يوم عاشوراء وفضله: وقائع وعبر وأحكام الصيام والتوسعة

المحتويات
  1. تمهيد: الاعتبار بأحوال الأمم السابقة
  2. أَهَمِّيَّةُ مَعرِفَةِ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ وَالخَيرَاتِ
  3. تَفضِيلُ الشَّرعِ لِبَعضِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ وَالأَشهُرِ دُونَ بَعضٍ
  4. النَّظَرُ فِي أَحوَالِ وَقَصَصِ مَن كَانَ قَبلَنَا مِنَ الأُمَمِ
  5. يَومُ عَاشُورَاءَ وَفَضلُهُ
  6. بَعضُ مَا جَرَى مِنَ الوَقَائِعِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ
    1. توبة سيدنا آدم عليه السلام في يوم عاشوراء
    2. رسو سفينة سيدنا نوح عليه السلام على الجودي
    3. نجاة سيدنا إبراهيم عليه السلام من النار
    4. نجاة سيدنا موسى عليه السلام ومن آمن معه وظهوره عليه السلام على السحرة
    5. رفع العذاب عن قوم سيدنا يونس عليه السلام وقبول توبتهم ونجاته عليه السلام من بطن الحوت
    6. ما ورد في شأن سيدنا سليمان عليه السلام وبلقيس
    7. إعطاء الله تعالى الملك لسيدنا سليمان عليه السلام
    8. استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه في يوم عاشوراء
  7. فَضلُ صِيَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ:
  8. استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء
  9. فَائِدَةٌ فِي التَّوسِعَةِ عَلَى الأَهلِ فِي عَاشُورَاءَ:

الحَمدُ للهِ القَدِيمِ الأَوَّلِ، الَّذِي لَا يَزُولُ مُلكُهُ وَلَا يَتَحَوَّلُ، خَالِقُ الخَلَائِقِ وَعَالِمُ الذَّرَّاتِ وَالحَقَائِقِ، مُفنِي الأُمَمِ، وَمُحيِي الرِّمَمِ، وَمُعِيدُ النِّعَمِ، وَمُبِيدُ النِّقَمِ، وَكَاشِفُ الغُمَمِ، وَصَاحِبُ الجُودِ وَالكَرَمِ، لَا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ، وَلَا تُغَيِّرُهُ سَنَةٌ وَلَا يَومٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَى الخَلقِ أَجمَعِينَ، المُنَزَّلُ عَلَيهِ نَبَأُ القُرُونِ الأَوَّلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ مَا تَعَاقَبَتِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ، وَتَدَاوَلَتِ اللَّحَظَاتُ وَالأَعوَامُ، أَمَّا بَعدُ: 

فَقَد أَمَرَنَا الشَّرعُ الحَنِيفُ أَن نَنظُرَ فِي مَن كانَ قَبلَنَا مِنَ الأُمَمِ وَأَن نَعتَبِرَ بمَا جَرَى بَينَهُم وَمَا جَرَى لَهُم فِي هَذِهِ الأَرضِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿أَوَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرضِ فَيَنظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَانُوا أَشَدَّ مِنهُم قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرضَ وَعَمَرُوهَا أَكثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظلِمَهُم وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾، وَبَعدَ ذَلِكَ يَتَّعِظُ الوَاحِدُ مِنَّا بِغَيرِهِ وَيَعتَبِرُ مِمَّن كَانَ قَبلَهُ فَيُحسِنَ المُسِيءُ وَيَزدَادَ الَّذِينَ أَحسَنُوا إِحسَانًا وَالَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيرِهِ وَالشَّقِيُّ مَنِ اتَّعَظَ بِنَفسِهِ.

تمهيد: الاعتبار بأحوال الأمم السابقة

وَلِهَذِهِ الحِكمَةِ وَغَيرِهَا وَرَدَتِ القَصَصُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أَو أَلقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، وَقَد قَصَّ القُرآنُ عَلَينَا بَعضَ مَصَارِعِ الأُمَمِ الغَابِرَةِ لِنَقرَأَ سِيَرَهُم، فَنَحذَرَ مَا حَلَّ بِهِم مِنَ العذابِ، وَلِكَي نَرَى مَا يَنتَظِرُ الأُمَمَ الَّتِي تَقَعُ فِي أَمثَالِ هَذِهِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، وَجَاءَ هَذَا التَّحذِيرُ فِي كَثِيرٍ مِن آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، كَقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿أَلَم يَرَوا كَم أَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِن قَرنٍ مَكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ مَا لَم نُمَكِّن لَكُم وَأَرسَلنَا السَّمَاء عَلَيهِم مِدرَارًا وَجَعَلنَا الأَنهَارَ تَجرِي مِن تَحتِهِم فَأَهلَكنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَأَنشَأنَا مِن بَعدِهِم قَرنًا ءاخَرِينَ﴾، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهَا: أَلَا يَعتَبِرُونَ بِمَن أَهلَكنَا مِنَ الأُمَمِ قَبلَهُم لِتَكذِيبِهِم أَنبِيَاءَهُم.اهـ

وَمِنَ المَحَطَّاتِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَينَا خِلَالَ العَامِ وَالَّتِي نَتَذَكَّرُ فِيهَا حَوَادِثَ وَقَصَصًا مِمَّن كَانَ قَبلَنَا مِنَ الأُمَمِ يَومُ عَاشُورَاءَ، فَقَد جَرَت فِيهِ حَوَادِثُ لِبَعضِ الأَنبِيَاءِ مَعَ أَقوَامِهِم، وَغَيرُ ذَلِكَ وَهُوَ يَومٌ وَرَدَ لَهُ فَضلٌ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَإِنَّهُ مِمَّا جَاءَ فِي شَرعِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَن نُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنُعَظِّمَ أَيَّامًا جَاءَ الشَّرعُ الكَرِيمُ بِتَعظِيمِهَا، فَيَومُ الجُمُعَةِ هُوَ أَفضَلُ أَيَّامِ الأُسبُوعِ، وَأَفضَلُ اللَّيَالِي هِيَ لَيلَةُ القَدرِ، وَأَفضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ هُوَ يَومُ عَرَفَةَ، وَمِنَ الأَيَّامِ الَّتِي عَظَّمَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يَومُ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ العَاشِرُ مِنَ المُحَرَّمِ، وَهُوَ يَومٌ خَصَّصَهُ اللهُ بِحَوَادِثَ كَثِيرَةٍ مَرَّت فِيهِ.

فَيَنبَغِي عَلَينَا التَّفَكُّرُ فِي المَحَطَّاتِ وَالعِبَرِ الَّتِي حَصَلَت فِي هَذَا اليَومِ المُبَارَكِ وَالِاتِّعَاظُ وَتَذَكُّرُ مَن كَانَ قَبلَنَا وَتَذَكُّرُ المَوتِ وَتَجدِيدُ التَّوبَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَا عَجَبًا كَيفَ أَنِسَ بِالدُّنيَا مُفَارِقُهَا، وَأَمِنَ النَّارَ وَارِدُهَا، كَيفَ يَغفَلُ مَن لَا يُغفَلُ عَنهُ، كَيفَ يَفرَحُ بِالدُّنيَا مَن يَومُهُ يَهدِمُ شَهرَهُ، وَشَهرُهُ يَهدِمُ سَنَتَهُ وَسَنَتُهُ تَهدِمُ عُمرَهُ، كَيفَ يَلهُو مَن يَقُودُهُ عُمُرُهُ إِلَى أَجَلِهِ وَحَيَاتُهُ إِلَى مَوتِهِ.

الدُّنيَا فِي إِدبَارٍ، وَأَهلُهَا مِنهَا فِي استِكثَارٍ، وَالزَّارِعُ فِيهَا غَيرَ التُّقَى لا يَحصُدُ إِلَّا النَّدَمَ. قَالَ لُقمَانُ لِابنِهِ: يَا بُنَيَّ لِكُلِّ إِنسَانٍ بَيتَانِ: بَيتٌ شَاهِدٌ وَبَيتٌ غَائِبٌ، فَلَا يُلهِيَنَّكَ بَيتُكَ الحَاضِرُ الَّذِي فِيهِ عُمُرُكَ قَلِيلٌ عَن بَيتِكَ الغَائِبِ الَّذِي عُمُرُكَ فِيهِ طَوِيلٌ. 

أَنفَاسُ الحَيِّ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ وَرُبَّمَا أَورَدَ الطَّمَعُ وَلَم يَصدُر، يَا مَن يَفنَى بِبَقَائِهِ وَيَسقَمُ بِسَلَامَتِهِ وَيُؤتَى مِن مَأمَنِهِ، تَيَقَّظ، الجِدَّ الجِدَّ قَبلَ بَغَتَاتِ المَنَايَا وَمُجَاوَرَةِ أَهلِ البِلَى، لَيَحُلَّنَّ بِكُم مِنَ المَوتِ يَومٌ ذُو ظُلَمٍ يُنسِيكُم مُعَاشَرَةَ اللَّذَّاتِ وَالنِّعَمِ، وَلَا يُبقِي فِي الأَفوَاهِ إِلَّا طَعمَ النَّدَمِ.

أَينَ الَّذِينَ مَلَكُوا الدُّنيَا وَنَالُوا، زَالُوا سَبَقُوكَ يَا هَذَا إِلَى مَا إِلَيهِ آلُوا، أَينَ المَغرُورُونَ بِالآلِ آلُوا إِلَى الشَّتَاتِ، أَينَ المَسرُورُونَ بِالمَالِ مَالُوا إِلَى الكِفَاتِ، غَلَقَ رَهنُ أَعمَالِهِم، وَمَا عَلِقُوا إِلَّا بِالوَبَالِ، وَصَارَت آصَارُهُم فِي مَصِيرِهِم كَالجِبَالِ، فَنَدِمُوا إِذ لَا نَدَمٌ يَنفَعُ، وَنَدَبُوا عَلَى المُصَابِ وَلَكِن بَعدَ المَصرَعِ، وَتَجَرَّعُوا كُؤُوسَ البَأسِ مِن كُلِّ مَطمَعٍ وَضُرِبُوا بِسُيُوفٍ مِنَ الحَسَرَاتِ إِذ تَهُزُّ تَقطَعُ.

كَأَنَّكَ بِمَا يُزعِجُ وَيَرُوعُ، وَقَد قُلِعَ الأُصُولُ وَقُطِعَ الفُرُوعُ، يَا نَائِمًا إِلَى كَم هَذَا الهُجُوعُ، إِلَى مَتَى بِالهَوَى هَذَا الوُلُوعُ، أَيَنفَعُكَ وَقتَ المَوتِ الدُّمُوعُ، كَم لَكَ إِلَى التُّقَى عِندَ النَّزعِ نُزُوعٌ، هَيهَاتَ لا يَنفَعُ الذُّلُّ إِذًا وَالخُضُوعُ، يَقُولُ فَرِّقُوا المَالَ فَالعَجَبُ لِجُودِ المَنُوعِ، هَذَا وَمَلَكُ المَوتِ يَسُلُّهَا مِن بَينِ الضُّلُوعِ، رَشَقَكَ سَهمُ المَنُونِ فَمَا أَغنَتِ الدُّرُوعُ، وَأَتَى حَاصِدُ الزَّرعِ وَأَينَ الزُّرُوعُ، وَخَلَت مِنكَ المَسَاكِنُ وَفَرَغَتِ الرُّبُوعُ، وَنَابَ غُرَابُ البَينِ عَنِ الوَرقَاءِ السَّجُوعِ، وَتَمَنَّيتَ أَن لَو زِدتَ مِن سُجُودٍ وَرُكُوعٍ، فَاحذَر مَكرَ العَدُوِّ وَلَا تَقبَل قَولَ الخَدُوعِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى ابنَ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ رَأَى الدُّنيَا فِي صُورَةِ عَجُوزٍ هَتمَاءَ عَلَيهَا مِن كُلِّ زِينَةٍ فَقَالَ لَهَا: كَم تَزَوَّجتِ؟ فَقَالَت: لَا أُحصِيهِم. قَالَ: أَوَ كُلُّهُم مَاتَ عَنكِ أَو كُلُّهُم طَلَّقَكِ؟ قَالَت: بَل كُلُّهُم قَتَلتُ. فَقَالَ عِيسَى: بُؤسًا لأَزوَاجِكَ البَاقِينَ كَيفَ لا يَعتَبِرُونَ بِأَزوَاجِكَ المَاضِينَ!

