بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
أَحكَامُ النَّذرِ مِن أَكثَرِ الأَحكَامِ الَّتِي يَنبَغِي الِاعتِنَاءُ بِهَا، فَهِيَ تَدخُلُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلَهَا تَشَعُّبَاتٌ وَتَفَاصِيلُ كَثِيرَةٌ، وَقَد يَكُونُ النَّذرُ قُربَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى وَفِيهِ ثَوَابٌ لِفَاعِلِِهِ، كَمَا أَنَّ الشَّرعَ حَثَّ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ وَأَوجَبَهُ فِي حَالَاتٍ، فَلِذَلِكَ أَولَاهَا العُلَمَاءُ اهتِمَامًا كَبِيرًا بِبَيَانِ أَحكَامِهَا وَتَفَاصِيلِهَا وَصُوَرِهَا وَحَالَاتِهَا، وَشَرحِ مَعَانِي وَأَنوَاعِ النَّذرِ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا المَقَالِ جُملَةٌ مِن أَحكَامِ النَّذرِ نُورِدُهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لِكَثرَةِ الأَسئِلَةِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا المَوضُوعِ.
معنى النذر لغة وشرعا
النذر لغة: مَا يَلتَزِمُهُ الإِنسَانُ وَيَجعَلُهُ عَلى نَفسِهِ وَاجِبًا، أَوِ الوَعدُ بِخَيرٍ أَو شَرٍّ.
وَشَرعًا: التِزَامُ قُربَةٍ غَيرِ لَازِمَةٍ فِي أَصلِ الشَّرعِ بِشُرُوطٍ مَخصُوصَةٍ.
الدليل على مشروعية النذر
الأَصلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَشرُوعِيَّةِ النَّذرِ:
آيَاتٌ مِنهَا: قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذرِ وَيَخَافُونَ يَومًا كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيرًا﴾، [سُورَةُ الإِنسَانِ:7].
وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَحَادِيثُ وَأَخبَارٌ كَقَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَن نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَليُطِعهُ، وَمَن نَذَرَ أَن يَعصِيَهُ فَلا يَعصِهِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى مُختَلِفِ أَحكَامِ النَّذرِ كَمَا سَيَأتِي بَيَانُ بَعضِهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
أركان النذر
أَركَانُهُ ثَلَاثَةٌ:
- النَّاذِرُ، وَهُوَ الشَّخصُ المُتَلَفِّظُ بِالنَّذرِ.
- وَالمَنذُورُ، وَهُوَ الشَّيءُ أَوِ العَمَلُ الَّذِي التَزَمَهُ النَّاذِرُ.
- وَالصِّيغَةُ، وَهِيَ اللَّفظُ الَّذِي تَلَفَّظَ بِهِ النَّاذِرُ.
شروط الناذر
يُشتَرَطُ فِي النَّاذِرِ حَتَّى يَصِحَّ النَّذرُ عِدَّةُ شُرُوطٍ، مِنهَا:
- إِسلَامٌ، وَهُوَ شَرطٌ فِي نَذرِ التَّبَرُّرِ لَا اللَّجَاجِ، وَسَيَأتِي بَيَانُ مَعنَاهُمَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
- وَاختِيَارٌ، فَلَا يَصِّحُ مِنَ المُكرَهِ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالنَّذرِ وَلَا يَلزَمُهُ الوَفَاءُ بِهِ.
