السيدة الطاهرة مريم بنت عمران عليها السلام

السيدة الطاهرة مريم بنت عمران عليها السلام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى

﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا

سورة طَه (99)

اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَصَّ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ للِاتِّعَاظِ والاعْتِبَار وَلِتَثْبِيْتِ الْفُؤَادِ، فَقَدْ جَاءَ لِهَذَا كُلِّهِ ذِكْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِم فِيْ طَيَّاتِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ السَّيِّدَة الشَّرِيْفَةِ الْعَفِيْفَةِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ عَلَيْهَا السَّلَامُ.

التعريف بالسيدة مريم عليها السلام

هِيَ مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ مِن سُلَالَةِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ بَينَهَا وَبَينَهُ أَربَعَةٌ وَعِشرُونَ أَبًا، هِيَ الصِّدِّيقَةُ الوَلِيَّةُ البَتُولُ العَذرَاءُ الطَّاهِرَةُ الَّتِي تَرَبَّت فِي بَيتِ الفَضِيلَةِ وَعَاشَت عِيشَةَ الطُّهرِ وَالنَّزَاهَةِ وَالتَّقوَى، وَقَد أَثنَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيهَا فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ

سورة التحريم (12)

وَمَريَمُ اسمٌ أَعجَمِيٌّ غَيرُ مُنصَرِفٍ، وَقِيلَ: مَعنَاهُ بِالعِبرَانِيِّ خَادِمَةُ اللهِ، وَقِيلَ: أَمَةُ اللهِ، وَقِيلَ: مَعنَاهُ المُحَرَّرَةُ.

وَقَد كَانَ وَالِدُ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ عِمرَانُ رَجُلًا صَالِحًا عَظِيمًا وَعَالِمًا جَلِيلًا مِن عُلَمَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ، وَلَيسَ بِعِمرَانَ أَبِي مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، بَل بَينَهُمَا أَلْفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَعِمرَانُ وَالِدُ مَريَمَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. [سورة ءال عمران: 33].

وَكَانَت زَوجَتُهُ حَنَّةُ بِنتُ فَاقُودَ بنِ قُبَيلٍ عَاقِرًا لَا تَلِدُ وَكَانَت مِنَ العَابِدَاتِ، وَكَانَ زَكَرِيَّا نَبِيُّ اللهِ زَوجُ أُختِ مَريَمَ فِي قَولِ الجُمهُورِ، وَقِيلَ زَوجُ خَالَتِهَا.

ولادة السيدة مريم عليها السلام

كَانَت حَنَّةُ زَوجَةُ عِمرَانَ أُمُّ السَّيِّدَةِ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ مِنَ الصَّالِحَاتِ العَابِدَاتِ، وَكَانَت قَد كَبِرَت وَصَارَت عَجُوزًا وَلَم تَلِد وَلَدًا.

وَذَاتَ يَومٍ وَبَينَمَا هِيَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ إِذ أَبصَرَت طَائِرًا يُطعِمُ فَرخًا لَهُ، فَاشتَهَتِ الوَلَدَ، فَدَعَتِ اللهَ تَعَالَى أَن يَهَبَهَا وَلَدًا، وَنَذَرَت إِن رَزَقَهَا اللهُ تَعَالَى وَلَدًا أَن تَجعَلَهُ مِن سَدَنَةِ بَيتِ المَقدِسِ وَخَدَمِهِ، فَحَرَّرَت مَا فِي بَطنِهَا وَلَم تَكُن تَعلَمُ مَا هُوَ ذَكَرٌ أَم أُنثَى، وَكَانَ النَّذرُ المُحَرَّرُ عِندَهُم هُوَ أَن يُجعَلَ الوَلَدُ للهِ وَيَقُومَ بِخِدمَةِ المَسجِدِ وَلَا يَبرَحَ مِنهُ حَتَّى يَبلُغَ الحُلُمَ فَإِذَا بَلَغَ خُيِّرَ، فَإِن أَحَبَّ أَن يُقِيمَ فِيهِ أَقَامَ وَإِن أَحَبَّ أَن يَذهَبَ ذَهَبَ حَيثُ شَاءَ.

