غزوة بدر الكبرى

غزوة بدر الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

المقدمة

غزوة بدر سميت بذلك لأنها وقعت عند بئر بدر، وسميت بالكبرى لأنه كان قبلها غزوة بدر الأولى، ويقال لها العظمى، والثانية، وبدر القتال، ويوم الفرقان، لأن الله تعالى فرّق فيها بين الحق والباطل.

وقعت في السابع عشر من رمضان في العام الثاني من الهجرة الموافق لـ(13 مارس 624م) بين المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ وقبيلة قريش ومَن حالفَها من العرب بقيادة أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي. وتُعد غزوةُ بدر أولَ معركةٍ من معارك الإسلام الفاصلة، وقد سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى منطقة بدر التي وقعت المعركة فيها، وبدرُ بئرٌ مشهورةٌ تقع بين مكة والمدينة المنورة.

بدأت المعركة بمحاولة المسلمين اعتراضَ عِيرٍ (قافلةٍ) لقريشٍ متوجهةٍ من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب، ولكنَّ أبا سفيان تمكن من الفرار بالقافلة، وأرسل رسولًا (واسمه ضمضم) إلى قريش يطلب عونهم ونجدتهم، فاستجابت قريشٌ وخرجت لقتال المسلمين. كان عددُ المسلمين في غزوة بدر ثلاثَمائة وبِضعَة عشر رجلًا، معهم فَرَسان وسبعون جملًا. وكان تَعدَادُ جيش قريش ألفَ رجلٍ معهم مئتا فرس، أي كانوا يُشكِّلون ثلاثةَ أضعاف جيش المسلمين من حيث العدد تقريبًا. وانتهت غزوة بدر بانتصار المسلمين على قريش وقتل قائدهم أبي جهل، وكان عدد من قُتل من قريش في غزوة بدر سبعين رجلًا وأُسر منهم سبعون آخرون، أما المسلمون فلم يُقتل منهم سوى أربعة عشر رجلًا، ستة منهم من المهاجرين وثمانية من الأنصار. حصل عن غزوة بدر عدةُ نتائجَ نافعةٍ بالنسبة للمسلمين، منها أنهم أصبحوا مُهَابِين في المدينة وما جاورها، وأصبح لدولتهم مصدرٌ جديدٌ للدخل وهو غنائم المعارك، وبذلك تحسّن حالُ المسلمين الماديّ والاقتصاديّ والمعنويّ.

قبل المعركة

سبب المعركة

خرج رسول الله ﷺ في شهري جمادى الأولى وجمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة في مئة وخمسين أو مئتين من المهاجرين لاعتراض بَعِيرٍ (قافلةٍ) لقريش ذاهبةٍ من مكة إلى الشام لأنها كانت تتضمن أموالا للمسلمين أخذها كفار قريش منهم ظلما وعدوانا، فلما وصل مكاناً يُسمى «ذا العشيرة» وجد العِيرَ قد فاتَتهُ بأيام. فلما اقترب رجوع العير من الشام إلى مكة، بعث رسول الله ﷺ طلحةَ بنَ عبيدِ الله وسعيدَ بنَ زيدٍ إلى الشَّمال ليَقُوما باكتِشَاف خبَرِها، فوصلا إلى منطقة تسمى الحَورَاءَ، ومكثَا حتى مر بهما أبو سفيان بن حرب بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله ﷺ بالخبر.

وقد كانت هذه العير قافلةً تجاريةً كبيرةً قادمةً من الشام تحمل أموالاً عظيمةً لقريش منها أموال المسلمين التي تركوها في مكة عند الهجرة، وكان يقودها أبو سفيان، ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلاً.

أرسل رسول الله ﷺ بَسْبَس بن عمرو ليقوم بجمع المعلومات عن القافلة، فلما عاد بسبس بالخبر اليقين ندب رسول الله ﷺ أصحابه للخروج وقال لهم: “هَذِهِ عِيرُ قُرَيشٍ أَقبَلَت مِنَ الشَّامِ فِيهَا أَموَالُهُم فَاخرُجُوا إِلَيهَا لَعَلَّ اللهَ أَن يَنفُلُكُمُوهَا“.

