بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، [سُورَةُ العَنْكَبُوتِ: 2].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ“، رَوَاهُ البُخَارِي.
مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَمَسَّهُمُ البَأسَاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَأَن لَا يُتْرَكُوا بِغَيْرِ ابتِلَاءٍ وَهَمٍّ وحُزْنٍ، وَقَدْ أَمْسَى عَصْرُنَا هَذَا زَمَنَ انتِشَارِ الفِتَنِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالمِحَنِ بِأَلوَانِهَا، فَكَثُرَ فِيهِ دَاءٌ هُوَ مِنْ أَخْطَرِ الأَدْوَاءِ، دَاءُ الاكْتِئَابِ الَّذِي يَنْتُجُ عَنْهُ الأَمْرَاضُ الخَفِيَّةُ وَالْمُسْتَعْصِيَةُ وَيُودِي بِبَعْضِ النَّاسِ إِلَى الانْتِحَارِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
تعريف الاكتئاب
الاكْتِئَاب لُغَةً مِنْ الكَآبَةِ، قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي لِسَانِ العَرَبِ: الكَآبَةُ سُوءُ الحَالِ وَالِانكِسَارُ مِنَ الحُزنِ، واكْتَأَبَ اكتِآبًا: حَزِنَ واغْتَمَّ وَانْكَسَرَ، فَهُوَ كَئِبٌ وكَئِيبٌ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَهِيَ تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِن حُزنٍ وَنَحْوِهِ.
أسباب الاكتئاب
أَسْبَابُ الاكتِئَابِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:
الإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالانشِغَالُ بِالمُلهِيَاتِ وَالمُسَلِّيَاتِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنيَا وَزِينَتِهَا، وَالانغِمَاسُ فِي الشَّهَوَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَمَلَذَّاتِهَا، حَتَّى ءَاثَرَ النَّاسُ الفَانِيَةَ عَلَى البَاقِيَةِ، فَخَفَّ نُورُ الإِيمَانِ مِنْ قُلُوبِهِم، وَانطَفَأَتْ جَذْوَتُهُ عِنْدَ الخُطُوبِ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ اليَأسُ وَالقُنُوطُ مِنَ الرَّحمَنِ، وَعَدَمُ القَنَاعَةِ بِالمَوْجُودِ، وَالتَّكَالُبُ وَالشُّحُّ وَالاقْتِتَالُ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ فِي وَصفِ حَالِ الدُّنيَا وَطَالِبِهَا قَوْلُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (الدُّنْيَا جِيفَةٌ وَطُلَّابُهَا كِلَابٌ).
مَا حَلَّ بِالأُمَّةِ مِنْ هَذَا البَلَاءِ المُسْتَطِيرِ، حَيْثُ أَمْسَى الصَّادِقُ كَاذِبًا وَالكَاذِبُ صَادِقًا، وَاؤتُمِنَ الخَائِنُ وَخُوِّنَ الأَمِينُ، وَتَكَلَّمَ السَّفِيهُ وَالرُّوَيْبِضَةُ بِأَمْرِ العَامَّةِ، حَتَّى تَفَشَّى الظُّلْمُ بَينَ النَّاسِ وَالخَرَابُ وَالدَّمَارُ وَالهَرْجُ وَالمَرْجُ فِي كَثِيرٍ مِنَ البُلدَانِ.
وَمِن أَسْبَابِ الِاكْتِئَابِ الِاهْتِمَامُ بِالْغِذَاءِ الدُّنْيَوِيِّ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَمَلْبَسٍ – مَعَ أَهَمِّيَّتِهَا لِقِيَامِ حَيَاةِ النَّاسِ – الَّتِي فِيهَا صِحَّةُ الجِسْمِ وَقُوَّةُ البَدَنِ، وَالعُدُولُ عَن غِذَاءِ الرُّوحِ الَّذِي فِيهِ صَفَاؤُهَا وَقُوَّتُهَا لِلتَّغَلُّبِ عَلَى المَصَاعِبِ النَّفسِيَّةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الإِنسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، وَهَذَا يَتِمُّ بِالإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَالإِيمَانِ بِالقَدَرِ وَبِعِبَادَةِ اللهِ مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَبِرٍّ وَصَدَقَةٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَمِن أَهَمِّ ذَلِكَ تَعَلُّمُ عِلمِ الدِّينِ الَّذِي بِهِ يَحصُلُ صَلَاحُ الفَردِ وَالمُجتَمَعِ.
أعراض الاكتئاب
مِن أَكثَرِ أَعرَاضِ الِاكتِئَابِ شُيُوعًا وَقَدْ لَا يَحْصُلُ بَعْضُهَا عِنْدَ الْبَعْضِ، وَيَعْتَمِدُ بَعْضُهَا عَلَى دَرَجَةِ الاكْتِئابِ عِنْدَ الْبَعْضِ:
- ضَعْفُ اَلتَّرْكِيزِ.
- اليَأْسُ.
- اضْطِرَابُ النَّوْمِ.
- الشُّعُورِ بِالتَّعَبِ وَفُتُورِ اَلطَّاقَةِ.
- التَّفْكِيرُ بِالانْتِحَارِ (وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مُكْتَئِبٍ يُفَكِّرُ بالانْتِحَارِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ هَذَا عِنْدَ الْبَعْضِ).
وَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا كُلِّهَا، وَقَدْ يَكُونُ هُنَاكَ أَعْرَاضٌ غَيْرُ المَذْكُورَةِ.
علاج الاكتئاب
التسليم بالقضاء والقدر
مِنْ أُصُولِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ الرَّاسِخَةِ الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي الكَوْنِ هُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ الأَزَلِيِّ.
وَصَحَّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوْكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ“، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيرُهُ.
فَمَنِ اسْتَيْقَنَ هَذِهِ المَعَانِيَ فِي قَلْبِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ أَمْرِهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتفوِيضُهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ والانْشِغَالُ بِطَاعَةِ اللهِ عَنْ طَاعَةِ خَلقِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: “يا ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَل مَلَأَتُ صَدْرَكَ شُغُلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ“، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ.
التوكل على الله
قالَ الجُنَيْدُ البَغدَادِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (التَّوَكُّلُ هُوَ تَركُ الِاعتِمَادِ الحَقِيقِيِّ عَلَى غَيرِ اللهِ).
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، [سورة الطلاق: 3].
أَي فَهُوَ كَافِيهِ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: “يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُم“، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ.
وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ لَا يُنَافِي مُبَاشَرَةَ الأَسْبَابِ فَشَرعُنَا الحَنِيفُ حَثَّنَا عَلَى الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، وَنَبِيُّنَا الكَرِيمِ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ شِدَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
الصلاة
الصَّلَاةُ لَذَّةُ المُتَّقِينَ وَدَوَاءُ الصَّالِحِينَ وشِعَارُ النَّبِيِّيْنَ، نُورٌ وَرَحْمَةٌ وَبَرَكَةٌ وَضِيَاءٌ وَبُرْهَانٌ وَخَيْرٌ وَنِعْمَةٌ تَبْعَثُ فِي القَلْبِ الرَّاحَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالحِكْمَةَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ (أَي أَهَمَّهُ شَيءٌ) فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَرَوَى اَلطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ“، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ“.
استعمال الطيب
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَيَقُولُ الأَطِبَّاءُ: إِنَّ اِسْتِعْمَالَهُ يُنْعِشُ القُلُوبَ.
عدم الاعتراض على الله
أَيْ أَن لَا يَعْتَرِضَ عَلَى اللهِ لَا اعْتِقَادًا وَلَا لَفْظًا، لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا، لِأَنَّ الاعْتِرَاضَ عَلَى اللهِ رِدَّةٌ مُخْرِجَةٌ مِنَ الإِسْلَامِ، وَفِي سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ عِبَرٌ وَدُرُوسٌ مُسْتَقَاةٌ فِي الرِّضَا عَنِ اللهِ تَعَالَى، فَمَعَ عَظِيمِ حِمْلِ الأُمَّةِ وَالدَّعْوَةِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِجَمِيعِ أَوْلَادِهِ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ مَا رُئِيَ إِلَّا مُتَبَسِّمًا، فَبِالصَّبْرِ عَلَى مَا ابْتَلَانَا اللهُ بِهِ نَنَالُ جَنَّةَ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ، وَكُلُّ هَذَا الحُزْنِ الَّذِي يُصِيبُ المُؤمِنَ فِي الدُّنْيَا يَزُولُ عِنْدَمَا يَسْمَعُ نِدَاءَ المَلَائِكَةِ لِأَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، [سورة الرعد: 23، 24].
ذكر الله تعالى
إِنَّ مَا يُسَاعِدُ عَلَى دَفْعِ الاكْتِئَابِ الِاشْتِغَالُ بِالْأَذْكَارِ وَلَاسِيَّمَا الحَوْقَلَةُ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، [سُورَةُ الرَّعْدِ: 28].
وَقَالَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ: “مَنْ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَانَ دَوَاءً مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً أَيْسَرُهَا الهَمُّ“، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ.
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِن أَسْبَابِ الِاكْتِئَابِ سَبَبُهَا الهَمُّ وَالضِّيقُ وَقِلَّةُ الرِّزْقِ، وَعِلَاجُهَا الاسْتِغْفَارُ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ“، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
خاتمة في بيان عظيم أسرار الاستغفار
يُرْوَى أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ كَانَ فِي مَدِينَةٍ غَرِيبَةٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُهَا، وَقَرَّرَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ بِهِ التَّعَبُ مَبْلَغَهُ أَنْ يَنَامَ فِي المَسْجِدِ، فَرَآهُ حَارِسُ المَسْجِدِ فَرَفَضَ أَنْ يَمْكُثَ فِيهِ، فَقَالَ الْإِمَامُ سَوْفَ أَنَامُ مَوْضِعَ قَدَمِي فَقَطْ (أَي فِي مَكَانٍ صَغِيرٍ لَا يَأخُذُ الكَثِيرَ مِن مسَاحَةِ المَسجِدِ) وَنَامَ الإِمَامُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، فَقَامَ الْحَارِسُ بِسَحْبِهِ مِنْ قَدَمَيْهِ وَأَخْرَجَهُ مِنَ المَسْجِدِ، وَكَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ شَيْخًا وَقُورًا تَبْدُو عَلَى وَجْهِهِ مَلَامِحُ التَّقْوَى وَالصَّلَاحِ، فَلَمَّا رَآهُ خَبَّازٌ بِهَذِهِ الهَيْئَةِ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ لِيَنَامَ فِي مَنْزِلِهِ فَذَهَبَ مَعَهُ، وَلَاحَظَ الإِمَامُ أَنَّ الخَبَّازَ وَهُوَ يَقُومُ بِعَمَلِهِ يَسْتَغْفِرُ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَسْتَغْفِرُ، فَلَمَّا رَأَى الإِمَامُ حَالَ هَذَا الخَبَّازِ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ اسْتَأذَنَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ سُؤَالًا، وَكَانَ الإِمَامُ يَعْرِفُ أَنَّ لِلِاسْتِغْفَارِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً، فَقَالَ لَهُ هَلْ وَجَدْتَ لِاسْتِغْفَارِكَ هَذَا ثَمَرَةً، فَأَجَابَهُ الخَبَّازُ: نَعَمْ، أَنَا وَاللهِ كُلَّمَا دَعَوْتُ اللهُ دَعْوَةً اسْتَجَابَهَا لِي، مَا عَدَا دَعْوَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ لَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ: وَمَا هِيَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لَمْ تُسْتَجَبْ؟ قَالَ الخَبَّازُ: دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُرِيَنِي الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ الإِمَامُ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَاللهِ إِنِّي جُرِرْتُ إِلَيْكَ جَرًّا.
وَهَذِهِ القِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ثَابِتَةٍ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ لَكِنْ يَجُوْزُ رِوَايَتُهَا لِمَا فِيْهَا مِنَ الْحَثِّ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ وَبَيَانِ فَضْلِهِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى صَحِيْحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لِلْحَاكِمِ النَّيْسَابُوْرِيِّ.
- سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ لِلْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ.
- مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.