الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَدِيمِ، الْمَاجِدِ الْعَظِيمِ، الْمَنَّانِ الْكَرِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَنْعَمَ بِالْعَطَايَا فَإِنْعَامُهُ عَمِيمٌ، وَسَتَرَ الْخَطَايَا فَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ابْتَلَى بِمَا شَاءَ وَهُو بِمَا يَكُونُ عَلِيمٌ، فَالْوَاجِبُ فِي بَلائِهِ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ، سبحانَهُ مِنْ إلهٍ عظيمٍ، مَنِ اعترضِ عليهِ فهوَ الشقيُّ اللئيمُ.
أمَّا بعدُ فقدْ قالَ تعالَى في سورةِ البقرةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، هذَا أمرٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بالصبرِ، فاللهُ تباركَ وتعالَى خَلَقَنَا وأوجدَنَا فِي هذهِ الدنيَا وهوَ الذِي يبتلينَا فَيَظْهَرُ للناسِ أيُّنَا يُحْسِنُ عملًا فيصبرُ علَى البلايَا والمصائبِ ولَا يَعترضُ علَى اللهِ ولَا يكفرُ باللهِ، وأيُّنا يُسيءُ عملًا فيخسرُ الدنيا والآخرةَ، ودلَّنَا على سُبُلِ النَّجاةِ ألَا وهوَ الاستعانةُ بالصبرِ والصلاةِ، فالصابرُ يجاهدُ ويعصي نفسَهُ، ليطيعَ ربَّ العبادِ، فَمَنْ كانَ أمرُهُ كذلكَ فلَهُ البُشرى العظيمةُ التِي بشَّرَ اللهُ بهَا الصابرينَ بقولِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أيْ أنَّ اللهَ ينصرُهُمْ ويحفظُهُمْ. فالْحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ الاعتراضِ علَى اللهِ عندَ نُزولِ المصائِبِ والبَلايا فإنَّ هذَا هلاكٌ وضلالٌ وخروجٌ مِنَ الدينِ والعياذُ باللهِ. فإنَّ الدُّنْيا لوْ كانَتْ دارَ جزاءٍ مَا أُصيبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنبياءِ بِمَرَضٍ وَلَا فَقْرٍ، فالبلاءُ علَى الأنبياءِ فِي الدُّنْيا أكثَرُ مِنْ غَيْرِهِم. يصيبُهُمْ بلاءٌ شديدٌ وعناءٌ عظيمٌ وليسَ ذلكَ لأنَّ أيَّ واحدٍ فيهِمْ هَيِّنٌ علَى اللهِ، إنَّمَا ذلكَ ابتلاءٌ مِنْ ربِّهِ لهُ ليَعْظُمَ ثوابُهُ وأجرُهُ، فقدْ روَى الترمذيُّ عَنْ سَعْدِ بنِ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: ((الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)).
فهؤلاءِ أنبياءُ اللهِ عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ يُبْتَلَوْنَ فيصبِرُوْنَ ولَا يعتَرِضُونَ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ، ولكنَّهُمْ كذلكَ لَا يُبْتَلَوْنَ بمَا يُنَفِّرُ الناسَ عنْ قبولِ الدعوةِ منهُمْ، وإنَّ فِي كتابِ اللهِ ءايةً عظيمةً كفَى بهَا واعظةً عندَ وقوعِ المصائبِ قالَ تعالَى فِي سورةِ البقرةِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ٱلاْمَوَالِ وَٱلاْنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾، (إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ) علاجٌ عظيمٌ لكلِّ مَنْ أُصيبَ بمصيبةٍ قليلةٍ أمْ كثيرةٍ، ومصيرُ العبدِ ومرجِعُهُ إلَى اللهِ تعالَى، وفِي الصحيحينِ عنِ النبيِ ﷺ قالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ (أي تعبٍ) وَلَا وَصَبٍ (أي مرضٍ) وَلَا هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». وليذكرِ المصابُ قولَهُ تعالَى فِي سورةِ الحديدِ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فَوَطِّنْ نفسَكَ علَى أنَّ كلَّ مصيبةٍ تأتِي إنَّمَا هيَ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ وقضائِهِ وقدرِهِ فإنَّ الأمرَ لهُ، فإنَّهُ كتبَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السماواتِ والأرضَ.
