الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه

أنس بن مالك - خادم رسول الله ﷺ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ

سورة المجادلة (11)

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

إِنَّ ‌اللَّهَ ‌وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

هُوَ رَاوِيَةُ الإِسْلَامِ، السَّيْدُ الحُجَةُ الإِمَامُ، المُقْرِئُ للقُرْآنِ، مَنْ شَهِدَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، خَادِمِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنَامِ، الذِيْ نَالَ الْعِزَّ وَالشَّرَفَ وَالْإِلْمَامَ، فَقَهَرَ بِعِلْمِهِ الْمُبْتَدِعَ الْهَالِكَ، وَنَشَرَ الْعِلْمَ بِرِوَايَتِهِ حَدِيْثَ خَيْرِ الْخَلَائِقِ، إِنَّهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. 

نسبه رضي الله عنه

هُوَ أَبُو حَمْزَةَ أَنَسُ بنُ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ ضَمْضَمٍ بْنِ زَيْدِ بنِ حَرَامِ بنِ جُنْدُبِ بنِ عَامِرِ بنِ غَنْمِ بنِ عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ الأَنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ النَّجَّارِيُّ المَدَنِيُّ.

وَأُمُّه أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، وأخوه البَراءُ بْنُ مَالِكٍ، وَخَالَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ، وَزَوْجُهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ رضي الله عنهم.

تكنيته رضي الله عنه وسببها

رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا، أَيْ كَنَّاهُ ‌أَبَا ‌حَمْزَةَ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: البَقْلَةُ الَّتِي جَنَاهَا أَنَسٌ كَانَ فِي طعْمِهَا لَذْعٌ فَسُمِّيَت حَمْزَة، ويُقَالُ رُمَّانَةٌ حَامِزَةٌ: أَيْ فِيهَا حُمُوضَةٌ.

خدمته رضي الله عنه رسول الله ﷺ

حَازَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَرَفَ خِدْمَةِ رَسُوْلِ اللهِ صَغِيْرًا، فَتَرَبَّى فِيْ كَنَفِهِ ﷺ تَحْتَ الأَنْظَارِ المُحَمَدِيَّةِ، فَصَحِبَهُ رَِيَ اللهُ عَنْهُ أَتَمَّ الصُّحْبَةِ، وَلاَزَمَهُ أَكْمَلَ المُلاَزَمَةِ مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ‌خَدَمْتُ ‌رَسُولَ ‌اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَلَا مَسَسْتُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَفِيْ رِوَايَةٍ لَأَبِي يَعْلَى فِيْ مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، فَأَخَذَتْ أُمِّي بِيَدِي، فَانْطَلَقَتْ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلَا امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَّا قَدْ أَتْحَفَتْكَ بِتُحْفَةٍ، وَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى مَا أُتْحِفُكَ بِهِ، إِلَّا ابْنِي هَذَا، فَخُذْهُ ‌فَلْيَخْدِمْكَ ‌مَا ‌بَدَا ‌لَكَ.

فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا ضَرَبَنِى ضَرْبَةً، وَلَا سَبَّنِى سُبَّةً، وَلَا انْتَهَرَنِي، وَلَا عَبَسَ فِي وَجْهِي، وَكَانَ أَوَّل مَا أَوْصَانِى بِهِ، أَنْ قَالَ: “يَا بُنَيَّ، اكْتُمْ سِرِّي“، فَكَانَتْ أُمِّي، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلْنَنِي عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا أُخْبِرُهُمْ بِهِ، وَمَا أَنَا بِمُخْبِرٍ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أحدًا أبدًا، وَفِيهِ مِنَ آدَابِ النُّبُوَةِ  الرِّفْقُ وَاللِّينُ مَعَ مَنْ كَانَ تَحْتَهُ ﷺ مِنَ الخَدَمِ.

بركة دعاء النبي ﷺ له

روى مُسلِمٌ في صحيحه عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: “قُومُوا فَلأُصَلِّ بِكُمْ“، فِي غَيْرِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ البَيتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللّهِ خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: “اللهم أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ“، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْو الْمِائَةِ الْيَوْمَ.

علمه رضي الله عنه

صَحِبَ أَنَسٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشرَ سِنِينَ فَغَرَفَ مِن بَحرِ عُلُومِهِ ﷺ وَرَوَى عَنِهُ ﷺ عِلْمًا جَمًّا، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمُعَاذٍ، وَأُسَيْدِ بنِ الحُضَيْرِ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَغَيرِهِم.

وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِن فُحُولِ الأُمَّةِ وَأَكابِرِهَا مِنْهُمُ الحَسَنُ البِصرِيُّ، وَابْنُ سِيْرِيْنَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُوْلٌ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ المُنْكَدِرِ وغيُرهُم.