مَاتَ عِمرَانُ زَوجُ حَنَّةَ وَهِيَ حَامِلٌ بِمَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ، فَلَمَّا وَضَعَت حَملَهَا إِذَا هُوَ أُنثَى.

قَالَ اللهُ تَعَالَى إِخبَارًا عَن أُمِّ مَريَمَ

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ

سورة ءال عمران (36)

قِيلَ: هَذَا مِن تَمَامِ اعتِذَارِهَا، وَمَعنَاهُ لَا تَصلُحُ الأُنثَى لِمَا يَصلُحُ لَهُ الذَّكَرُ فِي خِدمَةِ المَسجِدِ وَالإِقَامَةِ فِيهِ، لِمَا يَلحَقُ الأُنثَى مِنَ الحَيضِ وَالنِّفَاسِ، لِأَنَّهَا كَانَت تَرجُو أَن يَكُونَ الوَلَدُ ذَكَرًا لِيَخدِمَ فِي بَيتِ اللهِ.

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنهَا أَيضًا: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، [سورة ءال عمران: 36].

وَقَد استَجَابَ اللهُ تَعَالَى لَهَا، فَتَقَبَّلَهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا.

كفالة زكريا للسيدة مريم عليهما السلام

عِندَمَا وَلَدَت حَنَّةُ زَوجَةُ عِمرَانَ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ لَفَّتهَا فِي خِرقَةٍ وَحَمَلَتهَا وَانطَلَقَت بِهَا إِلَى المَسجِدِ، وَوَضَعَتهَا عِندَ الأَحبَارِ (أَيِ العُلَمَاءِ) أَبنَاءِ هَارُونَ، وَكَانَت وَظِيفَتُهُم فِي بَيتِ المَقدِسِ كَوَظِيفَةِ بَنِي شَيبَةَ مِنَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ مِن حِفظِ مَفَاتِيحِ بَيتِ المَقدِسِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَقَالَت لَهُم: دُونَكُم هَذِهِ المَنذُورَةَ، أَي خُذُوهَا وَاكفَلُوهَا، فَتَنَافَسُوا فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَت بِنتَ إِمَامِهِم وَسَيِّدِهِم عِمرَانَ الَّذِي كَانَ مِن عُلَمَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ الصَّالِحِينَ، وَكَانُوا يَقتَرِعُونَ عَلَى الَّذِينَ يُؤتَى بِهِم إِلَى المَسجِدِ لِخِدمَتِهِ، فَقَالَ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ وَكَانَ نَبِيَّهُم يَومَئِذٍ: أَنَا ءَاخُذُهَا لِأَنَّ خَالَتَهَا (أَي زَوجَةَ زَكَرِيَّا أَشيَاعَ) عِندِي، وَذَلِكَ أَنَّ الخَالَةَ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، فَأَبَوا وَطَلَبُوا الِاقتِرَاعَ عَلَيهَا، وَقَالُوا: نَطرَحُ أَقلَامَنَا فِي النَّهَرِ، قِيلَ هُوَ نَهَرُ الأُردُنِّ، فَمَن صَعِدَ قَلَمُهُ فَوقَ المَاءِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، فَذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ النَّهَرِ وَأَلقَوا فِيهِ أَقلَامَهُم الَّتِي كَانُوا يَكتُبُونَ بِهَا التَّورَاةَ، فَارتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّا فَوقَ المَاءِ وَنَزَلَت أَقلَامُهُم، فَأَخَذَهَا زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ وَكَفِلَهَا وَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحيَى وَاستَرضَعَ لَهَا حَتَّى كَبِرَت وَوَضَعَهَا فِي غُرفَةٍ بَنَاهَا لَهَا فِي وَسَطِ المَسجِدِ لَا يُرقَى إِلَيهَا إِلَّا بُسَلَّمٍ وَلَا يَصعَدُ إِلَيهَا غَيرُهُ، وَكَانَ يُغلِقُ عَلَيهَا البَابَ وَمَعَهُ المِفتَاحُ لَا يَأمَنُ عَلَيهِ أَحَدًا، وَكَانَت إِذَا حَاضَت أَخرَجَهَا إِلَى مَنزِلِهِ لِتَكُونَ مَعَ خَالَتِهَا أُمِّ يَحيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

