بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوحَينَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعدِهِ وَأَوحَينَا إِلَىٰ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَالأَسبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيمَانَ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، [سُورَةُ النِّسَاء:163].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ بِمَكَّةَ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثتُ، إِنِّي لَأَعرِفُهُ الآنَ” رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
بَعدَ أَنِ انتَشَرَتِ الجَاهِلِيَّةُ فِي الأَرضِ، وَعَمَّ الجَهلُ وَالفَسَادُ وَالظُّلمُ وَالظَّلَامُ، وَأَكَلَ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَانتَشَرَتِ الأَخلَاقُ السَّيِّئَةُ، بَعَثَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالنُّورِ المُبِينِ، وَبَدَأَت مَسِيرَةُ الحَقِّ، وَكَانَت بِدَايَةُ الرِّسَالَةِ الَّتِي أَخرَجَ اللهُ بِهَا النَّاسَ مِن ظُلمَةِ الجَهلِ وَالكُفرِ إِلَى نُورِ العِلمِ وَالإِيمَانِ، وَبُعِثَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَاحِيًا لِلكُفرِ خَاتَمًا لِلأَنبِيَاءِ، فَكَيفَ كَانَت بِدَايَةُ هَذِهِ الدَّعوَةِ المُبَارَكَةِ؟
إرهاصات النبوة
الإِرهَاصُ هُوَ الأَمرُ الخَارِقُ لِلعَادَةِ الَّذِي يَحصُلُ لِلنَّبِيِّ قَبلَ نُزُولِ الوَحيِ عَلَيهِ، وَيَكُونُ تَأسِيسًا لِقَاعِدَةِ النُّبُوَّةِ، فَالرَسُولُ ﷺ حِينَ أَرَادَهُ اللهُ بِكَرَامَتِهِ، وَابتَدَأَهُ بِالنّبُوّةِ، كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبعَدَ حَتَّى تَختَفِيَ عَنهُ البُيُوتُ، وَيُفضِي إلَى شِعَابِ مَكَّةَ وَبُطُونِ أَودِيَتِهَا، فَلَا يَمُرُّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَجَرِ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَيَلتَفِتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَولَهُ، وَعَن يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلفَهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا الشَّجَرَ وَالحِجَارَةَ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسمَعُ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَمكُثَ، ثُمّ جَاءَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السّلَامُ بِمَا جَاءَهُ مِن كَرَامَةِ اللهِ وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمكُثُ فِي حِرَاءٍ مِن كُلِّ سَنَةٍ شَهرًا.
أول بدء الوحي
تَقُولُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا: أَولُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحيِ الرُؤيَا الصَّالِحَةُ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤيَا إِلَّا جَاءَت مِثلَ فَلَقِ الصُّبحِ، هَذَا غَيرُ مَا رَآهُ مِن دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ مِن غَيرِ وَحيٍ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ مُطلَقًا مَا سَمِعَهُ مِن بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَكَذَلِكَ تَسلِيمُ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيهِ ﷺ، كَمَا مَرَّ فِيْ حَدِيْثِ التِّرْمِذِيِّ الْمَذْكُوْرِ سَابِقًا.
وَإِنَّمَا ابتُدِئَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالرُؤيَا لِئَلَّا يَفجَأَهُ المَلَكُ وَيَأتِيَهِ بِصَرِيحِ النُّبُوَّةِ بَغتَةً، فَبُدِئَ بَأَوَائِلِ خِصَالِ النُّبُوَّةِ وَتَبَاشِيرِ الكَرَامَةِ حَتَّى استَشعَرَ عَظِيمَ مَا يُرَادُ بِهِ وَاستَعَدَّ لِمَا يَنتَظِرُهُ، فَلَم يَأتِهِ المَلَكُ إِلَّا بِأَمرٍ عِندَهُ مُقَدِّمَاتُهُ.