- وَنُفُوذُ تَصَرُّفٍ فِيمَا يَنذِرُهُ، أَي أَن يَصِحَّ مِنهُ التَّصَرُّفُ فِي الشَّيءِ الَّذِي نَذَرَهُ، فَلَا يَصِحُّ مِن صَبِيٍّ وَمَجنُونٍ لِأَنَّهُمَا لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا فِي أَموَالِهِمَا. وَلَا يَصِحُّ مِن مَحجُورٍ عَلَيهِ بِسَفَهٍ فِي القُرَبِ المَالِيَّةِ أَي لَا يَصِحُّ النَّذرُ مِنَ الَّذِي حَجَرَ عَلَيهِ القَاضِي بِسَبَبِ سَفَهِهِ وَهُوَ سُوءُ التَّصَرُّفِ فِي الأَموَالِ، كَالَّذِي يَشتَرِي شَيئًا رَخِيصًا بِسِعرٍ بَاهِظٍ، إِذَا كَانَ النَّذرُ يُحوِجُ إِلَى تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ، أَمَّا لَو كَانَ النَّذرُ التِزَامَ عِبَادَةٍ كَصَلَاةِ نَفلٍ أَو صِيَامٍ أَو نَحوِهِ فَيَصِحُّ. وَلَا يَصِحُّ مِن مَحجُورٍ عَلَيهِ بِفَلَسٍ فِي القُرَبِ المَالِيَّةِ العَينِيَّةِ، أَي لَا يَصِحُّ مِمَّن حَجَرَ القَاضِي عَلَى أَموَالِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ غَرِقَ فِي الدُّيُونِ إِذَا كَانَ النَّذرُ يُحوِجُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي أَعيَانِ مَالِهِ، أَمَّا النَّذرُ الَّذِي يُحوِجُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي الذِّمَّةِ فَيَصِحُّ.
شروط المنذور
يُشتَرَطُ فِي المَنذُورِ حَتَّى يَصِحَّ النَّذرُ عِدَّةُ شُرُوطٍ، مِنهَا:
- أَن يَكُونَ قُربَةً غَيرَ وَاجِبَةٍ وجوبَ عَينٍ، نَفلًا كَانَت أَم فَرضَ كِفَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ وَلَا يَنعَقِدُ نَذرُ وَاجِبٍ عيني كَالصَّلَوَاتِ الخَمسِ.
وَأمَّا إِن كَانَ وَاجِبًا عَلَى الكِفَايَةِ أَو نَفلًا فَيَنعَقِدُ نَذرُهُ وَيَلزَمُهُ الوَفَاءُ بِهِ. أَو كَانَ خَصلَةً مُعَيَّنَةً مِن خِصَالِ الوَاجِبِ المُخَيَّر، كَأَن وَجَبَ عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَكَانَ قَادِرًا عَلى كُلٍّ مِنَ العِتقِ وَالكِسوَةِ وَالإِطعَامِ فَالتَزَمَ العِتقَ بِالنَّذرِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِندَئِذٍ يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.
فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَصِحُّ نَذرُ مَعصِيَةٍ كَشُربِ خَمرٍ، وَلا نَذرُ مُبَاحٍ أَى مَا يَستَوِى فِعلُهُ وَتَركُهُ، فَلَا يَلزَمُ الفِعلُ أَىِ الوَفَاءُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَيسَ قُربَةً. وَمِثلُ نَذرِ المَعصِيَةِ نَذرُ المَكرُوهِ، كَنَذرِ شَخصٍ صَومَ الدَّهرِ وَهُوَ يَخشَى بِهِ الضَّرَرَ فَلَا يَنعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
شروط الصيغة
يُشتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ حَتَّى يَصِحَّ النَّذرُ عِدَّةُ شُرُوطٍ، مِنهَا:
- أَن تَكُونَ لَفظًا يُشعِرُ بِالالتِزَامِ: كَلِلَّهِ علَيَّ كَذَا، أَو عَلَيَّ كَذَا، فَلَو قَالَ بِالعَامِيَّة: (نَدرًا عَلَيَّ) بِالدَّالِ المُهمَلَةِ كَمَا جَرَت العَادَةُ فِي بِلَادِ الشَّامِ وَمِصرَ وَقَعَ النَّذرُ.
فَلَا تَصِحُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَةِ، وَلَا بِلَفظٍ لَا يُشعِرُ بِالالتِزَامِ كَـ(أَفعَلُ كَذَا).