فإذا ابتُلِيَ أيٌّ منَّا بموتِ عزيزٍ أوْ فقدِ مالٍ فليذكرْ نبيَّنَا محمدًا ﷺ، هذَا النبيُّ العظيمُ الذِي ماتَ أبوهُ وهوَ فِي بطنِ أمِّهِ وماتَتْ أمُّهُ وهَو ابنُ ستِّ سنينَ، وكُلُّ أولادِهِ وبناتِهِ ماتُوا فِي حياتِهِ إلَّا فاطمةَ الزهراءَ رضيَ اللهُ عنهَا فإنَّهَا ماتَتْ بعدَهُ بنحوِ ستةِ أشهرٍ، وكانَ يقابِلُ كلَّ هذَا البلاءِ بالصبرِ والتسليمِ للهِ عزَّ وجلَّ.
فالصبرُ عبادةُ الأنبياءِ والمتقينَ والصالحينَ، وحليةُ أولياءِ اللهِ المخلصينَ، وهوَ مِنْ أهمِّ مَا نحتاجُ إليهِ نحنُ فِي هذَا العصرِ الذِي كثُرَتْ فيهِ المصائبُ وتعددتْ، وقلَّ معهَا صبرُ الناسِ علَى مَا أصابَهُمْ بهِ اللهُ تعالَى مِنَ المصائبِ، والصبرُ ضياءٌ للقلوبِ فَبالصبرِ يظهرُ الفرقُ بينَ ذوي العزائمِ والهمَمِ وبينَ ذوي الجبنِ والضعفِ.
والصبرُ ليسَ حالةَ جبنٍ أو يأسٍ أو ذلٍّ، بلِ الصبرُ حبسُ النفسِ عنِ الوقوعِ فِي سَخَطِ اللهِ تعالَى وتَحَمُّلُ الأمورِ بحزمٍ وتدبرٍ، والصابرونَ يوفونَ أجورَهم بغيرِ حسابٍ، قالَ اللهُ تعالَى: ((أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا)) [الفرقان:75]، وقالَ تعالَى عنْ أهلِ الجنةِ: ((سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ)) [الرعد:24]، هذَا هوَ الصبرُ، المحكُّ الرئيسُ لصدقِ العبدِ فِي صبرِهِ، واحتسابِهِ مصيبَتَهُ عندَ اللهِ.
فوطن نفسك على أن كل مصيبة تأتي إنما هي بإذن الله عز وجل وقضائه وقدره فإن الأمر له، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، واستعن على الصبر: بالاستعانة بالله، والاتكال عليه، والرضا بقضائه. وعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن : إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ» رواه مسلم.
ويقوي على الصبر العلم بتفاوت المصائب في الدنيا، ومن حصل له الأدنى من المصائب يتذكر الأعلى والأعظم من المصائب التي أصيب بها غيره، والعلم بأن النعم زائرة وأنها لا محالة زائلة، والصبر أنواع فمنه الصبر على طاعة الله فيصبر المسلم على الطاعة؛ لأنه يعلم أن الله خلقه لعبادته، قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]. فيصبر على العبادة صبرَ المحبِّ لها الراغب فيها الذي يرجو بصبره ثواب الله. شاكراً لله نعمتَه وفضله عليه. صابر على صومه وحجه. صابر على بره بأبويه، ولا سيما عند كبرهما وضعف قوتهما، فهو يصبر على برهما صبر الكرام، تذكرًا لأعمالهما الجميلة وأخلاقهما الفاضلة، وتذكراً لمعروفهما السابق، فهو يصبر على برهما، قال تعالى: ((إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا)) [الإسراء:22، 23]، فلا يضجر منهما، ولا يستطيل حياتهما، ولا يسأم منهما ويرى فضلهما ومعروفهما سابقًا قبل ذلك، صابر ومحتسب على ما قد يناله من أذية من الخلق، فهو يصبر صبر الكرام، قال تعالى: ((وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ)) [الشورى:43]. فالصبرعلى الطاعات عنوان الاستقامة والثبات على الحق، قال تعالى: ((إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ)) [فصلت:30،31].