إِلَامَ تُغَرُّ بِالأَمَلِ الطَّوِيلِ … وَلَيسَ إِلَى الإِقَامَةِ مِن سَبِيلِ

فَدَع عَنكَ التَّعَلُّلَ بِالأَمَانِي … فَمَا بَعدَ المَشِيبِ سِوَى الرَّحِيلِ

أَتَأمَنُ أَن تَدُومَ عَلَى اللَّيَالِي … وَكَم أَفنَينَ قَبلَكَ مِن خَلِيلِ

وَمَا زَالَت بَنَاتُ الدَّهرِ تُفنِي … بَنِي الأَيَّامِ جِيلًا بَعدَ جِيلِ

للَّهِ دَرُّ أَقوَامٍ تَرَكُوا الدُّنيَا فَأَصَابُوا، وَسَمِعُوا مُنَادِي اللهِ يَدعُو فَأَجَابُوا، وَحَضَرُوا مَشَاهِدَ التُّقَى فَمَا غَابُوا، وَاعتَذَرُوا مَعَ التَّحقِيقِ ثُمَّ تَابُوا، وَقَصَدُوا بَابَ مَولَاهُم فَمَا رَدُّوا وَلَا خَابُوا.

فَلنَتَفَكَّر فِي هَذِهِ الأَيَّامِ وَالمَوَاعِظِ وَالعِبَرِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَينَا فِي دَهرِنَا وَلَا يَنبَغِي أَن نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، فَنَحنُ نَذكُرُ هَذَا اليَومَ العَظِيمَ وَنَذكُرُ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنَ القَصَصِ وَالحَوَادِثِ لِنَتَّعِظَ بِكُلِّ مَا يُذكَرُ لَنَا وَمَا نَعلَمُ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيرِهِ وَالشَّقِيُّ مَنِ اتَّعَظَ بِنَفسِهِ.

أَهَمِّيَّةُ مَعرِفَةِ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ وَالخَيرَاتِ

إِنَّ حَيَاةَ المُسلِمِ الفَطِنِ يَنبَغِي أَن تَكُونَ زَاخِرَةً مَلِيئَةً بِطَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَيَنبَغِي أَن يَنتَقِلَ مِن عِبَادَةٍ إِلَى عِبَادَةٍ كَحَالِ الصَّالِحِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَهَذِهِ الطَّاعَاتُ تَجعَلُ المُسلِمَ فِي عِبَادَةٍ مُستَمِرَّةٍ، وَتَجعَلُ حَيَاتَهُ كُلَّهَا مَلِيئَةً بِالقَولِ الحَسَنِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالسَّعيِ الدَّؤُوبِ إِلَى مَرضَاةِ اللهِ عَزَّ  وَجَلَّ، دُونَمَا كَلَلٍ أَو مَلَلٍ أَو فُتُورٍ أَوِ انقِطَاعٍ عَنِ العِبَادَةِ، فَهَا هُوَ المُسلِمُ فِي لَيلِهِ وَنَهَارِهِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الخَمسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ وَبَعدَ انقِضَاءِ رَمَضَانَ يُتبِعُ ذَلِكَ بِصِيَامِ سِتٍّ مِن شَوَّالٍ، وَبَعدَ ذَلِكَ يَستَعِدُّ مَنِ استَطَاعَ الحَجَّ إِلَى حَجِّ بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، وَمَن لَم يَستَطِعِ الحَجَّ فَإِنَّ لَهُ أَبوَابَ خَيرٍ جَعَلَهَا الشَّرعُ لَهُ حَتَّى يَبقَى عَلَى مُثَابَرَةٍ عَلَى الطَّاعَاتِ.

تَفضِيلُ الشَّرعِ لِبَعضِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ وَالأَشهُرِ دُونَ بَعضٍ

لَقَد فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى بِحِكمَتِهِ بَعضَ الأَيَّامِ عَلَى بَعضٍ، وَجَعَلَ لِبَعضِ الشُّهُورِ عَلَى بَعضٍ فَضِيلَةً وَمَزِيَّةً، وَذَلِكَ لِيُقبِلَ العِبَادُ إِلَى إِعمَارِ تِلكَ الأَيَّامِ بِالتَّعَبُّدِ وَالنَّيلِ مِن فَضَائِلِهَا، فَأَقسَمَ عَزَّ وَجَلَّ بِالأَيَّامِ العَشرِ الأُوَلِ مِن ذِي الحِجَّةِ، وَفَضَّلَ رَمَضَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، وَجَعَلَ الأَشهُرَ الحُرُمَ أَربَعَةً دُونَ البَوَاقِي، وَخَصَّ لَيلَةَ القَدرِ بِالشَّرَفِ العَظِيمِ عَلَى غَيرِهَا مِنَ اللَّيَالِي، وَرَفَعَ يَومَ عَرَفَةَ بِالفَضلِ عَلَى سَائِرِ أَيَّامِ العَامِ، كَمَا خَصَّ يَومَ الجُمُعَةِ بِالفَضلِ عَلَى جَمِيعِ أَيَّامِ الأُسبُوعِ، وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ.

قَالَ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللهُ: اعلَم أَنَّ ‌الأَمَاكِنَ ‌وَالأَزمَانَ ‌كُلَّهَا ‌مُتَسَاوِيَةٌ، وَيَفضُلَانِ بِمَا يَقَعُ فِيهِمَا لَا بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِمَا، وَيَرجِعُ تَفضِيلُهُمَا إلَى مَا يُنِيلُ اللَّهُ العِبَادَ فِيهِمَا مِن فَضلِهِ وَكَرَمِهِ. وَقَالَ أَيضًا: وَتَفضِيلُ الأَمَاكِنِ وَالأَزمَانِ ضَربَانِ: 

أَحَدُهُمَا: دُنيَوِيٌّ كَتَفضِيلِ الرَّبِيعِ عَلَى غَيرِهِ مِن الأَزمَانِ، وَكَتَفضِيلِ بَعضِ البُلدَانِ عَلَى بَعضٍ بِمَا فِيهَا مِن الأَنهَارِ وَالثِّمَارِ وَطِيبِ الهَوَاءِ وَمُوَافَقَةِ الأَهوَاءِ.

الضَّربُ الثَّانِي: تَفَضُّلٌ دِينِيٌّ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يَجُودُ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِمَا بِتَفضِيلِ أَجرِ العَامِلِينَ كَتَفضِيلِ صَومِ رَمَضَانَ عَلَى صَومِ سَائِرِ الشُّهُورِ. وَكَذَلِكَ يَومِ عَاشُورَاءَ وَعَشرِ ذِي الحِجَّةِ، وَيَومِ الِاثنَينِ وَالخَمِيسِ وَشَعبَانَ وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِن شَوَّالٍ، فَضلُهُمَا رَاجِعٌ إلَى جُودِ اللَّهِ وَإِحسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ فَضلُ الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِن كُلِّ لَيلَةٍ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اللَّهَ يُعطِي فِيهِ مِن إجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَالمَغفِرَةِ وَإِعطَاءِ السُّؤَالِ وَنَيلِ المَأمُولِ مَا لَا يُعطِيهِ فِي الثُّلُثَينِ الأَوَّلَينِ. وَكَذَلِكَ اختِصَاصُ عَرَفَةَ بِالوُقُوفِ فِيهَا، وَمِنًى بِالرَّميِ فِيهَا، وَالصَّفَا وَالمَروَةِ بِالسَّعيِ فِيهِمَا، مَعَ القَطعِ بِتَسَاوِي الأَمَاكِنِ وَالأَزمَانِ، وَكَذَلِكَ تَفضِيلُ مَكَّةَ عَلَى سَائِرِ البُلدَانِ.اهـ 

وَقَالَ القُرطُبِيُّ: لَا يُقَالُ: كَيفَ جَعَلَ بَعضَ الأَزمِنَةِ أَعظَمَ حُرمَةً مِن بَعضٍ، فَإِنَّا نَقُولُ: لِلبَارِئِ تَعَالَى أَن يَفعَلَ مَا يَشَاءُ، وَيَخُصُّ بِالفَضِيلَةِ مَا يَشَاءُ، لَيسَ لِعَمَلِهِ عِلَّةٌ وَلَا عَلَيهِ حَجرٌ، بَل يَفعَلُ مَا يُرِيدُ بِحِكمَتِهِ، وَقَد تَظهَرُ فِيهِ الحِكمَةُ وَقَد تَخفَى.اهـ 

النَّظَرُ فِي أَحوَالِ وَقَصَصِ مَن كَانَ قَبلَنَا مِنَ الأُمَمِ

لِيُعلَم أَنَّ شَهرَ المُحَرَّمِ شَهرٌ شَرِيفُ القَدرِ. وَقَد حَصَلَت فِيهِ وَقَائِعُ وَحَوَادِثُ عَبرَ الزَّمَنِ، وَلَقَد أَمَرَنَا الشَّرعُ الحَنِيفُ أَن نَنظُرَ فِي مَن كَانَ قَبلَنَا مِنَ الأُمَمِ وَأَن نَعتَبِرَ بِمَا جَرَى بَينَهُم وَمَا جَرَى لَهُم فِي هَذِهِ الأَرضِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿أَوَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرضِ فَيَنظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَانُوا أَشَدَّ مِنهُم قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرضَ وَعَمَرُوهَا أَكثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظلِمَهُم وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾، وَبَعدَ ذَلِكَ يَتَّعِظُ الوَاحِدُ مِنَّا بِغَيرِهِ وَيَعتَبِرُ مِمَّن كَانَ قَبلَهُ فَيُحسِنَ المُسِيءُ وَيَزدَادَ الَّذِينَ أَحسَنُوا إِحسَانًا وَالَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيرِهِ وَالشَّقِيُّ مَنِ اتَّعَظَ بِنَفسِهِ.

وَلِهَذِهِ الحِكمَةِ وَغَيرِهَا وَرَدَتِ القَصَصُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أَو أَلقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، وَقَد قَصَّ القُرآنُ عَلَينَا بَعضَ مَصَارِعِ الأُمَمِ الغَابِرَةِ لِنَقرَأَ سِيَرَهُم، فَنَحذَرَ مَا حَلَّ بِهِم مِنَ العَذَابِ، وَلِكَي نَرَى مَا يَنتَظِرُ الأُمَمَ الَّتِي تَقَعُ فِي أَمثَالِ هَذِهِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، وَجَاءَ هَذَا التَّحذِيرُ فِي كَثِيرٍ مِن آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، كَقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿أَلَم يَرَوا كَم أَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِن قَرنٍ مَكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ مَا لَم نُمَكِّن لَكُم وَأَرسَلنَا السَّمَاءَ عَلَيهِم مِدرَارًا وَجَعَلنَا الأَنهَارَ تَجرِي مِن تَحتِهِم فَأَهلَكنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَأَنشَأنَا مِن بَعدِهِم قَرنًا ءَاخَرِينَ﴾، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهَا: أَلَا يَعتَبِرُونَ بِمَن أَهلَكنَا مِنَ الأُمَمِ قَبلَهُم لِتَكذِيبِهِم أَنبِيَاءَهُم.اهـ

يَومُ عَاشُورَاءَ وَفَضلُهُ

إِنَّ مِنَ المَحَطَّاتِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَينَا خِلَالَ العَامِ وَفِي شَهرِ المُحَرَّمِ خُصُوصًا وَالَّتِي نَتَذَكَّرُ فِيهَا حَوَادِثَ وَقَصَصًا مِمَّن كَانَ قَبلَنَا مِنَ الأُمَمِ يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَد جَرَت فِيهِ حَوَادِثُ لِبَعضِ الأَنبِيَاءِ مَعَ أَقوَامِهِم وَغَيرُ ذَلِكَ، وَهُوَ يَومٌ وَرَدَ لَهُ فَضلٌ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ.

وَإِنَّهُ مِمَّا جَاءَ فِي شَرعِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَن نُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنُعَظِّمَ أَيَّامًا جَاءَ الشَّرعُ الكَرِيمُ بِتَعظِيمِهَا، فَيَومُ الجُمُعَةِ هُوَ أَفضَلُ أَيَّامِ الأُسبُوعِ، وَأَفضَلُ اللَّيَالِي هِيَ لَيلَةُ القَدرِ، وَأَفضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ هُوَ يَومُ عَرَفَةَ، وَيَومُ عَاشُورَاءَ مِنَ الأَيَّامِ الَّتِي عَظَّمَهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ العَاشِرُ مِنَ المُحَرَّمِ، وَهُوَ يَومٌ خَصَّصَهُ اللهُ بِحَوَادِثَ كَثِيرَةٍ مَرَّت فِيهِ.