ولكن رسولَ الله ﷺ لم يعزم على أَحَدٍ بالخروج، لأنه لم يكن يتوقع عند هذا الخروج أنه خارج للقتال في معركة مع قريش، ولذلك تخلَّف كثير من الصحابة في المدينة، ولم يُنكِر على أحد تخلُّفَه في هذه الغزوة، وحين خرج رسول الله ﷺ من المدينة لم يكن في نيته قتال، وإنما كان قصدُه عِيرَ قريشٍ التي كانت فيها أموالٌ كان جزءٌ منها للمهاجرين كانت قد استولت عليها قريش ظلمًا وعدوانًا.

خروج المسلمين من المدينة المنورة

خرج رسول الله ﷺ والمسلمون من المدينة المنورة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة. وعندما خرج المسلمون إلى بدر كلّف الرسولُ عبدَ الله بنَ أم مكتوم بالصلاة بالناس في المدينة المنورة، ثم أعاد أبا لبابة الأنصاري من منطقةٍ تُسمَّى الرَّوحَاء إلى المدينة وعيَّنه أميرًا عليها. وأرسل الرسول اثنين من أصحابه إلى بدر، وهما عدي بن الزغباء الجُهَنِيَّ وبَسبَسَ بن عمرو الجهني طليعةً للتعرف على أخبار القافلة، فرجعا إليه بخبرها.

وقد كان عددُ الصحابة الذين رافقوا رسول الله ﷺ في غزوته هذه إلى بدرٍ بضعةَ عَشَر وثلاثَمائة رجل، وقيل بأنهم ثلاثمائة وتسعة عشرة رجلاً، وقيل أن عدد الصحابة البدريين ثلاثمائة وأربعون صحابياً، وقيل هم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر أو سبعة عشر، واحد وستون منهم من الأوس، ومئة وسبعون من الخزرج، والباقي من المهاجرين.

وكانت قوات المسلمين في غزوة بدر لا تُمَثِّل القُدرَة العسكرية القصوى للمسلمين، ذلك أنهم إنما خرجوا لاعتراض قافلة واحتوائها، ولم يكونوا يعلمون أنهم سوف يواجهون جيش قريش وأحلافِها مجتمعة للحرب، فلم يكن معهم إلا فَرَسان، فرسٌ للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيراً، ونظراً لقلة عدد البعير مقارنة بعدد المسلمين، فإن المسلمين كانوا يتناوبون في ركوب البعير.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا يوم بدر كلَّ ثلاثَةٍ على بَعِيرٍ، كان أبو لُبَابَة وعلي بن أبي طالب زميلَي رسولِ الله ﷺ، ولمَّا كانت نَوبَةُ رسولِ الله ﷺ، قالا: نحن نمشي عنك، فقال: “مَا أَنتُمَا بِأَقوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغنَى عَنِ الأَجرِ مِنكُمَا“.

وقد كتم النبي ﷺ خبر الجهة التي يقصدها عندما أراد الخروج إلى بدر، حيث قال: “إِنَّ لَنَا طَلِبَةً فَمَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا فَليَركَب مَعَنَا“.

وبعد خروج المسلمين من المدينة في طريقهم إلى ملاقاة عير أبي سفيان، وصلوا إلى منطقة تُسمى «بيوت السقيا» خارج المدينة، فعسكر فيها المسلمون، واستعرض رسول الله ﷺ من خرج معه فَرَدَّ من ليس له قدرة على المُضِيِّ والقِتَال من جيش المسلمين، ومنهم البراء بن عازب، وعبد الله بن عمر لصغرهما، وكانا قد خرجا مع جيش المسلمين راغبين وعازمين على الجهاد.

تقسيم الألوية والرايات

دفع رسول الله ﷺ لواءَ القيادة العامة إلى مصعب بنِ عُمَيرٍ العَبدَرِي القُرَشِي، وكان هذا اللواء أبيض اللون، وقسَّم جيشه إلى كَتِيبَتَين كتيبة المهاجرين وأعطى علمها لِعَليِّ بن أبي طالب، وكتيبةِ الأنصار وأعطى علمها لسعدِ بنِ معاذ، وجعل على قيادة الميمنة الزبيرَ بنَ العَوَّام، وعلى المَيسَرَة المِقدَاد بنَ عَمرٍو وكانا هما الفارسين الوَحِيدَين في الجيش وجعل على السَّاقَة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده هو ﷺ.