نشأة السيدة مريم عليها السلام

نَشَأَتِ الصِّدِّيقَةُ الوَلِيَّةُ مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ نَشأَةَ طُهرٍ وَعَفَافٍ وَتَرَبَّت عَلَى التَّقوَى تُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ وَتُكثِرُ مِنَ نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ، وَعَاشَت فِي جِوَارِ بَيتِ المَقدِسِ، وَقَد وَصَفَهَا اللهُ تَعَالَى فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ بِالصِّدِّيقَةِ، وَكَانَتِ المَلَائِكَةُ تَأتِي إِلَى مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ وَتَزُورُهَا، إِلَى أَن جَاءَت إِلَيهَا فِي وَقتٍ وَبَشَّرَتهَا بِاصطِفَاءِ اللهِ تَعَالَى لَهَا مِن بَينِ سَائِرِ النِّسَاءِ وَبِتَطهِيرِهَا مِنَ الأَدنَاسِ وَالرَّذَائِلِ.

صَحَّ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “خَيرُ نِسَائِهَا مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَخَيرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ.

وَعَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “حَسبُكَ مِن نِسَاءِ العَالَمِينَ بِأَربَعٍ: مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَءَاسِيَةُ امرَأَةُ فِرعَونَ، وَخَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنتُ مُحَمَّدٍ“، رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ.

وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ يَرَى مِن عَجَائِبِ قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى وَمِنَ الكَرَامَاتِ فِي حِفظِ هَذِهِ السَّيِّدَةِ الطَّاهِرَةِ العَفِيفَةِ مَا يُبهِرُ العُقُولَ.

قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، [سورة ءال عمران: 37]

من فضائل السيدة مريم عليها السلام

كَانَتِ السَّيِّدَةُ الجَلِيلَةُ مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ مِنَ الصَّالِحَاتِ العَابِدَاتِ تَقُومُ بِالعِبَادَةِ لَيلَهَا وَنَهَارَهَا، حَتَّى صَارَت يُضرَبُ بِهَا المَثَلُ بِالعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ فِي بَنِي إِسرَائِيلَ، وَلَقَد اشتَهَرَت هَذِهِ السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ العَفِيفَةُ بِمَا ظَهَرَ عَلَيهَا مِنَ الأَحوَالِ الكَرِيمَةِ وَالصِّفَاتِ الشَّرِيفَةِ.

فَمِن فَضَائِلِهَا عَلَيهَا السَّلَامُ إِتيَانُ المَلَكِ بِفَاكِهَةِ الجَنَّةِ لِأَجلِهَا، وَنَيلُهَا فِي الشِّتَاءِ فَاكِهَةَ الصَّيفِ، وَفِي الصَّيفِ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ، فَكَانَ نَبِيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ فِي المِحرَابِ وَهُوَ مَكَانُهَا الَّذِي تَعبُدُ فِيهِ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ سَيِّدُ المَجَالِسِ وَأَشرَفُهَا فِي المَسجِدِ يَجِدُ عِندَهَا مِنَ الرِّزقِ وَالفَاكِهَةِ مَا لَا يُوجَدُ مِثلُهُ فِي البَلَدِ أَو عِندَ سَائِرِ النَّاسِ، وَهَذِهِ مِنَ الكَرَامَاتِ الَّتِي يُكرِمُ اللهُ تَعَالَى بِهَا الأَولِيَاءَ وَالوَلِيَّاتِ.