أقسام النذر
النَّذرُ ضَربَانِ:
- أَحَدُهُمَا: نَذرُ اللَّجَاجِ بِفَتحِ اللام، وَهُوَ التَّمَادِي فِي الخُصُومَةِ، وَهُوَ الخَارِجُ مَخرَجَ اليَمِينِ، لِأَنَّ النَّاذِرَ:
- يَقصِدُ مَنعَ نَفسِهِ مِنَ الشَّيءِ، نَحوُ: إِن كَلَّمتُ فُلَانًا فَلِلهِ عَليَّ كَذَا.
- أَو حَثَّهَا على فِعلِهِ، نَحوُ: إِن لَم أَدخُلِ الدَّارَ فَلِلهِ عليَّ كذا.
- أَو تَحقِيقَ خَبرٍ، نَحوُ: إِن لَم يَكُنِ الأَمرُ كَمَا قُلتُ فَلِلهِ علَيَّ كذا.
وَلَا يَقصِدُ القُربَةَ في كل ذلك، فَلِذَلِكَ يَصِحُّ مِنَ الكَافِرِ.
- وَالثَّانِي: نَذرُ التَّبَرُّرِ: وَهُوَ قُربةٌ فَلَا يَصِحُّ مِنَ الكَافِرِ، وَيَكُونُ على نَوعَينِ:
- أَحَدُهُمَا: أَن لَا يُعَلِّقَهُ النَّاذِرُ على شَيءٍ مَرغُوبٍ فِيهِ وَمَحبُوبٍ لِلنَّفسِ، كَأَن يَقُولَ ابتِدَاءً: للهِ علَيَّ كَذَا، يَقصِدُ إِلزَامَ نَفسِهِ بِهِ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ مِن غَيرِ أَن يَقصِدَ تَعلِيقَهُ عَلَى حُصُولِ أَمرٍ.
- وَالثَّانِي: نَذرُ المُجَازَاةِ أَي المُكَافَأَةِ، وَهُوَ أَن يُعَلِّقَهُ النَّاذِرُ عَلَى حُصُولِ مَرغُوبٍ: كَحُدُوثِ نِعمَةٍ، أَو زَوَالِ نِقمَةٍ، نَحوُ: إِن شَفَى اللهُ مَرِيضِي فَللهِ عَليَّ أَن أَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ.
حكم النذر بأنواعه المذكورة
النَّذرُ الَّذِى مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الوَفَاءَ بِهِ هُوَ النَّذرُ الَّذِى يَكُونَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ مِن غَيرِ تَعلِيقٍ بِشَىءٍ، قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا نَذرُ التَّبَرُّرِ فَهُوَ قُربَةٌ مَحضَةٌ، لِأَنَّ لِلنَّاذِرِ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَن يُثَابَ عَلَيهِ ثَوَابَ الوَاجِبِ، وَهُوَ فَوقَ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ.
أَمَّا نَذرُ المُجَازَاةِ فَقَد قِيلَ إِنَّهُ مَكرُوهٌ، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي المُفهِمِ: وَوَجهُ الكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعلَ القُربَةِ المَذكُورَ عَلَى حُصُولِ الغَرَضِ المَذكُورِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَم يَتَمَحَّض لَهُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِمَا صَدَرَ مِنهُ، بَل سَلَكَ فِيهَا مَسلَكَ المُعَاوَضَةِ، وَيُوضِحُهُ أَنَّهُ لَو لَم يُشفَ مَرِيضُهُ لَم يَتَصَدَّق بِمَا عَلَّقَهُ عَلَى شِفَائِهِ، وَهَذِهِ حَالَةُ البَخِيلِ، فَإِنَّهُ لا يُخرِجُ مِن مَالِهِ شَيئًا إِلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ يَزِيدُ عَلَى مَا أَخرَجَ غَالِبًا.
فنذر التبرر يَلزَمُهُ الوَفَاءُ بِهِ، سَوَاءٌ مَا كَانَ فِي المُجَازَاةِ أَم فِي غَيرِهِ مِن غَيرِ تَعلِيقٍ.
وَأَمَّا نَذرُ اللَّجَاجِ مَكرُوهٌ لا يُحِبُّه اللَّهُ، وهُوَ مُخَيَّرٌ بَينَ فِعلِ مَا التَزَمَهُ وَبَينَ كَفَّارَةِ اليَمِينِ.