وفي أثناءِ سَيرِ رسول الله ﷺ وصحبه، التَحَق أحدُ المشركين راغبًا بالقِتَال مع قومه، فردَّه الرسول ﷺ وقال: “ارجِع فَلَن أَستَعِينَ بِمُشرِكٍ“، وكَرَّر الرجلُ المُحاوَلَة فرَفَض الرسولُ ﷺ حتى أسلمَ الرَّجُل والتَحَقَ بالمُسلِمِين.

خروج قريش من مكة

بلغ أبا سفيانَ خبرُ مسير رسول الله ﷺ بأصحابه من المدينة المنورة بقصد اعتراض قافلته واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق الساحل، كما أرسل ضِمضِمَ بنَ عَمرٍو الغِفَارِيَّ الكناني إلى قريش لِيَستَنفِرَهُم لإنقَاذِ أموالِهِم وليُخبِرَهم أنَّ النبيَّ ﷺ عرض لها مع أصحابه، فقد كان أبو سفيان يتلقط أخبار المسلمين ويسأل عن تحركاتهم، بل كان يتحَسَّسُ أخبَارَهم بنفسه، فقد تقدم إلى بدر بنفسه، وسأل مَن كان هناك: هل رأيتم من أحد؟، قالوا: لا، إلا رجلين، قال: أروني مَنَاخَ رِكَابِهِمَا، فَأَرَوهُ، فأخذ البَعَرَ (روث البعير) فَفَتَّتَه فإذا هو فيه النوى، فقال: «هذا والله علائف يثرب، فقد استطاع أن يعرف أخبارهم، حتى خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابِّهَا، بِفَحصِه البَعَر الذِي خَلَّفَتهُ الإبل، إذ عرف أن الرجلين من المدينة أي من المسلمين، وبالتالي فإن قافلته في خطر، فأرسل ضِمضِمَ بنَ عمرو الغِفَارِيَّ الكِنَانِيَّ إلى قريش وَغَيَّر طريق القافِلَة، واتَّجَه نحو ساحل بحر القِلزِمِ (البحر الأحمر حالياً).

تجهُّز الكفار للخروج

وصل ضمضم إلى مكة، وقد حوَّل رحلَه وقصَّ أنفَ بعيره، وشق قَمِيصه من قُبُلٍ ومِن دُبُر، ودَخَل مكة وهو ينادي بأعلى صوته: يا مَعشَرَ قرَيشٍ، اللَّطِيمَةَ، اللَّطِيمَةَ، أموالُكم مَعَ أَبي سفيان قد عرض لها محمدٌ في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ.

فَتَحَفَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا، وقالوا: أيظُنُّ محمد وأصحابُه أن تكون كَعِيرِ ابنِ الحَضرَمِيِّ؟ كلا، واللهِ لَيَعلَمَنَّ غير ذلك.

فكانوا بين رجُلَين إما خارجٍ للقتال وإما بَاعِثٍ مكانَه رجلاً، وأَسرَعُوا في الخُرُوجِ، فَلَم يَتَخَلَّف من أشرافِهِم أحدٌ سوى أبي لهبٍ بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، فإنَّه عَوَّض عنهُ رجلًا كان له عليه دَيْنٌ، ولم يتخلف عنهم أحد من قبائل قريشٍ إلا بنِي عَدِيٍّ، فلم يخرج منهم أحد.

ولما فرغوا من جِهَازِهم وأجمعوا على المَسِير تذكرَت قريشٌ ما كان بينهم وبين بَنِي بَكرٍ بن عبد مَنَاةِ بنِ كنانَة مِنَ الحَربِ، وكادَ ذلِكَ أن يَثنِيَهُم عن الخروج وقالوا: إنَّا نخشى أن يَأتُونَا مِن خَلفِنَا، وكانت الحرب بين قريش وبني بكر بن عبد مناةٍ لِدِمَاءٍ بَينَهُم، فَتَمَثَّل إبلِيسُ لَهُم على صُورَةِ سُرَاقَة بنِ مَالِكٍ الكِنَانِيِّ، وكان سُرَاقَةُ أحدَ أشرَافِ بَنِي كِنَانَة، وقال لَهُم: لا غالب لكم اليوم من الناس وأنا جار لكم من أن تأتِيَكم كِنَانَةُ بِشَيءٍ تكرَهُونَه، فخرجوا سراعاً.