بدء نزول الوحي على رسول الله ﷺ
عَلَى نَحوِ ثَلَاثَةِ أَميَالٍ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، وَعَلَى أَعلَى قِمَّةِ جَبَلِ النُّورِ فِي غَارِ حِرَاءٍ المُبَارَكِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَبَّدُ رَبَّهُ، إِذ إِنَّ اللهَ أَلهَمَهُ الإِيمَانَ بِهِ، فَكَانَ عَلَى الإِسلَامِ مُنذُ نَشأَتِهِ، بَعدَ أَن كَانَ قَد حُبِبَّ إِلَيهِ الخَلَاءُ أَيْ أَنْ يَخْلُوَ بِنَفْسِهِ ﷺ، فَكَانَ يَأخُذُ مَعَهُ الزَّادَ إِلَى الغَارِ فَيمكُثُ فِيهِ نَحوَ الشَّهرِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى أَهلِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَربَعِينَ، وَفِي يَومٍ مِن أَيَّامِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، ظَهَرَ لَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ فَالْمَلَائِكَةُ يَتَشَكَّلُوْنَ عَلَىْ صُوْرَةِ الذُّكُوْرِ مِنْ غَيرِ آلَةِ الذُكُورَةِ، فَقَالَ: اقرَأ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَا أَنَا بِقَارِئٍ“، أَي لَا اقرَأُ المَكتُوبَ، فَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَعرِفُ القِرَاءَةِ وَلَا الكِتَابَةِ، فَضَمَّهُ جِبرِيلُ ضَمًّا شَدِيدًا مِن غَيرِ أَن يُؤذِيَهُ وَكَانَ جِسْمُهُ الشَّرِيْفُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ثُمَّ أَفلَتَهُ فَقَالَ: اقرَأ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: “مَا أَنَا بِقَارِئٍ“، فَضَمَّهُ جِبرِيلُ مَرَّةً أُخرَى ثُمَّ أَفلَتَهُ وَقَالَ: اقرَأ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَا أَنَا بِقَارِئٍ“، فَضَمَّهُ الثَّالِثَةَ، وَكُلُّ هَذَا مِن غَيرِ أَن يُؤذِيَهُ، بَل تَحَمَّلَ جِسمُهُ ﷺ تِلكَ الضَّمَّاتِ وَقَوِيَ، وَصَلُبَ جِسمُهُ عَلَى الحَرَكَةِ وَتَحَمُّلِ أَثَرِ نُزُولِ الوَحيِ عَلَيهِ ﷺ، فَاكتَسَى بِسَبَبِ ذَلِكَ قُوَّةً، ثُمَّ أَفلَتَهُ جِبرِيلُ وَقَالَ: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ * اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم﴾، فَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ قِرَاءَةً صَحِيحَةً وَرَدَّدَ خَلفَ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَا تَلَاهُ عَلَيهِ مِنَ القُرءَانِ.
رجوع النبي ﷺ إلى مكة
لَمَّا أَقرَأَ جِبرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى زَوجَتِهِ خَدِيجَةَ بِنتِ خُوَيلِدٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهَا قَالَ: “زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي“، أَي غَطُّونِي بِثِيَابِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنهُ الرَّوعُ أَيِ الْخَوْفُ الطَّبِيْعِيُّ الَّذِيْ يَجُوْزُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخبَرَ خَدِيجَةَ الخَبَرَ، فَقَالَت خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ (أَي تُعِينُ العَاجِزَ)، وَتُكسِبُ المَعدُومَ (أَي تُعطِي النَّاسَ الشَّيءَ الَّذِي لَا يَجِدُونَهُ عِندَ غَيرِكَ)، وَتَقرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ.
