بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
سورة الأعراف: 157
- مَعنَى عَزَّرُوهُ: عَظَّمُوهُ.
فَاللهُ امتَدَحَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ مَن عَظَّمَ شَأنَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مَحَبَّةَ التَّعظِيمِ وَمِن أَحسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ:
اللهُ عَظَّمَ قَدرَ جَاهِ مُحَمَّدٍ *** وَأَنَالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظِيمًا
فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ قَالَ لِخَلقِهِ *** صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا
كيف نعظم رسول الله ﷺ
المُسلِمُونَ مَأمُورُونَ بِحُبِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَعظِيمِهِ تَعظِيمًا لَائِقًا بِهِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِذَلِكَ، وَلَكِن لَا يَرفَعُونَهُ إِلَى مَرتَبَةِ الأُلُوهِيَّةِ، فَالمُؤمِنُ لَا يُعَظِّمُ أَحَدًا كَتَعظِيمِهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَل يَقُولُ إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ وَهُوَ أَفضَلُ رُسُلِهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
سورة الفتح: 9
قَالَ اللهُ تَعَالَى
فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
سورة الأعراف: 157
وَالتَّعْزِيرُ هَهُنَا التَّعْظِيمُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا نَقَلَ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى
لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا
سورة النُّور: 63
أَىْ لَا تَقُولُوا مُخَاطِبِينَ لَهُ فِى وَجْهِهِ يَا مُحَمَّدُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ بَلْ يَا رَسُولَ اللهِ يَا نَبِىَّ اللهِ.
قَال الله تَعَالَى
لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ
سورة الحجرات: 2
بعض صور حب الصحابة لرسول الله ﷺ
- كَانَ أَبُو طَلحَةَ يَومَ بَدرٍ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، لَا تُشرِفْ يُصِبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نَحرِي دُونَ نَحرِكَ)، رَواه البخاري.
- وَقَالَ الوَاقِدِيُّ فِي المَغَازِي: (خَرَجَتْ السُّمَيْرَاءُ بِنْتُ قَيْسٍ إحْدَى نِسَاءِ بَنِى دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ ابْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِأُحُدٍ النَّعْمَانُ بنُ عَبدِ عَمرٍو، وَسُلَيمُ بنُ الحَارِثِ فَلَمّا نُعِيَا لَهَا قَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالُوا: خَيْرًا، هُوَ بِحَمْدِ اللهِ صَالِحٌ عَلَى مَا تُحِبّينَ، قَالَتْ: أَرُونِيهِ أَنْظُرُ إلَيْهِ، فَأَشَارُوا لَهَا إلَيْهِ، فَقَالَتْ: كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك يَا رَسُولَ اللّهِ جَلَلٌ (أَي هَيِّنَةٌ)).
- وَيَنقُلُ الوَاقِدِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أُصِيبُوا فِي أُحُدٍ وَجُرِحُوا أَنَّهُم مَا ارتَاحُوا حَتَّى رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَّهُ لَم يُقتَل، وَيَقُولُ: (وَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فَكَأَنّهُمْ لَمْ يُصِبْهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ مُصِيبَةٌ حِينَ أَبْصَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ).
تعظيم سلفنا الصالح للنبي ﷺ
رَوَى القَاضِي عِيَاضٌ بِسَنَدِهِ عَن ابنِ حُمَيدٍ أَنَّهُ قَالَ: نَاظَرَ (يَعنِي كَلَّمَ) أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ الإمام مَالِكًا فِي مَسْجِدِ رسول الله ﷺ فقال لَهُ مَالِكٌ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هَذَا المَسْجِدِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ}، [سورة الحجرات: 2]، وَمَدَحَ قَوْمًا فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، [سورة الحجرات:3]، وَذَمَّ قَوْمًا فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا).
فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللهُ، قَالَ اللهُ تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}، [سورة النساء:64].
وَقَالَ مُصْعَبُ بن عَبْد الله كَانَ مَالِكٌ إذَا ذُكِرَ النَّبِيّ ﷺ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَنْحَنِي حَتَّى يَصْعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقِيلَ لَهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (لَوْ رَأيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَما أنْكَرْتُمْ عَليَّ مَا تَرَوْنَ وَلَقَدْ كُنْتُ أرَى مُحَمَّدَ بن الْمُنْكَدِرِ وَكَانَ سَيّدَ الْقُرّاءِ لَا نكاد نسأله عَنْ حَدِيثٍ أبَدًا إلَّا يَبْكِي حَتَّى نَرْحَمَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أرَى جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّم فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ ﷺ اصْفَرَّ وَمَا رأيته يُحَدَّثُ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ).
وكَان مَالِك رَحِمَه اللهُ لَا يَرْكَبُ بِالْمَدِينَة دَابَّة وَكَان يَقُول: (أسْتَحْيي مِن الله أن أطَأ تُرْبَة فِيهَا رَسُول الله ﷺ بِحَافِر دَابّة).
من تعظيم النبي ﷺ تعظيم آثاره والتبرك بها
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا: وَمِن إِعْظَامِهِ وَإِكْبَارِهِ ﷺ إِعْظَامُ جَمِيعِ أسْبَابِهِ وَإِكْرَامُ مَشَاهِدِهِ وَأمْكِنَتِهِ مِن مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَاهِدِهِ وَمَا لَمَسَه ﷺ أَو عُرِفَ بِهِ.
وَرُوِيَ عَن صَفِيَّة بِنْت نَجْدَةَ أَنَّهَا قَالَت كَانَ لِأَبِي مَحْذُورَةَ قُصَّةٌ (خَصلَةُ شَعَرٍ) فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إذَا قَعَدَ وَأرْسَلَهَا أَصَابَتِ الْأَرْضَ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَحْلِقُهَا فَقَالَ لَم أَكُن بِالَّذِي أَحْلِقُهَا وَقَد مَسَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ.
وَكَانَت فِي قَلَنْسُوَةِ (شَيءٌ يُلبَسُ عَلَى الرَّأسِ) خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ شَعَرَاتٌ مِن شَعَرِهِ ﷺ فَسَقَطَت قَلَنْسُوتُه فِي بَعْض حُرُوبِه فَقَالَ لَهُمُ ابحَثُوا عَنهَا وَشَدَّدَ فِي البَحثِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَ لَم أَفْعَلْهَا بِسَبَبِ الْقَلَنْسُوَةِ بَل لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِن شَعَرِهِ ﷺ لِئَلَّا أُسْلَبَ بَرَكَتَهَا وَتَقَعَ فِي أَيْدِي المُشرِكِينَ.
وَرُؤِيَ ابنُ عُمَرَ وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَكَانِ جُلُوسِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المِنبَرِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِهِ.
حرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا: وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لَازِمٌ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ، وَذِكْرِ حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ، وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَسِيرَتِهِ، وَمُعَامَلَةِ آلِهِ وَعِتْرَتِهِ، وَتَعْظِيمِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَصَحَاْبَتِهِ، فَيَنْبَغِيْ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَتَى ذَكَرَهُ أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنْ يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ، وَيَتَوَقَّرَ وَيُسَكِّنَ مِنْ حَرَكَتِهِ، وَيَأْخُذَ فِي هَيْبَتِهِ وَإِجْلَالِهِ بِمَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَأَدَّبُ بِمَا أَدَّبَنَا الله به.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- مَغَازِي الوَاقِدِيِّ.
- الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى لِلقَاضِي عِيَاضٍ.