وَمِن فَضَائِلِهَا تَكلِيمُ المَلَائِكَةِ لَهَا، وَإِتيَانُ جِبرِيلَ إِلَيهَا، وَوِلَادَتُهَا لِعِيسَى نَبِيِّ اللهِ مِن غَيرِ مَسِّ الرِّجَالِ، وَبَيَانُ بَرَاءَتِهَا عَلَى لِسَانِ الطِّفلِ الرَّضِيعِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَتَسَاقُطُ الرُّطَبِ الجَنِيِّ عَلَيهَا مِنَ النَّخلِ اليَابِسِ، وَإِجرَاءُ النَّهَرِ السَّرِيِّ مِن تَحتِ قَدَمِهَا، وَتَفضِيلُهَا عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ، وَتَطهِيرُهَا مِنَ العَيبِ وَالعِصيَانِ وَالفَاحِشَةِ، وَتَكْفِيلُهَا لِزَكَرِيَّا وَهُوَ مِنَ الأَنبِيَاءِ، وَقَبُولُ الحَقِّ تَعَالَى إِيَّاهَا بِالإِنعَامِ وَالإِحسَانِ، وَتَربِيَتُهَا بِفُنُونِ الإِكرَامِ وَالِامتِنَانِ.

وَمِن فَضَائِلِهَا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن أُمِّ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، [سورة ءال عمران: 36]، قَالَ فِيهِ أَهلُ التَّفسِيرِ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَهَا فِي هَذَا، كَمَا تُقُبِّلَ مِنْهَا نَذْرُهَا، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا“، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، [سورة ءال عمران: 36]، قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: هَذِهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُهَا ‌بِعِيسَى ‌وَأُمِّهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ جَمِيعَ الأَنبِيَاءِ يَتَشَارَكُونَ فِيهَا.

وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ بِحِضْنَيْهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ وَابْنِهَا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الصَّبِيِّ حِينَ يَسْقُطُ كَيْفَ يَصْرُخُ؟“، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: “ذَلِكَ حِينَ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ بِحِضْنَيْهِ“، وَمَعنَاهُ كَمَا قَالُوا فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِن كَلَامِ القَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ الأَنبِيَاءَ يَتَشَارَكُونَ فِي هَذِهِ الفَضِيلَةِ -أَيْ أَنَّهُمْ مُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ- فَهُم مَحفُوظُونَ بِإِذنِ اللهِ.

ذكرها في القرءان الكريم عليها السلام

تَكَرَّرَ ذِكرُ السَّيِّدَةِ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ بِالمَدحِ فِى نَصِّ القُرآنِ، وَسُمِّيَت سُورَةٌ بِاسمِهَا، وَلَم تُسَمَّ سُورَةٌ بِاسمِ امرَأَةٍ فِي القُرآنِ إِلَّا بِاسمِهَا، وَدَعَاهَا اللهُ بِاثنَي عَشَرَ اسمًا مُنبِئً بِفَضلِهَا أَتَمَّ البَيَانِ.

  1. دَعَاهَا بِالمُصْطَفَاةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ اصطَفَاكِ﴾، [سورة ءال عمران: 42]
  2. وَبِالمُطَهَّرَةِ فَقَالَ: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، [سورة ءال عمران: 42]
  3. وَبِالقَانِتَةِ فَقَالَ: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾، [سورة التحريم: 12]
  4. وَباِلمُحصَنَةِ فَقَالَ: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، [سورة التحريم: 12]
  5. وَبِأَنَّهَا آيَةٌ لِلنَّاسِ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، [سورة الأنبياء: 91]
  6. وَبِالأُمِّ وَالصِّدِّيقَةِ فَقَالَ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، [سورة المائدة: 75]
  7. وَبِأَنَّهَا وَالِدَةٌ فَقَالَ حِكَايَةً عَن عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾، [سورة مريم: 32]
  8. وَذَكَرَهَا بِاسمِهَا فِى مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرآنِ فَقَالَ حِكَايَةً عَن أُمِّهَا: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾، [سورة ءال عمران: 36]
  9. وَقَالَ حِكَايَةً عَن زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿يَا مَريَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾، [سورة ءال عمران: 37]
  10. وَقَالَ حِكَايَةً عَنِ المَلَائِكَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، [سورة ءال عمران: 42، 43]
  11. وَقَالَ حِكَايَةً عَنِ المَلَائِكَةِ كَذَلِكَ: ﴿يَا مَريَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ﴾، [سورة ءال عمران: 42]
  12. وَقَالَ: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابنَ مَرْيَمَ﴾، [سورة المائدة: 110 و 112 و 116]
  13. وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ﴾، [سورة مريم: 34]
  14. وَقَالَ: ﴿وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، [سورة مريم: 16]
  15. وَقَالَ حِكَايَةً عَن كُفَّارِ بَنِي إِسرَائِيلَ: ﴿يَا مَريَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، [سورة مريم: 27]
  16. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا ابنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾، [سورة المؤمنون: 50]
  17. وَمَريَمُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ وَأَفضَلُهُنَّ بِنَصِّ القُرآنِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، [سورة ءال عمران: 42، 43]

