ورد السؤال التالي:
مَا هُوَ حُكمُ مَن حَفِظَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ نَسِيَهُ؟
الجواب
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
حِفظُ القُرءَانِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَنَالُهَا المُسلِمُ وَمِن أَعظَمِ القُرُبَاتِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَيَنبَغِي الحَثُّ عَلَى مُذَاكَرَتِهِ.
عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ
تَعَاهَدُوا القُرءَانَ، فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا
رواه مسلم
وَحِفظُ القُرءَانِ مِن فُرُوضِ الكِفَايَةِ الَّتِي إِذَا قَامَ بِهَا بَعضُ المُسلِمِينَ سَقَطَ عَنِ البَقِيَّةِ، لَا مِن فُرُوضِ العَينِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ المُسلِمِينَ حِفظُهُ، وَهَذَا المَعنَى إِجمَاعٌ مِنَ الأُمَّةِ ظَاهِرٌ لَا يَخفَى، فَلَا يَجُوزُ القَولُ بِأَنَّ مَن حَفِظَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ نَسِيَهُ أَو نَسِيَ بَعضًا مِنهُ عَلَيهِ مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِن ذَلِكَ الحَثُّ عَلَى حِفظِ القُرءَانِ، وَلَا إِثمَ وَلَا حَرَجَ عَلَى مَن يَحفَظُ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ يَنسَاهُ.
وَالقَولُ بِأَنَّ نِسيَانَ القُرءَانِ مَعصِيَةٌ هُوَ مِنَ الغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى جَعلِ الحَرَجِ فِي الدِّينِ، بَل وَيُؤَدِّي إِلَى عَكسِ المَقصُودِ مِنهُ حَيثُ يُنَفِّرُ النَّاسَ عَن حِفظِ القُرءَانِ وَلَوِ القَلِيلِ مِنهُ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي الكَبِيرَةِ إِذَا نَسُوا مِنهُ شَيئًا بِحَسَبِ دَعوَاهُمُ الفَاسِدَةِ، وَقَد سُمِعَ ذَلِكَ مِن بَعضِ مَن بَدَأَ بِحِفظِ القُرءَانِ حَيثُ قَالَ عِندَمَا سَمِعَ هَذِهِ الفَتوَى البَاطِلَةَ: إِن كَانَ فِي نِسيَانِ شَيءٍ مِنَ القُرءَانِ مَعصِيَةٌ فَالأَسلَمُ أَن لَا أَحفَظَ حَتَّى لَا أَقَعَ فِي المَعصِيَةِ إِن نَسِيتُهُ، فَلَا يَحصُلُ بِهَذَا تَشجِيعُ النَّاسِ عَلَى حِفظِ القُرءَانِ.
ثُمَّ إِنَّ أَمرَ النِّسيَانِ لَيسَ بِيَدِ الشَّخصِ، وَمَا سُمِّيَ الإِنسَانُ إِنسَانًا إِلَّا لِنِسيَانِهِ، وَلَو كَانَ الأَمرُ كَمَا يَقُولُونَ فَلَا يَكَادُ يَسلَمُ شَخصٌ وَاحِدٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكَبَائِرِ.
فَعَلِمنَا أَنَّ القَولَ بِأَنَّ مَن نَسِيَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ يَكُونُ وَاقِعًا فِي كَبِيرَةٍ مُصَادِمٌ وَمُعَارِضٌ لِلإِجمَاعِ، وَمُصَادِمٌ لِلنُّصُوصِ الحَدِيثِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالصَّرِيحَةِ الَّتِي سَيَأتِي بَيَانُهَا.
تفصيل الدليل على هذه المسألة
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ
إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ وَمَا استُكرِهُوا عَلَيهِ
رواه ابن ماجه والبيهقي وقال الحافظ النووي في الأربعين النووية عنه حديث حسن
وَهَذَا الحَدِيثُ مَشهُورٌ عَلَى أَلسِنَةِ النَّاسِ.
وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَقرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيلِ فَقَالَ: “يَرحَمُهُ اللهُ لَقَد أَذكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنتُ أُنسِيتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا”. رواه البخاري.
وَفِي رِوَايَةٍ: “نَسِيتُهَا“، وَفِي رِوَايَةٍ: “أَسقَطتُهَا“، أَي أَسقَطتُهَا سَهوًا لَا عَمدًا.