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي بُستَانِ الوَاعِظِينَ: مَجلِسٌ فِي ‌فَضلِ ‌يَومِ ‌عَاشُورَاءَ وَمَا جَاءَ فِيهِ وَفِي صِيَامِهِ مِنَ الفَضلِ العَظِيمِ: اعلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَلَهُ الحَمدُ وَالمِنَّةُ قَد فَضَّلَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِفَضَائِلَ خَصَّ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن سَائِرِ الأُمَمِ، الحِكمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَقصَرَ الأُمَمِ أَعمَارًا جَعَلَ لَهُم هَذِهِ الفَضَائِلَ وَهَذِهِ الدَّرَجَاتِ وَرَفَعَ لَهُم بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ وَالمَنَازِلَ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ كَالأَيَّامِ البِيضِ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَكَيَومِ عَرَفَةَ وَرَجَبٍ وَشَعبَانَ، وَالسِّتَّةِ أَيَّامٍ بَعدَ الفِطرِ، وَمِثلُهَا كَثِيرٌ، فَهَذِهِ أُمَّةٌ قَد رَفَقَ اللهُ بِهَا وَجَعَلَ لَهَا مِن اليَسِيرِ كَثِيرًا وَوَعَدَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ أَجرًا كَبِيرًا، فَيَومُ عَاشُورَاءَ يَومٌ تُغفَرُ فِيهِ الذُّنُوبُ وَالخَطِيَّاتُ، وَيُتَقَرَّبُ فِيهِ بِالصَّدَقَاتِ وَأَفعَالِ الخَيرَاتِ إِلَى عَالِمِ الخَفِيَّاتِ، وَصَومُهُ سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ.اهـ 

وَقَالَ أَيضًا: وَحُكِيَ أَنَّ أَسِيرًا كَانَ بِأَيدِي الكُفَّارِ وَكَانُوا يُعَذِّبُونَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ بِحُرمَةِ هَذَا اليَومِ عَلَيكَ إِلَّا مَا فَرَّجتَ عَنِّي قَالَ فَلَطَفَ اللهُ بِهِ وَعَطَّفَ عَلَيهِ قُلُوبَ الكُفَّارِ حَتَّى خَلَّصُوهُ وَأَفرَجُوا عَنهُ.

وَهَرَبَ أَسِيرٌ ‌فِي ‌يَومِ عَاشُورَاءَ مِن بَلَدِ الكُفَّارِ فَطَلَبُوهُ فَلَمَّا رَأَى الفُرسَانَ خَلفَهُ وَأَيقَنَ أَنَّهُ مَأخُوذٌ مُدرَكٌ رَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَولَايَ بِحُرمَةِ هَذَا اليَومِ أَسأَلُكَ أَن تُنجِيَنِي وَتَحفَظَنِي مِنهُم فَأَعمَى اللهُ أَبصَارَهُم عَنهُ فَنَجَا وَصَامَ ذَلِكَ اليَومَ فَلَم يَجِد شَيئًا يُفطِرُ عَلَيهِ عِندَ اللَّيلِ فَنَامَ وَأُطعِمَ وَسُقِيَ فِي النَّومِ لِفَضلِ يَومِ عَاشُورَاءَ فَعَاشَ بَعدَ ذَلِكَ عِشرِينَ سَنَةً لَم يَكُن لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهَذَا رَحِمَكُمُ اللهُ مِن فَضلِ يَومِ عَاشُورَاءَ فَاعرِفُوا حَقَّهُ وَارغَبُوا فِي فَضلِهِ لَا حَرَمَنَا اللهُ فَضلَهُ وَغَفَرَ لَنَا فِيهِ مَا أَسلَفنَا مِنَ الأَوزَارِ وَالذُّنُوبِ وَسَتَرَ عَلَينَا مَا أَتَينَا مِنَ القَبَائِحِ وَالعُيُوبِ.اهـ 

وَقَالَ ابنُ رَجَبٍ: يَومُ عَاشُورَاءَ لَهُ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ وَحُرمَةٌ قَدِيمَةٌ، وَصَومُهُ لِفَضلِهِ كَانَ مَعرُوفًا بَينَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَقَد صَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ. وَرُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

«يَومُ عَاشُورَاءَ كَانَت تَصُومُهُ الأَنبِيَاءُ؛ فَصُومُوهُ أَنتُم»

خَرَّجَهُ بَقِيُّ بنُ مَخلَدٍ فِي مُسنَدِهِ. وَقَد كَانَ أَهلُ الكِتَابِ يَصُومُونَهُ، وَكَذَلِكَ قُرَيشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَت تَصُومُهُ.اهـ

بَعضُ مَا جَرَى مِنَ الوَقَائِعِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ

جَرَت فِي يَومِ عَاشُورَاءَ وَقَائِعُ عَظِيمَةٌ مَعَ أَنبِيَاءِ اللهِ وَفِي الأُمَمِ السَّالِفَةِ وَنَتَذَكَّرُ مِن جُملَةِ مَا حَدَثَ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ:

توبة سيدنا آدم عليه السلام في يوم عاشوراء

  • قَبُولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوبَةَ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَ أَن أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُ اللهُ عَنِ الأَكلِ مِنهَا، وَهِيَ مَعصِيَةٌ صَغِيرَةٌ لَيسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ حَصَلَت مِن آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَبلَ أَن يُنَبَّأَ. وَتَابَ تَوبَةً كَامِلَةً صَحِيحَةً وَقَبِلَ اللهُ تَوبَتَهُ كَمَا جَاءَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ.
  • وَهُوَ اليَومُ الَّذِي أُهبِطَ فِيهِ ءَادَمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الأَرضِ.
  • قَالَ ابنُ رَجَبٍ: وَمِن فَضَائِلِ يَومِ عَاشُورَاءَ: أَنَّهُ يَومٌ تَابَ اللهُ فِيهِ عَلَى قَومٍ. وَقَد سَبَقَ حَدِيثُ عَلِيٍّ الَّذِي خَرَّجَهُ التِّرمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «إِن كُنتَ صَائِمًا بَعدَ شَهرِ رَمَضَانَ فَصُمِ المُحَرَّمَ، فَإِنَّهُ شَهرُ اللَّهِ، فِيهِ يَومٌ تَابَ ‌فِيهِ ‌عَلَى ‌قَومٍ، ‌وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَومٍ آخَرِينَ».

وَقَد صَحَّ مِن حَدِيثِ أَبِي إِسحَاقَ، عَنِ الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَأَلتُ عُبَيدَ بنَ عُمَيرٍ عَن صِيَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: المُحَرَّمُ شَهرُ اللهِ الأَصَمُّ، فِيهِ ‌يَومٌ ‌تِيبَ ‌فِيهِ ‌عَلَى آدَمَ، فَإِنِ استَطَعتَ أَلَّا يَمُرَّ بِكَ إِلَّا صُمتَهُ فَافعَل. كَذَا رُوِيَ عَن شُعبَةَ، عَن أَبِي إِسحَاقَ.

وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ: هُوَ اليَومُ الَّذِي تِيبَ فِيهِ عَلَى آدَمَ. وَرُوِيَ عَن عِكرِمَةَ، قَالَ: هُوَ يَومٌ تَابَ اللهُ فِيهِ عَلَى آدَمَ، يَومُ عَاشُورَاءَ. وَرَوَى عَبدُ الوَهَّابِ الخَفَّافُ، عَن سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ اليَومَ الَّذِي تِيبَ فِيهِ عَلَى آدَمَ يَومُ عَاشُورَاءَ، وَأُهبِطَ فِيهِ آدَمُ إِلَى الأَرضِ يَومُ عَاشُورَاءَ.اهـ 

كَانَ ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ قَد نَهَاهُ اللهُ عَن أَن يَأكُلَ مِن شَجَرَةٍ فَأَكَلَ مِنهَا فَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ وَلَكِنَّهَا لَيسَت كُفرًا وَلَيسَت بِمَرتَبَةِ الزِّنَا وَلَيسَت بِمَرتَبَةِ شُربِ الخَمرِ وَلَيسَت كَبِيرَةً، بَل هِيَ مَعصِيَةٌ صَغِيرَةٌ لَيسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ تَجُوزُ عَلَى الأَنبِيَاءِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي القُرآنِ بِهَذَا وَلَكِن يُنَبَّهُونَ لِلتَّوبَةِ قَبلَ أَن يَقتَدِيَ بِهِم فِيهَا غَيرُهُم مِن أُمَمِهِم فَيَفعَلَ مِثلَمَا فَعَلُوا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّهُم مَعصُومُونَ مِنَ ‌الصَّغَائِرِ الَّتِي تُزرِي بِفَاعِلِهَا وَتَحُطُّ مَنزِلَتَهُ وَتُسقِطُ مُرُوءَتَهُ وَاختَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيرِهَا مِنَ ‌الصَّغَائِرِ مِنهُم فَذَهَبَ مُعظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنهُم وَحُجَّتُهُم ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالأَخبَارِ.اهـ

وَقَد وَقَعَت مِن آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَبلَ أَن يُنَبَّأَ عِندَمَا كَانَ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: أَكَلَ ‌عَمدًا، وَهِيَ مَعصِيَةٌ صُغرَى، وَهَذَا عِندَ مَن أَجَازَ عَلَى الأَنبِيَاءِ الصَّغَائِرَ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.

وَلَمَّا أَكَلَ ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ الشَّجَرَةِ أَهبَطَهُ اللهُ إِلَى الأَرضِ وَكَذَلِكَ حَوَّاءُ، أَمَّا إِبلِيسُ اللَّعِينُ الَّذِي أَمَرَهُ اللهُ أَن يَسجُدَ لِآدَمَ سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَتَعظِيمٍ رَفَضَ وَأَبَى وَاستَكبَرَ، اعتَرَضَ عَلَى أَمرِ اللهِ فَكَفَرَ وَقَالَ: أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ. فَطَرَدَ اللهُ إِبلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ جَعَلنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلَاهَا مَذمُومًا مَدحُورًا﴾.

فَأَهبَطَ اللهُ ءَادَمَ وَحَوَّاءَ إِلَى الأَرضِ وَلَم يُطرَدَا مِن رَحمَةِ اللهِ وَلَا مِنَ الجَنَّةِ أَمَّا إِبلِيسُ اللَّعِينُ هُوَ المَطرُودُ مِن رَحمَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وَأَخبَرَ عَنهُ وَعَن زَوجِهِ أَنَّهُمَا قَالَا: ﴿رَبَّنا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لَنَا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾، فَالشَّرعُ الحَنِيفُ يَحُثُّ عَلَى تَجدِيدِ التَّوبَةِ النَّصُوحِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ وَيُرجَى قَبُولُ التَّوبَةِ مِمَّن تَابَ فِيهِ إِلَى اللهِ مِن ذُنُوبِهِ.

قَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ: وَقَولُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى آخَرِينَ» حَثٌّ لِلنَّاسِ عَلَى تَجدِيدِ التَّوبَةِ النَّصُوحِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ، وَتَرجِيَةٌ لِقَبُولِ التَّوبَةِ مِمَّن تَابَ فِيهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن ذُنُوبِهِ، كَمَا تَابَ فِيهِ عَلَى مَن قَبلَهُم. وَقَد قَالَ تَعَالَى عَن آدَمَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وَأَخبَرَ عَنهُ وَعَن زَوجِهِ أَنَّهُمَا قَالَا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لَنَا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾.

كَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ إِلَى الأَمصَارِ كِتَابًا وَقَالَ فِيهِ: قُولُوا كَمَا قَالَ أَبُوكُم آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لَنا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾. وَقُولُوا كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغفِر لِي وَتَرحَمنِي أَكُن مِنَ الخاسِرِينَ﴾. وَقُولُوا كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفسِي فَاغفِر لِي﴾، وَقُولُوا كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، اعتِرَافُ المُذنِبِ بِذَنبِهِ مَعَ النَّدَمِ عَلَيهِ تَوبَةٌ مَقبُولَةٌ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَآخَرُونَ اعتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيهِم﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيهِ».اهـ

وَرَوَى الحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمَّا اقتَرَفَ آدَمُ الخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسأَلُكَ ‌بِحَقِّ ‌مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفتَ مُحَمَّدًا وَلَم أَخلُقهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَختَ فِيَّ مِن رُوحِكَ رَفَعتُ رَأسِي فَرَأَيتُ عَلَىَ قَوَائِمِ العَرشِ مَكتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَعَلِمتُ أَنَّكَ لَم تُضِف إِلَى اسمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الخَلقِ إِلَيكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأُحِبُّ الخَلقِ إِلَيَّ ادعُنِي بِحَقِّهِ فَقَد غَفَرتُ لَكَ وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقتُكَ».اهـ قَالَ الحَاكِمُ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسنَادِ وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ ذَكَرتُهُ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ زَيدِ بنِ أَسلَمَ فِي هَذَا الكِتَابِ». 