بيان كفارة اليمين
مَن لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَينَ وَاحِدَةٍ مِنَ ثَلَاثَةِ أمور، وَلَا تَرتِيبَ بَينَهَا، وَهِيَ:
- إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ.
- أَو كِسوَتُهُم.
- أَو تَحرِيرُ رَقَبَةٍ.
فَإِن عَجَزَ عَن الثَّلَاثَةِ، وَلَم يَستَطِع أَن يَفعَلَ وَاحِدًا مِنهَا فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يُجزِئُ الصِّيَامُ إِلاَّ بَعدَ العَجزِ عَن فِعلِ وَاحِدٍ مِنَ الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.
الوفاء بالنذر واجب؟
اعلَم أَنَّ النَّذرَ إِمَّا أَن يَكُونَ
- على قُربَةٍ غَيرِ وَاجِبَةٍ، فَهَذَا يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ وَهُوَ نَذرُ التَّبَرُّرِ وَالمُجَازَاةِ.
- أَو على قُربَةٍ وَاجِبَةٍ، كَأَن يَقُولَ: لله عَلَيَّ أَن أُصَلِىَ الظُّهرَ، لَا يَصِحُّ وَلَا يَنعَقِدُ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصلِ الشَّرعِ، فَهُوَ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يُصَلِّيَ الظُّهرَ وَلَم يَتَغَيَّرِ الحُكمُ فِيهَا بِكُلِّ حَالٍ.
- أَو عَلى مُبَاحٍ، كَأَن قَالَ: للهِ عَليَّ أَن آكُل خُبزًا، فَلَا يَنعَقِدُ نَذرُهُ أَيضًا وَلَا يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.
- أَو على مَكرُوهٍ، كَأَن يَنذُرَ صَومَ الدَّهرِ لِمَن يَخشَى مَعَهُ فَوَاتَ حَقٍّ وَاجِبٍ عليهِ، فَلا يَنعَقِدُ وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ المَكرُوهَ لَا يُتَقَرَّبُ إِلى اللهِ بِهِ.
- أَو عَلى حَرَامٍ، كَأَن يَنذُرَ شُربَ خَمرٍ أَو قَتلَ شَخصٍ ظُلمًا، فَلَا يَنعَقِدُ وَلَا يَجِبُ كَفَّارَةُ اليَمِينِ بِمُخَالَفَتِهِ.
بيان جملة من أحكام النذر التي يكثر السؤال عنها
هل يكون الوفاء على الفور أم يجوز على التراخي؟
إِنَّ تَنفِيذَ النَّذرِ يجوز أن يكون عَلَى التَّرَاخِي، وَلَيسَ شَرطًا أَن يَكُونَ عَلَى الفَورِ، إِلَّا أَن حَدَّدَ وَقتًا فَيفي به فِي الوَقتِ الَّذِى حَدَّدَهُ.
ما حكم من نذر صلاة من غير أن يعين عدد ركعات؟
مَن نَذَرَ صَلاةً فَيَكفِيهِ أَن يُصَلِّىَ رَكعَةً، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ رَكعَةُ الوِترِ، فَإِذَا لَم يُعَيِّنِ العَدَدَ إِنَّمَا نَذَرَ أَن يُصَلِّىَ لِلَّهِ نَفلًا، إِن شَاءَ يُصَلِّى رَكعَةً أَو رَكعَتَينِ أَو أَكثَرَ، فَإِن حَدَّدَ يَأتِى بِالعَدَدِ الَّذِى ذَكَرَهُ.
ما حكم من نذر أن يصوم من غير أن يحدد العدد؟
مَن نَذَرَ أَن يَصُومَ وَلَم يُحَدِّد فِى نَذرِهِ يَكفِى صَومُ يَومٍ، فَإِن حَدَّدَ يَأتِى بِالعَدَدِ الَّذِى ذَكَرَهُ.