فكم من الصالحين صبروا على طاعة ربهم عز وجل نالوا الدرجاتِ العلى، فقد روى ابن خلكان في “وفيات الأعيان” عن أسد بن عمرو أنه قال: صلى أبو حنيفة فيما حُفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة ليله يقرأ جميع القرءان في ركعة واحدة، وكان يُسمَعُ بكاؤه في الليل حتى يشفق عليه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرءان في الموضع الذي توفي فيه سبعة ءالاف مرة. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض كان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة. وكان الفضيل بن عياض شديد الخوف على نفسه، وكان يقرأ القرءان، فيظهر من خلال قراءته الحزن والوجد وشدة الخوف من الله عز وجل، فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بآية فيها ذكر عذاب استعاذ بالله من النار، ثم هو مع ذلك كثير الصلاة، كان يُلقى له الحصير في مسجده فيصلي من أول الليل مدة ثم تغلبه عيناه فيلقي الحصير فينام قليلاً ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم، وهكذا حتى يصبح فينصرف من عبادة بالليل إلى عبادة بالنهار.
وقد قال عبد الله بن المبارك: «بلغنا عن أبي حنيفة أنه صلَّى الصلوات الخمسَ أربعين سنة بوضوء واحد، وكان نومه جالسًا ينام قليلًا بين الظهر والعصر، وفي الشتاء ينام لحظةً من أول الليل، وكان يجمع القرءان في ركعتين»، وقال: «أربعة من الأئمة ختموا القرءان في ركعتين: عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة رضي الله عنهم»، وقال: «كان أبو حنيفة يجمع القرءان في ركعتين». ويروى عن الحسن بن عمارة، أنه غسَّل أبا حنيفة حين توفِّي وقال: «غفر الله لكَ لم تفطِر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسَّد يمينك في الليل منذ أربعين سنة».
فالصبر على طاعة الله عز وجل أجره عظيم ومن الطاعات التي ينبغي الصبر عليها طلب علم الدين فإن له منزلة عظيمة في الشرع وهو حال السلف الصالح وحال الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فقد روى الخطيب البغدادي عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ جِئْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَلَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جِئْتَ إِلَّا لِهَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتِهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَأَوْرَثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ». فهذا الرجل قطع كل هذه المسافة لأجل حديث واحد ليسمعه من أبي الدرداء رضي الله عنه.
وقال الإمام أحمد بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عن عبد الله بن المبارك وهو من التابعين «لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنْهُ رَحَلَ إِلَى الْيَمَنِ، وَإِلَى مِصْرَ، وَإِلَى الشَّامِ، وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَكَانَ مِنْ رُوَاةِ الْعِلْمِ، وَأَهْلِ ذَلِكَ» رواه النووي في تهذيب الأسماء واللغات. وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أنه رحل مسيرة شهر إلى مصر ليلقى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه ليسمع منه حديثا واحدا عن النبي ﷺ.