رسو سفينة سيدنا نوح عليه السلام على الجودي

  • فِي يَومِ عَاشُورَاءَ رَسَت سَفِينَةُ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى جَبَلِ الجُودِيِّ فِي العِرَاقِ. 

فَنُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ أَوَّلُ رَسُولٍ أُرسِلَ إِلَى قَومٍ كُفَّارٍ، ظَلَّ يَدعُوهُم إِلَى الإِسلَامِ تِسعَمِائَةٍ وَخَمسِينَ سَنَةً، وَهُم يُكَذِّبُونَهُ وَيَسُبُّونَهُ وَيَضرِبُونَهُ أَحيَانًا حَتَّى يُغشَى عَلَيهِ، وَكَانَ صَبرُهُ عَلَى دَعوَةِ قَومِهِ عَظِيمًا يَدعُوهُم إِلَى دِينِ الإِسلَامِ، كَانُوا يَضرِبُونَهُ حَتَّى تَصِلَ العَصَا إِلَى عِظَامِ جُمجُمَتِهِ وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى الحَقِّ، مَعَ مَا أَعطَاهُ اللهُ مِنَ القُوَّةِ وَلَكِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا صَابِرًا، ثُمَّ اللهُ تَعَالَى أَوحَى إِلَيهِ قَالَ لَهُ لَا يُؤمِنُ أَحَدٌ مِن قَومِكَ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَبلَ هَذَا، وَكَانَ ءَامَنَ مَعَهُ قَبلَ ذَلِكَ نَحوُ ثَمَانِينَ شَخصًا مَا بَينَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَعِندَ ذَلِكَ نُوحٌ دَعَا أَن يُهلِكَهُمُ اللهُ وَلَا يَترُكَ أَحَدًا مِنهُم، فَأَرسَلَ اللهُ تَعَالَى مَاءً مِنَ السَّمَاءِ عَلَى خِلَافِ العَادَةِ، وَأَمَرَ الأَرضَ بِأَن تُخرِجَ مَاءَهَا، فَأَخرَجَتِ الأَرضُ مَاءَهَا أَربَعِينَ يَومًا، وَظَلَّ المَاءُ يَنبُعُ أَربَعِينَ يَومًا قَبلَ أَن يَنزِلَ مَاءُ السَّمَاءِ، وَلَو نَزَلَ مَاءُ السَّمَاءِ أَوَّلًا لَخَرَّبَ الجِبَالَ وَشَقَّقَ الأَرضَ تَشقِيقًا مِن قُوَّتِهِ، لَكِنَّ هَذَا المَاءَ الَّذِي نَبَعَ مِنَ الأَرضِ تَحَمَّلَ مَاءَ السَّمَاءِ ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ مَاءً مِنَ السَّمَاءِ لَيسَ كَالمَطَرِ الَّذِي يَنزِلُ اليَومَ فَكُلُّ قَطرَةٍ مِنهُ كَانَت كَالجَبَلِ.

وَارتَفَعَ المَاءُ حَتَّى غَطَّى كُلَّ جِبَالِ الدُّنيَا وَعَلَا فَوقَ أَعلَى جَبَلٍ فِي الأَرضِ مَسِيرَةَ خَمسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَأَغرَقَ اللهُ الكُفَّارَ كُلَّهُم الكِبَارَ وَالصِّغَارَ حَتَّى الأَطفَالَ الرُّضَّعَ مَا بَقِيَ عَلَى وَجهِ الأَرضِ إِنسَانٌ كَافِرٌ لِأَنَّ اللهَ يَعلَمُ أَنَّ صِغَارَهُم لَو عَاشُوا لَكَفَرُوا.

وَأَمَّا نُوحٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ، اللهُ عَلَّمَهُ أَن يَعمَلَ سَفِينَةً مِن شَجَرَةٍ نَبَتَت يَومَ وُلِدَ نُوحٌ، هَذِهِ الشَّجَرَةُ صَارَت ضَخمَةً كَبِيرَةً، مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَنَى السَّفِينَةَ، كَانَ طُولُهَا نَحوَ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرضُهَا نَحوَ ثَمَانِينَ، ثُمَّ ظَلَّ نُوحٌ وَمَن ءَامَنَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ سِتَّةَ أَشهُرٍ وَأَيَّامًا، وَفِي هَذِهِ المُدَّةِ أَخَذَتهُمُ السَّفِينَةُ إِلَى عَرَفَاتٍ ثُمَّ إِلَى مُزدَلِفَةَ ثُمَّ إِلَى مِنًى إِلَى حَيثُ الجَمَرَاتُ ثُمَّ إِلَى الكَعبَةِ أَي مَوضِعِهَا وَطَافَت بِهِ سَبعًا ثُمَّ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ سَبعًا، أَي إِلَى الأَمَاكِنِ الَّتِي يَدُورُ إِلَيهَا الحَاجُّ كَمَا رَوَى السُّيُوطِيُّ وَغَيرُهُ.

ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الأَرضَ بِأَن تَبلَعَ مَاءَهَا وَالسَّمَاءَ فَأَقلَعَت ﴿وَقِيلَ يَا أَرضُ ابلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقلِعِي وَغِيضَ المَاء وَقُضِيَ الأَمرُ وَاستَوَت عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعدًا لِّلقَومِ الظَّالِمِينَ﴾، ثُمَّ اختَزَنَتِ الأَرضُ المَاءَ الَّذِي أَنبَعَتهُ وَالمَاءَ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَبَعدَمَا جَفَّتِ الأَرضُ استَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلَى جَبَلٍ فِي العِرَاقِ اسمُهُ الجُودِيُّ، ثُمَّ نَزَلَ نُوحٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا إِلَى الأَرضِ آمِنِينَ سَالِمِينَ، وَكَانَ قَد أَدخَلَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَهُ إِلَى السَّفِينَةِ مِن كُلِّ نَوعٍ مِنَ البَهَائِمِ اثنَينِ ذَكَرٍ وَأُنثَى.اهـ وَقَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: فَرَكِبُوا لِعَشرٍ مَضَينَ مِن رَجَبٍ، وَخَرَجُوا يَومَ عَاشُورَاءَ.اهـ وَقَالَ ابنُ رَجَبٍ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ: وَفِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَن صِيَامِ يَومِ الِاثنَينِ: «ذَاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَأُنزِلَت عَلَيَّ فِيهِ النُّبُوَّةُ» إِشَارَةٌ إِلَى استِحبَابِ صِيَامِ الأَيَّامِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ فِيهَا نِعَمُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا صِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ حَيثُ أَنجَى اللهُ فِيهِ نُوحًا مِنَ الغَرَقِ، وَنَجَّى فِيهِ مُوسَى وَقَومَهُ مِن فِرعَونَ وَجُنُودِهِ وَأَغرَقَهُم فِي اليَمِّ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكرًا للهِ، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَابَعَةً لِأَنبِيَاءِ اللهِ.اهـ

وَقَالَ ابنُ الأَثِيرِ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَرسَلَ اللَّهُ المَطَرَ أَربَعِينَ يَومًا، فَأَقبَلَتِ الوَحشُ حِينَ أَصَابَهَا المَطَرُ وَالطِّينُ إِلَى نُوحٍ وَسُخِّرَت لَهُ، فَحَمَلَ مِنهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَرَكِبُوا فِيهَا لِعَشرِ لَيَالٍ مَضَينَ مِن رَجَبٍ، وَكَانَ ذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشرَةَ خَلَت مِن آب، وَخَرَجُوا مِنهَا يَومَ عَاشُورَاءَ مِنَ المُحَرَّمِ، فَلِذَلِكَ صَامَ مَن صَامَ يَومَ عَاشُورَاءَ.اهـ 


نجاة سيدنا إبراهيم عليه السلام من النار

  • وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ نَجَّى اللهُ سَيِّدَنَا إِبرَاهِيمَ مِنَ النَّارِ الَّتِي أُلقِيَ فِيهَا فَلَم تَحرِقهُ.

فَقَد كَانَ أَهلُ بَابِلَ يَتَنَعَّمُونَ بِعَيشٍ رَغِيدٍ وَنِعَمٍ كَثِيرَةٍ أَنعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيهِم، وَلَكِنَّهُم مَعَ ذَلِكَ نَسُوا فَضلَ اللَّهِ عَلَيهِم وَاتَّبَعُوا الشَّيطَانَ فَعَبَدُوا الأَصنَامَ الَّتِي كَانُوا يَنحِتُونَهَا بِأَيدِيهِم وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلا تَنفَعُ، لَا تَخلُقُ ضَرَرًا وَلَا نَفعًا. وَكَانَ مَلِكُهُمُ نُمرُودُ قَد طَغَى وَضَلَّ حَتَّى ادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ وَأَمَرَ قَومَهُ بِعِبَادَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَبينَ هَذِهِ الأَحوَالِ وُلِدَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ وَكَانَ مُنذُ نُعُومَةِ أَظفَارِهِ قَد أُلهِمَ الإِيمَانَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ اللَّهَ لا يُشبِهُ شَيئًا مِن مَخلُوقَاتِهِ وَأَنَّهُ هُوَ خَالِقُ هَذَا العَالَمِ بِأَسرِهِ. 

قَالَ النُّوَيرِيُّ: فَلَمَّا استَكمَلَت أُمُّهُ تِسعَةَ أَشهُرٍ قَالَت لِأَبِيهِ: إِنِّي أُحِبُّ أَن أَدخُلَ بَيتَ الأَصنَامِ فَأَسأَلَهَا أَن ‌تُخَفِّفَ ‌عَنِّى ‌أَمرَ ‌الوِلَادَةِ؛ فَأَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ، وَتَرَبَّصَ بِهَا إِلَى اللَّيلِ خَوفًا أَن يَعلَمَ النَّاسُ بِحَملِهَا؛ فَلَمَّا دَخَلَت بَيتَ الأَصنَامِ تَنَكَّسَت عَن كَرَاسِيِّهَا فَخَرَجَت فَزِعَةً، فَإِذَا هِيَ بِنُمرُودٍ فِي قَومِهِ، وَبَينَ أَيدِيهِمُ الشُّمُوعُ وَالمَشَاعِلُ؛ فَقَالَ نُمرُودٌ: مَن هَذَا؟ قَالَت: زَوجَةُ عَبدِكَ تَارِحَ؛ فَأَرَادَ أَن يَقُولَ: اقبِضُوهَا فَقَالَ: خَلُّوهَا؛ فَأَقبَلَت إِلَى مَنزِلِهَا مَذعُورَةً، فَجَاءَهَا الطَّلقُ، فَأَقبَلَ إِلَيهَا مَلَكٌ مِن عِندِ اللهِ تَعَالَى وَقَالَ: لَا تَخَافِي وَانهَضِي فَضَعِي مَا فِي بَطنِكِ. فَتَبِعَتهُ حَتَّى أَدخَلَهَا الغَارَ، وَهُوَ الَّذِى وُلِدَ فِيهِ إِدرِيسُ وَنُوحٌ عَلَيهِمَا السَّلَامُ قَالَ: وَدَخَلَت أُمُّهُ الغَارَ فَوَجَدَت فِيهِ جَمِيعَ مَا تَحتَاجُ إِلَيهِ، وَخَفَّفَ اللهُ عَنهَا الطَّلقَ، فَوَلَدَتهُ فِي لَيلَةِ جُمُعَةٍ، وَهِىَ لَيلَةُ عَاشُورَاءَ.

فَلَمَّا سَقَطَ إِلَى الأَرضِ قَطَعَ جِبرِيلُ سُرَّتَهُ، وَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ، وَكَسَاهُ ثَوبًا أَبيَضَ؛ ثُمَّ عَادَ بِهَا المَلَكُ إِلَى مَنزِلِهَا فَرَجَعَت خَفِيفَةً كَأَن لَم تَلِد، وَقَالَ لَهَا المَلَكُ: اكتُمِي أَمرَكِ وَمَا قَد رَأَيتِ. فَدَخَلَت مَنزِلَهَا، وَجَاءَ تَارِحُ فَرَآهَا نَشِطَةً خَفِيفَةً، فَقَالَت: إِنَّ الَّذِي كَانَ فِي بَطنِي لَم يَكُن وَلَدًا، وَإِنَّمَا كَانَت رِيحًا وَقَدِ انفَشَّت عَنِّى. فَفَرِحَ بِذَلِكَ، وَأَلقَى اللهُ تَعَالَى عَلَى نُمرُودَ النِّسيَانَ فِي أَمرِ إِبرَاهِيمَ.