نذرت أن أذبح خروفا ولم أحدد كم عمر هذا الخروف، ماذا أفعل؟
مَن نَذَرَ أَن يَذبَحَ خَرُوفًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَم يُحَدِّد كَم عُمُرُ هَذَا الخَرُوفِ يَذبَحُ خَرُوفًا عُمُرُهُ سَنَةً أَو أَسقَطَ مُقَدَّمَ أَسنَانِهِ.
وَلَيسَ لِلنَّاذِرِ أَن يَأكُلَ مِن نَذرِهِ الَّذِى نَذَرَهُ وَلا أَن يُطعِمَ أَولادَهُ الأَطفَالَ أو زوجته أو أحدا ممن يجب عليه أن ينفق عليه مِن هذا الخروف، لا يُطعِمُ إِلَّا الفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُم عَلَيهِ نَفَقَةٌ.
نذرت أن أفعل شيئا تقربا إلى الله ثم نسيت ما هو، ماذا أفعل؟
مَن نَذَرَ شَيئًا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ نَسِىَ مَا هُوَ يَنتَظِرُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ.
نذرت وشككت هل نذرت قراءة القرآن أو التهليل، ماذا أفعل؟
مَن شَكَّ هَل نَذَرَ قِرَاءَةَ القُرءَانِ أَو التَّهلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ مَثَلًا يَنتَظِرُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ.
نذرت أن أصلى عددا معينا ثم شككت فيه، ماذا أفعل؟
مَن شَكَّ هَل نَذَرَ صَلاةَ مِائَةِ رَكعَةٍ أَو أَلفِ رَكعَةٍ فَليَفعَلِ الأَقَلَّ وَلا يَلزَمُهُ الأَكثَرُ.
من نذر أن يتصدق ثم مات قبل أن يتصدق، ماذا يفعل الورثة؟
مَن نَذَرَ أَن يَتَصَدَّقَ بِشَىءٍ مِنَ المَالِ ثُمَّ مَاتَ قَبلَ أَن يَفعَلَ، يُخرِجُ أَهلُهُ مِن تَرِكَتِهِ مالا وَيُنَفِّذُونَ هَذَا النَّذرَ، لِأَنَّ هَذَا صَارَ دَينًا للَّهِ، كَالَّذِى وَجَبَت عَلَيهِ الزَّكَاةُ فَلَم يُزَّكِّ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ.
نذرت أن آكل تمرا؟
مَن نَذَرَ أَن يَأكُلَ التَّمرَ لا يَثبُتُ لِأَنَّهُ لَيسَ قُربَةً إِلَى اللَّهِ بمجرده.
نذرت أن أشرب الشاي أو أن لا أشربه؟
الَّذِى يَنذُرُ أَن يَشرَبَ الشَّايَ أَو أَن لا يَشرَبَهُ هَذَا لا يَثبُتُ نذره، لِأَنَّ شُربَ الشَّايِ بمجرده لَيسَ فِيهِ ثَوَابٌ.
نذرت أن أشرب ماء زمزم؟
مَن نَذَرَ شُربَ مَاءِ زَمزَمَ يَثبُتُ نَذرُهُ، لِأَنَّ شُربَ مَاءِ زَمزَمَ فِيهِ قُربَةٌ.
هل يجوز النذر للأولياء من أهل القبور؟
النَّذرُ لِلأَولِيَاءِ مِن أَهلِ القُبُورِ كَالأَوزَاعِيِّ وَالسَّيِّدَةِ زَينَبَ، إِن كَانَ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِبِالتَّصَدُّقِ عَن رُوحِ الأَوزَاعِيِّ مَعَ رَجَاءِ أَن يَقضِىَ اللَّهُ حَاجَتَهُ بِبَرَكَةِ هَذَا الخَيرِ الَّذِى فَعَلَهُ فَلا بَأسَ، فَإِن كَانَ النَّذرُ خَرُوفًا يَنوِى أَنَّهُ يُطعِمُ لَحمَهُ لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ هُنَاكَ أَوِ الخَادِمِ الَّذِى يَرعَى المَقَامَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ مَعَ نِيَّةِ أَن يَقضِىَ اللَّهُ حَاجَتَهُ فَإِنَّ هَذَا لا بَأسَ بِهِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَم يَخطُر بِبَالِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بل نوى تَعظِيمَ هَذَا الوَلِيِّ فَلا يَصِحُّ هَذَا النَّذرُ.