وفاتها عليها السلام

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَريَمَ بَقِيَت بَعدَ رَفعِ عِيسَى خَمسَ سِنِينَ، وَكَانَ عُمُرُهَا ثَلَاثًا وَخَمسِينَ سَنَةً.

الخاتمة

مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ وَهِيَ صَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِي بَيتِ المَقدِسِ يَأتِيهَا رِزقُهَا مِنَ الجَنَّةِ، تَأتِيهَا فَاكِهَةُ الصَّيفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةُ الشِّتَاءِ فِي الصَّيفِ، وَهَذَا الَّذِي حَصَلَ مَعَ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ فِيهِ عِبرَةٌ كَبِيرَةٌ لَنَا بِأَن نَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّ الأَرزَاقَ مِن عِندِ اللهِ، فَمَن قَدَّرَ اللهُ لَهُ رِزقًا مُعَيَّنًا فَلَا بُدَّ أَن يَأتِيَهُ رِزقُهُ وَلَا يَتَأَخَّرَ عَلَيهِ وَلَا يَتَقَدَّمَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

إِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوْعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلُكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرِزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ فَإِنَّهُ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ

رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيبَةَ

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ“، رَوَاهُ السُّيُوطِيُّ.

ونُقِلَ عَن عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَغتَمُّوا لِبُطُونِكُم، انظُرُوا إِلَى الطَّيرِ تَغدُوا وَتَرُوحُ وَلَا تَحرُثُ وَلَا تَحصُدُ وَاللهُ يَرزُقُهَا.

وَيُروَى عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

تَوكَّلتُ فِي رِزْقِي عَلَى اللهِ خَالِقِي
وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللهَ لَا شَكَّ رَازِقِي

وَمَا يَكُ مِنْ رِزْقِي فَلَيْسَ يَفوتُنِي
وَلَو كَانَ فِي قَاعِ البِحَارِ الغَوامِقِ

سَيَأْتِي بِهِ اللهُ العَظِيمُ بِفَضْلِهِ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنِّي اللِّسَانُ بِنَاطِقِ

فَفِي أَيِّ شَيءٍ تَذْهَبُ النَفْسُ حَسْرَةً
وَقَدْ قَسَمَ الرَّحْمَنُ رِزْقَ الْخَلَائِقِ

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. القُرْآنِ الْكَرِيْمِ.
  2. صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ.
  3. صَحِيْحِ مُسْلِمٍ لِلْإِمَامِ مُسْلِمٍ.
  4. تَفْسِيْرِ الْقُرْطُبِيِّ لِلْإِمَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
  5. بَصَائِرِ ذَوِيْ التَّمْيِيْزِ فِيْ تَفْسِيْرِ الْكِتَابِ الْعَزِيْزِ لِلْفَيْرُوزأَبَادِيِّ.
  6. تَارِيْخِ الطَّبَرِيِّ لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ.
  7. البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابْنِ كَثِيْرٍ.
تنزيه الله عن الولد

تفسير قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share