فَلَمَّا كَانَ فِي اليَومِ الثَّالِثِ خَرَجَت أُمُّهُ إِلَى الغَارِ فَرَأَتِ الوَحشَ وَالسِّبَاعَ عَلَى بَابِهِ، فَتَوَهَّمَت أَن يَكُونَ هَلَكَ؛ فَدَخَلَت فَرَأَتهُ عَلَى فِرَاشٍ مِنَ السُّندُسِ، وَهُوَ مَدهُونٌ مَكحُولٌ، فَتَحَيَّرَت وَعَلِمَت أَنَّ لَهُ رَبًّا، وَرَجَعَت إِلَى مَنزِلِهَا وَأَخبَرَت تَارِحَ الخَبَرَ، فَنَهَاهَا عَنِ العَودِ إِلَى الغَارِ، فَكَانَت تَرُوحُ إِلَيهِ سِرًّا فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَنظُرُ إِلَيهِ وَتَعُودُ، حَتَّى تَمَّ لَهُ حَولَانِ، فَأَتَاهُ جِبرِيلُ بِطَعَامٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَطعَمَهُ وَسَقَاهُ؛ فَلَمَّا استَكمَلَ أَربَعَ سِنِينَ جَاءَهُ مَلَكٌ بِكِسوَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، وَسَقَاهُ شَربَةَ التَّوحِيدِ وَقَالَ: اخرُجِ الآنَ مَنصُورًا.اهـ

فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيهِ بِرِسَالَةِ الإِسلامِ دَعَا قَومَهُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحدَهُ، وَأَمَرَهُم بِأَن يَترُكُوا الأَصنَامَ الَّتِي كَانُوا يَتَفَنَّنُونَ بِنَحتِهَا وَتَزيِينِهَا وَيَذبَحُونَ لَهَا الذَّبَائِحَ عَلَى زَعمِهِم تَقَرُّبًا إِلَيهَا، فَلَم يُطِعهُ الكَثِيرُونَ بَلِ ازدَادَ تَكَبُّرُهُم وَتَجَبُّرُهُم وَعَلَى رَأسِهِم مَلِكُهُم نُمرُودُ. وَلَمَّا رَأَى إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ أَنَّهُم مَا زَالُوا مُتَعَلِّقِينَ بِعِبَادَةِ الأَصنَامِ وَأَنَّهُم لَم يَتَقَبَّلُوا الأَدِلَّةَ وَالبَرَاهِينَ الوَاضِحَةَ الجَلِيَّةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا، قَرَّرَ أَن يَفعَلَ بِأَصنَامِهِم فِعلًا يُقِيمُ الحُجَّةَ بِهِ عَلَيهِم لَعَلَّهُم يُفِيقُونَ مِن غَفلَتِهِمُ العَمِيقَةِ. وَكَانَ مِن عَادَةِ قَومِهِ أَن يُقِيمُوا لَهُم عِيدًا، فَلَّمَا حَلَّ عَلَيهِم عِيدُهُم خَرَجُوا لِيَحتَفِلُوا خَارِجَ المَدِينَةِ فِي البَسَاتِينِ وَالحَدَائِقِ. فَدَخَلَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ إِلَى بَيتِ الأَصنَامِ الَّذِي كَانَ قَومُهُ يَعبُدُونَهَا فِيهِ، فَإِذَا فِي صَدرِ البَيتِ صَنَمٌ كَبِيرٌ وَعَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ أَصنَامٌ صَغِيرَةٌ، فَأَمسَكَ بِيَدِهِ اليُمنَى فَأسًا وَأَخَذَ يَهوِي بِهِ عَلَى الأَصنَامِ الصَّغِيرَةِ يُكَسِّرُهَا وَيُحَطِّمُهَا ثُمَّ عَلَّقَ الفَأسَ فِي عُنُقِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، حَتَّى إِذَا رَجَعَ قَومُهُ يَظهَرُ لَهُم أَنَّ هَذِهِ الأَصنَامَ لَم تَستَطِع أَن تَدفَعَ عَن نَفسِهَا ضُرًّا فَكَيفَ تُعبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ القَوِيِّ القَهَّارِ. عَادَ قَومُهُ فَعَرَفُوا أَنَّهُ هُوَ مَن حَطَّمَ أَصنَامَهُم، وَلَكِنَّهُم لِشِدَّةِ جَهلِهِم وَكُفرِهِم لَم يَفهَمُوا مَا قَصَدَ إِلَيهِ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ فَاغتَاظُوا وَأَرَادُوا أَن يَنتَقِمُوا مِنهُ، فَاختَارُوا نَوعًا مِن أَشَدِّ أَنوَاعِ العَذَابِ وَهُوَ الإِحرَاقُ بِالنَّارِ. صَارَ الكُفَّارُ يَجمَعُونَ الحَطَبَ مِن جَمِيعِ مَا يُمكِنُهُم مِنَ الأَمَاكِنِ، وَأَتَوا بِهَذَا الحَطَبِ الكَثِيرِ وَرَمَوهُ فِي حُفرَةٍ عَظِيمَةٍ وَأَضرَمُوا فِيهَا النَّارَ فَاضطَرَمَت وَتَأَجَّجَت وَالتَهَبَت وَعَلا لَهَا شَرَرٌ عَظِيمٌ وَصَوتٌ مُخِيفٌ لَم يُرَ وَلَم يُسمَع بِمِثلِهِ

. وَكَانَت مِن شِدَّةِ اشتِعَالِهَا تُحرِقُ الطَّائِرَ الَّذِي يَمُرُّ فَوقَهَا، وَكَانَ الكُفَّارُ لا يَستَطِيعُونَ لِقُوَّةِ اللَّهَبِ أَن يَتَقَدَّمُوا مِنَ النَّارِ، فَكَيفَ سَيَرمُونَ إِلَيهَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ؟ فَأَتَى إِبلِيسُ اللَّعِينُ مُتَشَكِّلاً وَعَلَّمَهُم صُنعَ المِنجَنِيقِ الَّذِي لَم يَكُن يُعرَفُ مِن قَبلُ، وَقِيلَ إِنَّ رَجُلًا مِنهُم اسمُهُ “هِيزَن” كَانَ أَوَّلَ مَن صَنَعَهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرضَ، ثُمَّ أَخَذَ قَومُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ يُقَيِّدُونَهُ وَيُكَتِّفُونَهُ وَهُوَ يَقُولُ: “لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ، لَكَ الحَمدُ وَلَكَ المُلكُ لا شَرِيكَ لَكَ”، فَلَمَّا أُلقِيَ فِي النَّارِ قَالَ بِلِسَانِ المُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ: “حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيل”. وَأَعطَى اللَّهُ نَبِيَّهُ الكَرِيمَ مُعجِزَةً بَاهِرَةً فَلَم تُحرِقهُ النَّارُ وَلَم تُصِبهُ بِأَذًى وَلا حَتَّى ثِيَابَهُ، وَإِنَّمَا أَحرَقَت وِثَاقَهُ الَّذِي رَبَطُوهُ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وَسَلامًا عَلَى إِبراهِيمَ﴾.

وَكَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، يَنظُرُونَ هَذَا المَنظَرَ الهَائِلَ المُخِيفَ. وَكَانَت نَجَاتُهُ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ. ومَكَثَ نُمرُودُ أَيَّامًا لا يَشُكُّ أَنَّ النَّارَ قَد أَكَلَت إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَرَأَى إِبرَاهِيمَ جَالِسًا وَإِلَى جَنبِهِ رَجُلٌ مِثلُهُ، فَقَالَ لِقَومِهِ: لَقَد رَأَيتُ كَأَنَّ إِبرَاهِيمَ حَيٌّ، وَلَقَد شُبِّهَ عَلَيَّ، ابنُوا لِي مِنَصَّةً عَالِيَةً لِأَرَى مَا الأَمرُ، فَبَنَوا لَهُ مِنَصَّةً وَأَشرَفَ مِنهَا فَرَأَى إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ جَالِسًا وَإِلَى جَنبِهِ رَجُلٌ فِي صُورَتِهِ، فَنَادَى نُمرُودُ سَائِلًا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ: “هَل تَستَطِيعُ الخُرُوجَ؟”. فَأَجَابَهُ: “نَعَم”، ثُمَّ سَأَلَهُ: “أَتَخشَى إِن أَقَمتَ فِيهَا أَن تَضُرَّكَ؟”. قَالَ: “لَا” وَلَمَّا خَرَجَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ وَنَجَّاهُ اللَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ فَأَخبَرَ أَنَّهُ مَلَكُ الظِّلِّ أَرسَلَهُ اللَّهُ لِيُؤنِسَهُ. 


نجاة سيدنا موسى عليه السلام ومن آمن معه وظهوره عليه السلام على السحرة

  • وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ نَجَّى اللهُ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاتَّبَعُوهُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ.
  • وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ظَهَرَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى السَّحَرَةِ.

فَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ‌ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ ‌عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا، قَالُوا: هَذَا يَومٌ صَالِحٌ، هَذَا يَومٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسرَائِيلَ مِن عَدُوِّهِم، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنكُم، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ‌ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ وَجَدَهُم يَصُومُونَ يَومًا يَعنِي ‌عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَومٌ نَجَّى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغرَقَ آلَ فِرعَونَ فَصَامَ مُوسَى شُكرًا للهِ فَقَالَ أَنَا أَولَى بِمُوسَى مِنهُم فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ‌ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ ‌عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَن ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا اليَومُ الَّذِي أَظفَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى فِرعَونَ، وَنَحنُ نَصُومُهُ تَعظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَحنُ أَولَى بِمُوسَى مِنكُم ثُمَّ أَمَرَ بِصَومِهِ».اهـ 

قَالَ ابنُ كَثِيرٍ: ‌فَانطَلَقَا ‌جَمِيعًا -أَي مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ- إِلَى فِرعَونَ، فَأَقَامَا عَلَى بَابِهِ حِينًا لَا يُؤذَنُ لَهُمَا، ثُمَّ أُذِنَ لَهُمَا بَعدَ حِجَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَا: إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ. فَقَالَ: فَمَن رَبُّكُمَا؟ فَأَخبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَلَيكَ فِي القُرآنِ، قَالَ: فَمَا تُرِيدَانِ؟ وَذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فَاعتَذَرَ بِمَا قَد سَمِعتَ قَالَ: أُرِيدُ أَن تُؤمِنَ بِاللَّهِ، وَتُرسِلَ مَعِي بَنِي إِسرَائِيلَ. فَأَبَى عَلَيهِ، وَقَالَ: ائتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَاغِرَةً فَاهَا، مُسرِعَةً إِلَى فِرعَونَ فَلَمَّا رَآهَا فِرعَونُ، قَاصِدَةً إِلَيهِ خَافَهَا، فَاقتَحَمَ عَن سَرِيرِهِ، وَاستَغَاثَ بِمُوسَى أَن يَكُفَّهَا عَنهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ أَخرَجَ يَدَهُ مِن جَيبِهِ، فَرَآهَا بَيضَاءَ مِن غَيرِ سُوءٍ – يَعنِي مِن غَيرِ بَرَصٍ – ثُمَّ رَدَّهَا فَعَادَت إِلَى لَونِهَا الأَوَّلِ، فَاستَشَارَ المَلَأَ حَولَهُ فِيمَا رَأَى، فَقَالُوا لَهُ: هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخرِجَاكُم مِن أَرضِكُم بِسِحرِهِمَا وَيَذهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثلَى. يَعنِي مُلكَهُمُ الَّذِي هُم فِيهِ، وَالعَيشَ، وَأَبَوا عَلَى مُوسَى أَن يُعطُوهُ شَيئًا مِمَّا طَلَبَ، وَقَالُوا لَهُ: اجمَعِ السَّحَرَةَ فَإِنَّهُم بِأَرضِكَ كَثِيرٌ حَتَّى تَغلِبَ بِسِحرِكَ سِحرَهُمَا. فَأَرسَلَ إِلَى المَدَائِنِ، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ سَاحِرٍ مُتَعَالِمٍ، فَلَمَّا أَتَوا فِرعَونَ قَالُوا: بِمَ يَعمَلُ هَذَا السَّاحِرُ؟ قَالُوا: يَعمَلُ بِالحَيَّاتِ. قَالُوا: فَلَا وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ فِي الأَرضِ يَعمَلُ بِالسِّحرِ بِالحَيَّاتِ وَالحِبَالِ وَالعِصِيِّ الَّذِي نَعمَلُ، وَمَا أَجرُنَا إِن نَحنُ غَلَبنَا؟ قَالَ لَهُم: أَنتُم أَقَارِبِي وَخَاصَّتِي، وَأَنَا صَانِعٌ إِلَيكُم كُلَّ شَيءٍ أَحبَبتُم. فَتَوَاعَدُوا يَومَ الزِّينَةِ وَأَن يُحشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قَالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابنُ عَبَّاسٍ أَنَّ يَومَ الزِّينَةِ اليَومَ الَّذِي أَظهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرعَونَ وَالسَّحَرَةِ، هُوَ يَومُ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا اجتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ قَالَ النَّاسُ بَعضُهُم لِبَعضٍ: انطَلِقُوا فَلنَحضُر هَذَا الأَمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الغَالِبِينَ. يَعنُونَ مُوسَى وَهَارُونَ استِهزَاءً بِهِمَا، فَقَالُوا: يَا مُوسَى – بِقُدرَتِهِم بِسِحرِهِم – إِمَّا أَن تُلقِيَ وَإِمَّا أَن نَكُونَ نَحنُ المُلقِينَ. قَالَ: بَل أَلقُوا. ﴿فَأَلقَوا حِبَالَهُم وَعِصِيَّهُم وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرعَونَ إِنَّا لَنَحنُ الغَالِبُونَ﴾، فَرَأَى مُوسَى مِن سِحرِهِم مَا أَوجَسَ فِي نَفسِهِ خِيفَةً، فَأَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ: أَن أَلقِ عَصَاكَ، فَلَمَّا أَلقَاهَا، صَارَت ثُعبَانًا عَظِيمَةً، فَاغِرَةً فَاهَا، فَجَعَلَتِ العِصِيُّ تَلتَبِسُ بِالحِبَالِ، حَتَّى صَارَت جُرُزًا عَلَى الثُّعبَانِ تَدخُلُ فِيهِ، حَتَّى مَا أَبقَت عَصًا وَلَا حَبلًا إِلَّا ابتَلَعَتهُ، فَلَمَّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قَالُوا: لَو كَانَ هَذَا سِحرًا لَم تَبلُغ مِن سِحرِنَا كُلَّ هَذَا وَلَكِنَّهُ أَمرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، آمَنَّا بِاللهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، وَنَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا كُنَّا عَلَيهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهَرَ فِرعَونَ فِي ذَلِكَ المَوطِنِ وَأَشيَاعِهِ، وَظَهَرَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ.اهـ 