فَقَد يَحصُلُ لِلنَّبِيِّ نِسيَانُ بَعضِ الآيَاتِ مِنَ القُرءَانِ بَعْدَ أَنْ يُبَلِّغَهُ للنَّاسِ لَكِنَّهُ يَعُودُ وَيَتَذَكَّرُهَا عَن قُربٍ، وَهَذَا كَمَا ذَكَرْتُ يَحصُلُ بَعدَ تَبلِيغِ هَذِهِ الآيَاتِ أَمَّا قَبلَ تَبلِيغِهَا فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ أَن يَنسَى القُرءَانَ أَصلًا، قَالَ هَذَا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى الحَدِيثِ.
وَعَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أُسقِطَ آيَةً فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنهَا قَالَ: “أَفِي القَومِ أُبَيُّ؟” قَالَ: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: “فَلِمَ لَم تُذَكِّرنِي؟” قَالَ: خَشِيتُ أَنَّهَا رُفِعَت، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَم تُرفَع وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا“. رواه أحمد والبيهقي.
فَلَا يَسُوغُ لَنَا بَعدَ أَن عَلِمنَا بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الإِسنَادِ القَولُ بِأَنَّ مَن نَسِيَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ يَكُونُ وَاقِعًا فِي كَبِيرَةٍ وَأَن نَبقَى أُسَرَاءَ التَّقلِيدِ فِي غَيرِ مَعنًى.
وَقَد وَرَدَ فِي تَرَاجِمِ بَعضِ العُلَمَاءِ أَنَّ بَعضَهُم نَسِيَ مَا كَانَ حَفِظَهُ مِن كِتَابِ اللهِ، فَهَل يُقَالُ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَو هَؤُلَاءِ العُلَمَاءَ ارتَكَبُوا كَبِيرَةً لِمُجَرَّدِ أَنَّهُم نَسُوا آيَةً أَو آيَاتٍ مِن كِتَابِ اللهِ؟!، وَهَل يُقَالُ إِنَّ الإِمَامَ إِذَا نَسِيَ فِي صَلَاتِهِ آيَةً كَانَ عَاصِيًا؟!
وَلَقَد قِيلَ: مَا سُمِّيَ الإِنسَانُ إِنسَانًا إِلَّا لِنِسيَانِهِ، مَعنَاهُ أَنَّ الإِنسَانَ يَكثُرُ مِنهُ النِّسيَانُ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَو كَانَ هُنَاكَ مَعصِيَةٌ عَلَى مَن نَسِيَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ لَكَانَ هُنَاكَ حَرَجٌ فِي الدِّينِ، وَأَيُّ حَرَجٍ.
الجواب عن بعض الأحاديث التي ظاهرها أن نسيان القرءان معصية
قَالَ أَهلُ العِلمِ
إِذَا خَالَفَ مَضمُونُ الحَدِيثِ ـ وَإِن رُوِيَ مِن طَرِيقِ بَعضِ الثِّقَاتِ ـ رِوَايَةَ مَن هُوَ أَوثَقُ مِنهُ، أَو رِوَايَةَ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ، وَكَانَ لَا يُمكِنُ الجَمعُ بَينَهُمَا، فَهُوَ حَدِيثٌ شَاذٌّ يُرَدُّ وَلَا يُعمَلُ بِهِ، فَكَيفَ إِن كَانَ الحَدِيثُ الَّذِي يُخَالِفُ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ حَدِيثًا ضَعِيفًا.
فَعُلِمَ مِن هَذِهِ القَاعِدَةِ أَنَّهُ لَا يُقبَلُ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: (عُرِضَت عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَم أَرَ ذَنبًا أَعظَمَ مِن آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَد تَكَلَّمَ فِيهِ التِّرمِذِيُّ وَصَرَّحَ بِتَضعِيفِهِ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَقَالَ عَنهُ: (ضَعِيفٌ)، وَضَعَّفَهُ أَيضًا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
وَقَالَ التِّرمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: (حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعرِفُهُ إِلَّا مِن هَذَا الوَجهِ، قَالَ: وَذَاكَرتُ بِهِ مُحَمَّدَ بنَ إِسمَاعِيلَ ـ يَعنِي الإِمَامَ البُخَارِيَّ ـ فَلَم يَعرِفهُ وَاستَغرَبَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ـ يَعنِي الإِمَامَ البُخَارِيَّ ـ : لَا أَعرِفُ لِلمُطَّلِبِ بنِ عَبدِ اللهِ ـ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الحَدِيثِ ـ سَمَاعًا مِن أَحَدٍ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا قَولَهُ: حَدَّثَنِي مَن شَهِدَ خُطبَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَمِعتُ عَبدَ اللهِ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ يَقُولُ: لَا نَعرِفُ لِلمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِن أَحَدٍ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَبدُ اللهِ: وَأَنكَرَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ أَن يَكُونَ المُطَّلِبُ سَمِعَ مِن أَنَسٍ).