فنزل قول الله تعالى في القرآن يصف هذه الحادثة: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

وكان قوام جيش قريش نحوَ ألفٍ وثَلَاثَمائةِ مقاتِلٍ في بدايَة سَيرِه، وكان مَعَهُم مائةُ فَرَسٍ وستمائة درع، وجِمالٌ كثيرَةٌ لا يُعرف عددُها بالضَّبطِ، وكان قائِدُه العام أبا جهل، وكان القائمون بتموينه تسعةَ رِجَالٍ من أشرَافِ قُرَيشٍ، فكانوا ينحرون يوماً تسعاً ويوماً عشراً من الإبل.

وقيل أن عدد جيشِ قريش كان ألفاً، وكان معهم مائتا فرسٍ يَقُودُونَها إلى جانب جِمَالِهِم، وكانت جَوَارِيهِم تَضرِبُ بالدُّفُوف، ويُغَنِّين بِهِجَاءِ المُسلِمِين.

حقد كفار قريش على النبي ﷺ وأصحابه الكرام

عندما تأكد أبو سفيان من سلامة القافلة أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجُحفَة برسالة أخبرهم فيها بنجاتِه والقَافِلة، وطلب منهم العودَة إلى مكة، إلا أنَّ أبا جهل قام فقال: والله لا نرجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا، فَنُقِيمَ بها ثَلَاثًا فنَنحَرَ الجُزُور، ونُطعِمَ الطعام، ونَسقِيَ الخَمرَ، وتَعزِفَ لنا الجواري، وتَسمَعَ بنا العرب وبمَسِيرِنا وجَمعِنَا، فلا يَزَالُون يَهابُونَنَا أبداً.

ولكنَّ بني زهرة عَصَوهُ وانشَقُّوا عن الجيش وعادُوا إلى مكة، وكانَت بنُو عَدِيٍّ قبلَهُم قد تَخَلَّفَت عن الخروج، أما غَالِبِيَّة قُوَّات قريش وأحلافِهِم فقد تقدَّمت حتى وصَلَت بدرًا.

وصول خبر خروج قريش للمسلمين

لما بلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ نجاةِ القَافِلَة وإصرارِ زعماءِ مكةَ على قِتَال المسلمين استشار نبينا ﷺ أصحابَه في الأمر. وحينئذ تزعزعت قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، فَنَزَلت فيهم آياتٌ مِن سُورة الأنفال تَصِفُ أمرَهُم:

قال الله تعالى

كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ

وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو ومنهم:

  1.  أبو بكر
  2. عمر بن الخطاب
  3. والمقداد بن الأسود

فقال المقداد بن الأسود وهو من الصحابة المهاجرين لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن امضِ ونحن معك، وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبُّ إليَّ مما عُدِلَ به أتى النبي ﷺ وهو يدعو على أعدائه فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن نُقَاتِلُ عن يَمِينِك وعن شِمَالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت الرسول ﷺ أشرق وجهه وسرَّه.

إلا أن هؤلاء القادَةَ الثلاثَةَ الذين تكلموا كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسول الله ﷺ أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، فقال ﷺ: “أشيروا عليَّ أيها الناس“، فأدرك الصحابيُّ الأنصَارِيُّ سَعدُ بنُ مُعاذٍ وهو حاملُ لِواءِ الأنصَار مَقصِدَ الرسول ﷺ من ذلك، فنَهَضَ قائلاً:

لَقَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحَقّ وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدْت فَنَحْنُ مَعَك، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ، لَعَلّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقُرُّ بِهِ عَيْنُك، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ تعالى.

وقام سعد بن عبادة، فقال:

يا رسول الله، والَّذِي نفسِي بِيَدِه، لو أمرتَنَا أن نُخِيضَها البحرَ لَأَخَضنَاهَا، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بِرَك الغِمَاد لفَعَلنَا.

فقال رسول الله ﷺ: “سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدَى الطائفتين، والله لَكَأَنِّي أنظُر إلى مَصَارِع القوم“.

المعركة

مسير المسلمين إلى بدر

ارتحل رسول الله ﷺ من «ذُفرَانَ» فسلك على ثَنَايَا يُقالُ لها الأصَافِر، ثم نزل قريباً من بدر. ثم نظَّمَ رسول الله ﷺ جندَه بعد أن رأى طاعةَ الصحابة وشجاعَتَهم واجتِماعَهُم على القِتَال، وعقد اللواء الأبيض وسلَّمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ وعلي بن أبي طالب، وجعل على الساقة (مؤخرة الجيش) قيسًا بنَ أبي صَعصَعَة.

ثم أرسل عليًّا بن أبي طالب والزّبيرَ بن العوام وسعداً بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر ليأتوا له بالأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين لقريش يستقيان للجيش، فأتَوا بهما إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي، فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما وَرَجَوا أن يَكُونَا لِأبي سُفيَان، فضربوهما، فلما أَذلَقُوهُمَا قالا: نحن لأبي سفيان، فتركُوهُمَا، فأنهى رسول الله ﷺ، فقال: “إِذَا صَدَقَاكُم ضَرَبتُمُوهُمَا وإِذَا كَذَبَاكُم تَرَكتُمُوهُمَا، صدقا والله إِنَّهُما لِقُرَيشٍ“، وقال لهما: “أَخبِرَانِي عَن جَيشِ قُرَيشٍ“، فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعَدوَةِ القُصوَى، فقال لهما: “كَمِ القَومُ“، قالا: كثير، قال: “مَا عِدَّتُهُم“، قالا: لا ندري، قال: “كَم يَنحَرُونَ كُلَّ يَومٍ“، قالا: يومًا تِسعًا ويومًا عَشرًا، فقال رسُول الله ﷺ: “القَومُ مَا بَينَ التِّسعِمائةِ وَالأَلفِ“، ثُم قال لهما: “فَمَن فِيهِم مِن أَشرَافِ قُرَيشٍ“، فذكرا:

  1. عتبة بن ربيعة
  2. وشيبة بن ربيعة
  3. وأبا جهل بن هشام
  4. وأمية بن خلف
  5. وأبا البختري بن هشام
  6. وحكيم بن حزام
  7. ونوفل بن خويلد
  8. والحارث بن عامر بن نوفل
  9. وطعيمة بن عدي بن نوفل
  10. والنضر بن الحارث بن كلدة
  11. وزمعة بن الأسود
  12. ونبيه بن الحجاج
  13. ومنبه بن الحجاج
  14. وسهيل بن عمرو
  15. وعمرو بن عبد ود.

فأقبل الرسول ﷺ إلى أصحابه قائلاً: “هَذِهِ مَكَّةُ قَد أَلقَت إِلَيكُم أَفلَاذَ كَبِدِهَا“، وبعد أن جمع رسول الله ﷺ المعلومات عن جيش قريش سار مسرعًا ومعه أصحابه إلى بدرٍ لِيَسبِقُوا قُرَيشًا إلى مائها، ولِيَحُولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه.

وصول المسلمين إلى بدر والتخطيط للمعركة

نزل رسول الله ﷺ والمسلمون عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحباب بن المنذر للرسول ﷺ: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، قال ﷺ: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة“، قال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فنَنزِله ونُغَوِّرُ (نجفف) ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فأخذ رسول الله ﷺ برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه، ثم صنعوا الحياض وغَوَّرُوا (جففوا) ما عداها من الآبار.

وبعد نزول رسول الله ﷺ والمسلمين على أدنى ماء بدر من قريش، اقترح سعد بن معاذ على الرسول بناء عريش له يكون مقرّاً لقيادته ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله سعد في اقتراحه: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له بخير، ثم بنى المسلمون العريش لرسول الله ﷺ على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر الصديق، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله ﷺ.

نزول الطمأنينة على المسلمين

بات المسلمون تلك الليلة التي هي ليلة المعركة، وأنزل الله تعالى عليهم في تلك الليلةِ النعاسَ والطمأنينة، فقد جاء في سورة الأنفال:

قال الله تعالى

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ

سورة الأنفال

قال القرطبي: وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غَدِهَا، فكان النوم عجيبًا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، وكأن الله ربط جأشهم.

أما رسول الله ﷺ فقد ظل يصلي ويبكي حتى أصبح، قال علي بن أبي طالب: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح.

وفي اليوم التالي بدأ الرسول بالتخطيط للمعركة، فصفَّ المسلمين واستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبل أعداؤه الشمس، أي جعل الشمس في ظهر جيشه وفي وجه أعدائه حتى تُؤذِيَ أَشِعَّتُها أَبصَارَهُم. كما أخذ يعدل الصفوف ويقوم بتسويتها لكي تكون مستقيمة متراصة.

ثم بدأ الرسول بإصدار الأوامر والتوجيهات لجنده، ومنها أنه أمرهم برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم، وليس وهم على بعد كبير فقال ﷺ: “إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل“. كما نهى عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف فقال ﷺ: “ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم“، كما أمر الصحابةَ بالاقتصاد في الرمي فقال ﷺ: “واسْتَبْقُوا نَبْلَكم“.

تشجيع النبي ﷺ لأصحابه

كان لتشجيع الرسول ﷺ لأصحابه أثرٌ كبيرٌ في نفوسهم ومعنوياتهم، فقد كان يحثهم على القتال ويحرضهم عليه، ومن ذلك قوله لأصحابه: “قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض“، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض، قال ﷺ: “نعم“، فقال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله ﷺ: “ما يحملك على قول: بخٍ بخٍ“، قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، فقال: “فإنك من أهلها“، فأخرج تمرات من قرنه (جعبة السهام) فجعل يأكل منه، ثم قال: لئن أنا حييت حتى ءاكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل.

ومن تشجيعه أيضاً أنه كان يبشر أصحابه بقتل صناديد قريش، ويحدد مكان قتلى كل واحد منهم، كما كان يبشر المسلمين بالنصر قبل بدء القتال فيقول ﷺ: “أبشر أبا بكر“، ووقف يقول للصحابة: “والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة“.

وقد دعا الرسول ﷺ للمسلمين بالنصر فقال: “اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني“.

وصول قريش إلى بدر

قبل وصول قريش إلى بدر بعثت عمير بن وهب الجمحي، للتعرف على مدى قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد، فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئاً، ولكني قد رأيت يا معشر قريشٍ البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قومٌ ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجلٌ منهم حتى يَقتلَ رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم، ولكن أبا جهلٍ رفَضَ العودة إلى مكة بدون قتال وأصر على المضي لقتال المسلمين.

ولما وصل جيش مكة إلى بدر دب فيهم الخلاف وتزعزعت صفوفهم الداخلية، فعن ابن عباس أنه قال: لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله ﷺ إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر، فقال: “إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا“، وكان عتبة يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره (أي جَبُنَ) حين رأى محمدًا وأصحابَه، إنما محمدٌ وأصحابُه أكلة جَزُور لو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجههم السيوف، واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعُنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، فنزلت في ذلك الآية:

قال الله تعالى

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ

بداية المعركة

بدأت المعركة بخروج رجل من جيش قريش هو الأسود بن عبد الأسد المخزومي قائلاً: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التَقَيَا ضربه حمزة فأطَنَّ قدمه (أي جرحها أو قطعها) بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخُب رجلُه دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يشرب منه، ولكن حمزة ثَنَّى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض فقتله.

وردّاً على ذلك خرج من جيش قريش ثلاثة رجال هم:

  1. عتبة بن ربيعة
  2. وأخوه شيبة بن ربيعة
  3. وابنه الوليد بن عتبة

وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم:

  1. عوف
  2. ومعوذ ابنا الحارث (وأمهما عفراء)
  3. وعبد الله بن رواحة

ولكن الرسول أرجعهم، لأنه أحب أن يبارزهم بعض أهله وذوي قرباه، وقيل أن رجال قريش هم من رفضوا مبارزة هؤلاء الأنصار، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بَنِي عمِّنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ:

  1. قم ياعبيدة بن الحارث
  2. وقم ياحمزة
  3. وقم ياعلي

وبارز حمزة شيبة فقتله، وبارز علي الوليد وقتله، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل واحد منهما الآخر ضربة موجعة، فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة وأتيا به إلى رسول الله ﷺ، ولكن ما لبث أن تُوفّي متأثراً من جراحته، وقد قال عنه الرسول ﷺ: “أشهد أنك شهيد“، وفي هؤلاء الستة نزلت هذه الآيات من سورة الحج

قال الله تعالى

هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ

سورة الحج

ولما شاهد جيش قريش قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة غضبوا وهجموا على المسلمين هجومًا عامًا، فصمد وثبت له المسلمون، وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبل كما أمرهم رسول الله ﷺ، وكان شعارُ المسلمين: أَحَد أَحَد.

ثم أمرهم الرسول ﷺ بالهجوم قائلاً: “شدوا“، وواعدًا من يُقتل صابرًا محتسبًا بأن له الجنة، ومما زاد في نشاط المسلمين واندفاعهم في القتال سماعهم قول رسول الله ﷺ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.

ثم إن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين و أكثر المسلمين في أعين المشركين، فقد كان الرسول ﷺ قد رأى في منامه ليلة اليوم الذي التقى فيه الجيشان المشركين عددهم قليل، وقد قص رؤياه على أصحابه فاستبشروا خيرًا، وجاء في القرآن:

قال الله تعالى

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

ابتكار الرسول ﷺ أسلُوبًا جديدًا في الحرب

ابتكر الرسول ﷺ في قتاله مع أعدائه يوم بدر أسلوبًا جديدًا في مقاتلة الأعداء، لم يكن معروفًا من قبلُ عند العرب، فقاتل بنظام الصفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن في سورة الصف في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.

صفة هذا الأسلوب

أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصلاة، وتقل هذه الصفوف أو تكثر تبعًا لقلة المقاتلين أو كثرتهم، وتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال، لتسديدها على المهاجمين من الأعداء، واتبع الرسولُ ﷺ أسلوب الدفاع ولم يهاجم قوة قريش، وكانت توجيهاته ﷺ التكتيكية التي نفذها سببًا في زعزعة مركز العدو وإضعاف نفسيته، وبذلك تحقق النصر على العدو برغم تفوقه في العدد

مدد الله تعالى للمسلمين

ألقى الله تعالى في قلوب المشركين الرعب في غزوة بدر، وأنزل الملائكة تقاتل مع الصحابة الكرام أعداءهم، وهذا أمر قطعي ثابت لا شك فيه، فقد جاء في سورة الأنفال:

قال الله تعالى

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ

سورة الأنفال

وفي سورة آل عمران:

قال الله تعالى

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ

سورة آل عمران

وقال رسول الله ﷺ يوم بدر

هذا جبريل آخذُ برأس فرسه عليه أداة الحرب

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: “أيدك الله بملك كريم“.

وبدأت أمارات الفشل والاضطراب تظهر في صفوف قريش، واقتربت المعركة من نهايتها، وبدأت جموع قريش تفِرُّ وتنسحب، وانطلق المسلمون يأسرون ويقتلون حتى تمت على قريش الهزيمة.

بعد المعركة

انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين على قريش، وكان قتلى قريش سبعين رجلاً وأُسر منهم سبعون آخرون وكان أكثرهم من قادة قريش وزعمائهم.

واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً، منهم ستة من المهاجرين هم:

  1. عبيدة بن الحارث المطلبي القرشي
  2. عمير بن أبي وقاص الزهري القرشي
  3. صفوان بن وهب الفهري القرشي
  4. عاقل بن البكير الليثي الكناني
  5. وذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي
  6. مهجع بن صالح العكي

وثمانية من الأنصار هم:

  1. سعد بن خيثمة الأوسي
  2. مبشر بن عبد المنذر العمري الأوسي
  3. ويزيد بن الحارث الخزرجي
  4. عمير بن الحمام السَلَمي الخزرجي
  5. رافع بن المعلى الزرقي الخزرجي
  6. حارث بن سراقة النجاري الخزرجي
  7. معوذ بن الحارث النجاري الخزرجي
  8. عوف بن الحارث النجاري الخزرجي

ولما تم النصر وانهزم جيش قريش أرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة ليبشرا المسلمين في المدينة بانتصار المسلمين وهزيمة قريش.

ومكث رسول الله ﷺ في بدرٍ ثلاثة أيام بعد المعركة، فقد روي عن أنس أنه قال: إنه ﷺ كان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعرصة ثلاث ليال. ثم دُفن من استشهد من المسلمين في أرض المعركة، ولم يُدفن أحد منهم خارج بدر. ووقف رسول الله ﷺ على القتلى من قريش فقال: “بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس“، ثم أمر بهم فسُحِبُوا إلى قَلِيبٍ من بدر فطُرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: “يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا“، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال ﷺ: “والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم“.

أسرى قريش

لما انتصر المسلمون يوم بدر ووقع في أيديهم سبعون أسيراً، فقال رسول الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله قومك وأهلك، استَبقِهِم واستأْنِ بهم لعل الله أن يتوب عليهم

وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قرِّبهم فاضرِب أعناقَهُم

وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارًا.

