بسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾
سورة البقرة:183
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
مَن صَامَ يَومًا فِي سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا
رَوَاهُ البُخَارِيُّ
وَيُروَى عَن كَعبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وُضِعَ العَبدُ الصَّالِحُ فِي قَبرِهِ احتَوَشَتهُ أَعمَالُهُ الصَّالِحَةُ، تَجِيءُ مَلائِكَةُ العَذَابِ مِن قِبَلِ رَأسِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: لا سَبِيلَ لَكُم عَلَيهِ فَقَد أَطَالَ ظَمَأَهُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَارِ الدُّنيَا.
وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ“، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِعَظِيمِ فَضلِ الصِّيَامِ، يَدَعُ الصَّائِمُ شَهوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ابتِغَاءَ رِضَا اللهِ، وَالحَسَنَةُ فِي سَائِرِ الأَعمَالِ بَعَشَرَةِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ إِلَى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ، إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ للهِ وَهُوَ يَجزِي بِهِ، فَالمُضَاعَفَةُ فِيهِ أَكثَرُ مِن هَذَا بِكَثِيرٍ، فَالصِّيَامُ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ قَد افتَرَضَهَا الله تَعَالَى عَلَى المُسلِمِينَ، فَمَا مَعنَى الصِّيامُ وَكَيفَ شُرِعَ وَمَا هِيَ فَضَائِلُهُ؟
معنى الصيام لغة وشرعا
- الصِّيَامُ لُغَةً الإِمسَاكُ، وَمِنهُ قَوله تَعَالَى حِكَايَةً عَن السَّيِّدَةِ مَريَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَومًا﴾، [مريم: 26]. أَي إمسَاكًا وَسُكُوتًا عَن الكَلَامِ.
- وَهُوَ شَرعًا: إمسَاكٌ عَنِ المُفطِّرَاتِ عَلَى وَجهٍ مَخصُوصٍ.
فرض الصيام على أمة محمد
كَانَت قُرَيشٌ تَصُومُ يَومَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِيْ مَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَصُومُهُ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، حَتَّى فُرِضَ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ للهجرَةِ فِي شَعبَانَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَمرَ النَّبِيِّ ﷺ النَّاسَ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ قَبلَ فَرضِ رَمضَانَ إِنَّمَا كَانَ استِحبَابًا، وَأَنَّهُ لَم يَجِب قَطُّ صَومٌ قَبلَ صَومِ رَمَضَانَ، وَخَالَفَهُمُ الحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: أَوَّلُ مَا فُرِضَ صِيَامُ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا نَزَلَ فَرضُ رَمَضَانَ نُسِخَ.
وَلَمَا نَزَلَ صِيَامُ رَمَضَانَ كَانَ الصَّحَابَةُ حَدِيثِي عَهدٍ بِصِيَامِ شَهرٍ كَامِلٍ مُتَتَابِعٍ، فَاستَكثَرُوا ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيهِم، فَأَجَازَ اللهُ تَعَالَى لِمَن أَطعَمَ مِسكِينًا كُلَّ يَومٍ قَدرًا مُعَيَّنًا مِنَ الطَّعَامِ أَن يُفطِرَ، وَهَذَا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾، [البقرة: 184]، أَي وَعَلَى المُطِيقِينَ لِلصِّيَامِ الَّذِينَ لَا عُذرَ لَهُم إِن أَفطَرُوا، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الحُكمُ بِالآيَةِ الَّتِي بَعدَهَا ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾، [البقرة: 185].
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاودَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَانَ النَّاسُ أَوَّلَ مَا فُرِضَ عَلَيهِمُ الصِّيَامُ إِذَا أَمسَوا حَلَّ لَهُمُ الأَكلُ وَالشُّربُ وَالجِمَاعُ إِلَى أَن يُصَلُّوا العِشَاءَ الآخِرَةَ أَو يَنَامُوا، فإِذَا صَلَّوا العِشَاءَ أَو نَامَ أَحَدُهُم حَرُمَ عَلَيهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَمُجَامَعَةُ النِّسَاءِ إِلَى لَيلَةِ اليَومِ الذِي بَعدَهُ، ثُمَّ إِنَّ قَيسَ بنَ صِرمَةَ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفطَارُ أَتَى امرَأَتَهُ قَالَ: هَل عِندَكِ طَعَامٌ؟ قَالَت: لَا وَلَكِنِ أَنطَلِقُ فَأَطلُبُ، وَكَانَ يَومَهُ يَعمَلُ فِيهِ بِأَرضِهِ فَغَلَبَتهُ عَينَاهُ، فَجَاءَتِ امرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتهُ قَالَت: خَيبَةٌ لَكَ، فَأَصبَحَ فَلَم يَنتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيهِ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ بَعضُ الصَّحَابَةِ قَد اختَانَ نَفسَهُ فَجَامَعَ زَوجَتَهُ بَعدَ أَن صَلَّى العِشَاءَ، فَنَزَلَ الوَحيُ إِلَى رَسُولِ الله: ﴿أُحِلَّ لَكُم لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُم هُنَّ لِبَاسٌ لَكُم وَأَنتُم لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُم كُنتُم تَختَانُونَ أَنفُسَكُم فَتَابَ عَلَيكُم وَعَفَا عَنكُم فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُم وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، [سورة البقرة:187]، وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَفَعَ اللهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لَهُم وَيَسَّرَ.