وَعَلَى القَاعِدَةِ المَذكُورَةِ أَيضًا لَا يُقبَلُ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: (مَن قَرَأَ القُرءَانَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجذَمُ)، وَقَالَ عَنهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ: (وَفِي إِسنَادِهِ مَقَالٌ).
فَالحَاصِلُ أَنَّ هَذَينِ الحَدِيثَينِ وَإِن رُوِيَا وَذُكِرَا فِي بَعضِ كُتُبِ الحَدِيثِ لَا يُقَاوِمَانِ حَدِيثَ ابنِ مَاجَه وَالبَيهَقِيِّ وَالَّذِي صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ قَولُهُ ﷺ: “إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ“، وَلَا حَدِيثَيِ البُخَارِيِّ: “قَالَ: رحمه الله، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا»، وَ”يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا».
أي الذنوب أعظم
كَيفَ يَجُوزُ أَن يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ قَالَ إِنَّ نِسيَانَ آيَةٍ أَعظَمُ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ؟ وَمِنَ المَعلُومِ الثَّابِتِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّ أَكبَرَ الكَبَائِرِ عِدَّةُ مَعَاصِي كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، هَذَا شَىءٌ لَا يُعقَلُ وَالرَّسُولُ ﷺ بَرِيءٌ مِن هَذَا.
قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ؟ قَالَ ﷺ
“أَن تَجعَلَ للهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ“، قَالَ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ ﷺ: “أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ خَشيَةَ إِملَاقٍ“، قَالَ: ثُمَّ أَي، قَالَ ﷺ: “أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ“
رواه البخاري ومسلم
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى تَصدِيقًا لِهَذَا الحَدِيثِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. سورة الفرقان: 68.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ“، الحَدِيثَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ“، الحَدِيثَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَالتِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ، فَلَا يُوجَدُ فِي وَاحِدٍ مِن هَذِهِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ نِسيَانَ القُرءَانِ مِن أَعظَمِ الكَبَائِرِ أَو إِنَّهُ كَبِيرَةٌ.
خلاصة المسألة
- الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: (عُرِضَت عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي) إِلَخ، ضَعِيفٌ، وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ عَدَدًا مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا يُترَكُ العَمَلُ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِأَجلِ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَلَا يُؤَوَّلُ لِأَجلِهِ.
- حِفظُ القُرءَانِ مِن فُرُوضِ الكِفَايَةِ لَا مِن فُرُوضِ العَينِ، وَلَا يَقَعُ مَنْ نَسِيَ مَا حَفِظَهُ فِي المَعصِيَةِ.
- حَملُ هَذَا الحَدِيثِ الضَّعِيفِ عَلَى ظَاهِرِهِ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسلَمُ شَخصٌ وَاحِدٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكَبَائِرِ، وَهَذَا خَطَرٌ خَطِيرٌ وَشَرٌّ مُستَطِيرٌ، وَهَل أَمرُ النِّسيَانِ بِيَدِ الشَّخصِ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ.
- حَملُ هَذَا الحَدِيثِ الضَّعِيفِ عَلَى ظَاهِرِهِ يَحُثُّ النَّاسَ عَلَى الابتِعَادِ عَن حِفظِ القُرءَانِ وَلَوِ القَلِيلَ مِنهُ بَدَلَ تَشجِيعِهِم عَلَى حِفظِهِ.