فدخل رسول الله ﷺ ولم يَرُدَّ عليهم شيئاً، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: “إن الله لَيُلَيِّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مَثَلَك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي  وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وإن مثلك ياعمر كمثل نوح إذ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾” (أي أن هذا كان بعد أن علم موسى أن فرعون وجنوده لا يؤمنون قال هذا)، ثم قال: “أنتم عالة (أي تحتاجون المال)، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق“، قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، يقول ابن مسعود: فما رأيتُني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: “إلا سهيل بن بيضاء“.

كيف عامل الرسول ﷺ وأصحابه أسراهم

كانت معاملة رسول الله ﷺ للأسرى بأساليب متعددة:

  • فهناك من قتله
  • وبعضهم قبل فيهم الفداء
  • والبعض الآخر منَّ عليهم (أطلقهم دون مقابل)
  • وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المنِّ عليهم

وكان الذين قتلهم المسلمون من الأسرى في بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، فقد كانا من أكبر دعاة الحرب ضد الإسلام، فبقاؤهما يعد مصدر خطر كبير على الإسلام، فقد كان النضر بن الحارث يؤذي رسول الله ﷺ وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسًا فذكَّر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب قبْلَهم من الأمم من نقمة الله، خَلَفَه في مجلسه إذا قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فَهَلُمَّ إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني، فلما أسره المسلمون أمر رسول الله ﷺ بقتله، فقتله علي بن أبي طالب.

وصية النبي ﷺ في معاملة الأسرى

ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة فرَّق الأسرى بين أصحابه، وقال لهم: “استوصوا بهم خيرًا“، وقد روي عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير أنه قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ: “استوصوا بالأسارى خيرًا“، وكنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله ﷺ.

وقال أبو العاص بن الربيع: كنت في رهط من الأنصار جزاهم الله خيرًا، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر والخبز معهم قليل والتمر زادهم حتى إن الرجل لتقع في يده كِسرَةٌ فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون.

ثم بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء أسراهم، ففدى كلُّ قوم أسيرَهم بما رضوا، وكان ناس من الأسرى يوم بدر ليس لهم فداء، فجعل الرسول فداءهم أن يعلِّموا أولاد الأنصار الكتابة، وبذلك شرع الأسرى يعلِّمون غلمان المدينة القراءة والكتابة، وكل من يعلِّم عشرة من الغلمان يفدي نفسه.

نتائج المعركة

كان من نتائج غزوة بدر:

  1. قويت شوكة المسلمين
  2. أصبحوا مُهابِينِ في المدينة وما جاورها
  3. أصبح للدولة الإسلامية الجديدة مصدرٌ للدخل من غنائم الجهاد، وبذلك انتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما غَنِمُوا مِن غَنَائِم بعد بُؤسٍ وفقر شديدين دَامَا تِسعَةَ عَشَر شَهرًا.

أما نتائج الغزوة بالنسبة لقريش فكانت خسارة فادحة:

  1. قُتل فيها أبو جهل عمرو بن هشام وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء قريش الذين كانوا من أشد القرشيين شجاعةً وقوةً وبأسًا
  2. لم تكن غزوة بدر خسارة حربية لقريش فحسب، بل خسارة معنوية أيضاً، ذلك أن المدينة لم تعد تهدد تجارتها فقط، بل أصبحت تهدد أيضاً سيادَتَها ونفوذَهَا في الحِجَاز كله.

موقع بدر

تقع بدر جنوب غرب المدينة المنورة، والمسافة بينها وبين المدينة بطرق القوافل القديمة التي سلكها الرسول حوالي 257,5 كيلومتراً (160 ميلاً)، كما أنها تقع شمالي مكة، والمسافة بينها وبين مكة بطرق القوافل القديمة التي سلكها جيش قريش حوالي 402,3 كيلومتراً (250 ميلاً).

أما المسافة اليوم بين مكة وبدر بطرق السيارات فهي 343 كيلومتراً، والمسافة بين المدينة وبدر بهذا الطريق هي 153 كيلومتراً، وأما المسافة بين بدر وساحل البحر الأحمر الواقع غربيها فهي حوالي ثلاثين كيلومتراً.

وقد سميت البئر ببدر بن الحارث على اسم حافرها، وقيل هو بدر بن كلدة، وقيل لاستدارتها كالبدر، وقيل لصفائها ورؤية البدر فيها.

هذه هي العشر الأواخر فأين المتنافسون؟

هذه هي العشر الأواخر فأين المتنافسون؟

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد: هذا…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share