والنوع الثاني من الصبر صبر المسلم عن المعاصي، يصبر عن الأمور التي حرمها الله عليه، يكفُّ نفسه عنها، ويُلزمها الصبرَ والتحمُّل، يصبر عمَّا تشتهيه النفس التي دعينا لمخالفتها، يصبر فيغضّ بصره، يصبر فيحصِّن فرجه، يصبر فيمتنع عن الحرام وكل المغريات التي دعينا لمخالفتها، فهو يصبر عنها، صابر في مكاسبه فيلزم الحلال وإن قلَّ، ويبتعد عن الحرام وإن كثر، قال تعالى: ((قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ)) [المائدة:100]. المؤمن صابر في كونه يؤدي الأمانة، يؤدي الحقوق إلى أهلها، صابر في أمانته، صابر في حسن تعامله مع الناس بالخلق الحسن ولا سيما بين الزوج وزوجته, فصبرُ الرجل على امرأته وتحمُّله المتاعب عونٌ له على استمرار الحياة الزوجية، وضجره ومعاتبتُه مما يقلِّل تحمله ويفسد الثقةَ بينهما. وكذلك صبر المرأة على زوجها مما يسبِّب صفاءَ الحال وتعاونَ الجميع على الخير والتقوى. وصبرالرجل على أولاده، ومحاولة جمع كلمتهم، والصبر على ما قد يناله منهم فيه خيرٌ كثير، ولهذا نُهي المسلم أن يدعو على نفسه أو ولده، فلعلها أن توافق ساعةَ إجابة، بل يصبر على الأبناء والبنات، يرجو من الله الفرج والتيسير، ولا يحمله الضجر على الدعاء عليهم، فربما حلّت بهم عقوبة يندم عليها ولا ينفع الندم. فالصبر عون للعبد على كل خير، صبرٌ يعينه على الاستقامة على الطاعة، وصبر يعينه على الكفّ عن المعاصي، وصبر يعينه على تحمل الأقدار والرضا بها والطمأنينة، فكم من صابر قهر نفسه عما تشتهيه من المحرمات وكفها عن ذلك ففاز الفوز العظيم وربح الربح الكبير، فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في قصة الثلاثة الذين أغلقت عليهم صخرة كبيرة غارا في جبل فتوسلوا إلى الله بصالح عملهم ففرج عنهم ما هم فيه من البلاء، فقد قال أحدهم: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ» وفي رواية: «كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِى فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا» وفي رواية: «فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ الله ولا تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ.
وقد روى السيوطي في المسانيد والمراسيل وابن عساكر في تاريخ دمشق أنه كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شابٌّ متعبدٌ قد لزِمَ المسجد وكان عمر معجباً به وكان له أبٌّ شيخٌ كبير، فكان إذا صلى العَتمة انصرف إلى أبيه، وكان طريقُهُ على باب امرأة فافتتنت به فكانت تَنصِبُ نفسها له على طريقه، فمر بها ذات ليلة، فما زالت تُغويه حتى تَبِعَها فلما أتى البابَ دخلت وذهب يدخلُ، فتذكر قول الله تعالى: ((إن الذين اتقوا إذا مَسَّهُم طائِفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُّبصِرون)) (سورة الأعراف) فوقَعَ على الأرض مَغشيّاً عليه، فدعتِ المرأة جارية لها فتعاونتا عليه فَحَمَلتاه إلى بابهِ، فخرج أبوه الشيخ يطلبه فإذا به على الباب مَغشيّا عليه، فدعا بعض أهله فحملوه فأدخلوه، فما أفاق حتى ذهب من الليل ما شاءَ الله، فقال له أبوه: ما لك؟ قال خيرٌ، قال فإني اسألُك، فأخبره بالأمر، قالَ: أي بنيَّ وأيَّ ءاية قرأت؟ فقرأ الآية التي قرأ [إن الذين اتقوا إذا مَسَّهُم طائِفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُّبصِرون]فخرّ مَغشياً عليه، فحركوه فإذا هو ميتٌ، فغسلوه وأخرجوه ودفنوه ليلاً، فلما أصبحوا رُفعَ ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فجاء إلى أبيه فعزّاه به وقال: ألا ءاذنتني قال: يا أمير المؤمنين، كان الليل، فقال عمر: اذهبوا بنا إلى قبره، قال: فأتى عمرُ ومن مَعَهُ القبر، فقال عمر مخاطباً الشاب الذي مات من شدة خوفه من الله، قال: يا فلانُ [ولِمن خافَ مقامَ ربِّه جنتان] (سورة الرحمن) فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي عز وجل في الجنة مرتين.
