خطبة الجمعة | ذم الكبر

ذم الكبر

إنَّ الحَمدَ لِلهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِىَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين. أما بعدُ أيُّها الأحبة، أوصيكُم ونفسي بتقوى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ، فإنَّ اللهَ سبحانَه يقولُ في كتابِه الكريم: ﴿تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلَا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ﴾ فاللهُ تعالى ينهانا في هذه الآيةِ العظيمةِ عن خلقٍ ذميمٍ وهو التكبُّر؛ فإنَّ معنى قولِه تعالى:﴿وَلَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، أي لا تُعرِض عنهم مُتكبِّرًا، بل أَقبِل بوجهِكَ متواضعًا، ولا تُوَلِّـهِم شِقَّ وَجهِكَ كما يَفعَلُ المتكبِّرُون، وقد نهانَا اللهُ تعالى أن نمشيَ مِشيةَ الكِبرِ والفَخرِ بقوله عزَّ وجلّ:﴿وَلَا تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحًا﴾.

  إخوة الإسلام: وأما معنى الكِبر فقد عرّفه رسولُ اللهِ ﷺ بقولِهِ: «الكِبرُ بَطَرُ الحقِّ وَغَمطُ النَّاس»(1) ومعنى: «بَطَرُ الحَقِّ» دَفعُهُ وَرَدُّه على قَائِلِه، وَمَعنَى: «غَمطُ النَّاسِ» احتقارُهم. فيُفهمُ من حديثِ رسولِ الله ﷺ أنَّ الـمَتَكَـبِّـرَ هو الذي يَرُدُّ الحقَّ على قائِلِهِ، وهو يَعلَمُ أَنَّ القائلَ مُـحِقٌّ، إِمَّا لكونِه صغيرًا أو فقيرًا أو تِلمِيذًا أو ضعيفًا أو نحوَ ذلك، فيقولُ في نَفسِه: كيفَ أَرجِعُ عَن رَأيِي لِقَولِ هذا التلميذِ أو الصغيرِ وأنا أكبرُ منه سِنًّا، فلو أنّ صغيرًا تلقَّى العِلمَ الشَّرعِيَّ الصحيحَ ثم رَأَى رَجُلًا كَبيِرًا في السِّنِّ أَخَلَّ بِرُكنٍ مِن أركانِ الصَّلاةِ أو بِشَرطٍ مِن شُرُوطِها أو في وُضُوئِه فَنَصَحَهُ فردَّ الكبيرُ النصيحةَ لأَنَّهُ أَنِفَ أَن يُصلِحَ لَهُ الصغير، يَكُونُ هذا الكبيرُ قد تكبَّرَ عن قَبُولِ الحَقِّ مِن قائِلِه، ومثلُه الآباءُ الذين لا يَقبَلُونَ نُصحَ أَبنائِهم ظَنًّا مِنهُم أنَّ في ذلك إظهارًا لِضَعفِهِم،  ولو أنهم عَرَفُوا عاقِبَةَ المتَكَبِّرِ ومَا يَـجِدُ مِن عذابٍ لَـمَا تَأَخَّرُوا عَن قَبُولِ النَّصِيحةِ لَـحظَة.

إخوةَ الإسلام: للكِبرِ صُوَرٌ مِنهَا إِسبَالُ الثَّوبِ لِلخُيَلاءِ، أي للفَخرِ، فَهذا حرامٌ كعَادَةِ بَعضِ الأغنياءِ مِن تَطوِيلِ الثَّوبِ وَجَرِّهِ عَلى الأَرضِ للتباهي، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: “مَن جَرَّ ثَوبَهُ خُيَلَاءَ، لم يَنظُرِ اللهُ إليهِ يومَ القيامَةِ، أي لم يُكرِمهُ بل يُعَذِّبه، فقالَ لَهُ أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه:” يا رسولَ الله إنَّ أحَدَ شِقَّي إِزَارِي يَستَرخِي إِلَّا أَن أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنه، فَقال له النبيُّ ﷺ:« لَستَ مِـمَّن يَصنَعُهُ خُيَلَاءَ».

ومِن صُوَرِ الكِبرِ ما في الحديثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «بَينَمَا رَجُلٌ يمشِي في حُلَّةٍ تُعجِبُهُ نَفسُهُ مُرَجِّلٌ جُـمَّتَه – أي شَعرَ رأسِه الـمُتَدَلِّـيَ إلى الـمَنكِبَين – يَـختَالُ في مِشيَتِه – أي يمشي مِشيَةَ المتكبِّرِين – إِذ خَسَفَ اللهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلجَلُ – أي في الأرضِ – إلى يومِ القيامة»أَي هُوَ يَغُوصُ في الأرضِ ويَنزِلُ فيها إلى يومِ القيامة.

وأما عقابُ المتكبرِ فقد صحَّ عنِ النبيِّ الأعظمِ محمدٍ عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ أنه قالَ في الحديثِ الذي رواهُ الإمامُ مسلم: «لا يَدخُلُ الجنةَ مَن كانَ في قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبر» أي لا يَدخُلُها مَعَ الأَوَّلِين، والذَّرَّةُ هي الهَــبَاءُ الذي يُرى عندَ دُخُولِ نورِ الشَّمسِ مِنَ الكَوَّةِ إلى الغُرفَةِ. وروى الترمذيُّ في سننِهِ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمثَالَ الذَّرِّ -أي النملِ الأحمرِ الصغير- فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغشَاهُم الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكَانٍ» فاحرِصُوا عبادَ اللهِ على تَصفِيَةِ قُلوبِكُم مِنَ الكِبر،ِ هذا الدَّاءِ الـمُفسِدِ والصِّفَةِ المذمُومة، ومَن كانَ على هذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ فَليُدَاوِ نَفسَهُ الأَمَّارَةَ بالسُّوءِ، بِخِدمَةِ الفُقَراءِ والمحتاجينَ من المسلمين، وَبِتَركِ التَّعالي عليهم، والالتزامِ بقَبُولِ الحقِّ، سَواءٌ كانَ صادرًا مِن كبيرٍ أم صغيرٍ، إذ لا يخفَى مَا في التواضُعِ مِن شَرَفٍ عَظيمٍ وقَدرٍ رَفِيع، كيفَ لا والنبيُّ ﷺ يقول:« مَا تَواضَعَ أحدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ الله»(2) وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو سيِّدُ المتواضعينَ وإمامُ المتقين يقولُ:« اللهم أَحيِنِي مِسكِينًا – أي مُتَوَاضِعًا – وَأَمِتنِي مِسكِينًا، أي مُتَوَاضِعًا – واحشُرنِي في زُمرَةِ المساكينِ يومَ القيامة» أي المتواضعين. فَصَلَّى اللهُ على سيِّدنا رسولِ الله، نِعمَ الأُسوةِ ونِعمَ القُدوة، وَرَزَقَنَا اللهُ حُسنَ اتِّبَاعِه، أقولُ قولي وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبة الثانية:

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: يروى أن بعضَ العلماءِ رأى المهلّب والذي كان واليَ خَراسان وهو يتبخترُ في جُبةٍ من حرير فقال له: يا عبدَ الله، هذه مِشيةٌ يُبغضُها اللهُ ورسولُه. فقال له المُهلّب: أما تعرفُني؟ فقال: بلى أعرفُك، أوَّلُكَ نُطفةٌ مَذِرَة، وءاخرُكَ جيفةٌ قَذِرَة، وأنت بينَ ذلك تحمِلُ العَذِرَة. فمضى المهلّبُ وترك مِشيتَهُ تلك.(3) فيا أيها المتكَبّر: تفخَرُ بمالِك؛ فقارون خُسِفَ به وبكنوزهِ الأرض. تفخرُ بجاهِك؛ ففرعَونَ هلك في الماء ولم ينفَعه ملكُه ولا رجالُه. تفخَرُ بقوّتِك؛ فألمُ سِنِّكَ يُضجِعُك. فلأيّ شيءٍ تتعاظَمُ في نفسِكَ وتتكبّر؛ فإن أوَّلك نُطفَة وءاخِرَكَ جيفَة. نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من المتواضعين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّت المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.  

  1. رواه الإمام مسلم في صحيحه. ↩︎
  2. رواه مسلم. ↩︎
  3. ذكر القصّةَ أبو نعيم في الحلية. ↩︎

خطبة الجمعة│النفس اللَّوَّامة

خطبة الجمعة │ النفس اللَّوَّامة

الحَمدُ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، العَزِيزِ الغَفَّارِ، مُولِجِ اللَّيلِ فِي النَّهَارِ، تَذكِرَةً لِأُولِي القُلُوبِ وَالأَبصَارِ، وَتَبصِرَةً لِذَوِي الأَلبَابِ وَالِاعتِبَارِ،…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share