فتح الأندلس

فتح الأندلس

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

بَعَثَ اللهُ سَيِّدَنَا مُحَمدًا ﷺ هَادِيًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا للنَّاسِ مُجَاهِدًا بِالحَقِّ دَاعِيًا إِلَى اللهِ، فَكَانَ مِن أَسمَاءِهِ ﷺ نَبِيُّ المَلحَمَةِ أَي نَبِيُّ الجِهَادِ، حَتَّى عُرِفَت أُمَّتُه عَلَى مَدَى العُصُورِ بِالجِهَادِ وَالرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَبَلَغَت رُقعَةُ الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ بِبَرَكَةِ الجِهَادِ مِنَ المَشرِقِ إِلَى أَقصَى المَغرِبِ.

وَهُنَاكَ عَلَى أَرضِ إفرِيقِيَّةَ سَنَةَ اثنَتَينِ وَتِسعِينَ كَانَت البِدَايَةُ لِفَتحِ إِقلِيمٍ عَظِيمٍ وَظفَرٍ مُبِينٍ، هُوَ فَتحُ بِلَادِ الأندَلُسِ، الَّتِي ظَلَّت عَلَى مَدَى عُصُورٍ وَقُرُونٍ دَوحَةً للعُلُومِ وَمَنبَعًا للحَضَارَةِ الإِسلَامِيَّةِ العَظِيمَةِ.

توطئة

آلَ مُلكُ الأندَلُسِ فِي ذَلِكَ الوَقتِ إِلَى رَجُلٍ يُدعَى لُذرِيقَ، وَكَانَت عَادَةُ مُلُوكِ الأَندَلُسِ أَنَّهُم يَبعَثُونَ أَولَادَهُمُ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ إِلَى مَدِينَةِ طُلَيطَلَةَ يَكُونُونَ فِي خِدمَةِ المَلِكِ، فَلَمَّا وَلِيَ لُذرِيقُ أَرسَلَ إِلَيهِ يُوليَانُ ـ حَاكِمُ الجَزِيرَةِ الخَضرَاءِ فِي جَنُوبِ الأندَلُسِ ـ ابنَةً لَهُ، فَاستَحسَنَهَا لُذرِيقُ وَافتَضَّ بَكَارَتَهَا، فَكَتَبَت إِلَى أَبِيهَا تُخبِرُهُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بنِ نُصَيرٍ عَامِلِ الوَلِيدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ عَلَى إِفرِيقِيَّةَ بِالطَّاعَةِ وَاستَدعَاهُ إِلَيهِ، فَسَارَ إِلَيهِ مُوسَى فَأَدخَلَهُ يُوليَانُ مَدَائِنَهُ، وَأَخَذَ عَلَيهِ العُهُودَ لَهُ وَلِأَصحَابِهِ بِمَا يَرضَى بِهِ، فَكَتَبَ مُوسَى بنُ نُصَيرٍ إِِلَى الوَلِيدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ بِمَا دَعَاهُ إِلَيهِ يُوليَانُ، فَكَتَبَ إِلَيهِ الوَلِيدُ: خُضهَا بِالسَّرَايَا وَلَا تُخَاطِر بِالمُسلِمِينَ فِي بَحرٍ شَدِيدِ الأَهوَالِ.

بدء توغل السرايا في الأندلس

بَعَثَ مُوسَى بنُ نُصيرٍ رَجُلًا مِن مَوَالِيهِ يُقَالُ لَهُ طَرِيفٌ فِي أَربَعِمِائَةِ رَجُلٍ وَمَعَهُم مِائَةُ فَرَسٍ، فَسَارَ فِي أَربَعِ سَفَائِنَ وَأَغَارَ عَلَى الجَزِيرَةِ الخَضرَاءِ، فَأَصَابَ غَنِيمَةً كَثِيرَةً وَرَجَعَ سَالِمًا فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحدَى وَتِسعِينَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ تَشَجَّعُوا وَأَسرَعُوا إِلَى الغَزوِ.

البشارات بفتح الأندلس 

بَعدَ هَذَا النَّصرِ لِطَرِيفٍ أَرسَلَ مُوسَى بنُ نُصَيرٍ سَبعَةَ آلَافٍ مِنَ المُسلِمِينَ أَكثَرُهُمُ البَربَرُ وَالمُوَالِي وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِم طَارِقَ بنَ زِيَادٍ، فَسَارُوا فِي البَحرِ فَنَامَ طَارِقٌ فِي الطَّرِيقِ، فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ وَمَعَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنصَارُ قَد تَقَلَّدُوا السُّيُوفَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا طَارِقُ تَقَدَّم لِشَأنِكَ، وَأَمَرَهُ بِالرِّفقِ بِالمُسلِمِينَ وَالوَفَاءِ بِالعَهدِ، فَنَظَرَ طَارِقٌ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَصحَابَهُ قَد دَخَلُوا الأَندَلُسَ أَمَامَهُ، فَاستَيقَظَ مِن نَومِهُ مُستَبشِرًا، وَبَشَّرَ أَصحَابَهُ، وَقَوِيَت نَفسُهُ، وَلَم يَشُكَّ فِي الظَّفَرِ، وَقَصَدَ إِلَى جَبَلٍ مُتَّصِلٍ بِالبَرِّ فَنَزَلَهُ، فَسُمِّيَ الجَبَلُ جَبَلَ طَارِقٍ إِلَى اليَومِ.

فَلَمَّا تَكَامَلَ أَصحَابُ طَارِقٍ بِالجَبَلِ نَزَلَ مِنهُ وَفَتَحَ الجَزِيرَةَ الخَضرَاءَ، فَأَصَابَ بِهَا عَجُوزًا فَقَالَت لَهُ: إِنِّي كَانَ لِي زَوجٌ وَكَانَ عَالِمًا بِالحَوَادِثِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ عَن أَمِيرٍ يَدخُلُ بَلَدَهُم وَيَفتَحُهَا، وَوَصَفَ مِن نَعتِهِ أَنَّهُ ضَخمُ الهَامَةِ، وَأَنَّ فِي كَتِفِهِ اليُسرَى شَامَةً عَلَيهَا شَعَرٌ، فَكَشَفَ طَارِقٌ ثَوبَهُ فَإِذَا الشَّامَةُ كَمَا ذَكَرَت، فَاستَبشَرَ طَارِقٌ أَيضًا هُوَ وَمَن مَعَهُ.

ويُحكَى أنَّهُ كَانَ فِي طُلَيطَلَةَ بَيتٌ مُغلَقٌ عَلَيهِ عِدَّةُ أَقفَالٍ وُكِّلَ بِهِ قَومٌ مِنَ القُوطِ ـ وَهُم سُكَّانُ بِلَادِ الأَندَلُسِ ـ لِئَلَا يُفتَحَ، وَقَد عَهِدَ الأَوَّلُ فِي ذَلِكَ إِلَى الآخِرِ، فَكُلَّمَا تَوَلَّى مِنهُم مَلِكٌ أَتَاهُ أُولَئِكَ المُوكَلُونَ بِالبَيتِ فَأَخَذُوا مِنهُ قُفلًا وَصَيَّرُوهُ عَلَى ذَلِكَ البَابِ مِن غَيرِ أَن يُزِيلُوا قُفلَ مَن تَقَدَّمَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ لُذرِيقُ عَلَى العَرشِ أَتَاهُ الحُرَّاسُ يَسأَلُونَهُ أَن يُقفِلَ عَلَى البَابِ، فَقَالَ لَهُم: لَا أَفعَلُ حَتَّى أَعلَمَ مَا فِيهِ، وَلَا بُدَّ لِي مِن فَتحِهِ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّهُ لَم يَفعَل هَذَا أَحَدٌ مِمَّن قَبلَكَ وَنَهَوهُ عَن فَتحِهِ، فَلَم يَلتَفِت إِلَيهِم وَظَنَّ أَنَّهُ بَيتُ مَالٍ، فَفَضَّ الأَقفَالَ عَنهُ وَدَخَلَ فَوَجَدَهُ فَارِغًا لَا شَيءَ فِيهِ إِلَّا تَابُوتًا عَلَيهِ قُفلٌ، فَأَمَرَ بِفَتحِهِ فَألفَاهُ أيضًا فَارِغًا إِلَّا لَوحَةً قَد صُوِّرَت فِيهَا صُوَرُ العَرَبِ عَلَيهِمُ العَمَائِمَ وَتَحتَهُم الخُيُولُ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ رَافِعِي الرَّايَاتِ عَلَى الرِّمَاحِ، وَفِي أَعلَاهَا أَسطُرٌ مَكتُوبَةٌ بِالأَعَجَمِيَّةِ، فَقُرِئَت فَإذِا فِيهَا: إِِذَا كُسِرَتِ الأَقفَالُ عَن هَذَا البَيتِ وَفُتِحَ هَذَا التَّابُوتُ فَظَهَرَ مَا فِيهِ مِن هَذِهِ الصُّوَرِ فَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ المُصَوَّرَةَ فِي هَذِهِ اللوحَةِ تَدخُلُ الأَندَلُسَ.

فتح بلاد الأندلس

لَمَّا بَلَغَ لُذرِيقَ خَبَرُ غَزوِ طَارِقٍ بِلَادَهُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيهِ، فَجَمَعَ لَهُ جَمعًا يُقَالُ إِنَّهُ بَلَغَ مِائَةَ أَلفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ طَارِقًا الخَبَرُ كَتَبَ إِلَى مُوسَى بنِ نُصَيرٍ يَستَمِدُّهُ وَيُخبِرُهُ بِمَا فَتَحَ مِنَ البِلَادِ وَأَنَّهُ زَحَفَ إِلَيهِ مَلِكُ الأَندَلُسِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، فَبَعَثَ مُوسَى إِلَيهِ بِخَمسَةِ آلَافٍ، فَتَكَامَلَ المُسلِمُونَ اثنَي عَشَرَ أَلفًا وَمَعَهُم يُوليَانُ يَدُلُّهُم عَلَى عَورَةِ البِلَادِ وَيَتَجَسَّسُ لَهُمُ الأَخبَارَ.

فَأَتَاهُم لُذرِيقُ فِي جُندِهِ، فَالتَقَوا عَلَى نَهرِ لَكَّةَ لليلَتَينِ بَقِيَتَا مِن رَمَضَانَ سَنَةَ اثنَتَينِ وَتِسعِينَ، وَاتَّصَلَتِ الحَربُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عَلَى مَيمَنَتِهِ وَمَيسَرَتِهِ وَلَدَا المَلِكِ الذِي كَانَ قَبلَهُ وَغَيرُهُمَا مِن أَبنَاءِ المُلُوكِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الهَزِيمَةِ بُغضًا لِلُذرِيقَ، وَقَالُوا: إِنَّ المُسلِمِينَ إِذَا امتَلَأَت أَيدِيهِم مِنَ الغَنِيمَةِ عَادُوا إِلَى بِلَادِهِم وَبَقِيَ المُلكُ لَنَا، فَانهَزَمُوا وَهَزَمَ اللهُ لُذرِيقَ وَمَن مَعَهُ، وَغَرِقَ لُذرِيقُ فِي النَّهرِ، وَسَارَ طَارِقٌ إِلَى مَدِينَةِ إِستِجَةَ مُتَّبِعًا لَهُم، فَلَقِيَهُ أَهلُهَا وَمَعَهُم مِنَ المُنهَزِمِينَ خَلقٌ كَثِيرٌ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انهَزَمَ أَهلُ الأَندَلُسِ، وَلَم يَلقَ المُسلِمُونَ بَعدَهَا حَربًا مِثلَهَا.

تساقط البلاد واحدة تلو الأخرى

وَلَمَّا سَمِعَتِ القُوطُ ـ القَومُ الذِين كَانُوا يَسكُنُونَ الأَندَلُسَ ـ بِهَاتَينِ الهَزِيمَتَينِ قَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعبَ فَهَرَبُوا إِلَى طُلَيطَلَةَ، فَلَمَّا دَخَلُوا طُلَيطَلَةَ وَأَخلَوا مَدَائِنَ الأَندَلُسِ قَالَ لَهُ يُوليَانُ: قَد فَرَغتَ مِنَ الأَندَلُسِ، فَفَرِّق جُيُوشَكَ وَسِر أَنتَ إِلَى طُلَيطَلَةَ، فَفَرَّقَ جُيُوشَهُ مِن مَدِينَةِ إِستِجَةَ، وَبَعَثَ جَيشًا إِلَى قُرطُبَةَ، وَجَيشًا إِلَى غَرنَاطَةَ، وَجَيشًا إِلَى مَالَقَةَ، وَجَيشًا إِلَى تُدمِيرَ، وَسَارَ هُوَ وَمُعظَمُ الجيشِ إِلَى جَيَّانَ يُرِيدُ طُلَيطَلَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ طُلَيطَلَةَ وَجَدَهَا خَالِيَةً، وَقَد لَحِقَ مَن كَانَ بِهَا بِمَدِينَةٍ خَلفَ الجَبَلِ يُقَالُ لَهَا مَايَةَ.

فَأَمَّا الجَيشُ الذِي سَارَ إِلَى قُرطُبَةَ فَإِنَّهُم دَلَّهُم رَاعٍ عَلَى ثَغرَةٍ فِي سُورِهَا، فَدَخَلُوا مِنهَا البَلَدَ وَمَلَكُوهُ.

وَأَمَّا الذِينَ قَصَدُوا تُدمِيرَ فَلَقِيَهُم مَلِكُهَا، وَكَانَ مَعَهُ جَيشٌ كَثِيفٌ، فَقَاتَلَهُم قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انهَزَمَ فَقُتِلَ مِن أَصحَابِهِ خَلقٌ كَثِيرٌ، وَفَتَحَ سَائِرُ جيُوشِ المُسلِمِينَ مَا قَصَدُوا إِلَيهِ مِنَ البِلَادِ.

ثم دَخلَ مُوسَى بنُ نُصَيرٍ الأَندَلُسَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسعِينَ فِي جَمعٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ لَهُ الأَدِلَّاءُ ـ جَمعُ دَلِيلٍ وَهُم الذِين يَعرِفُونَ تِلكَ البِلَادَ ـ: نَحنُ نَدُلُّكَ على مَدَائِنَ لَم تُفتَح بَعدُ، وَوَعَدَهُ يُوليَانُ بِفَتحٍ عَظِيمٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ وسَارُوا بِهِ إِلَى مَدِينَةِ ابنِ السُّلَيمِ فَافتَتَحَهَا عُنوَةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ قَرمُونيَةَ، وَهِيَ أَحصَنُ مُدُنِ الأَندَلُسِ، فَقَدِمَ إِلَيهَا يُوليَانُ عَلَى حَالِ المُنهَزِمِينَ مَعَهُمُ السِّلَاحُ فَأَدخَلُوهُم مَدِينَتَهُم، فَأَرسَلَ مُوسَى إِلَيهِمُ الخَيلَ فَفَتَحُوهَا لَهُم لَيلًا وَدَخَلَهَا المُسلِمُونَ وَمَلَكُوهَا، ثُمَّ سَارَ مُوسَى إِلَى إِشبِيلِيَةَ وَهِيَ مِن أَعظَمِ مَدَائِنِ الأَندَلُسِ بُنيَانًا وَأَعَزِّهَا آثَارًا، فَحَاصَرَهَا أَشهُرًا، وَفَتَحَهَا وَهَرَبَ مَن بِهَا، ثُمَّ بَاتَت تَتَسَاقَطُ مُدُنُ الأندَلُسِ وَاحِدَةً تِلوَ الأُخرَى، وَأَوغَلَ مُوسَى بنُ نُصيرٍ فِي بِلَادِ الإفرِنجِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيهِ.

الغنائم

غَنِمَ المُسلِمُونَ من تِلكَ البِلادِ غَنَائِمَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وَالجَوَاهِرِ وَالأَثَاثِ وَالخَيلِ الشَّيءَ الكَثِيرَ الكَثِيرَ، فَكَانُوا يَجِدُونَ الطِّنفِسَةَ مَنسُوجَةً بُقضبَانِ الذَّهَبِ مَنظُومَةً بِاللُّؤلُؤِ وَاليَاقُوتِ وَالزَّبَرجَدِ لَا يَستَطِيعُونَ حَملَهَا فَيَقطَعُونَهَا نِصفَينِ.

وَمِمَّا وُجِدَ فِي الغَنَائِمِ مِائَةٌ وَسَبعُونَ تَاجًا للمُلوكِ من ذَهَبٍ مُرَصَّعَةٌ بِالدُّرِّ وَأَصنَافِ الجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ، وَقِيلَ أَنَّهُم وَجَدُوا مَائِدَةَ سُليمَانَ بنِ دَاودَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وَيُقَالُ إِنَّهَا مِن مَنهُوبَاتِ – بُختَ نصَّر- لَمَّا خَرَّبَ بَيتَ المَقدِسِ، وَقِيلَ فِي وَصفِهَا: إِنَّهَا كَانَت مَصنُوعَةً مِنَ الذَّهَبِ مُرَصَّعَةً بِالدُرِّ وَاليَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ، لَم يرَ الرَّاؤُونَ مِثلَهَا فِي الصَّنعَةِ، وَكَانَ لَهَا خَمسٌ وَسِتُّونَ رِجلًا، وَقَد حُمِلَت إِلَى الوَلِيدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ مَعَ غَيرِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالجَوَاهِرِ وَنَفَائِسِ الأَمتِعَةِ، ثُمَّ وَصَلَتِ الجُيُوشُ إِلَى أَوَاسِطِ بِلَادِ أُورُوبَا وَصَارَت جَمِيعُ بِلَادِ الأندَلُسِ وَبِلَادِ شَمَالِ إِفرِيقِيَّةَ بِيَدِهِم. 

الخاتمة

قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: نَحنُ قُومٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلَامِ، فَإِنِ ابتَغَينَا العِزَّةَ بِغَيرِهِ أَذَلَّنَا اللهُ.

فَمَن قَرَأَ تَارِيخَ أُمَّتِنَا المَجِيدَ عَرَفَ مَا العِزُّ الَّذِي كُنَّا فِيهِ بِسَبَبِ التَّمَسُّكِ بِالشَّرِيعَةِ وَتَعَالِيمِ الإسلَامِ، وَهَذَا الفَتحُ العَظِيمُ لِبِلَادِ الأندَلُسِ أَثمَرَ عُلَمَاءَ فِي شَتَّى الفُنُونِ وَالعُلُومِ فَعَلَّمُوا الدُّنيَا الحَضَارَةَ وَالعُلُومِ، وَهَذَا لَيسَ إِلَّا غَيضًا مِن فَيضٍ مِن عِزٍّ كُنَّا فِيهِ بِبَرَكَةِ تَمَسُّكِنَا بِالإسلَامِ وَشَرِيعَتِهِ.

نَسأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَن يَتُوبَ عَلينَا، وَأَن يُعِزَّ الإِسلَامَ وَأَهلَهُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. كِتَابِ الكَامِلِ فِي التَّارِيخِ لِابنِ الأَثِيرِ.
  2. مُعجَمِ البُلدَانِ لِيَاقُوتَ الحَمَوِيِّ.
  3. الوَافِي بِالوَفياتِ لِلصَّفَدِيِّ.
  4. تَارِيْخِ الطَّبَرِيِّ لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ.
  5. نَفحِ الطِّيبِ مِن غُصنِ الأَندَلُسِ الرَّطِيبِ لِلتِّلِمسَانِيِّ.