ذهاب النبي ﷺ وخديجة إلى ورقة بن نوفل
ذَهَبَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ تَقصِدُ وَرَقَةَ بنَ نَوفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى، ابنَ عَمِّهَا، وَكَانَ امرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَت لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابنَ عَمِّ، اسمَع مِنِ ابنِ أَخِيكَ (وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ وَرَقَةَ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا جَريًا عَلَى عَادَةِ العَرَبِ مِن أَنَّ الصَّغِيرَ بِالسِّنِّ يُقَالُ لَهُ ابنُ أَخٍ وَالكَبِيرُ يُقَالُ لَهُ عَمٌّ)، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟، فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ، أَي جِبرِيلُ، الَّذِي كَانَ نُزِّلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيتَنِي فِيهَا جَذَعًا (كَأَنَّهُ تَمَنَّى أَن يَكُونَ شَابًّا لِيَكُونَ أَمكَنَ لِنُصرَتِهِ ﷺ)، لَيتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذ يُخرِجُكَ قَومُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَوَمُخرِجِيَّ هُم“، تَعَجُّبًا مِنهُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِكَونِهِ أَشرَفَهُم وَأَفضَلَهُم، وُهُم يَحتَرِمُونَهُ وَيعتَرِفُونَ لَهُ بِالفَضلِ وَالسُّؤدُدِ، حَتَّى إِنَّ اسمَهُ عِندَهُم كَانَ الصَّادِقَ الأَمِينَ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إِذَا جَاءَهُم بِالحَقِّ وَالنُّورِ يُخرِجُونَهُ، فَوَقَعَ مِنهُ عَلَيهِ السَّلَامُ التَّعَجُّبُ، فَقَالَ وَرَقَةُ : نَعَم، لَم يَأتِ أَحَدٌ بِمِثلِ مَا جِئتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِن يُدرِكنِي يَومُكَ أَنصُركَ نَصرًا مُؤَزَّرًا.
وَيُروَى أَنَّ وَرَقَةَ بنَ نَوفَلٍ كَانَ مِمَّن آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺَ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَينِ، وَيُروَى أَنَّ وَرَقَةَ أَنشَدَ:
يَا لِلرِّجَالِ وَصَرفِ الدَّهرِ وَالقَدَرِ
وَمَا لِشَيءٍ قَضَاهُ اللهُ مِن غِيَرِ
حَتَّى خَدِيجَةُ تَدعُونِي لِأُخبِرَهَا
وَمَا لَهَا بِخَفِيِّ الغَيبِ مِن خَبَرِ
جَاءَت لِتَسأَلَنِي عَنهُ لِأُخبِرَهَا
أَمرًا أُرَاهُ سَيَأتِي النَّاسَ مِن أُخَرِ
فَخَبَّرَتنِي بِأَمرٍ قَد سَمِعتُ بِهِ
فِيمَا مَضَى مِن قَدِيمِ الدَّهرِ وَالعُصُرِ
بِأَنَّ أَحمَدَ يَأتِيهِ فَيُخبِرُهُ
جِبرِيلُ أَنَّكَ مَبعُوثٌ إِلَى البَشَرِ
فَقُلتُ عَلَّ الَّذِي تَرجِينَ يُنجِزُهُ
لَكِ الإِلَهُ فَرَجِّي الخَيرَ وَانتَظِرِي
وَسَوفَ أُبلِيكَ إِن أَعلَنتَ دَعوَتَهُم
مِنَ الجِهَادِ بِلَا مَنٍّ وَلَا كَدَرِ
طرق نزول الوحي على رسول الله ﷺ
ذَكَرَ العُلَمَاءُ كَالسُّيُوْطِيِّ وَغَيْرِهِ طُرُقًا لِنُزُولِ الوَحيِ، مِنهَا أَن يَأتِيَهُ المَلَكُ فِي مِثلِ صَلصَلَةِ الجَرَسِ، أَي فَيَصِيرُ صَوتُ جِبرِيلَ عِندَ الوَحيِ مِثلَ صَلصَلَةِ الجَرَسِ، وَقِيلَ: هُوَ صَوتُ خَفقِ أَجنِحَةِ المَلَكِ وَالحِكمَةُ فِي تَقَدُّمِهِ أَن يُفرِغَ النَّبِيُّ ﷺ سَمعَهُ لِلوَحيِ فَلَا يَبقَى فِيهِ مَكَانٌ لِغَيرِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ هَذِهِ الحَالَةَ أَشَدُّ حَالَاتِ الوَحيِّ عَلَيهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَنزِلُ هَكَذَا إِذَا نَزَلَت آيةُ وَعِيدٍ وَتهدِيدٍ لِلكُفَّارِ.
