التابعي الجليل أصحمة النجاشي ملك الحبشة رضي الله عنه

أصحمة النجاشي - ملك الحبشة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ

سورة المائدة (83)

قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى ‌قَبْرِهِ ‌نُورٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ.

نَزَلَ الوَحيُ عَلَى النَّبِيِّ الأَمِينِ ﷺ، فَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ وَأَغْلَبُهُمُ الضُّعَفَاءُ الفُقَرَاءُ، وَخَافَتْ قُرَيشٌ عَلَى دِينِ أَجْدَادِهَا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَمُكْتَسَبَاتِ مَكَانَتِهَا، فَحَارَبَتْ مُحَمَّدًا ﷺ وَصَحْبَهُ وَدِينَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا يُصِيب أَصْحَابَهُ مِنَ البَلَاءِ قَالَ لَهُم: “لَو خَرَجْتُمْ إِلَى أَرضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا ‌لَا ‌يُظلَمُ ‌عِنْدَهُ ‌أَحَدٌ“.

هُوَ الصَّادِعُ بِالحَقِّ المُنَافِحُ عَنْهُ، إِنَّهُ صَفْحَةٌ مُشْرِقَةٌ فِي تَارِيخِ الأَبْطَالِ وَالرِّجَالِ، مَلِكُ الحَبَشَةِ الصَّالِحُ المُسْلِمُ، الَّذِي شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِ، إِنَّهُ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ أَصْحَمَةُ النَّجَاشِيُّ. 

معنى النجاشي

النَّجَاشِيُّ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَن مَلَكَ الرُّومَ قَيْصَرُ، وَمَنْ مَلَكَ الْفَرَسَ كِسْرَى، وَمَنْ مَلَكَ التُّرْكَ خَاقَانُ، وَمَنْ مَلَكَ الْقِبْطَ فِرْعَوْنُ، وَمَنْ مَلَكَ مِصْرَ الْعَزِيزُ، وَمَنْ ‌مَلَكَ ‌الْيَمَنَ ‌تُبَّعُ، وَمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ الْقَيْلُ.

توليه رضي الله عنه الحكم في الحبشة

يَرْوِي أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ أَبَا النَّجَاشِيِّ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ لِلْنَجَاشِيِّ عَمٌ، لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَقَالَتِ الحَبَشَةُ بَيْنَهَا: لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ، وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ، فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرَ هَذَا الغُلَامِ.

فَعَدَوا عَلَى أَبِي النَجَاشِيِّ، فَقَتَلُوهُ، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ، وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ، وَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا مِنَ الرِّجَالِ، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ.

فَلَمَّا رَأَتِ الحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ، تخوَّفُوا أَنْ يَثْأَرَ لِأَبِيهِ، فَخَرَجُوا بِهِ، فَبَاعُوهُ مِنْ رَجُلٍ تَاجِرٍ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيلُ هَاجَتْ سَحَابَةٌ، فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَقَتَلَتْهُ.

فَفَزِعَتِ الحَبَشَةُ إِلَى وَلَدِهِ، فَإِذَا هُمْ حَمْقَى، فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ واللهِ أَنَّ مَلِكَكُمُ الذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ قَدْ بِعْتُمُوهُ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوهُ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ، وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ المُلْكِ.

قصة النجاشي مع جعفر وأصحابه رضي الله عنهم

لَمَّا نَزَلَ الصَّحَابَةُ أَرْضَ الحَبَشَةِ، بَعَثَتْ قُرَيشٌ عُمَارَةَ بنَ الوَلِيدِ وَعَمْرَو بنَ العَاصِ لِيَعُودُوا بِهِمْ إِلَى مَكْةَ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَجَدَا لَهُ وَقَدَّمَا لَهُ الهَدَايَا فَقَبِلَهَا، ثَمَّ قَالَا لَهُ: أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عَمِّنَا سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِيْنِكُمْ، جَاءُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيْهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ.

فَأَبَى النَّجَاشِيُّ أَنْ يُسْلِمَهُمْ وَقَالَ: قَومٌ نَزَلُوا بِأَرضِي وَاختَارُونِي عَلَى مَن سِوَايَ، لَا أُسَلِّمُهُم حَتَّى أَسمَعَ مِنهُم، فَإِن كَانُوا كَمَا تَقُولُونَ أُسَلِّمُهُم لَكُمَا، وَإِن كَانُوا غَيرَ ذَلِكَ فَلَا أُسَلِّمُهُم، فَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَدَخَلَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ وَتَبِعَهُ المُسْلِمُونَ فَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: مَالَكَ لَا تَسْجُدُ لِلْمَلِكِ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّا لَا نَسْجُدُ إِلَّا للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدِّينُ الذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَيُّهَا المَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ المَيْتَةَ وَنَأْتِي الفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الجِوَارَ وَيَأْكُلُ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَعَدَّدَ عَلَيهِ أُمُورَ الإِسْلَامِ، ثم قال: فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شيئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَينَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جُوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَلَّا نُظْلَمَ عِنْدَكَ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ مِنْ شَيءٍ، فَقَرَأَ عَلَيهِ جَعْفَرٌ صَدْرًا مِنْ «كهيعص» أَيْ مِنْ سُوْرَةِ مَرْيَمَ، فَبَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَجَعْفَرٍ: إِنَّ هَذَا وَالذِي جَاءَ بِهِ عِيْسَى لَيَخْرُجُ عَنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ لِعَمْرٍو وَعُمَارَةَ: أَهُم عَبِيدٌ عِندَكُم؟ قَالَا: لَا، قَالَ: أَلَكُم عِندَهُم دَينٌ، قَالَا: لَا، فَقَالَ: انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمَا أَبَدًا.