رفع العذاب عن قوم سيدنا يونس عليه السلام وقبول توبتهم ونجاته عليه السلام من بطن الحوت

  • وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ رُفِعَ العَذَابُ عَن قَومِ يُونُسَ بنِ مَتَّى عَلَيهِ السَّلَامُ وَقُبِلَت تَوبَتُهُم.
  • وَفِيهِ نَجَّى اللهُ يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن بَطنِ الحُوتِ.

يُونُسُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَرسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهلِ نَينَوَى كَانُوا فِي أَرضِ المَوصِلِ بِالعِرَاقِ لِيَدعُوَهُم إِلَى الإِسلَامِ وَكَانَ عَدَدُهُم أَكثَرَ مِن مِائَةِ أَلفٍ، بَقِيَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً يَدعُوهُم إِلَى الإِسلَامِ وَلَم يُؤمِن بِهِ غَيرُ رَجُلَينِ. فَتَرَكَهُم وَخَرَجَ قَبلَ أَن يَأمُرَهُ اللهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وَمَعنَى ﴿مُغَاضِبًا﴾ لِقَومِهِ لَا لِرَبِّهِ، فَظَنَّ أَنَّنَا لَن نُضَيِّقَ عَلَيهِ لِتَركِهِ لِقَومِهِ. فَسَيِّدُنَا “يُونُسُ” عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا خَرَجَ غَاضِبًا عَلَى قَومِهِ لَم يَعلَم بِمَا حَلَّ بِهِم. فَوَصَلَ إِلَى شَاطِئِ البَحرِ وَرَكِبَ السَّفِينَةَ بَعدَ أَن أَصعَدَهُ أَهلُهَا إِلَيهَا مَحَبَّةً وتَبَرُّكًا بِهِ إِذ كَانَ جَمِيلَ الشَّكلِ، مَلِيحَ المَنظَرِ، فَصِيحَ الكَلَامِ وَرَقِيقَ الأَلفَاظِ.

فَلَمَّا صَعِدَ رَقَدَ فِي جَانِبِ السَّفِينَةِ ثُمَّ نَامَ، وَسَارَت بِهِمُ السَّفِينَةُ تَتَخَطَّى الأَموَاجَ حَتَّى فَاجَأَتهُم رِيحٌ كَادَت تُغرِقُ السَّفِينَةَ، فَاجتَمَعَ رُكَّابُهَا لِيَدعُوا اللهَ تَعَالَى عَلَّهُم يَنجُونَ، وَأَيقَظُوا نَبِيَّ اللهِ “يوُنُسَ” لِيَدعُوَ مَعَهُم، فَاستَيقَظَ وَدَعَا اللهَ عَزَ وَجَلَّ فَرَفَعَ اللهُ عَنهُم تِلكَ الرَّيحَ. ثُمَّ انطَلَقَ إِلَى مَكَانِهِ فَنَامَ، فَجَاءَت رِيحٌ كَادَت أَن تُقَطِّعَ السَّفِينَةَ، فَأَيقَظَ النَّاسُ “يُونُسَ” عَلَيهِ السَّلَامُ وَدَعَوُا اللهَ فَارتَفَعَتِ الرِّيحُ، وَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ ظَهَرَ لَهُم حُوتٌ عَظِيمٌ قَد أَطَلَّ بِرَأسِهِ إِلَيهِم أَرَادَ أَن يَبتَلِعَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ “يُونُسُ”: “يَا قَومُ، هَذَا مِن أَجلِي، فَلَو طَرَحتُمُونِي فِي البَحرِ لَسِرتُم وَلَذَهَبَتِ الرِّيحُ عَنكُم وَالخَوفُ”، وَلَم يَكُن مَقصُودُهُ أَن يَقتُلُوهُ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أنَّ اللهَ يُؤَيِّدُهُ بِالمُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ. قَالُوا: “لَا نَطرَحُكَ حَتَّى نَقُومَ بِالقُرعَةِ، فَمَن وَقَعَت عَلَيهِ رَمَينَاهُ فِي البَحرِ“، فَاقتَرَعُوا فَوَقَعَ عَلَى “يُونُسَ“، فَقَالَ لَهُم: “يَا قَومُ، اطرَحُونِي فَمِن أَجلِي أَتَتكُمُ الرِّيحُ”، فَقَالُوا: “لَا نَفعَلُ حَتَّى نَقتَرِعَ مَرَّةً أُخرَى”، فَفَعَلُوا فَوَقَعَ عَلَى “يُونُسَ” فَقَالَ لَهُم مَا قَالَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، حَتَّى انطَلَقُوا بِهِ إِلَى رَأسِ السَّفِينَةِ لِيُلقُوهُ فِي البَحرِ، فَإِذَا الحُوتُ فَاتِحٌ فَمَهُ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ، فَإِذَا بِالحُوتِ هُنَاكَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ، فَإِذَا بِالحُوتِ كَذَلِكَ هُنَاكَ فَاتِحٌ فَمَهَ.

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ “يُونُسُ” أَلقَى بِنَفسِهِ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّ اللهَ سَيُنَجِّيهِ وَأَنَّهُ لَن يَمُوتَ بِهَذِهِ الرَّميَةِ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، فَابتَلَعَهُ الحُوتُ الَّذِي كَانَ مَأمُورًا أَن لَا يَأكُلَ مِنهُ لَحمًا وَلَا يَكسِرَ لَهُ عَظمًا. ومَكَثَ “يونُسُ” فِي بَطنِ الحُوتِ أَيَّامًا، يَشُقُّ بِهِ الأَموَاجَ، وَيَهوِي إِلَى الأَعمَاقِ، فِي ظُلُمَاتٍ عِدَّةٍ: ظُلمَةِ بَطنِ الحُوتِ وَظُلمَةِ اللَّيلِ وَظُلمَةِ الأَعمَاقِ، وَكَشَفَ اللهُ عَن سَمعِ “يَونُسَ” فسَمِعَ أَصوَاتًا غَريبَةً تَأتِيهِ مِنَ الخَارِجِ، فأَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَنَّ هَذَا تَسبِيحُ أَسمَاكِ البَحرِ وَحِيتَانِهِ، فَالتَجَأَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مُغِيثِ المَلهُوفِينَ، ومُعِينِ المَكرُوبِينَ، وَاسِعِ الرَّحـَمَةِ، وَقَابِلِ التَّوبَةِ، فَاستَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، وأَمَرَ الحُوتَ أَن يُخرِجَ “يُونُسَ” إِلَى شَاطِئِ البَحرِ، فَأَلقَاهُ وَقَد سَقِمَ وَمَرِضَ لِطُولِ مُكثِهِ فِي بَطنِ الحُوتِ وَكَانَ ذَلِكَ يَومَ العَاشِرِ مِن مُحَرَّمٍ.

ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ قَذَفَ بِهِ عَلَى سَاحِلِ قَريَةٍ مِنَ “المَوصِلِ” بِالعَرَاءِ حَيثُ لَا شَجَرٌ وَلَا جَبَلٌ، وَكَانَ مَرِيضَا، فَرَحِمَهُ اللهُ وأَنبَتَ عَليهِ يَقطِينَةً أظلَّتهُ وكَانَ لَهَا فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ مِنهَا سُرعَةُ نَبَاتِهَا وتَظلِيلُ وَرَقِهَا لِكِبَرِهِ ونُعُومَتِهِ، وَلَا يَقتَرِبُ مِنهَا الذُبَابُ، وَثَمَرَتُهَا جَيِّدَةُ التَّغذِيَةِ وَتُؤكَلُ نِيئَةً وَمَطبُوخَةً بِلُبِّهَا وَقِشرِهَا. وَسَخَّرَ اللهُ لَهُ “أَروِيَّةً” وَهِيَ أُنثَى الوَعلِ الَّذِي هُوَ مِن فَصِيلَةِ الغِزلَانِ فَكَانَت تُفرِجُ لَهُ ما بَينَ رِجلَيهَا فَيَشرَبُ مِن لَبَنِهَا كُلَّ بُكرَةٍ وَعَشِيَّةٍ حَتَّى تَعَافَى بِإِذنِ اللهِ.

ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ أَن يَأتِيَ قَومَهُ وَيُخبِرَهُم أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد تَابَ عَلَيهِم، فَذَهَبَ إِلَيهِم وَفِي الطَّرِيقِ لَقِيَ رَاعِيًا فَسَأَلَهُ عَن قَومِ “يُونُسَ” وَعَن حَالِهِم، وَكَيفَ هُم؟ فَأَخبَرَهُ أَنَّهُم بِخَيرٍ، وَأَنَّهُم عَلَى رَجَاءِ أَن يَرجِعَ إِلَيهِم رَسُولُهُم، فَأَتَاهُم فَرَحَّبُوا بِهِ مُعتَذِرِينَ إِلَيهِ، فَكَبُرَ فَرَحُهُ لِتَركِهِم عِبَادَةَ الأَصنَامِ وَالأَوثَانِ، وَإِيمَانِهِم بِاللهِ.

وَهُوَ اليَومُ الَّذِي تِيبَ فِيهِ عَلَى قَومِ يُونُسَ.اهـ 


ما ورد في شأن سيدنا سليمان عليه السلام وبلقيس

  • تَزَوَّجَ سَيِّدُنَا سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن بَلقِيسَ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ.

بَعدَ أَن أَسلَمَت بَلقِيسُ وَدَخَلَت تَحتَ سُلطَانِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ يُقَالُ إِنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَرَّهَا عَلَى مَملَكَةِ اليَمَنِ وَرَدَّهَا إِلَى بَلَدِهَا وَكَانَ يَزُورُهَا فِي مَملَكَتِهَا فِي كُلِّ شَهرٍ مَرَّةٍ وَيُقِيمُ عِندَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَرَ الجِنَّ المُسَخَّرِينَ لَهُ أَن يَبنُوا لَهُ ثَلَاثَةَ قُصُورٍ هُنَاكَ. وَاللهُ أَعلَمُ.

