الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

الصحابي الجليل سعد بن ابي وقاص

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

سورة البقرة: 218

قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ: كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حِجْرِي وَهُوَ يَقْضِي (أَي يَمُوتُ)، قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يا بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لِمَكَانِكَ وَمَا أَرَى بِكَ، قَالَ: فَلا تَبْكِ عَلَيَّ فَإِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُنِي أَبَدًا وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

بَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ بِالجِنَانِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، سَابِعُ سَبْعَةٍ فِي الإِسْلَامِ، أَسَدٌ هَصُورٌ مِقْدَامٌ، هُوَ سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

نسبه رضي الله عنه

هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصِ (وَاسمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ) بْنِ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، وَأُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْت سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ قُصَيِّ، فَهُوَ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَأَبُوهُ أَبُو وَقَاصٍ هُوَ ابْنُ عَمِّ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ.

عَنْ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ (أَيِ ابنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي اُمْرُؤٌ خَالَهُ“. رواه الترمذي والطبراني في معجمه الكبير وابن سعد في طبقاته.

كنيته رضي الله عنه

كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ.

إسلامه رضي الله عنه

كَانَ عُمُرُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ أَسْلَمَ سَبْعَ عَشَرَة سَنَةً، وَرَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: (رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ كَأَنِّي فِي ظُلْمَةٍ لَا أُبْصِرُ شَيْئًا، إِذْ أَضَاءَ لِي قَمَرٌ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مَنْ سَبَقَنِي إِلَى ذَلِكَ الْقَمَرِ، فَأَنْظُرُ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَإِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَأَنِّي أَسْأَلُهُمْ: مَتَى انْتَهَيْتُمْ إِلَى هَهُنَا؟ قَالُوا: السَّاعَةَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيتُهُ فِي شِعْبِ أَجْيَادَ فَأَسْلَمتُ).

ثباته على الإسلام رضي الله عنه

قَالَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (كُنْتَ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَتْ: يَا سَعْدُ، مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَحْدَثتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذَا أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي.

فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّه، فَإِنِّي لَا أَدَعُ دِينِي، قَالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَا تَأْكُلُ فَأَصْبَحَتْ وَقَدْ جَهِدَتْ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ أَلْفُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفسًا نَفسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ وَشَرِبَتْ، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا  وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا  وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ  ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، [سُورَةُ لقمان: 15]).

مناقبه رضي الله عنه

مَنَاقِبُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ كَثِيرَةٌ جَلِيلَةٌ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، فَقْد بَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ فِي عِدَّةِ مُوَاطِنَ مِنْهَا:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ

كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: “يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ“، فَطَلَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ

رواه أبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الجَنَّةِ

رواه الترمذي

شَهِدَ سَعْدٌ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ ثَبَتُوا يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ وَلَّى النَّاسُ، وَهُوَ مِنْ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى السِّتَّةِ الَّذِينَ اِسْتَخْلَفَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الإِسْلامِ بِسَهْمٍ، قَالَ سَعْدٌ: (إِنِّى لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ (ثَمَرٌ يُشْبِهُ اللُّوبِيَاءَ)، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ ـ أَي يُخرِجُ كَمَا تُخرِجُ الشَّاةُ ـ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَعَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْدِي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلَّا سَعْدًا، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: “ارْمِ سَعْد فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

من كرامته رضي الله عنه

كَانَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِيرَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الفُرسِ، فَلَمَّا فَتْحَ بَهْرَسِيرَ ـ وَهِيَ مَدِينَةٌ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرِ دِجْلَةَ ـ لَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الغَنَائِمِ وَلَا السُّفُنِ، وَكَانَ الفُرْسُ قَدْ رَكِبُوا السُّفُنَ وَنَقَلُوا الغَنَائِمَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَدْ عَزَمَ كِسْرَى يَزْدَجَرْدُ عَلَى نَقْلِ الغَنَائِمِ مِنْ المَدَائِنِ إِلَى حُلْوَانَ، فَخَطَبَ سَعْدٌ فِي جَيْشِ المُسْلِمِينَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَأَنَّهُ سَيَخُوضُ النَّهْرَ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَتَلَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، [سُورَةُ آل عمران: 145]، وَدَعَا سَعْدٌ اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَ الجَيْشَ وَأَنْ يُسَلِّمَهُ، وَعَبَرَ النَّهْرَ بِلَا لُجَّةٍ وَلَا سَفِينَةٍ مُتَسَلِّحًا بِسِلَاحِ الإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، فَطَافَ بِهِمُ المَاءُ وَعَبَرُوا إِلَى الضِّفَّةِ الأُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الفُرْسُ ارْتَعَدَتْ قُلُوبُهُمْ وَقَالُوا إِنَّا نُقَاتِلُ جِنًّا لَا إِنْسًا، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى المُسْلِمِينَ وَرَزَقَهُمُ النَّصْرَ وَغَنِمُوا مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ ذَهَبًا بِبَرَكَةِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

إجابة دعوته رضي الله عنه

كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَالعُلَمَاءِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَوْلُهُ: “اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ“، رَوَاهُ أَحمَدُ وَالحَاكِمُ وَأَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ، وَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ وَالهَيثَمِيِّ فِي مَجمَعِ الزَّوَائِدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ“، فَكَانَ النَّاسُ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُمْ دَعْوَتُهُ، وَكَانَ هُنَاكَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أصَابَتْهُ دَعْوَتُهُ، مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَعْدَةَ وَذَلِكَ عِنْدَمَا شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَن سَعدٍ فَقَالُوا إِنَّهُ لَا يُحسِنُ الصَّلَاةَ، فَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِجَالًا يَسْأَلُونَ عَنْهُ بِالكُوفَةِ (وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ عُمَرَ يُخَوِّنُ سَعْدًا، لَا، بَلْ حَتَّى يُبَيِّنَ للنَّاسِ كَذِبَ مَنِ افْتَرَى عَلَى سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، فَكَانُوا لَا يَأْتُونَ مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِ الكُوفَةِ إِلَّا قِيلَ لَهُمْ فِيهِ خَيْرٌ، حَتَّى أَتَوْا مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَعْدَةَ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ كَاذِبًا فَأَعْمِ بَصَرَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَرَّضُ لِلْإِمَاءِ فِي السِّكَكِ، فَإِذَا سُئِلَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَقُولُ: كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.

وَفِي تَارِيخِ دِمَشْقَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُبُّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَجَعَلَ سَعْدٌ يَنْهَاهُ وَيَقُولُ: لَا تَقَعْ فِي إِخْوَانِي، فَأَبَى، فَقَامَ سَعْدٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا بِكَلِمَاتٍ، فَجَاءَ بُخْتِيٌّ [وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِبِلِ] يَشُقُّ النَّاسَ فَأَخَذَهُ بِالبِلَاطِ وَوَضَعَهُ بَيْنَ صَدْرِهِ وَالبِلَاطِ حَتَّى سَحَقَهُ فَمَاتَ، قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَأَنَا رَأَيْتَ النَّاسَ يَتبَعُونَ سَعْدًا وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُكَ.

حب سعد لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما

رَوَىْ مُسْلِمٌ فِيْ صَحِيْحِهِ والتِّرْمِذِيُّ وَقَال: حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ، فَقَال: أَمَرَ ‌مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي“، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ“، قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: “ادْعُوا لِي عَلِيًّا!“، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، [سورة ءال عمران: 61]، دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي.

وفاته رضي الله عنه

عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بِجُبَّةِ صُوفٍ بَالِيَةٍ فَقَالَ: كَفِّنُونِي فِيهَا، فَإِنِّي لَقِيَتُ الْمُشْرِكِينَ فِيهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا خَبَّأْتُهَا لِهَذَا الْيَوْمِ.

مَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  6. سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  7. أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
  8. تَارِيْخِ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ.
خطبة الجمعة: الإستعداد لشهر رمضان

التهيئة لرمضان

الخطبة الأولى إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعينُهُ وَنَستَهدِيهِ وَنَشكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share