غزوة الخندق (الأحزاب) – نظرة بين الماضي والحاضر

غزوة الخندق (الأحزاب) - نظرة بين الماضي والحاضر

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

سورة الصافات: 171- 173

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

سورة آل عمران: 140

إِنَّ مَا يَحصُلُ فِي المُسلِمِينَ مِن مَصَائِبَ وَبَلَايَا وَتَكَالُبٍ عَلَى المُسلِمِينَ قَد حَصَلَ مِثلُهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّ النَّاظِرَ إِلَى السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وَالمُتَتَبِّعَ لِآثَارِهِ ﷺ يَعرِفُ كَيفِيَّةَ الخَلَاصِ مِنَ المِحَنِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21]، وَمِنَ الأَمثِلَةِ الَّتِي تُضرَبُ فِي هَذَا المَقَامِ غَزوَةُ الخَندَقِ أَوِ الأَحزَابِ، فَمَاذَا حَصَلَ فِي هَذِهِ الغَزوَةِ، وَكَيفَ نَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَصَحَابَتَهُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم.

بداية غزوة الخندق

تَكَالَبَ المُشرِكُونَ وَالعَرَبُ وَاليَهُودُ فِي السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلهِجرَةِ فِي غَزوَةِ الأَحزَابِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَكَانَ غَرَضُ المُشرِكِينَ وَاليَهُودِ هَدمَ دِينِ الإِسلَامِ وَدَحْضَ دَعوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم لَكِنَّ اللهَ نَصَرَ المُسلِمِينَ وَأَعلَى كَلِمَتَهُم وَخَذَلَ عَدُوَّهُم وَرَدَّهُم عَلَى أَعقَابِهِم خَاسِرِينَ.

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يَنصُرُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ فِي كُلِّ الأَزمَانِ إِذَا تَمَسَّكُوا بِنَهجِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَهمَا تَكَالَبَ عَلَيهِم أَعدَاءُ الدِّينِ.

سبب تسميتها بغزوة الخندق (الأحزاب)

يَعُودُ سَبَبُ تَسمِيَتِهَا بِالخَندَقِ إِلَى أَنَّ المُسلِمِينَ حَفَرُوا خَندَقًا لِيَحتَمُوا بِهِ مِن خَيلِ المُشرِكِينَ، وَأَمَّا تَسمِيَتُهَا بِالأَحزَابِ فَلِأَنَّ أَحزَابَ المُشرِكِينَ وَاليَهُودِ وَالعَرَبِ اجتَمَعَت فِيهَا لِمُقَاتَلَةِ المُسلِمِينَ وَمَحوِ دِينِ الإِسلَامِ.

سبب الغزوة

سَبَبُ هَذِهِ الغَزوَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَجلَى بَنِي النَّضِيرِ، خَرَجَ حُيَيُّ بنُ أَخطَبَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ اليَهُودِ إِلَى مَكَّةَ فَدَعَوا قُرَيشًا وَأَتبَاعَهَا إِلَى حَربِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمُ الَّذِينَ حَزَّبُوا الأَحزَابَ، فَقَالُوا لِقُرَيشٍ: نَحنُ مَعَكُم حَتَّى نَستَأصِلَ مُحَمَّدًا، جِئْنَا لِنُحَالِفَكُم عَلَى عَدَاوَتِهِ وَقِتَالِهِ، فَنَشِطَتْ قُرَيشٌ لِذَلِكَ وَتَذَكَّرُوا أَحقَادَهُم بِبَدرٍ فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: مَرحَبًا وَأَهلًا، أَحَبُّ النَّاسِ إِلَينَا مَن أَعَانَنَا عَلَى عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أَخرَجَ خَمسِينَ رَجُلًا مِن بُطُونِ قُرَيشٍ كُلِّهَا وَتَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا عِندَ الكَعبَةِ أَنْ لَا يَخذُلَ بَعضُهُم بَعضًا وَأَنَّ كَلِمَتَهُم وَاحِدَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا بَقِيَ مِنهُم رَجُلٌ.