والنوع الثالث الصبر على البلاء النازل بالإنسان سواء بجسده أو تلف ماله أو موت عزيز عليه فلا بد من الصبر على قضاء الله وقدره، يؤمن حقَّ الإيمان بأن الله على كل شيء قدير، وأن الله علم بالأشياء قبل وقوعها، وكتبها، وشاءها، وقدرها، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يؤمن بقضاء الله وقدره، فالصابرون المحتسبون يتلقون المصائب بالصبر والتحمل، يتلقونها أولًا بالصبر عليها، ثم ثانيًا يتلقونها بالرضا، فلاتحمل نفوسهم تسخطًا على قضاء الله وقدره، ولايتلفظون بألفاظ الاعتراض الكفرية كمسبة الله أو القدر أو نسبة الظلم إلى الله تعالى والتسخط فهذا عمل الكافرين المعترضين على قدرالله وحكمته , والتسليم والرضى والصبر عمل أهل الإيمان، فيصبرون ويحتسبون، ولا يظهر منهم ضجر ولا تسخط على قضاء الله وقدره. فصبر المسلم على المصائب إنما هو من ثمرات الإيمان الصادق بأن الله حكيم عليم فيما يقضي ويقدر، وأن هذا التقدير تقدير الحكيم العليم، حكيم عليم فيما يقضي ويقدر، فلا اعتراض ولا ملامة، ولكن صبرٌ واحتساب ورضا عن الله، وأكمل المؤمنين من جمع بين الصبر على المصيبة والرضا عن الله تعالى يرجو ما عند الله من الثواب الذي وعد به الصابرين الصادقين، ((إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) [الزمر:10].
فإذا ابتلي الشخص بفقد عزيز عليه فلا يعترض على الله والعياذ بالله تعالى وليذكر عظيم أجر الصابرين فيهون عليه أن يصبر لله تعالى، ويروى أنه لما مرض عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه مَرضه الَّذِي مَاتَ فيهِ وَقد مَاتَ أعوانه على الخير سهل أَخُوهُ وَعبد الْملك ابْنه ومُزَاحِمٌ مَوْلَاهُ قَامَ حبوًا إِلَى شن مُعَلّق فَتَوَضَّأ مِنْهُ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ أَتَى مَسْجده فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك قد قبضت سهلا وَعبد الْملك ومزاحما وَكَانُوا أعواني على مَا قد علمت فَلم أزدد لَك إِلَّا حبا وَلَا فِيمَا عنْدك إِلَّا رَغْبَة فاقبضني إِلَيْك غير مضيع وَلَا مفرط، فَمَا قَامَ من مَرضه ذَلِك حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى فرحمه الله.
ومن الصبر على بلاء الله أن يصبر الشخص على قلة العيش وعلى ضيقه وليعلم الواحد منا أن الأرزاق من عند الله عز وجل، فليصبر الواحد على ضيق العيش وقلته وهذا هو حال الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فحالهم أن كثيرا منهم ما كان يملك ثوبين إنما هو ثوب واحد يلفه حول عورته يسترها به، هذا الذي يملكه من الدنيا ومع ذلك لم يحل فقرهم هذا بينهم وبين العمل للنعيم المقيم، لم يمنعهم هذا الحال أن يكونوا عباد الله الصالحين المتقين، وأحدهم لا يملك إلا ثوبا واحدا من متاع الدنيا لا يتسخط على الله عز وجل، وشأن مأكلهم كشأن ملبسهم، روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال إِنِّى لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ (والمراد به ثمر العضاه وثمر السمر، وهو يشبه اللوبيا، وقيل: المراد عروق الشجر) وَهَذَا السَّمُرُ (أي نوع من الشجر)، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ.
وروى البخاري عن بعض التابعين قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِى هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ (استنثَرَ، أي أخرج من أنفه المخاط) فَقَالَ بَخْ بَخْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِى الْكَتَّانِ (أي وهو يرتدي الكتان)، لَقَدْ رَأَيْتُنِى وَإِنِّى لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ – ﷺ – إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَىَّ، فَيَجِىءُ الْجَائِى فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِى، وَيُرَى أَنِّى مَجْنُونٌ، وَمَا بِى مِنْ جُنُونٍ، مَا بِى إِلاَّ الْجُوعُ.
وهذه كانت حال رسول الله ﷺ فقد روى مسلم في صحيحه عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، يَقُولُ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ (وهو رديء التمر)، مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنهُ. وهكذا كانت حال أزواجه وآل بيته فقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ – ﷺ – مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلاَثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ. وروى البخاري عَنْ قَتَادَةَ قَالَ كُنَّا نَأْتِى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ – رضى الله عنه – وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ قَالَ كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِىَّ – ﷺ – رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلاَ رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. أي شاة مشوية كاملة. وقد روى مسلم عن عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ رضي الله عنه قال: وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللّهِ . مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ. حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا. فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ. فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا. يعلمون أن الأرزاق من عند الله فيصبرون على قلة العيش وصعوبته رضي الله عنهم، وقد قال تعالى: ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ))، وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن الْأَصْمَعِيِّ، يَقُولُ: ” أَقْبَلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ مَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ سِكَكِهَا إِذْ أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ جِلْفٌ جَافٍ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَبِيَدِهِ قَوْسٌ، فَدَنَا وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي الْأَصْمعِ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْأَصْمَعِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ مَوْضِعٍ يُتْلَى كَلَامُ الرَّحْمَنِ فِيهِ، قَالَ: أتعرف شيئا من كلام الرحمن فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: أَتْلُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: انْزِلْ مِنْ قَعُودِكَ، فَنَزَلَ وَابْتَدَأْتُ بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَذَا كَلَامُ الرَّحْمَنِ؟ قُلْتُ: إِي وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَلَامُهُ أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ، فَقَامَ إِلَى نَاقَتِهِ فَنَحَرَهَا بِسَيْفِهِ، وَقَطَّعَهَا بِجِلْدِهَا وَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى تَفْرِقَتِهَا، فَوَزَّعْنَاهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ كَسَّرَ سَيْفَهُ، وَقَوْسَهُ، وَوَلَّى مُدْبِرًا نَحْوَ الْبَادِيَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا تَغَيَّبَ عَنِّي فِي حِيطَانِ الْبَصْرَةِ، أَقْبَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَلُومُهَا، وَقُلْتُ: يَا أَصْمَعِيُّ، قَرَأْتَ الْقُرْآنَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَمَرَرْتَ بِهَذِهِ وَأَمْثَالِهَا وَأَشْبَاهِهَا فَلَمْ تَتَنَبَّهْ لِمَا تَنَبَّهَ لَهُ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ، فَلَمَّا قَضَى اللهُ مِنْ أَمْرِي مَا أَحَبَّ، حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا أُخْبِرْنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ: تَعَالَ يَا أَصْمَعِيُّ، تَعَالَ يَا أَصْمَعِيُّ، قَالَ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِالْأَعْرَابِيِّ مَنْهُوكًا مُصْفَرًّا، فَجَاءَ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَأَجْلَسَنِي وَرَاءَ الْمَقَامِ، فَقَالَ: اتْلُ مِنْ كَلَامِ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ الَّذِي تَتْلُوهُ فَابْتَدَأْتُ ثَانِيًا بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] صَاحَ الْأَعْرَابِيُّ، وَقَالَ: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، هَلْ غَيْرُ هَذَا لِلرَّحْمَنِ كَلَامٌ تَحْفَظُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَعْرَابِيُّ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23]: فَصَاحَ الْأَعْرَابِيُّ عِنْدَهَا وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ، مَنْ ذَا أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى أَقْسَمَ؟ أفَلَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أقسمَ قَالَهَا: ثَلَاثًا وَخَرَجَتْ نَفْسُهُ “. رحمه الله تعالى.
وروى ابن حبان في كتابه الثقات: بسنده عن الأوزاعي ، عن عبد الله بن محمد قال:
خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا وكان رابطنا يومئذ عريش مصر. قال: فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا بِبطيحة، وفي البطيحة خيمة، فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره، وماله من جارحة تنفعه إلا لسانه، وهو يقول: ” اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا “.
قال الأوزاعي: قال عبد الله: قلت: والله لآتينَّ هذا الرجل، ولأسألنَّه أنَّى له هذا الكلام !!! ، فهمٌ أم علمٌ أم إلهامٌ أُلهم؟ فأتيتُ الرجل فسلمت عليه، فقلت: سمعتك وأنت تقول: “اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا” فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها ؟ وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها ؟ وهذا السؤال ليس اعتراضا.
قال: وما ترى ما صنع ربي؟ والله لو أرسل السماء علي نارًا فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني، ما ازددت لربي إلا شكرًا، لما أنعم علي من لساني هذا، ولكن يا عبد الله إذ أتيتني، لي إليك حاجة، قد تراني على أي حالة أنا، أنا لست أقدر لنفسي على ضُرٍّ ولا نفع، ولقد كان معي بنيٌّ لي يتعاهدني في وقت صلاتي، فيوضؤني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام ، فتحسَّسه لي رحمك الله.
فقلت: واللهِ ما مشى خَلْقٌ في حاجة خلقٍ، كان أعظم عند الله أجرًا ممن يمشي في حاجةِ مثلك.
فمضيت في طلب الغلام ، فما مضيتُ غير بعيد ، حتى صرت بين كثبان من الرمل ، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه، فاسترجعت … وقلت: بأي وجه آتي هذا الرجل؟ فبينما أنا مقبل نحوه ، إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتيته سلمت عليه، فرد علي السلام، فقال: ألست بصاحبي؟
قلت: بلى.
قال: ما فعلت في حاجتي؟
فقلت: أنت أكرم على الله أم أيوب النبي؟
قال: بل أيوب النبي.
قلت: هل علمت ما صنع به ربه؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟
قال: بلى.
قلت: فكيف وجده؟
قال: وجده صابرًا شاكرًا حامدًا.
قلت: لم يرضَ منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبابه؟
قال: نعم. قلت: فكيف وجده ربُّه؟
قال: وجده صابرًا شاكرًا حامدًا.
أوجز رحمك الله.
قلت له: إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كُثبان الرمل، وقد افترسه سبع فأكل لحمه، فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر.
فقال المبتلى: الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقًا يعصيه، فيعذبه بالنار. ثم استرجع، وشهق شهقة فمات.
فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عظمت مصيبتي، رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع، وإن قعدتُ، لم أقدر على ضر ولا نفع. فسجَّيته بشملةٍ كانت عليه، وقعدت عند رأسه باكيًا، فبينما أنا قاعد إذ تهجم علي أربعة رجال، فقالوا: يا عبد الله، ما حالك؟ وما قصتك؟
فقصصت عليهم قصتي وقصته، فقالوا لي: اكشف لنا عن وجهه، فعسى أن نعرفه. فكشفت عن وجهه، فانكبَّ القوم عليه، يقبلون عينيه مرة، ويديه أخرى، ويقولون: بأبي عينٌ طالما غُضّت عن محارم الله، وبأبي جسم طالما كان ساجدًا والناس نيام.
فقلتُ: من هذا يرحمكم الله؟
فقالوا: هذا أبو قلابة الجرمي، صاحب ابن عباس، لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم.
فغسَّلناه وكفنَّاه بأثواب كانت معنا، وصلينا عليه ودفنَّاه. فانصرف القوم وانصرفتُ إلى رباطي، فلما أن جَنَّ عليَّ الليل، وضعت رأسي، فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة، وعليه حُلَّتانِ من حُلَلِ الجنة، وهو يتلو الوحي: ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) سورة الرعد/24، فقلتُ: ألست بصاحبي؟
قال: بلى… قلت: أنى لك هذا؟
قال: “إن للهِ درجاتٍ لا تُنَال إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، مع خشية الله عز وجل في السرِّ والعلانية.
وما أحوجنا في هذه الظروف الصعبة إلى الصبر والاتكال على الله وعدم اليأس وأن نرجو دفع البلاء بالطاعة والصلاة والعبادة وحبس الألسن عن الاعتراض على الله تعالى، فلله الأمر في الأولى والآخرة وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد الذي تنفرج به الكرب وتحل به العقد وتقضى به الحوائج وحسن الخواتيم.
دعاء: اللهمّ اغفرْ لِحَيِّنا ومَيِّتِنا وشاهدِنا وغائبِنا وصغيرِنا وكبيرِنا وذكَرِنا وأُنثانا، اللهمّ مَنْ أحيَيتَه منَّا فأحيه على الإِيمانِ، اللهمّ اغفرْ لِمَنْ كانَ بسببهِ اجْتِمَاعُنَا هذا وارفعْ درجَتَهُ في المهديِّينَ واخلُفْهُ في عَقِبِه في الغابرينَ واغفرْ لَنَا ولهُ ياربَّ العالمينَ، اللهمّ افسحْ لهُ في قبرِهِ ونوِّرْ لهُ فيهِ، اللهمّ اغفرْ لهُ وارحمهُ واعفُ عنهُ وأَكرِم نُزُلَهُ ووسِّعْ قبرهُ واغسِلْهُ بالماءِ والثلجِ والبَرَدِ ونَقَّهِ مِنَ الخطايا كمَا يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِنَ الدَنَسِ، وأبْدِلْهُ دارًا خيرًا مِنْ دارِهِ، وأهلًا خيرًا مِنْ أهلهِ وأَدْخِلْهُ الجنَّةَ وقِهِ فتنةَ القبرِ وعذابَ النَّارِ، اللهمّ إنْ كانَ محسنًا فزدْ فى إِحسانهِ وإنْ كانَ مُسيئًا فتجاوزْ عنهُ بكرمِكَ ولقِّهِ وأنِلْهُ برحمتكَ رضاكَ عنهُ وَقِهِ بفضلكَ فتنةَ السؤالِ فى القبرِ بإعانتهِ على التثبيتِ فى جوابهِ وَقِهِ عذابَ القبرِ وافسَحْ لهُ فى قبرِهِ مدَّ البصرِ وجافِ الأرضَ عن جنبيهِ ولقِّهِ برحمتكَ الأمنَ مِنْ عذابِكَ حتى تبعثَهُ مِنْ قبرِهِ بجسدِهِ وروحِهِ ءامنًا مِنْ هَولِ الموقفِ مسوقًا فى زُمرةِ الُمتقينَ إلى جَنتكِ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمين. اللهمّ اجعلْ قبرَهُ روضةً من رياضِ الجنَّةِ ولا تجعلهُ حفرةً مِنْ حُفرِ النيرانِ.
اللّـهُمَّ اغفرْ لنَا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا, اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ, ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ, وأبعدْ عنا الأعداءَ، اللهمّ مَنْ أرادَ بالمسلمينَ خيرًا فَوَفِّقْهُ إلى كلِّ خيرٍ, ومَنْ أرادَ بهم شرًّا فخذْهُ أخذَ عزيزِ مُقتدِر, اللهمّ ألطفْ بالمسلمينَ في سُوريةَ والعِراقَ وفلسطينَ ومصرَ وكافةَ بلادِ المسلمينَ إنَّكَ على كلِّ شئٍ قَدير, اللهمّ مُقلّبَ القُلوبِ ثبّتْ قلوبَنا على دِينِكَ, واحفظْ قلوبَنا منَ الشركِ والعصيانِ, اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ, اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ, اللهمّ إنَّا نسألكُ حبَّكَ، وحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، اللهمّ إنَّا نَسألُكُ أنْ تُعَلِّمَنَا مَا ينفعُنا وأنْ تنفعَنا بما عَلَّمَتنا وأنَ تزيدَنا عِلْمًا, وأنْ ترزُقَنا الإخلاصَ في القولِ والعِلْمِ والعمَلِ, إنَّك على كلِّ شىءٍ قديرٌ, ونِعم المولى ونِعمَ النَّصيرِ، سبحانَ ربِّكَ ربِّ العزةِ عمَّا يصفونَ وسلامٌ على المرسلينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ونقرأُ الفاتحةَ عنْ روحِ مَنِ اجْتَمَعْنَا بِسَبَبِهِ وإلى أرواحِ المسلمينَ ..