وَمِنهَا أَن يَنفُثَ فِي قَلبِهِ الكَلَامَ نَفثًا.
وَمِنهَا أن يَأتِيَهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، أَي مِن غَيرِ ءَالَةِ الذُكُورِيَّةِ، لِأَنَّ المَلَائِكَةَ لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فيُكَلِّمَهُ.
وَمِنهَا أَن يَأتِيَهُ فِي النَّومِ فَيَعِيَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَقُولُ المَلَكُ، لِأَنَّ قُلُوبَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ لَا تَنَامُ بَل تَنَامُ عُيُونُهُم فَقَط.
نشوب الوحي وتتابعه
لَم يَلبَث وَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ أَن مَاتَ، فَفَتَرَ الوَحيُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَي تَأَخَّرَ نَحوَ السَّنَتَينِ وَالنِّصفِ بِأَنْ يَنْزِلَ بِالْقُرْآنِ تَحْدِيْدًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “بَينَا أَنَا أَمشِي إِذ سَمِعتُ صَوتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرسِيٍّ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَرُعِبتُ مِنهُ (وَهَذَا الَّذِي حَصَلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ خَوفٌ طَبِيعِيٌّ لَيسَ جُبنًا مِنهُ ﷺ فَالجُبنُ مُستَحِيلٌ عَلَى الأَنبِيَاءِ)، فَرَجَعتُ فَقُلتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُم فَأَنذِر﴾، إِلَى قَولِهِ: ﴿وَالرُّجزَ فَاهجُر﴾، فَحَمِيَ الوَحيُ وَتَتَابَعَ“.
تنبيه يثبت أن النبي ﷺ لم ينتحر ولم يفكر بالانتحار أصلا:
الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَصَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنِ القَبَائِحِ، وَكُلِّ مَا يُنقِصُ مِن قَدرِهِمُ الشَّرِيفِ، وَكُلِّ مَا يُنَفِّرُ عَن قَبُولِ الدَّعوَةِ مِنهُم، وَعَنِ الكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالجُبنِ، وَكَذَلِكَ عَصَمَهُم مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، فَيَجِبُ الحَذَرُ مِنِ اعتِقَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَمَّ بِالِانتِحَارِ، فَهَذَا لَا يَلِيقُ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ.
أَمَّا مَا رَوَاهُ الزُّهرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِن شِدَّةِ حُزنِهِ كَانَ قَد غَدَا كَي يَتَرَدَّى مِن رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوفَى بِذِروَةِ جَبَلٍ لِكَي يُلقِيَ مِنهُ نَفسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، فَيَسكُنُ لِذَلِكَ جَأشُهُ، وَتَقِرُّ نَفسُهُ فَيَرجِعُ، فَإِذَا طَالَت عَلَيهِ فَترَةُ الوَحيِ غَدَا لِمِثلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوفَى بِذِروَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثلَ ذَلِكَ، فَهَذَا لَيسَ حَدِيثًا ثَابِتًا، إِذ هُوَ مِن بَلَاغَاتِ الزُّهرِيِّ، فَهُوَ مُرسَلٌ، وَالمُرسَلُ مِن أَقسَامِ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ صَرِيحَ الشَّرِيعَةِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرآنِ الكَرِيمِ
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ
- فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِي
- الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ لِزَينِ الدِّينِ العِرَاقِي
- الرَوضِ الأُنُفِ لِلسُهَيلِي