وَخَرَجَتِ اليَهُودُ إِلَى بَنِي سُلَيمٍ فَوَعَدُوهُم المَسِيرَ مَعَهُم إِذَا خَرَجَتْ قُرَيشٌ، وَتَجَهَّزَتْ قُرَيشٌ وَسَيَّرَتْ تَدعُو العَرَبَ إِلَى نَصرِهَا.

عدد الأحزاب

ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ السِّيَرِ أَنَّ الَّذِينَ وَافَوُا الخَندَقَ مِن قُرَيشٍ وَسُلَيمٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ عَشَرَةُ ءَالَافٍ، وَكَانَ أَمرُهُم يَومَئِذٍ مَوكُولًا إِلَى أَبِي سُفيَانَ بنِ حَرَبٍ.

بلوغ النبي خبر الأحزاب

لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَبَرُ قُرَيشٍ دَعَا النَّاسَ وَأَخبَرَهُم بِذَلِكَ وَشَاوَرَهُم فِي أَمرِهِم أَيَخرُجُ مِنَ المَدِينَةِ أَم يَكُونُ فِيهَا وَيُحَارِبُ الأَحزَابَ بِهَا وَفِي طُرُقِهَا، فَقَالَ سَلمَانُ الفَارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا بِأَرضِ فَارِسَ إِذَا تَخَوَّفْنَا الخَيلَ خَنْدَقْنَا عَلَينَا، فَأَعجَبَهُم ذَلِكَ وَأَحَبُّوا الثَّبَاتَ فِي المَدِينَةِ، وَلَم تَكُنِ العَرَبُ تُخَنْدِقُ قَبلَ ذَلِكَ.

حفر الخندق

قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ العَمَلَ فِي حَفرِ الخَندَقِ بَينَ الصَّحَابَةِ، فَجَعَلَ لِكُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَربَعِينَ ذِرَاعًا فِي الحَفرِ وَهُم يَومَئِذٍ ثَلَاثَةُ ءَالَافِ رَجُلٍ، وَعَلَيهِ فَيَكُونُ طُولُ الخَندَقِ اثنَي عَشَرَ أَلفِ ذِرَاعٍ، وَحَصَلَ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يَومَئِذٍ تَعَبٌ وَجُوعٌ وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ عُسرَةٍ وَعَامِ مَجَاعَةٍ، وَقَد مَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَجِدُونَ طَعَامًا حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَطنِهِ حَجَرًا مِنَ الجُوعَ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَةْ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَنقُلُ التُّرَابَ وَقَد وَارَى الغُبَارُ جِلدَ بَطنِهِ الشَّرِيفِ ﷺ.

وصول الأحزاب إلى المدينة

لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ مِن حَفرِ الخَندَقِ أَقبَلَتْ قُرَيشٌ وَمَن مَعَهَا فَنَزَلُوا بِمَجمَعِ الأَسيَالِ، فَنَظَرُوا إِلَى الخَندَقِ فَقَالُوا: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ العَرَبُ تَكِيدُهَا، وَصَارُوا يَتَنَاوَبُونَ فَيَغدُو أَبُو سُفيَانَ فِي أَصحَابِهِ يَومًا وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ يَومًا وَعَمرُو بنُ العَاصِ يَومًا وَجُبَيرَةُ بنُ وَهبٍ يَومًا وَعِكرِمَةُ بنُ أَبِي جَهلٍ يَومًا وَضِرَارُ بنُ الخَطَّابِ يَومًا، فَلَا يَزَالُونَ يُجِيلُونَ خَيلَهُم وَيَفتَرِقُونَ مَرَّةً وَيَجتَمِعُونَ أُخرَى وَيُنَاوِشُونَ أَصحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَي يَقرُبُونَ مِنهُم وَيُقَدِّمُونَ رِجَالَهَم فَيُرمَونَ بِالنَّبلِ وَالحَصَى، وَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً لَيسَ فِيهَا حَربٌ إِلَّا ذَلِكَ الرَّميُ.