قَالَ النُّوَيرِيُّ تَحتَ عُنوَانِ: ذِكرُ وَفَاةِ بَلقِيسَ ‌زَوجَةِ ‌سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ:

قَالَ الكِسَائِيُّ: أَقَامَت بَلقِيسُ عِندَ سُلَيمَانَ سَبعَ سِنِينَ وَسَبعَةَ أَشهُرٍ ثُمَّ تُوُفِّيَت، فَدَفَنَهَا بِمَدِينَةِ تَدمُرٍ مِن أَرضِ الشَّامِ تَحتَ حَائِطٍ، وَلَم يَعلَم أَحَدٌ بِمَوضِعِ قَبرِهَا إِلَى أَيَّامِ الوَلِيدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ قَالَ.

مُوسَى بنُ نُصَيرٍ: بُعِثتُ فِي أَيَّامِ الوَلِيدِ إِلَى مَدِينَةِ تَدمُرٍ وَمَعِيَ العَبَّاسُ بنُ الوَلِيدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ، فَجَاءَ مَطَرٌ عَظِيمٌ فَانهَارَ بَعضُ حَائِطِ المَدِينَةِ، فَانكَشَفَت عَن تَابُوتٍ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرضُهُ أَربَعُونَ ذِرَاعًا مُتَّخَذٍ مِن حَجَرٍ كاَلزَّعفَرَانِ مَكتُوبٍ عَلَيهِ: «هَذَا تَابُوتُ بَلقِيسَ الصَّالِحَةِ أَسلَمَت لِثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةٍ خَلَت مِن مُلكِ سُلَيمَانَ، وَتَزَوَّجَ بِهَا يَومَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ أَربَعَ عَشرَةَ خَلَت مِن مُلكِهِ، وَتُوُفِّيَت يَومَ الِاثنَينِ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحدَى وَعِشرِينَ مَضَت مِن مُلكِهِ، وَقَد دُفِنَت لَيلًا فِي حَائِطِ مَدِينَةِ تَدمُرٍ، وَلَم يَطَّلِع عَلَى دَفنِهَا إِنسٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا شَيطَانٌ».

وَهَذَا الأَمرُ لَم يَثبُت فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ مَرفُوعٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا هُوَ مِن كَلَامِ بَعضِ المُؤَرِّخِينَ.

قَالَ: فَرَفَعنَا غِطَاءَ التَّابُوتِ وَإِذَا هِيَ غَضَّةٌ كَأَنَّهَا دُفِنَت لَيلَتَهَا. فَكَتَبنَا بِذَلِكَ إِلَى الوَلِيدِ فَأَمَرَ بِتَركِهِ فِي مَكَانِهِ، وَأَن يُبنَى عَلَيهِ بِالصَّخرِ وَالمَرمَرِ، فَفَعَلنَا ذَلِكَ.اهـ 


إعطاء الله تعالى الملك لسيدنا سليمان عليه السلام

  • فِي هَذَا اليَومِ أَعطَى اللهُ المُلكَ لِسُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ

بَعَثَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالإِسلَامِ كَسَائِرِ الأَنبِيَاءِ وَرَزَقَهُ النُّبُوَّةَ وَالمُلكَ فَكَانَ مُلكُهُ وَاسِعًا وَسُلطَانُهُ عَظِيمًا.

فَقَد أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ كَرِيمَةٍ، مِنهَا تَسخِيرُ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ بِحَيثُ يُطِيعُونَهُ وَيُنَفِّذُونَ أَوَامِرَهُ، وَمِنهَا إِسَالَةُ النُّحَاسِ المُذَابِ لَهُ، وَفَهمُهُ مَنطِقَ الطَّيرِ، وَجَعلُ الرِّيحِ تَأخُذُهُ إِلَى حَيثُ شَاءَ بِإِذنِ اللهِ عَلَى بِسَاطٍ عَجِيبٍ.

وَلَم يَكُن نَبِيُّ اللهِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ مُتَعَلِّقَ القَلبِ بِالرَّفَاهِيَةِ وَالتَّنَعُّمِ، بَل كَانَ زَاهِدًا فِي الدُّنيَا يَأكُلُ خُبزَ الشَّعِيرِ عَلَى الرَّغمِ مِن سَعَةِ مُلكِهِ وَعِظَمِ مَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الأَموَالِ. وَكَانَ كُلَّ يَومٍ يَذبَحُ مِائَةَ أَلفِ رَأسِ غَنَمٍ وَثَلَاثِينَ أَلفَ رَأسِ بَقَرٍ وَيُطعِمُهَا لِلنَّاسِ وَهُوَ يَأكُلُ خُبزَ الشَّعِيرِ وَيَأتَدِمُ بِاللَّبَنِ الحَامِضِ وَيُطعِمُ النَّاسَ نَقِيَّ القَمحِ. وَإِنَّمَا كَانَ يَستَغِلُّ مَا أَكرَمَهُ اللهُ بِهِ لِنَشرِ الإِسلَامِ وَإِظهَارِ هَيبَةِ هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ.اهـ 


استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه في يوم عاشوراء

  • وَفِيهِ استُشهِدَ الإمَامُ الحُسَينُ فَكَانَ ذَلِكَ فَاجِعَةً أَلَمَّت بِالمُسلِمِينَ وَذَلِكَ فِي كَربَلَاءَ يَومَ الجُمُعَةِ فِي العَاشِرِ مِنَ المُحَرَّمِ لِسَنَةِ إِحدَى وَسِتِّينَ لِلهِجرَةِ.

وَإِنَّ مِمَّا يُحزِنُ الفُؤَادَ مَا حَصَلَ فِي هَذَا اليَومِ المُبَارَكِ لِسِبطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَيحَانَتِهِ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا يَروِيهِ الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ:

«حُسَينٌ مِنِّي وَأَنَا مِن حُسَينٍ، أَحَبَّ اللهُ مَن أَحَبَّ حُسَينًا».

إِذ هُوَ سَلِيلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَحَامِلُ مَوَارِيثِهِم فِي العِلمِ وَالدَّعوَةِ وَالتَّربِيَةِ وَحَفِيدُ النَّبِيِّ ﷺ، وَابنُ بِنتِهِ الزَّهرَاءِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، مَاتَ الحُسَينُ شَهِيدًا، وَهُوَ ابنُ سِتٍّ وَخَمسِينَ سَنَةً رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي يَومِ عَاشُورَاءَ فِي يَومِ الجُمُعَةِ فِي سَنَةِ إِحدَى وَسِتِّينَ مِنَ الهِجرَةِ، وَلَكِن مَا سَمِعنَا أَنَّ ابنَهُ أَو أَحَدًا مِن عائلَتِهِ كانَ مُظهِرًا تَفجِيرًا أَو تَكفِيرًا، بَل كَانُوا رَحمَةً لِلأُمَّةِ كُلِّهَا، سَائِرِينَ عَلَى مِنهَاجِ جَدِّهُمُ المُصطَفَى ﷺ، بَل مَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَالآلُ إِلَّا يَدًا وَاحِدَةً، يُحِبُّونَ آلَ البَيتِ وَيُحِبُّونَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّ اللهَ أَحَبَّهُم وأمَرَنَا بِحُبِّهِم، وَيُحِبُّونَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُلُّهُنَّ وَلِيَّاتٌ صَالِحَاتٌ أُمَّهَاتٌ لِلمُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ أَجمَعِينَ.

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: وَاعلَم أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اختَارَ هَذَا اليَومَ لِاستِشهَادِ الحُسَينِ. وَمِن فَضَائِلِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ كَانَ يَأخُذُهُ وَالحَسَنَ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا».

وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، أُتِيَ عُبَيدُ اللَّهِ بنُ زِيَادٍ بِرَأسِ الحُسَينِ عَلَيهِ السَّلاَمُ، فَجُعِلَ فِي طَستٍ، فَجَعَلَ يَنكُتُ، وَقَالَ فِي حُسنِهِ شَيئًا، فَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ أَشبَهَهُم بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مَخضُوبًا بِالوَسمَةِ» (قَالَ الفَيُّومِيُّ: نَبتٌ يُختَضَبُ بِوَرَقِهِ.اهـ).

وَفِي البُخَارِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُحرِمِ يَقتُلُ الذُّبَابَ، فَقَالَ: أَهلُ العِرَاقِ يَسأَلُونَ عَنِ الذُّبَابِ، وَقَد قَتَلُوا ابنَ ابنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُمَا رَيحَانَتَايَ مِنَ الدُّنيَا».اهـ وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الحَسَنُ وَالحُسَينُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهلِ الجَنَّةِ».

وَقَالَ ابنُ الجَوزِيِّ وَهُوَ مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: إِنَّمَا رَحَلَ الحُسَينُ إِلَى القَومِ لأَنَّهُ رَأَى الشَّرِيعَةَ قَد رُفِضَت، فَجَدَّ فِي رَفعِ قَوَاعِدِ أَصلِهَا، فَلَمَّا حَضَرُوهُ حَصَرُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي أَرجِعُ. فَقَالُوا: لَا، انزِل عَلَى حُكمِ ابنِ زِيَادٍ. فَاختَارَ القَتلَ عَلَى الذُّلِّ، وَهَكَذَا النُّفُوسُ الأَبِيَّةُ. 

للهِ دَرُّ هَذِهِ الأَنفُسِ فَمَا أَعَزَّهَا وَهَذِهِ الهِمَمِ فَمَا أَرفَعَهَا!

وَلَمَّا رَأَوا بَعضَ الحَيَاةِ مَذَلَّةً … عَلَيهِمُ وَعِزَّ المَوتِ غَيرَ مُحَرَّمِ

أَبَوا أَن يَذُوقُوا العَيشَ وَالذَّمُّ وَاقِعٌ … عَلَيهِ وَمَاتُوا مِيتَةً لَم تُذَمَّمِ

وَلَا عَجَبٌ لِلأُسدِ إِن ظَفِرَت بِهَا … كِلابُ الأَعَادِي مِن فَصِيحٍ وَأَعجَمِ

فَحَربَةُ وَحشِيٍّ سَقَت حَمزَةَ الرَّدَى … وَحَتفُ عَلِيٍّ فِي حُسَامِ ابنِ مُلجَمِ

وَيحَ قَاتِلِ الحُسَينِ! كَيفَ حَالُهُ مَعَ أَبَوَيهِ وَجَدِّهِ! 

لَقَد جَمَعُوا فِي ظُلمِ الحُسَينِ مَا لَم يَجمَعهُ أَحَدٌ، وَمَنَعُوهُ أَن يَرِدَ المَاءَ فِيمَن وَرَدَ، وَأَن يَرحَلَ عَنهُم إِلَى بَلَدٍ، وَسَبُّوا أَهلَهُ وَقَتَلُوا الوَلَدَ، وَمَا هَذَا حَدُّ دَفعٍ عَنِ الوِلايَةِ، هَذَا سُوءُ مُعتَقَدٍ. نَبَعَ المَاءُ مِن بَينِ أَصَابِعِ جَدِّهِ فَمَا سَقَوهُ مِنهُ قَطرَةً! كَانَ الرَّسُولُ ﷺ من حُبِّ الحُسَينِ يُقَبِّلُ شَفَتَيهِ، وَيَحمِلُهُ كَثِيرًا عَلَى عَاتِقَيهِ، وَلَمَّا مَشَى طِفلا بَينَ يَدَيِ المِنبَرِ نَزَلَ إِلَيهِ، فَلَو رَآهُ مُلقَى عَلَى أَحَدِ جَانِبَيهِ، وَالسُّيُوفُ تَأخُذُهُ وَالأَعدَاءُ حَوَالَيهِ، وَالخَيلُ قَد وَطِئَت صَدرُهُ وَمَشَت عَلَى يَدَيهِ، وَدِمَاؤُهُ تَجرِي بَعدَ دُمُوعِ عَينَيهِ، لَضَجَّ الرَّسُولُ ﷺ مُستَغِيثًا مِن ذَلِكَ وَلَعَزَّ عَلَيهِ.

سُبحَانَ مَن رَفَعَ لِلحُسَينِ بِقَتلِهِ مَكَانًا، وَدَمَغَ مَن عَادَاهُ فَعَادَ بَعدَ العِزِّ مُهَانًا، مَا ضَرَّهُ حِينَ الشَّهَادَةِ مَن أَوسَعَهُ خِذلَانًا ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُومًا فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا﴾.

هَلَكَ أَهلُ الزَّيغِ وَالعِنَادِ، وَكَأَنَّهُم مَا مَلَكُوا البِلادَ، وَعَادَ عَلَيهِمُ اللَّعنُ كَمَا عَادَ عَلَى عَادٍ، أَينَ يَزِيدُ؟ أَينَ زِيَادٌ؟ كَأَنَّهُمَا مَا كَانَا، لا كَانَا ﴿فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا﴾.