وَقَدْ سَرَدَ بعضُ الحفاظِ نَحْوَ مائَتَيْ نَفْسٍ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَسٍ، وَرُوِيَ عَنهُ أَلْفَانِ وَمائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُوْنَ حَدِيثًا، اتَّفَقَ لَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى مِائَةٍ وَثَمَانِيْنَ حَدِيْثًا، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَمَانِيْنَ حَدِيثًا، وَمُسْلِمٌ بِتِسْعِيْنَ.

شدة حب أنس رضي الله عنه للنبي ﷺ

رَوَى أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَا شَمِمْتُ شَيْئًا، عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا قَطُّ، وَلَا شَيْئًا قَطُّ، أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ، دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا، أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

قَالَ ثَابِتٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَلَسْتَ ‌كَأَنَّكَ ‌تَنْظُرُ ‌إِلَى ‌رَسُولِ ‌اللهِ ﷺ، وَكَأَنَّكَ تَسْمَعُ إِلَى نَغَمَتِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى وَاللهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَقُولَ يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ.

وَكَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيْهَا حَبِيبِي (يَعنِي النَّبِيَّ ﷺ) ثُمَّ يَبْكِي، وكان يُعَظِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، وَيَتَبَرَّكُ بِآثَارِهِ، وَيَحمِلُ مَعَهُ شَيئًا مِن شَعَرِهِ الشَّرِيفِ يُبَرِّكُ النَّاسَ بِهَا، وَيُروَى عَن عَبِيدَةَ السَّلمَانِيِّ، وَهُوَ مِن تَلَامِيذِ أَنَسٍ وَمِن كِبَارِ التَّابِعِينَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ شَعْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.

كرماته رضي الله عنه

قال ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: جَاءَ قَيِّمُ أَرْضِ أَنَسٍ، فَقَالَ: عَطِشَتْ أَرَضُكَ، فَتَرَدَّى أَنَسٌ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ صَلَّى، وَدَعَا، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ، وَغَشِيَتْ أَرْضَهُ، وَأَمَطَرَتْ، حَتَّى مَلأَتْ صِهْرِيْجَهُ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَهْلِهِ، فَقَالَ: انْظُرْ أَيْنَ بَلَغَتْ؟ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَعْدُ أَرْضَهُ إِلَّا يَسِيْرًا، قَالَ الذَّهَبِيُّ: هَذِهِ كَرَامَةٌ بَيِّنَةٌ ثَبَتَتْ بِإِسْنَادَيْنِ.

تبرك التابعين بأنس رضي الله عنه

رَوَى أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ عَن ثَابِتٍ البُنَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِأَنَسٍ: يَا أَنَسُ، ‌مَسِسْتَ ‌يَدَ ‌رَسُولِ ‌اللهِ ﷺ بِيَدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرِنِي أُقَبِّلُهَا.

وَرَوَى البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَن جَمِيلَةٍ مَولَاةِ أَنَسٍ قَالَت: كَانَ ثَابِتٌ إِذَا جَاءَ قَالَ أَنَسٌ: يَا جَمِيلَةُ نَاوِلِينِي طِيبًا أَمَسُّ بِهِ يَدَيَّ فَإِنَّ ابنَ أُمِّ ثَابِتٍ لَا يَرضَى بِشَيءٍ حَتَّى يُقَبِّلَ يَدَيَّ وَيَقُولَ: قَد ‌مَسِستَ ‌يَدَ ‌رُسُولِ ‌اللهِ ﷺ.

وَكَانَ ثَابِتٌ يُقَبِّلُ عَينَي أَنَسٍ وَيَقُولُ: بِأَبِي هَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.

وفاته رضي الله عنه

كَانَ أَنَسٌ آخِرَ الصَّحَابَةِ وَفَاةً بِالبَصرَةِ، وَتُوُفِّيَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى نَحوِ فَرسَخٍ وَنِصفٍ مِنَ البَصرَةِ، فِي مَوضِعٍ يُعرَفُ بِقَصرِ أَنَسٍ، فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسعِينَ.

وَلَمَّا مَاتَ قِيلَ: ذَهَبَ اليَومَ نِصفُ العِلمِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهلَ الأَهوَاءِ كَانُوا إِذَا خَالَفُونَا فِي الحَدِيثِ نَقُولُ لَهُم تَعَالَوا إِلَى مَن سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ وَجَمَعَنَا بِهِ فِي الجَنَّةِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الْإِصَابَةِ فِيْ تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ
  2. أُسْدِ الغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِابنِ الْأَثِيْرِ
  3. سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ للذَّهَبِيِّ
أحكام الصيام

أحكام الصيام

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعدُ: فَإِنَّ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share