نقض يهود بني قريظة لعنهم الله العهد مع رسول الله

كَانَت بَنُو قُرَيظَةَ قَد عَاهَدَت رَسُولُ اللهِ عَلَى أَن لَا تُوَاطِئَ عَلَيهِ عَدُوًّا ثُمَّ إِنَّ عَدُوَّ اللهِ حُيَيَّ بنَ أَخطَبَ سَيِّدَ بَنِي النَّضِيرِ (وَهُم مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ أَجلَاهُم رَسُولُ اللهِ عَنِ المَدِينَةِ) كَانَ يَقُولُ لِقُرَيشٍ فِي مَسِيرِهِ مَعَهُم: إِنَّ قَومِي (يَعنِي بَنِي قُرَيظَةَ) مَعَكُم وَهُم أَهلُ حَلْقَةٍ وَافِرَةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفيَانَ: ائْتِ قَومَكَ حَتَّى يَنقُضُوا العَهدَ الَّذِي بَينَهُم وَبَينَ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ حُيَيٌّ حَتَّى أَتَى كَعبَ بنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ سَيِّدَ بَنِي قُرَيظَةَ وَوَلِيَّ عَهدِهِمُ الَّذِي عَاهَدَهُم عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَم يَزَل بِهِ حَتَّى نَقَضَ عَهدَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

اختراق الأحزاب للخندق

أَقبَلَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُشرِكِينَ عَلَى خُيولِهِم مُقتَحِمِينَ الخَندَقَ مِن مَضِيقٍ بِهِ وَفِيهِم عَمرُو بنُ عَبْدِ وُدٍّ، وَكَانَ عَمرُو بنُ عَبْدِ وُدٍّ قَد بَلَغَ تِسعِينَ سَنَةً فَقَالَ: مَن يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَا أُبَارِزُهُ، فَأَعطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَيفَهُ ذَا الفَقَارِ وَعَمَّمَهُ، فَبَرَزَ عَلِيٌّ لِعَمرٍو وَقَالَ لَهُ: يَا عَمرُو، إِنَّكَ قَد كُنتَ عَاهَدْتَ اللهَ أَنْ لَا يَدعُوَك رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ إِلَى إِحدَى خُلَّتَينِ إِلَّا أَخَذتَهُا مِنهُ، قَالَ لَهُ: أَجَل، فَقَالَ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدعُوكَ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى الإِسلَامِ، قَالَ عَمرٌو: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَدعُوكَ إِلَى النِّزَالِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابنَ أَخِي؟ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقتُلَكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَكِنِّي وَاللهِ أُحِبُّ أَنْ أَقتُلَكَ، فَحَمَى عَمرٌو عِندَ ذَلِكَ وَاقتَحَمَ عَن فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ وَضَرَبَ وَجهَهُ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَتَنَازَلَا وَتَجَاوَلَا فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَخَرَجَتْ خَيلُ المُشرِكِينَ مُنهَزِمَةً مِنَ الخَندَقِ هَارِبَةً.

هزيمة الأحزاب

بَعَثَ اللهُ تَعَالَى رِيحًا عَاصِفًا وَهِيَ الصَّبَا فِي لَيَالٍ شَدِيدَةِ البَردِ، فَقَلَعَتِ الأَوتَادَ وَأَلْقَتْ عَلَى المُشرِكِينَ الأَبْنِيَةَ، وَأَطْفَأَتْ نِيرَانَهُم، وَصَارَتِ الرِّيحُ تُلقِي الرِّجَالَ عَلَى أَمتِعَتِهِم، وَسَفَّتْ عَلَيهِمُ التُّرَابَ وَرَمَتْهُم بِالحَصَى، وَلَم تُجَاوِزِ الرِّيحُ مُعَسكَرَهُم، وَصَارُوا يَسمَعُونَ فِي نَوَاحِي مُعَسكَرِهِمُ التَّكبِيرَ وَقَعْقَعَةَ السِّلَاحِ – وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ المَلَائِكَةِ – فَجَعَلَ سَيِّدُ كُلِّ حَيٍّ مِنهُم يَقُولُ لِقَومِهِ: يَا بَنِي فُلَانٍ هَلُمَّ إِلَيَّ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 9-25].