فضائل الصيام
الصِّيَامُ فَرضٌ جَلِيلٌ فِيهِ مَنَافِعُ عَظِيمَةٌ حِسِّيَةٌ وَمَعنَوِيَّةٌ، وَقَد رَغَّبَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِ تَرغِيبًا عَظِيمًا، فَمِمَّا جَاءَ فِي فَضلِهِ قوله ﷺ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ: “كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَومُ صَومِ أَحَدِكُم فَلَا يَرفُث يَومَئِذٍ وَلَا يَسخَب، فَإِن سَابَّهُ أَحَدٌ أَو قَاتَلَهُ فَليَقُل: إِنِّي امرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن رِيحِ المِسكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ يَفرَحُهُمَا، إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ بِفِطرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ“، رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ، فَيَقُومُونَ لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، فَإِذَا دَخَلُوا أُغلِقَ فَلَم يَدخُل مِنهُ أَحَدٌ“.
وعَن أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلتُ: مُرنِي بِأَمرٍ آخُذُهُ عَنكَ، قَالَ: “عَلَيكَ بِالصَّومِ فَإِنَّهُ لَا مِثلَ لَهُ“،رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَفِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعوَةُ المَظلُومِ“، وَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “لِكُلِّ شَيءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الجَسَدِ الصَّومُ”.
حرص الصالحين على الصيام واجتهادهم فيه
عَرَفَ الصَّالِحُونَ قَدرَ الدُّنيَا فَزَهِدُوا فِيهَا، وَعَرَفُوا قَدرَ الآخِرَةِ فَجَدُّوا بِالعَمَلِ إِلَيهَا، فَهَذَا إِمَامُ الصَّالِحِينَ وَسَيِّدُ المُتَّقِينَ ﷺ فِيْ بَعْضِ الشُّهُوْرِ كَانَ يَصُومُ حَتَّى يقُولَ الصَّحَابَةُ لَا يُفطِرُ، وَيُفطِرُ حَتَّى يقُولُوا لَا يَصُومُ، وَهَذَا أَبُو مُسلِمٍ الخَولَانِيُّ أَتَاهُ أُنَاسٌ فِي مَنزِلِهِ -وَكَانَ غَازِيًا بِأَرضِ الرُّومِ-، فَوَجَدُوهُ قَدِ احتَفَرَ فِي بَيتِهِ حُفرَةً، فَهُوَ يَظَلُّ فِيهِا وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ النَّفَرُ: مَا يَحمِلُكَ عَلَى الصِّيَامِ وَأَنتَ مُسَافِرٌ وَقَد رَخَّصَ الله تَعَالَى لَكَ فِي الفِطرِ فِي السَّفَرِ وَالغَزوِ؟، فَقَالَ: لَو حَضَرَ قِتَالٌ لأَفطَرتُ وَتَقَوَّيتُ لِلقِتَالِ؛ إِنَّ بَينَ أَيدِينَا أَيَّامًا لَهَا نَعمَلُ، أَي أَنَّهُ كَانَ يَستَعِدُّ وَهُوَ فِي الغَزوِ لِلآخِرَةِ، مَا كَانَ يَقُولُ: أَنَا أَغزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، يَكفِينِي، أُرِيدُ أَن أَرتَاحَ.
وَكَانَ بَعضُ التَّابِعِينَ يُجهِدُ نَفسَهُ فِي الصَّومِ وَالعِبَادَةِ حَتَّى يَخضَرَّ جَسَدُهُ وَيَصفَرُّ (مِن غَيرِ أَن يَعتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ)، وَكَانَ عَلقَمَةُ يَقُولُ لَهُ: لِمَ تُعَذِّبُ هَذَا الجَسَدَ؟! (وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى حَدِّ الإِضْرَارِ بِالنَّفْسِ) فَيَقُولُ: إِنَّ الأَمرَ جِدٌّ، إِنَّ الأَمرَ جِدٌّ، أَي أَمرُ الآخِرَةِ لَيسَ هَزلًا وَمُزَاحًا، بَلِ المَصِيرُ إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى نَارٍ.
الخاتمة
يَقُولُ أَهلُ الصَّلَاحِ: العُمُرُ قَصِيرٌ لَا يَحتَمِلُ التَّقصِيرَ، وَقَالُوا: سِيرُوا إِلَى الله عُرَّجًا وَمَكَاسِيرَ، فَعَلَى طَالِبِ الآخِرَةِ وَرِضَا الله عَزَّ وَجَلَّ أَن يُسَارِعَ إِلَى أَعمَالِ البِرِّ قَبلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَإِنَّ مِن خَيرِ الطُّرُقِ لِلسَّالِكِينَ وَالقَاصِدِينَ إِلَى النَّجَاةِ بَابُ الصِّيَامِ، وَهُوَ وِقَايَةٌ مِنَ الآثَامِ، فَالبَدَارَ البَدَارَ إِلَى جَنَّةِ فِيهَا بَابٌ اسمُهُ الرَّيَانُ، لَا يَدخُلُ مِنهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ.
وَالله تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ الفَوَائِدُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
- سُنَنِ أَبِيْ دَاودَ لِأَبِي دَاودَ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- المُحَرَّرِ الوَجِيزِ لِابنِ عَطِيَّةَ.
- التَّبصِرَةِ لِابنِ الجَوزِيِّ.