وبعض النَّاسِ الذين يفعلون هذا نَذرُهُم بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لا يَخطُرُ بِبَالِهِمُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِالتَّصَدُّقِ عَن رُوحِ هَذَا الوَلِيِّ، بل ينوون تَعظِيمَ هَذِهِ البُقعَةِ بِاعتِقَادِهِم أَنَّ لَهَا خُصُوصِيَّةً فِى دَفعِ المَكرُوهِ وَجَلبِ المَنفَعَةِ، وَهَذَا النَّذرُ شَبِيهٌ بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ، فَيَكُونُ النَّذرُ شِركًا وَكُفرًا كَمَا لَو نَذَرَ شَخصٌ لِوَلِىٍّ أَو وَلِيَّةٍ تَقَرُّبًا إِلَى ذَلِكَ الوَلِيِّ أَو تِلكَ الوَلِيَّةِ لَيسَ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بَلِ النَّذرُ لَهُمَا بِنِيَّةِ أَنَّ هَذَا الوَلِيَّ أَو هَذِهِ الوَلِيَّةَ يَقضِى الحَاجَاتِ وَيُفَرِّجُ الكُرُبَاتِ نَاسِيًا اللَّهَ تَعَالَى، مَا خَطَرَ بِبَالِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ، فَهَذَا النَّذرُ فَاسِدٌ وَبَاطِلٌ وَكُفرٌ.
الخاتمة
مَن أَحَبَّ أَن يَكُونَ لِلأَنبِيَاءِ وَارِثا، وَفِي مَزَارِعهم حَارِثًا، فَليَتَعَلَّمِ العِلمَ النَّافِعَ وَهُوَ عِلمُ الدِّينِ، فَفِي الحَدِيثِ: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَليَحضُر مَجَالِسَ العلمَاءِ فَإِنَّهَا رِيَاضُ الجنَّةِ.
وَمَن أَحَبَّ أن يَعلَمَ مَا نَصِيبُهُ مِن عِنَايَةِ اللهِ فَلينظُر مَا نَصِيبُهُ مِنَ الفِقهِ فِي دِينِ اللهِ، فَفِي الحَدِيثِ: «مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَمَن سَأَلَ عَن طَرِيق تَبَلِّغُهُ الجَنَّةَ فَليَمشِ إِلى مَجلِسِ العِلمِ، فَفِي الحَدِيث: «مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهَا عِلمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلى الجنَّة»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ.
وَمَن أَحَبَّ أَلَا يَنقَطِعَ عَمَلُهُ بَعدَ مَوتِهِ فَليَنشُرِ العِلمَ بِالتَّدوِينِ وَالتَّعلِيمِ، فَفِي الحَدِيثِ: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يَنتَفِعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَه»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله عَنهُ: “مَن حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَعُمِلَ بِهِ فَلَهُ أَجرُ مِثلِ ذَلِك العَمَل”.
فَيَا طَالِبَ المَجدِ وَالجَلالَةِ وَالرِّفعَةِ وَالمَكرمَاتِ وَالشَّرَفِ، تَعَلَّمِ العِلمَ واحتَسِبهُ لِوَجهِ اللهِ لَا للمَعَاشِ وَالحِرَفِ، وَخُذهُ مِن فَوقٍ، فأنفع العلوم لَنَا مَا رُوِىَ عَنِ السَّلَفِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- المُفهِمِ لِمَا أَشكَلَ مِن تَلخِيصِ كِتَابِ مُسلِمٍ لِلقُرطُبِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- نِهَايَةِ المُحتَاجِ لِشَمسِ الدِّينِ الرَّملِيِّ.
- المَجمُوعِ شَرحِ المُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ.