بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».
أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الحَدِيثِ إِلَى عَظِيمِ قَدرِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم، فَهُم حُمَاةُ الدِّينِ، وَهُم بِذرَتُهُ الَّتِي أَنبَتَت خَيرًا فَانتَشَرَت فُرُوعُهَا فِي أَقطَارِ الأَرضِ، كَيفَ لَا وَهُم مَن نَشَرُوا الإِسلَامَ إِلَى الصِّينِ شَرقًا وَأَوسَاطِ أُورُوبَّا غَربًا، وَمَا هَذَا إِلَّا لِيَحمِلُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيُبَلِّغُوهَا لِلنَّاسِ وَيَنشُرُوا هَذِهِ الدَّعوَةَ المُبَارَكَةَ، دَعوَةَ هَذَا النَّبِيِّ العَظِيمِ الَّذِي عَاشُوا مَعَهُ، يَأكُلُونَ مَعَهُ وَيَجُوعُونَ مَعَهُ، يَفرَحُونَ مَعَهُ وَيَحزَنُونَ مَعَهُ، وَشَرِبُوا نَهجَهُ القَوِيمَ وَأَخلَاقَهُ الزَّاكِيَةَ، فَكَانَ حَقًّا عَلَينَا أَن نَقتَدِيَ بِهِم، وَفِي هَذَا المَقَالِ نَتَنَاوَلُ طَرَفًا مِن سِيرَةِ وَاحِدٍ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ الشَّهِيدُ ذُو الخَيرِ وَالجُودِ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
من هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؟
هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ بنِ عُثمَانَ بنِ عَمرِو بنِ كَعبِ بنِ سَعدِ بنِ تَيمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيٍّ، وَأُمُّهُ الصَّعبَةُ بِنتُ الحَضرَمِيِّ أُختُ العَلَاءِ بنِ الحَضرَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، أَسلَمَت وَأَسلَمَ طَلحَةُ مَعَهَا، وَطَلحَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَحَدُ العَشَرَةِ الَّذِينَ بَشَّرَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالجَنَّةِ، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ إِلَى الإِسلَامِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهلِ الشُّورَى.
خلقته رضي الله عنه
كَانَ رَبعَةً (أَي مَعَ مَيلٍ إِلَى الطُّولِ)، مَلِيحَ الوَجهِ (أَي حَسَنَ الوَجهِ)، رَحبَ الصَّدرِ (أَي وَاسِعَ الصَّدرِ)، بَعِيدَ مَا بَينَ المَنكِبَينِ (الْمَنَاكِبُ: جمعُ مَنْكِبْ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الكَتِف والعُنُق)، شَعَرُهُ كَثِيرٌ، لَيسَ بِالجَعدِ القَطَطِ وَلَا بِالسَّبطِ المُستَرسِلِ (لَيسَ شَدِيدَ الِانقِبَاضِ وَلَا مُستَرسِلًا استِرسَالًا كَامِلًا إِنَّمَا كَانَ بَينَهُمَا، فِيهِ شَيءٌ مِنَ الجُعُودَةِ يَعنِي فِيهِ حِلَقٌ)، ضَخمَ القَدَمَينِ، إِذَا التَفَتَ التَفَتَ جَمِيعًا (إِذَا التَفَتَ يَلتَفِتُ بِكُلِّ بَدَنِهِ لَا بِرَأسِهِ فَقَط).
إسلام طلحة بن عبيد الله
قَالَ طَلحَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: حَضَرتُ سُوقَ بُصرَى بِالشَّامِ، فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَومَعَتِهِ يَقُولُ: سَلُوا أَهلَ هَذَا المَوسِمِ أَفِيهِم أَحَدٌ مِن أَهلِ الحَرَمِ؟، فَقُلتُ: نَعَم، أَنَا، فَقَالَ: هَل ظَهَرَ أَحمَدُ بَعدُ؟، قُلتُ: وَمَن أَحمَدُ؟، قَالَ: ابنُ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، هَذَا شَهرُهُ الَّذِي يَخرُجُ فِيهِ، وَهُوَ ءَاخِرُ الأَنبِيَاءِ، وَمَخرَجُهُ مِنَ الحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخلٍ وَحَرَّةٍ (الحَرَّة: هِيَ الْأَرْضُ ذاتُ الحِجارة السُّودِ) وَسِبَاخٍ (السِّبَاخُ: جَمْعُ سَبَخَة، وَهِيَ الأرضُ الَّتِي تعْلُوها المُلُوحة وَلَا تكادُ تُنْبِت إِلَّا بعضَ الشجَرِ) (وَالمَقصُودِ مِن كُلِّ هَذَا الوَصفِ أَرضُ المَدِينَةِ)، قَالَ طَلحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلبِي مَا قَالَ، فَخَرَجتُ سَرِيعًا حَتَّى قَدِمتُ مَكَّةَ فَقُلتُ: هَل كَانَ مِن حَدَثٍ؟، قَالُوا: نَعَم، مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأَمِينُ تَنَبَّأَ، وَقَد تَبِعَهُ ابنُ أَبِي قُحَافَةَ (يَعنُونَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فَانطَلَقتُ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَأَخبَرتُهُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَخَرَجنَا مَعًا فَدَخَلنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسلَمتُ عَلَى يَدَيهِ، وَأَخبَرتُهُ بِخَبَرِ الرَّاهِبِ فَسُرَّ سُرُورًا عَظِيمًا بِذَلِكَ.
جهاد طلحة بن عبيد الله
شَهِدَ طَلحَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ المَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا بَدرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا وَصَلَتهُ أَخبَارٌ عَن قَافِلَةِ قُرَيشٍ الَّتِي كَانَت مُحَمَّلَةً بِأَموَالِ المُسلِمِينَ وَأَرَادَ الرَّسُولُ أَن يُغِيرَ عَلَيهَا بَعَثَ طَلحَةَ وَسَعِيدَ بنَ زَيدٍ لِيَأتِيَاهُ بِأَخبَارِ القَافِلَةِ، فَخَرَجَا حَتَّى مَرَّت بِهِمَا القَافِلَةُ، فَرَجَعَا يُرِيدَانِ المَدِينَةَ لِيُخبِرَا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِخَبَرِهَا، لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ قَد خَرَجَ قَبلَ مَجِيئِهِمَا، وَكَانَت وَقعَةُ بَدرٍ فِي اليَومِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ طَلحَةُ وَسَعِيدٌ المَدِينَةَ، فَلَم يَشهَدَا الوَقعَةَ، فَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَهمِهِمَا وَأَجرِهِمَا، فَكَانَا كَمَن شَهِدَهَا.
وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَن أَبِيهَا الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ كُلَّمَا ذُكِرَ يَومُ وَقعَةِ أُحُدٍ قَالَ: ذَلِكَ كُلُّهُ يَومُ طَلحَةَ، كُنتُ أَوَّلَ مَن فَاءَ يَومَ أُحُدٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلِأَبِي عُبَيدَةَ الجَرَّاحِ: “عَلَيكُمَا صَاحِبُكُمَا“، يُرِيدُ أَن نَهتَمَّ بِطَلحَةَ لِأَنَّهُ يَنزِفُ، فَأَصلَحنَا مِن شَأنِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ أَتَينَا طَلحَةَ فَإِذَا بِهِ بِضعٌ وَسَبعُونَ أَو أَقَلُّ أَو أَكثَرُ بَينَ طَعنَةٍ وَضَربَةٍ وَرَميَةٍ.
وَقَد ثَبَتَ أَنَّ طَلحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَمَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ، فَقَد أَخرَجَ النَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي نَاحِيَةٍ فِي اثنَي عَشَرَ رَجُلًا مِنهُم طَلحَةُ، فَأَدرَكَهُمُ المُشرِكُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “مَن لِلقَومِ” قَالَ طَلحَةُ: أَنَا، قَالَ: “كَمَا أَنتَ“، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ: أَنَا، فَقَالَ: “أَنتَ“، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَم يَزَل كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَلحَةُ، فَعِندَئِذٍ قَاتَلَهُم طَلحَةُ قِتَالَ الأَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا قَبلَهُ حَتَّى قُطِعَت أَصَابِعُهُ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ المُشرِكِينَ.
وَأَخرَجَ الحَاكِمُ وَالتِّرمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَومَ أُحُدٍ: “أَوجَبَ طَلحَةُ“، مَعنَاهُ فَعَلَ فِعلًا يُدخِلُهُ الجَنَّةَ.
وَقَد أُصِيبَ أَنفُ النَّبِيِّ ﷺ وَرَبَاعِيَتُهُ يَومَ أُحُدٍ، وَإِنَّ طَلحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ وَقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ فَضُرِبَت فَشُلَّت إِصبَعُهُ.
وَعَن عَائِشَةَ وَأُمِّ إِسحَاقَ ابنَتَي طَلحَةَ قَالَتَا: جُرِحَ أَبُونَا يَومَ أُحُدٍ أَربَعًا وَعِشرِينَ، وَقَعَ مِنهَا فِي رَأسِهِ شَجَّةٌ، وَقُطِعَ لَهُ عِرقُ النِّسَا، وَشُلَّت إِصبَعُهُ، وَسَائِرُ الجِرَاحِ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَكسُورَةٌ رَبَاعِيَتَاهُ، مَشجُوجٌ فِي وَجهِهِ، قَد عَلَاهُ الغَشيُ، وَطَلحَةُ يَحمِلُهُ يَرجِعُ بِهِ إِلَى الخَلفِ، كُلَّمَا أَدرَكَهُ أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ قَاتَلَ دُونَهُ، حَتَّى أَسنَدَهُ إِلَى الشِّعبِ.
مناقب طلحة بن عبيد الله
وَرَدَ أَنَّ طَلحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَتَاهُ مَالٌ مِن حَضرَمَوتَ بِمِقدَارِ سَبعِمِائَةِ أَلفِ دِرهَمٍ، فََبَاتَ يَتَمَلمَلُ، فَقَالَت لَهُ زَوجَتُهُ: مَا لَكَ؟، قَالَ: تَفَكَّرتُ كُلَّ اللَّيلَةِ مَا ظَنُّ رَجُلٍ بِرَبِّهِ يَبِيتُ وَهَذَا المَالُ فِي بَيتِهِ؟، (يَقصِدُ كَيفَ يَكُونُ جَزَاءُ رَبِّي لِي وَأَنَا أَبِيتُ وَكُلُّ هَذَا المَالِ فِي بَيتِي وَيُوجَدُ مِنَ المُسلِمِينَ مَن هُوَ جَائِعٌ مُحتَاجٌ) فَقَالَت لَهُ زَوجَتُهُ، وَهِيَ أُمُّ كُلثُومٍ بِنتُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: إِذَا أَصبَحتَ فَادعُ فَقَسِّمهُ، فَقَالَ لَهَا: رَحِمَكِ اللهُ، أَنتِ مُوَفَّقَةٌ بِنتُ مُوَفَّقٍ.
فَلَمَّا أَصبَحَ قَسَّمَهُ بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنهَا بِشَيءٍ، فَقَالَت لَهُ زَوجَتُهُ: أَمَا كَانَ لَنَا فِي هَذَا المَالِ نَصِيبٌ؟، قَالَ: فَشَأنُكِ بِمَا بَقِيَ، وَكَانَ مَا بَقِيَ صُرَّةً فِيهَا نَحوُ أَلفِ دِرهَمٍ.
وَأَخبَارُ بَذلِ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ وَسَخَائِهِ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ التَّرَاجِمِ وَالسِّيَرِ، مِنهَا أَنَّ أَعرَابِيًّا جَاءَهُ يَسأَلُهُ، فَتَقَرَّبَ إِلَيهِ بِرَحِمٍ (أَي قَالَ لَهُ لِأَجلِ فُلَانٍ أَن تُعطِيَنِي) فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَرَحِمٌ مَا سَأَلَنِي بِهَا أَحَدٌ قَبلَكَ، إِنَّ لِي أَرضًا قَد أَعطَانِي بِهَا ثَمَنُهَا ثَلَاثُمِائَةِ أَلفٍ، فَاقبِضهَا، وَإِن شِئتَ بِعتُهَا وَدَفَعتُ إِلَيكَ الثَّمَنَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أُرِيدُ الثَّمَنَ، فَأَعطَاهُ إِيَّاهُ.
وَكَانَ طَلحَةُ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِن بَنِي تَيمٍ (وَهُم عَشِيرَةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ) عَائِلًا إِلَّا كَفَاهُ وَقَضَى دَينَهُ، وَلَقَد كَانَ يُرسِلُ إِلَى عَائِشَةَ كُلَّ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ ءَالَافٍ، وَلَقَد قَضَى عَن صُبَيحَةَ التَّيمِيِّ ثَلَاثِينَ أَلفًا.
وَرُوِيَ أَنَّ طَلحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ قَضَى عَن عُبَيدِ اللهِ بنِ مَعمَرٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ عَامِرِ بنِ كُرَيزٍ ثَمَانِينَ أَلفَ دِرهَمٍ.
وَقَد أَثنَى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيرًا، وَمَدَحَهُ فَسَمَّاهُ طَلحَةَ الخَيرِ، وَطَلحَةَ الفَيَّاضَ، وَطَلحَةَ الجُودِ، وَذَلِكَ لِبَذلِهِ وَسَخَائِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَكَثِيرًا مَا كَانَ يُعطِي مِن غَيرِ مَسأَلَةٍ.
وفاته رضي الله عنه
كَانَت وَفَاةُ سَيِّدِنَا طَلحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومَ الجَمَلِ، يَومَ التَقَى جَيشَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَمُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانٍ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلهِجرَةِ، بَعدَ أَن رَمَاهُ مَروَانُ بنُ الحَكَمِ بِسَهمٍ وَهُوَ مُنصَرِفٌ مِن مُعَسكَرِ مُعَاوِيَةَ تَائِبًا مِن قِتَالِهِ لِأَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَقَد رَوَى الحَاكِمُ فِي مُستَدرَكِهِ أَنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعَثَ إِلَى طَلحَةَ أَنِ القَنِي، فَأَتَاهُ طَلحَةُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: نَشَدتُكَ اللهَ، هَل سَمِعتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “مَن كُنتُ مَولَاهُ فَعَلِيٌّ مَولَاهُ، اللهم وَالِ مَن وَالَاهُ وَعَادِ مَن عَادَاهُ“، فَقَالَ طَلحَةُ: نَعَم، قَالَ: فَلِمَ تُقَاتِلُنِي؟، قَالَ: لَم أَذكُر، فَانصَرَفَ طَلحَةُ تَائِبًا.
وَفِي تِتِمَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَن ثَورِ بنِ مَجزَأَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَرَرتُ بِطَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ يَومَ الجَمَلِ وَهُوَ صَرِيعٌ فِي ءَاخِرِ رَمَقٍ، فَوَقَفتُ عَلَيهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى وَجهَ رَجُلٍ كَأَنَّهُ القَمَرُ، مِمَّن أَنتَ؟، فَقُلتُ: مِن أَصحَابِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيٍّ، فَقَالَ: ابسُط يَدَكَ أُبَايِعكَ، فَبَسَطتُ يَدِي وَبَايَعَنِي فَفَاضَت نَفسُهُ، فَأَتَيتُ عَلِيًّا فَأَخبَرتُهُ بِقَولِ طَلحَةَ، فَقَالَ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَبَى اللهُ أَن يَدخُلَ طَلحَةُ الجَنَّةَ إِلَّا وَبَيعَتِي فِي عُنُقِهِ.
رَوَى طَلحَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنهَا حَدِيثَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيهِمَا، وَانفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ بِحَدِيثَينِ، وَمُسلِمٌ بِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ، وَلَهُ فِي مُسنَدِ بَقِيِّ بنِ مِخلَدٍ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا.
رَحِمَ اللهُ طَلحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- مُستَدرَكِ الحَاكِمِ.
- الإِصَابَةِ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ.
- أُسدِ الغَابَةِ فِي مَعرِفَةِ الصَّحَابَةِ.
- قُوتِ المُغتَذِي لِلسُّيُوطِيِّ.
- سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.
- الطَّبَقَاتِ الكُبرَى لِابنِ سَعدٍ.