وَقَد صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “إِنِّي نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَإِنَّ عَادًا أُهلِكَت بِالدَّبُورِ“، رواه أحمد في مسنده.

دخول الرعب إلى قلوب المشركين وفرارهم

اختَلَفَت كَلِمَةُ المُشرِكِينَ وَدَبَّ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعبُ وَالقَلَقُ مَعَ شِدَّةِ الظُّلمَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِم مِنِ انطِفَاءِ نَيرَانِهِم بِحَيثُ كَانَ الوَاحِدُ مِنهُم لَا يَرَى إِصبَعَهُ إِذَا مَدَّهَا، فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ، وَاللهِ إِنَّكُم لَستُم بِدَارِ مُقَامٍ، وَلَقَد هَلَكَ الكُرَاعُ وَالخُفُّ وَلَقِينَا مِن هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَونَ، فَارْتَحِلُوا فَإِنّي مُرتَحِلٌ، فَذَهَبُوا جَمِيعًا.

فَلَمَّا انجَلَى الأَحزَابُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَكَانَ كَمَا قَالَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ ﷺ، فَلَم تَرجِعْ قُرَيشٌ بَعدَهَا إِلَى غَزوِ المُسلِمِينَ، وَكَانَ ﷺ يَغزُو المُشرِكِينَ بَعدَ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ.

خاتمة

نَصَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَصَحَابَتَهُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم يَومَ الخَندَقِ مَعَ أَنَّ عَدُوَّهُم كَانَ ذَا قُوَّةٍ كَبِيرَةٍ وَبَأسٍ شَدِيدٍ وَعَدَدٍ وَعُدَّةٍ تَفُوقُ مَا عِندَ المُسلِمِينَ بِأَضعَافٍ، لَكِنَّ اللهَ تَعَالَى وَعَدَ الثَّابِتِينَ الصَّابِرِينَ عَلَى نُصرَةِ اللهِ وَنُصرَةِ نَبِيِّهِ وَنُصرَةِ هَذَا الدِّينِ بِالنَّصرِ المُؤَزَّرِ وَعُلُوِّ الشَّأنِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَكَانَ نَصرُ اللهِ لِلصَّحَابَةِ فِي غَزوَةِ الخَندَقِ عَظِيمًا دَكَّ هَيبَةَ المُشرِكِينَ وَمَن مَعَهَم مِنَ الأَحزَابِ، وَجَعَلَ اللهُ الرُّعبَ فِي قُلُوبِ أَعدَاءِهِم فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ عَدَمَ جُرأَةِ المُشرِكِينَ عَلَى غَزوِ المُسلِمِينَ بَعدَ ذَلِكَ مَعَ مَا أَصَابَهُم مِنَ الخِزيِ.

اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ مُجْرِيَ السَّحَابِ هَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْ اليَهُودَ الغَاصِبِينَ وَزَلْزِلْهُمْ وَارفَعِ البَلَاءَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَفِي كُلِّ بَلَدٍ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  3. مُسنَدِ أَحمَدَ.
  4. السِّيَرِ لِابن إِسحَاقَ.
  5. مَغَازِي الوَاقِدِيِّ.
  6. سِيرَةِ ابنِ هِشَامِ.
  7. الشَّمَائِلِ المُحَمَّدِيَّةِ لِلتِّرمِذِيِّ.
  8. السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَأَخبَارِ الخُلَفَاءِ لِابنِ حِبَّانَ.

طوبى للغرباء

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: مقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share