إسلامه رضي الله عنه

بَعْدَ أَنْ خَرَجَ جَعْفَرُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، فَكَّرَ عَمْرُو بنُ العَاصِ بِحِيلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى قَولًا عَظِيمًا، فَأَرْسَلَ خَلْفَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ العَذْرَاءِ البَتُولِ، فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى بن مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا العُود (أَي لَقَد قُلتَ الحَقَّ وَمَا جَاوَزتَ الحَدَّ مَعَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الذِي نَجِدُ فِي الإِنْجِيلِ، وَأَنَّهُ الرَّسُولُ الذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ المُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَحْمِلُ نَعْلَيهِ، وَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ آمِنُونَ، مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، قَالَهَا ثَلَاثًا، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، ثُمَّ رَدَّ الهَدَايَا عَلَى عَمرِو بنِ العَاصِ وَعُمَارَةَ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا. 

رسالة النبي ﷺ له

بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي شَأْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا جَاءَ فِيهِ: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ الْمُؤْمِنَ الْمُهَيْمِنَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ (أَي أَنَّ عِيسَى رُوحٌ مُشَرَّفَةٌ عِندَ اللهِ وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ للهِ رُوحًا وَالعِيَاذُ بِاللهِ)، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ، فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتَّبِعَنِي فَتُؤْمِنَ بِي وَبِالَّذِي جَاءَنِي، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمُ ابْنَ عَمِّي جَعْفَرًا وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا جَاؤُوكَ فَاقْرِهِمْ، وَدَعِ التَّجَبُّرَ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ، فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى“، فَكَتَبَ النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، مِنَ النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ بْنِ أَبْجَرَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى مَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بَعَثْتَ بِهِ إِلَيْنَا، وَقَدْ قَرَيْنَا ابْنَ عَمِّكَ وَأَصْحَابَهُ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مُصَدَّقًا، وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَرِيحَا بْنِ الْأَصْحَمِ بْنِ أَبْجَرَ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ، فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ.

فرح النجاشي بوقعة بدر

رَوَى البَيهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ، قَالَ: أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَيْهِ خُلْقَانٌ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ.

قَالَ جَعْفَرٌ: فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِنَا، قَالَ: إِنِّي أُبَشِّرُكُمْ بِمَا يَسُرُّكُمْ، إِنَّهُ جَاءَنِي مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ عَيْنٌ لِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ نَصَرَ نَبِيَّهُ ﷺ، وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ، وَأُسِرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَقُتِلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، الْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، كَثِيرُ الْأَرَاكِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، كُنْتُ أَرْعَى بِهِ لِسَيِّدِي، رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، إِبِلَهُ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: مَا بَالُكَ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ، لَيْسَ تَحَتَكَ بِسَاطٌ، وَعَلَيْكَ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ، قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللهِ أَنْ يُحْدِثُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوَاضُعًا عِنْدَ مَا أَحْدَثَ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ، فَلَمَّا أَحْدَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي نَصْرَ نَبِيِّهِ ﷺ  أَحْدَثْتُ لَهُ هَذَا التَّوَاضُعَ.

دعاء النبي له

رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ أَنَّ جَعْفَرًا قَالَ لِلْنَبِيِّ ﷺ عَنِ النَّجَاشِيِّ: قَدْ فَعَلَ بِنَا كَذَا، وَحَمَّلَنَا، وَزَوَّدَنَا، ونَصَرَنَا، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرُ لِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ دَعَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: “‌اللهُمَّ ‌اغْفِرْ ‌لِلنَّجَاشِيِّ“، فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ آمِينَ.

وفاته رضي الله عنه

لَمْ يَجْتَمِعْ أَصْحَمَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَتَّى مَاتَ، رَوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى ‌النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، رَوَاهُ البُّخَارِيُّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ، سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الرَّوْضِ الْأُنُف لِلسُّهَيْليِّ
  2. دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ للْبَيْهَقِيِّ
  3. صِفَةِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ
خطبة الجمعة عن التعاون ومساعدة الناس

التعاون ومساعدة الناس

الخطبة الأولى الحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَدِيمِ الْجَبَّارِ، الْقَادِرِ الْعَظِيمِ الْقَهَّارِ، الْمُتَعَالِي عَنْ دَرَكِ الْخَوَاطِرِ وَالأَفْكَارِ، سَمِيعٌ يَسْمَعُ لَا…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share