تَمَتَّعُوا أَيَّامًا يَسِيرَةً، ثُمَّ عَادَت أَجنِحَةُ المُلكِ كَسِيرَةً، وَبَقِيَت سِيرَةُ الحُسَينِ أَحسَنَ سِيرَةٍ، وَمَن عَزَّت عَاقِبَتُهُ وَالسِّيرَةُ، فَكَأَن لَم يَلقَ هَوَانًا ﴿فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا﴾.

مُزِّقُوا وَاللَّهِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَتَفَرَّقُوا بِالشَّتَاتِ أَيَّ مُتَفَرَّقٍ، إِنَّ نَاصِرَ المَظلُومِ لا يَتَوَانَى ﴿ فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا﴾.

تَعَزَّزُوا عَلَى مِثلِ الحُسَينِ وَطَالُوا، وَظَنُّوا بَقَاءَ المُلكِ لَهُم بِمَا احتَالُوا، وَكِيلَ لَهُم مِنَ الذَّمِّ أَضعَافُ مَا كَالُوا، وَعُجِّلَ قَلعُهُم مِنَ السُّلطَةِ فَزَالُوا سُلطَانًا سُلطَانًا ﴿فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا﴾.

وَيلَهُم لَو دَبَّرُوا أَمرَهُم، لَرَفَعُوا بِطَاعَةِ الحُسَينِ قَدرَهُم، مَلَكُوا أَيَّامًا ثُمَّ بَقِيَ الخِزيُ دَهرَهُم، اشتَغِلُوا اليَومَ بِتَسبِيحِكُم وَدَعُوا ذِكرَهُم أَهوَانًا ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظلُومًا فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا﴾.

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ. انتَهَى كَلَامُ ابنِ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

فَضلُ صِيَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ:

أَخرَجَ مُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفضَلُ الصَّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفضَلُ الصَّلَاةِ، بَعدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيلِ»، فَهَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَفضَلَ مَا تُطُوِّعَ بِهِ مِنَ الصِّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ صَومُ شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ.

وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا قَالَ: مَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَومٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيرِهِ إِلَّا هَذَا اليَومَ يَومَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهرَ يَعنِي شَهرَ رَمَضَان.اهـ

فَيَومُ عَاشُورَاءَ لَهُ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ وَحُرمَةٌ قَدِيمَةٌ وَصَومُهُ لِفَضلِهِ كَانَ مَعرُوفًا بَينَ الأَنبِيَاءِ وَقَد صَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ.

فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَوَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَا هَذَا اليَومُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟” فَقَالُوا: هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ، أَنجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَومَهُ، وَغَرَّقَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكرًا، فَنَحنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “فَنَحنُ أَحَقُّ وَأَولَى بِمُوسَى مِنكُم“. فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.اهـ

وَلَفظُ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَومٌ صَالِحٌ، هَذَا يَومٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسرَائِيلَ مِن عَدُوِّهِم فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنكُم، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.اهـ

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «هَذَا يَومُ عَاشُورَاءَ، وَلَم يَكتُبِ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَصُومَ فَليَصُم، وَمَن أَحَبَّ أَن يُفطِرَ فَليُفطِر».

وَلَفظُ البُخَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ:

«هَذَا يَومُ عَاشُورَاءَ وَلَم يَكتُب اللَّهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَن شَاءَ فَليَصُم وَمَن شَاءَ فَليُفطِر».اهـ

وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأُنَاسٍ مِنَ اليَهُودِ قَد صَامُوا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا مِنَ الصَّومِ؟ قَالُوا: هَذَا اليَومُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الغَرَقِ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرعَونُ، وَهَذَا يَومٌ استَوَت فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الجُودِيِّ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكرًا للهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وَأَحَقُّ بِصَومِ هَذَا اليَومِ» فَأَمَرَ أَصحَابَهُ بِالصَّومِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وَسُئِلَ – أَي رَسُولُ اللهِ ﷺ – عَن صَومِ يَومِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيةَ». وَفِي لَفظٍ: «وَصِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ أَحتَسِبُ عَلَى اللهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ».اهـ


استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء

وَيُسَنُّ أَيضًا صِيَامُ تَاسُوعَاءَ، وَهُوَ تَاسِعُ المُحَرَّمِ لِقَولِهِ ﷺ: «لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَلَكِن مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبلَهُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصحَابُهُ، وَأَحمَدُ، وَإِسحَاقُ، وَآخَرُونَ: يُستَحَبُّ صَومُ التَّاسِعِ وَالعَاشِرِ جَمِيعًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَامَ العَاشِرَ وَنَوَى صِيَامَ التَّاسِعِ. وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي صَومِ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ أَن لَا يَتَشَبَّهَ بِاليَهُودِ فِي إِفرَادِ العَاشِرِ. وَقَالَ بَعضُهُم: وَحِكمَةُ صَومِ يَومِ تَاسُوعَاءَ مَعَ عَاشُورَاءَ الِاحتِيَاطُ لَهُ لِاحتِمَالِ الغَلَطِ فِي أَوَّلِ الشَّهرِ وَمُخَالَفَةُ اليَهُودِ فَإِنَّهُم يَصُومُونَ العَاشِرَ، وَالِاحتِرَازُ مِن إِفرَادِهِ بِالصَّومِ كَمَا فِي يَومِ الجُمُعَةِ، فَإِن لمَ يَصُم مَعَهُ تَاسُوعَاءَ سُنَّ أَن يَصُومَ مَعَهُ الحَادِيَ عَشَرَ بَل نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَالإِملَاءِ عَلَى صَومِ الثَّلَاثَةِ.اهـ

وَيُستَفَادُ مِن صَومِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَومِ عَاشُورَاءَ جَوَازُ فِعلِ الشُّكرِ للهِ علَى مَا مَنَّ بِهِ فِي يَومٍ مُعيَّنٍ مِن إِسدَاءِ نِعمَةٍ أَو دَفعِ نِقمَةٍ، وَيُعَادُ ذَلِكَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ اليَومِ مِن كُلِّ سَنَةٍ وَمِن هَذَا استَدَلَّ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ وَغَيرُهُ عَلَى جَوَازِ عَمَلِ المَولِدِ فَهُوَ شُكرٌ للهِ عَلَى بُرُوزِ النَّبِيِّ ﷺ لِلدُّنيَا، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد صَامَ شُكرًا للهِ عَلَى نِعمَةِ نَجَاةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَكَيفَ بِنِعمَةِ ظُهُورِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَيُستَفَادُ مِنهُ أَيضًا ضَرُورَةُ مُخَالَفَةِ اليَهُودِ وَعَدَمِ التَّشَبُّهِ بِهِم وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». فَالرَّسُولُ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَن نُخَالِفَ الكُفَّارَ وَأَن لَا نَتَشَبَّهَ بِهِم.اهـ

وَأَمَّا صِيَامُ الرَّسُولِ ﷺ لِهَذَا اليَومِ مَعَ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَصُومُونَهُ فَقَد فَسَّرَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِقَولِهِ: «نَحنُ أَولَى بِمُوسَى مِنكُم» فَصَامَهُ شُكرًا للهِ عَلَى نِعمَةِ نَجَاةِ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ. وَرَوَى البَيهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَومَ السَّبتِ وَيَومَ الأَحَدِ أَكثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَومَا عِيدٍ لِلمُشرِكِينَ فَأَنَا أُحِبُّ أَن أُخَالِفَهُم.

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَومَ عَاشُورَاءَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو مُوسَى الأَشعَرِيُّ وَعَلِيُّ بنُ الحُصَينِ وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ وَطَاوُسٌ. وَفِي الجُملَةِ هُوَ يَومٌ عَظِيمٌ فَيَنبَغِي أَن يَفعَلَ فِيهِ مَا يُمكِنُ مِنَ الخَيرِ. فَهُوَ وَأَمثَالُهُ مَوَاسِمُ الخَيرَاتِ فَاغتَنَمُوهَا وَاحذَرُوا الغَفَلَاتِ.اهـ

فَائِدَةٌ فِي التَّوسِعَةِ عَلَى الأَهلِ فِي عَاشُورَاءَ:

وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ التَّوْسِعَةَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَلَى الْعِيَالِ وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ مَنْ تَعُولُهُمْ أَخْذًا بِحَدِيثِ الْمُصْطَفَى ﷺ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ سَائِرَ سَنَتِهِ»،

فَالرَّسُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «مَن وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَى أَهلِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ»، يَعنِي السَّنَةَ كُلَّهَا، وَهَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ ابنُ أَبِي الدُّنيَا فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ، وَرَوَاهُ البَيهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ.

أَصلُ هَذَا الحَدِيثِ ضَعِيفٌ، لَكِنِ اعتَضَدَ وَتَقَوَّى بِالرِّوَايَاتِ المُتَعَدِّدَةِ، يَعنِي لَهُ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ حِينَ اجتَمَعَت هَذِهِ الرِّوَايَاتُ المُتَعَدِّدَةُ أَكسَبَتِ الحَدِيثَ قُوَّةً، وَلِذَلِكَ تَجِدُونَ أَنَّ بَعضَ الحُفَّاظِ حَكَمَ عَلَيهِ بِمَجمُوعِ رِوَايَاتِهِ بِالصِّحَّةِ، كَالحَافِظِ زَينِ الدِّينِ العِرَاقِيِّ، وَالحَافِظِ ابنِ نَاصِرٍ الدِّمَشقِيِّ، وَغَيرِهِمَا.

فَيُستَحَبُّ العَمَلُ بِهَذَا الحَدِيثِ وَهُوَ التَّوسِعَةُ عَلَى الأَهلِ، الأَهلُ يَعنِي الزَّوجَةَ وَالأَولَادَ وَمَن هُم تَحتَ نَفَقَتِكَ، كَالآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ الفُقَرَاءِ مَثَلًا، وَالأَقَارِبِ عُمُومًا، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَدخُلُونَ، وَيُستَحَبُّ التَّوسِعَةُ أَيضًا عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَلَو لَم يَكُونُوا أَقَارِبَهُ، إِذَا كَانَ الإِنسَانُ عِندَهُ سَعَةٌ مِنَ المَالِ، يَعنِي أَشيَاءَ زَائِدَةً عَن حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ.

فَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ، إِمَّا فِي النَّهَارِ وَإِمَّا فِي اللَّيلَةِ الَّتِي قَبلَ هَذَا النَّهَارِ، يُستَحَبُّ أَن يُوَسِّعَ، كَمَا نَصَّ عَلَى هَذَا الحَطَّابُ المَالِكِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُختَصَرِ خَلِيلٍ، وَهُوَ مِن أَشهَرِ المُختَصَرَاتِ فِي مَذهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ، يَقُولُ: يُستَحَبُّ التَّوسِعَةُ فِيهِمَا، قَولُهُ: فِيهِمَا، أَي فِي لَيلَةِ عَاشُورَاءَ وَفِي يَومِهِ.

وَمَعنَى التَّوسِعَةِ يَعنِي أَن يَشتَرِيَ لِأَهلِهِ وَلِعِيَالِهِ أَشيَاءَ يُدخِلُ السُّرُورَ فِيهَا عَلَى قُلُوبِهِم مِن طَعَامٍ أَو كِسوَةٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ، يَعنِي يَفرَحُونَ إِذَا جَلَبتَ مِثلَ هَذِهِ الأَشيَاءِ لَهُم فِي ذَلِكَ اليَومِ.

بَعضُ العُلَمَاءِ يَقُولُ: جَرَّبتُ هَذَا أَربَعِينَ سَنَةً لَم يَتَخَلَّف، مَا مَعنَى: لَم يَتَخَلَّف؟ يَعنِي فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ يُوَسِّعُ عَلَى أَهلِهِ فَيُوَسِّعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيهِ فِي الرِّزقِ السَّنَةَ كُلَّهَا، قَالَ بَعضُهُم: جَرَّبتُ هَذَا أَربَعِينَ سَنَةً فَمَا تَخَلَّفَ.

وَيُروَى عَن سُفيَانَ ابنِ عُيَينَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ -وَهُوَ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، إِمَامٌ مُجتَهِدٌ كَبِيرٌ فِي قَدرِهِ وَفِي تَقوَاهُ وَفِي صَلَاحِهِ- قَالَ: جَرَّبتُ هَذَا سِتِّينَ سَنَةً لَم أَرَهُ يَتَخَلَّفُ، يَعنِي هُوَ بِنَفسِهِ كَانَ يَعمِدُ إِلَى التَّوسِعَةِ عَلَى أَهلِهِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ فَكَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُوَسِّعُ عَلَيهِ فِي الرِّزقِ.

حقوق الزوجة

حقوق الزوجة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
1
Share