فائدة
تَأَوَّلَ الإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ القَاضِي صَاحِبُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثَ: (عُرِضَت عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي) مَعَ ضَعفِهِ بِأَنَّ مَعنَاهُ تَركَ العَمَلِ بِالقُرءَانِ بِإِضَاعَةِ الفَرَائِضِ وَارتِكَابِ الكَبَائِرِ، قَالَ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ لِلعَلَّامَةِ أَحمَدَ بنِ عَلِيٍّ الفَيُّومِيِّ: (وَنَسِيتُ الشَّيءَ أَنسَاهُ نِسيَانًا، مُشتَرَكٌ بَينَ مَعنَيَينِ، تَركِ الشَّيءِ عَلَى ذُهُولٍ وَغَفلَةٍ وَذَلِكَ خِلَافُ الذِّكرِ لَهُ، وَالثَّانِي التَّركُ عَلَى تَعَمُّدٍ وَعَلَيهِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، [سورة البقرة: 237]، أَي لَا تَقصِدُوا التَّركَ وَالإِهمَالَ).
وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي القُرءَانِ كَثِيرٌ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. سورة الأعراف (51 – 53).
قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: (نَترُكُهُم مِنَ الرَّحمَةِ كَمَا تَرَكُوا أَن يَعمَلُوا لِلِقَاءِ يَومِهِم هَذَا)، أَي تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ وَتَنَاسَوهُ فِي الدَّارِ الدُّنيَا، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يَنسَى كَمَا يَنسَى البَشَرُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، بَل هَذَا النِّسيَانُ نَقصٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، بَلِ المُرَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَترُكُهُم فِي العَذَابِ كَمَا تَرَكُوا العَمَلَ لِلآخِرَةِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾
سورة طه: 126
أَي عِندَمَا أَعرَضتَ عَن آيَاتِ اللهِ كَذَلِكَ اليَومَ تُترَكُ مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى.
الخاتمة
إِذَا كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ ءَايَةٌ أَو حَدِيثٌ ظَاهِرُهَا يُعَارِضُ نَصًّا ءَاخَرَ فَلَا بُدَّ مِن عَمَلِ بَعضِ الأُمُورِ الَّتِي وَضَعَهَا العُلَمَاءُ لِهَذِهِ الحَالَةِ، مِنهَا الجَمعُ بَينَ النَّصَّينِ بِتَأوِيلِ أَحَدِهِمَا أَوِ التَّرجِيحُ أَو حَتَّى تَركُ العَمَلِ بِأَحَدِهِمَا فِي بَعضِ الحَالَاتِ، وَهَذَا مِن عَمَلِ المُحَدِّثِينَ وَالحُفَّاظِ لَا مِن عَمَلِ عَوَامِّ النَّاسِ، فَيَنبَغِي الِانتِبَاهُ إِلَى مِثلِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تَشِيعُ بَينَ النَّاسِ وَالَّتِي يَكُونُ أَصلَهُا فَتوًى بِغَيرِ عِلمٍ، فَالفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ مِن أَخطَرِ الأُمُورِ الَّتِي يَنبَغِي أَن يَحذَرَ مِنهَا الشَّخصُ، فَقَد قَالَ العُلَمَاءُ: إِذَا أَغفَلَ العَالِمُ لَا أَدرِي فَقَد أُصِيبَت مَقَاتِلُهُ، أَي هَلَكَ، هَذَا فِي حَقِّ العَالِمِ فَكَيفَ بِمَن هُوَ دُونَ العَالِمِ.
فَاحذَر أَخِي المُسلِمَ مِنَ الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ، وَإِيَّاكَ مِن أَن تَتَجَرَّأَ عَلَى دِينِ اللهِ فَتَقُولَ فِيهِ بِمَا لَا تَعلَمُ، فَإِنَّ هَذَا تَجَرُّؤٌ عَلَى النَّارِ، كَالَّذِي يَرمِي نَفسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
سورة الإسراء: 36
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- عُمدَةِ القَارِي لِبَدرِ الدِّينِ العَينِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- شَرحِ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَهْ.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
- الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- شَرحِ التَّبصِرَةِ وَالتَّذكِرَةِ لِلحَافِظِ العِرَاقِيِّ.
- نُخبَةِ الفِكَرِ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- فَتحِ المُغِيثِ بِشَرحِ أَلفِيَّةِ الحَدِيثِ لِلحَافِظِ السَّخَاوِيِّ.
- المِصبَاحِ المُنِيرِ لِلعَلَّامَةِ الفَيُّومِيِّ.