وما تَحَمَّلَتْهُ وقَدَّمَتْهُ لولدِهَا في سبيلِ تَرْبِيَتِهِ. وقد حضَّ الإسلامُ الولَدَ على طاعةِ والديه فيمَا لا معصيةَ فيهِ، وجعلَ اللهُ تعالى للمسلمِ الذي يُطيعُ والدَيْهِ فيما لا معصيةَ فيهِ أجْرًا عظيمًا في الآخرةِ. فَمَنْ أرادَ النجاحَ والفلاحَ فلْيَبَرَّ أبَوَيْهِ، فإنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ بَرَكَةٌ في الدُّنْيا والآخرةِ. يقولُ ربُّ العِزَّةِ في محْكَمِ كتابِهِ:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
ويقولُ الله تعالى في كتابِهِ العظيمِ:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
ويقولُ سبحانه:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
فَكَمْ هوَ عظيمٌ بِرُّ الوالدينِ، وكَمْ هوَ عظيمٌ بِرُّ الأمّهاتِ وبِرُّ الآباء. وكم هو عظيم عند الله ثواب بِرّهم. وتذَكَّر أخيرًا أيُّها الابْنُ أنكَ لَنْ تُوَفّيَ حقَّ أُمّكَ ولا بِطَلْقَةٍ واحِدةٍ مِنْ ءالامِ الوِلادَةِ. قال القرطبي: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مَنْ أَمْسَى مُرْضِيًا لِوَالِدَيْهِ وَأَصْبَحَ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا وَمَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّارِ وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا»
الخاتمة
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين