ءايات سيدنا موسى التسع

مقال عن ايات سيدنا موسى التسع

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، [سورة الإسراء: 101].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، [سورة الأعراف: 133].

لَم يُمَيِّز فِرعَونُ وَأَتبَاعُهُ لَعنَةُ اللهِ عَلَيهِم بَينَ المُعجِزَةِ وَالسِّحرِ، وَجَعَلُوا جُملَةَ المُعجِزَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، مِثلَ انقِلَابِ العَصَا حَيَّةً، مِن بَابِ السِّحرِ، فَقَالُوا: «مَهمَا تَأتِنَا بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَهِيَ عِندَنَا سِحرٌ وَنَحنُ لَا نُؤمِنُ بِهَا أَبَدًا».

وَكَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ رَجُلًا قَوِيًّا ثَابِتًا، فَلَم يَترُك أَمرَ الدَّعوَةِ إِلَى دِينِ الإِسلَامِ بَل اسْتَمَرَّ فِي دَعْوَتِهِمْ لِلتَّوْحِيْدِ، ثُمَّ دَعَا عَلَيهِم بَعدَ أَن تَمَادَى فِرعَونُ فِي تَكذِيبِ سَيِّدِنَا مُوسَى وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ، فَأَخبَرَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَومَهُ بِأَنَّ اللهَ قَدِ استَجَابَ لَهُ، وَأَنَّهُ سَيُوقِعُ عَلَى فِرعَونَ وَقَومِهِ العَذَابَ الشَّدِيدَ جَزَاءً لِكُفرِهِم وَتَكذِيبِهِم بِمَا جَاءَهُم بِهِ نَبِيُّهُم مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَد أَرسَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيهِم أَنوَاعًا مِنَ العَذَابِ وَصُنُوفًا مِنَ البَلَاءِ كَانَت بِمَثَابَةِ إِنذَارٍ لَهُم مِنَ اللهِ تَعَالَى لِيَعُودُوا إِلَى رُشدِهِم وَيَسِيرُوا عَلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ الَّذِي جَاءَهُم بِهِ نَبِيُّهُم مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الآيَاتِ الْعَظِيْمَةَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ وَهِيَ الْمَذْكُوْرَةُ فِيْ الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ وَمِنْهَا: 

الآية الأولى: الطوفان

سَلَّطَ اللهُ عَلَى القِبطِ – وَهُم أَتبَاعُ فِرعَونَ – الطُّوفَانَ وَالسُّيُولَ الدَّائِمَةَ لَيلًا وَنَهَارًا، مِن سَبتٍ إِلَى سَبتٍ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنهُم لَا يَرَى شَمسًا وَلَا قَمَرًا، وَكَانَت بُيُوتُ القِبطِ وَمَن ءَامَنَ بِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مُتَشَابِكَةً، فَحَصَلَتِ الأُعجُوبَةُ وَهِيَ أَنَّ بُيُوتَ القِبطِ امتَلَأَت بِالمِيَاهِ المُتَدَفِّقَةِ حَتَّى وَصَلَت إِلَى رِقَابِهِم، فَمَن جَلَسَ غَرِقَ، وَلَم تَدخُل بُيُوتَ مَن كَانَ آمَنَ بِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَطرَةُ مَاءٍ.

وَفَاضَ المَاءُ عَلَى وَجهِ الأَرضِ وَرَكَدَ، فَمَنَعَ القِبطَ مِنَ الحِرَاثَةِ وَالبِنَاءِ وَالتَّصَرُّفِ، وَدَامَ عَلَيهِمُ الطُّوفَانُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَقَالُوا لِمُوسَى: «ادعُ لَنَا رَبَّكَ يَكشِف عَنَّا فَنُؤمِنَ بِكَ»، فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ فَرُفِعَ عَنهُمُ الطُّوفَانُ، وَأُرسِلَتِ الرِّيَاحُ فَجَفَّتِ الأَرضُ، وَخَرَجَ مِنَ النَّبَاتِ مَا لَم يَرَوا مِثلَهُ قَطُّ، فَقَالُوا لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ: «لَقَد كَانَ الَّذِى خِفنَا مِنهُ خَيرًا لَنَا لَكِنَّنَا لَم نَشعُر، فَلَا وَاللهِ لَا نُؤمِنُ بِكَ»، فَنَكَثُوا العَهدَ.

الآية الثانية: الجراد

بَعدَ نَكثِهِم للعَهدِ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمُ الجَرَادَ بِالآلافِ، حَتَّى صَارَت عِندَ طَيَرَانِهَا تُغَطِّى الشَّمسَ، فَأَكَلَت عَامَّةَ زُرُوعِ القِبطِ وَثِمَارِهِم حَتَّى إِنَّهَا كَانَت تَأكُلُ الثِّيَابَ وَالأَثَاثَ وَالسُّقُوفَ وَالأَبوَابَ فَتَهدِمَ دِيَارَهُم، وَلَم يَدخُل دُورَ مَن كَانَ آمَنَ بِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِنهَا شَيءٌ، فَضَاقَ عَلَى القِبطِ الحَالُ، وَوَعَدُوا سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ أَن يُؤمِنُوا وَيَتُوبُوا لَو كُشِفَ عَنهُمُ الجَرَادُ، فَخَرَجَ مُوسَى إِلَى الفَضَاءِ وَأَشَارَ بِعَصَاهُ نَحوَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، فَرَجَعَ الجَرَادُ إِلَى النَّوَاحِي الَّتِي جِئنَ مِنهَا وَكُشِفَ عَنهُمُ الضِّيقُ.

الآية الثالثة: القمل

وَكَانَ قَد بَقِيَ مِن زُرُوعِ القِبطِ شَيءٌ، فَقَالُوا مِن خُبثِهِم: «يَكفِينَا مَا بَقِىَ مِنَ الزَّرعِ»، وَلَم يُؤمِنُوا، فَأَقَامُوا شَهرًا عَلَى رَخَائِهِم، وَكَانَ فِي مَحَلَّةٍ فِي مِصرَ – اسمُهَا عَينُ شَمسٍ – تَلَّةٌ كَبِيرَةٌ مِن رَملٍ، فَضَرَبَهَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ بِعَصَاهُ فَصَارَت قُمَّلًا، أَي حَشَرَاتٍ صَغِيرَةً تُشبِهُ السُّوسَ الَّذِي فِي الطَّحِينِ عِندَمَا يَفسُدُ، وَطَارَ هَذَا القُمَّلُ فَأَكَلَ دَوَابَّ القِبطِ وَزُرُوعَهُمُ الَّتِي بَقِيَت، وَلَم يَبقَ عُودٌ أَخضَرُ إِلَّا أَكَلَتهُ، وَالتَصَقَت بِجُلُودِهِم كَأَنَّهَا الجُدَرِيُّ عَلَيهِم، وَمَنَعَهُمُ النَّومَ وَالقَرَارَ، وَانتَشَرَ فِي مِصرَ كُلِّهَا، فَأَكَلَ مَا أَبقَاهُ الجَرَادُ وَلَحَسَ الأَرضَ، وَكَانَ يَدخُلُ بَينَ جِلدِ القِبطِيِّ وَقَمِيصِهِ فَيُؤلِمُهُ، وَيَدخُلُ إِلَى الطَّعَامِ فَيَملَأُ الأَوعِيَةَ وَالأَوَانِيَ لَيلًا، وَيَسعَى فِي بَشَرَاتِهِم وَشُعُورِهِم وَحَوَاجِبِهِم وَأَهدَابِ عُيُونِهِم، فَضَجُّوا وَبَكَوا، وَقَصَدُوا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ وَوَعَدُوهُ أَنَّهُ إِذَا دَعَا رَبَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لِيَكشِفَ عَنهُم فَإِنَّهُم سَيُؤمِنُونَ وَيَتُوبُونَ، فَدَعَا مُوسَى فَرُفِعَ عَنهُم، وَأَرسَلَ اللهُ عَلَى القُمَّلِ رِيحًا حَارَّةً أَحرَقَتهُ، وَحَمَلَتهُ الرِّيَاحُ وَأَلقَتهُ فِي البَحرِ.

الآية الرابعة: الضفادع

مَا طَالَ الوَقتُ بَعدَ القُمَّلِ حَتَّى قَالَ القِبطُ: «قَد تَحَقَّقنَا يَا مُوسَى أَنَّكَ سَاحِرٌ، وَعِزَّةِ فِرعَونَ لَا نُصَدِّقُكَ أَبَدًا»، فَأَرسَلَ اللهُ عَلَيهِمُ الضَّفَادِعَ فَمَلَأَت فُرَشَهُم وَأَوعِيَتَهُم وَطَعَامَهُم وَشَرَابَهُم، وَرَمَت بِأَنفُسِهِا فِي القُدُورِ وَهِيَ تَغلِي، وَإِذَا تَكَلَّمَ القِبطِيُّ وَثَبَت وَدَخَلَت إِلَى فَمِهِ، فَشَكَوا إِلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ كَعَادَتِهِم وَقَالُوا: «نَتُوبُ تَوبَةً صَادِقَةً وَلَا نَعُودُ»، فَأَخَذَ عَلَيهِمُ المَوَاثِيقَ وَالوُعُودَ وَالعُهُودَ، ثُمَّ كَشَفَ اللهُ عَنهُم ذَلِكَ وَأَمَاتَ الضَّفَادِعَ وَأَرسَلَ عَلَيهِمُ المَطَرَ وَحَمَلَهَا إِلَى البَحرِ.

الآية الخامسة: الدم

عَادَ القِبطُ إِلَى كُفرِهِم كَعَادَتِهِم وَنَقَضُوا العَهدَ، فَأَرسَلَ اللهُ عَلَيهِمُ الدَّمَ، وَجَعَلَ النِّيلَ يَسِيلُ عَلَيهِم دَمًا، وَكَانَ الشَّخصُ المُسلِمُ مِن قَومِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يَرفَعُ مِنَ النِّيلِ المَاءَ، وَأَمَّا القِبطِيُّ فَيَرفَعُهُ دَمًا، ثُمَّ يَأتِي المُسلِمُ فَيَصُبُّ المَاءَ فِي فَمِ القِبطِيِّ فَيَصِيرُ دَمًا، وَيَأتِي القِبطِيُّ وَيَصُبُّ الدَّمَ فِي فَمِ المُسلِمِ فَيَصِيرُ مَاءً زُلالًا لَذِيذًا.

وَعَطِشَ فِرعَونُ حَتَّى شَارَفَ عَلَى الهَلاكِ، فَكَانَ يَمُصُّ الأَشجَارَ الرَّطبَةَ، فَإِذَا مَضَغَهَا صَارَ مَاؤُهَا الطَّيِّبُ مَالِحًا بَشِعَ الطَّعمِ.

الآية السادسة: القحطُ والجدب

بَعدَ أَن عَادَ القِبطُ إِلَى كُفرِهِم كَمَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِمُ القَحطَ وَالجَدبَ، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنهُ القُرءَانُ بِالسِّنِينَ، وَهِيَ أَعوَامُ الجَدبِ وَالقَحطِ الَّتِي أَصَابَتهُم حَيثُ كَانَ لَا يُستَغَلُّ فِيهَا زَرعٌ وَلَا يُنتَفَعُ بِضَرعٍ.

الآية السابعة: النقص من الثمرات

بَعدَ عَودَتِهِم كَذَلِكَ إِلَى الكُفرِ سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِمُ النَّقصَ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنَ الأَشجَارِ بِسَبَبِ الجَوَائِحِ وَالعَاهَاتِ الَّتِي كَانَت تُصِيبُهَا جَزَاءً لَهُم عَلَى كُفرِهِم.

يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي هَاتَينِ الآيَتَينِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، [سورة الأعراف: 130].

الآية الثامنة: العصا

ءوَهِيَ مِن مُعجِزَاتِ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، حَيثُ انقَلَبَت عِندَمَا أَلقَاهَا عَلَيهِ السَّلَامُ حَيَّةً حَقِيقِيَّةً تَسعَى بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى.

الآية التاسعة: اليد

وَهِيَ مِن مُعجِزَاتِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، فَكَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَضَعُ يَدَهُ فِي جَيبِهِ ثُمَّ يُخرِجُهَا بَيضَاءَ مِن غَيرِ سُوءٍ وَمَرَضٍ.

الخاتمة

كَانَت كُلُّ آيَةٍ تَمكُثُ مِنَ السَّبتِ إِلَى السَّبتِ، وَكَانُوا كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيهِمُ العَذَابُ جَاؤُوا إِلَى مُوسَى يَطلُبُونَ مِنهُ أَن يَسأَلَ رَبَّهُ أَن يَرفَعَ عَنهُمُ العَذَابَ وَيَعِدُونَهُ بِالإِيمَانِ وَتَركِ إِيذَاءِ المُؤمِنِينَ، فَيَدعُو مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ رَبَّهُ أَن يَكشِفَ عَنهُمُ العَذَابَ، فَإِذَا كَشَفَ اللهُ تَعَالَى عَنهُم مَا نَزَلَ بِهِم مِنَ العَذَابِ غَدَرُوا بِعَهدِهِم وَاستَمَرُّوا وَعَادُوا إِلَى طُغيَانِهِم، ثُمَّ يَبقَونَ بَعدَ رَفعِهَا شَهرًا فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ تَأتِي الآيَةُ الأُخرَى.

وَكَانَتِ الحِكمَةُ فِي تَفصِيلِ تِلكَ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ بِالزَّمَانِ أَن تُظهِرَ لِلجَمِيعِ أَحوَالَهُم هَل يَفُونَ بِمَا عَاهَدُوا أَم يَنكُثُونَ، فَتَقُومَ عَلَيهِمُ الحُجَّةُ بِذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجزُ وَهُوَ طَاعُونٌ نَزَلَ بِهِم حَتَّى مَاتَ مِنهُم فِي لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ سَبعُونَ أَلفَ قِبطِيٍّ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

خطبة الجمعة - فضل قراءة القرءان الكريم

فضل قراءة القرءان الكريم

الخطبة الأولى الحمدُ للهِ الكريمِ المنان، ذي الطَّولِ(1) والفضلِ والإحسان، الذي هدانا للإيمان، ومنّ علينا بنبيِّهِ محمدٍ صلى…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share