الصحابي الجليل حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه

الصحابي الجليل حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ

سُورَةُ آل عمران: 7

رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ فِيْ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ حَبْرُ الأُمَّةِ ذُو العُلُومِ الجَمَّةِ، مُفَسِّرُ التَّنْزِيلِ وَمُبِّينُ التَّأْوِيلِ، فَتَى الكُهُولِ، عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، جَاءَ طَائِرٌ عَظِيمٌ أَبْيَضُ وَدَخَلَ الكَفَنَ وَسَمِعَ النَّاسُ صَوْتًا لَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِيَ وادْخُلِي جَنَّتِي﴾، [سورة الفجر:27-30].

التعريف به رضي الله عنه

هو حَبْرُ الأُمَّةِ، فَقِيْهُ العَصْرِ، إِمَامُ التَّفْسِيْرِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلاَبِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرٍ القُرَشِيُّ الهَاشِمِيُّ المَكِّيُّ.

وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ الفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بنِ حَزْنِ بنِ بُجَيْرٍ الهِلاَلِيَّةُ أُختُ أُمِّ المُؤمِنِيَن مَيمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

وُلِدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِيْنَ.

صفاته رضي الله عنه

كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ وَسِيمًا جَمِيْلًا مَدِيدَ القَامَةِ مَهِيبًا كَامِلَ العَقْلِ ذَكِيَّ النَّفْسِ مِنْ رِجَالِ الكَمَالِ.

إسلامه رضي الله عنه

أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَغِيرًا هُوَ وَأُمُّهُ فِي مَكَّةَ وَكَانَا مِنْ المُسْتَضْعَفِينَ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِيْنَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، ثُمَّ انْتَقَلَ مَعَ أَبَوَيهِ إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ سَنَةَ الفَتْحِ، وَصَحِبَ فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ.

مناقبه رضي الله عنه

قال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِ، وَقَالَ: “‌اللَّهُمَّ ‌عَلِّمْهُ ‌الْحِكْمَةَ ‌وَتَأوِيلَ الكِتَابِ“، رَوَاهُ البُخَارِيُ وَابْنُ مَاجَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَجْلَسَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: “‌اللَّهُمَّ ‌عَلِّمْهُ ‌الْحِكْمَةَ“.

وَقَد ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَرَّبَهُ، وَكَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَعَاكَ يَوْمًا، فَمَسَحَ رَأْسَكَ وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: “اللهم فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ“، رَوَاهُ ابنُ حَجَرٍ فِي الإِصَابَةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ اللهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﷺ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُؤْيَةُ جِبْرِيلَ، فَقَد رَوَى أَحْمدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ كَالمُنْشَغِلِ عَنْ أَبِي، فَخَرَجنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ (أَيِ العَبَّاسُ، وَلَم يَقُل ذَلِكَ انزِعَاجًا وَلَا اعتِرَاضًا): أَلَمْ تَرَ ابْنَ عَمِّكَ كَالمُنشَغِلِ عَنِّي؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ، قَالَ: أَوَ كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ؟ فَقَالَ لِي: “هَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللهِ؟”، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “ذَاكَ جِبْرِيْلُ، فَهُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَنْكَ”، وفي رواية أَنَّ العَبَّاسَ بَعثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا، فَرَجَعَ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ، فَلَقِيَ العَبَّاسُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْسَلتُ إِلَيْكَ ابْنِي فَوَجَدَ عِنْدَكَ رَجُلاً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُ، فَقَالَ: “يَا عَمِّ! تَدْرِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟”، قَالَ: لاَ، قَالَ: “ذَاكَ جِبْرِيْلُ لَقِيَنِي، لَنْ يَمُوْتَ ابْنُكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ، وَيُؤْتَى عِلْمًا“.اهـ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِيْ الدَّلَائِلِ.

وَمِن مَنَاقِبِهِ أَيضًا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: ذَاكُمْ ‌فَتَى ‌الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا، رَوَاهُ الحَاكِمُ.

وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقَبِّلُ يَدَ ابنِ عَبَّاسٍ وَيَقُولُ: هَكَذَا أُمْرنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا، وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَمْدَحُهُ وَيَقُولُ:

إِذَا مَا ابْنُ عَبَّاسٍ بَدَا لَكَ وَجْهُهُ
رَأَيْتَ لَهُ فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ فَضْلَا

إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ
بِمُنْتَظِمَاتٍ لَا تَرَى بَيْنَهَا فَصْلَا

كَفَى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوْسِ فَلَمْ يَدَعْ
لِذِي أَرَبٍ فِي القَوْلِ جِدًّا وَلَا هَزْلَا

سَمَوْتَ إِلَى العَلْيَا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ
فَنِلْتَ ذُرَاهَا لَا دَنِيًّا وَلَا وَغْلَا

همته في طلب العلم رضي الله عنه

لَمْ يَكْتَفِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ نَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيْرٌ، فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَرَى؟، فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى المَسْألَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الحَدِيْثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ (أَيْ مِنْ وَقْتِ الْقَيْلُوْلَةِ، أَيْ نَائِمٌ نِصْفَ النَّهَارِ)، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتَسْفِي الرِّيْحُ عَلَيَّ التُّرَابَ، فَيَخرجُ، فَيَرَانِي، فَيَقُوْلُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ! أَلاَ أَرْسَلتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُوْلُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ فَأَسْأَلَكَ. قَالَ: فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا الفَتَى أَعقَلُ مِنِّي، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عِنْدَ هَذَا الحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، إِنْ كُنْتُ لَآتِي الرَّجُلَ مِنْهُم، فَيُقَالُ: هُوَ نَائِمٌ؛ فَلَو شِئْتُ أَنْ يُوْقَظَ لِي فَأَدَعُهُ حَتَّى يَخرُجَ لأَسْتطِيبَ بِذَلِكَ قَلْبَهُ، وَصَحَّ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَسْأَلُ عَنِ الأَمرِ الوَاحِدِ ثَلَاثِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.

مكانته العلمية رضي الله عنه

كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقَدِّمُهُ وَيَسْأَلُهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ فَضْلِ فِطْنَتِهِ، وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ، وَكَانَ إِذَا جَاءَتهُ مُعضِلَةٌ يَمْدَحُهُ وَيَقُولُ: ‌غُصْ ‌يَا ‌غَوَّاصُ وَكَانَ يَسْتَشِيرُه فِي الأَمْرِ إِذَا أَهَمَّهُ.

رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ ‌أَشْيَاخِ ‌بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ، قَالَ: وَمَا رَأَيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.

قَالَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْضَرَ فَهْمًا، وَلَا أَلَبَّ لُبًّا، وَلَا أَكْثَرَ عِلمًا، وَلَا أَوسَعَ حِلمًا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدعُوهُ لِلمُعْضِلَاتِ فَيَقُوْلُ: قَدْ جَاءَت مُعْضِلَةٌ، ثُمَّ لَا يُجَاوِزُ قَوْلَهُ، وَإِنَّ حَوْلَهُ لَأَهْلُ بَدْرٍ.

وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ: وَلَنِعْمَ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقَدْ بَعَثَهُ عَلِيٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمُنَاظَرَةِ الخَوَارِجِ فَأَقَامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وَكَانُوا يَوْمئِذٍ اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَا فَعَادَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ بِبَرَكَةِ تَوَقُّدِ ذِهْنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِلْمِهِ.

قَالَ الحَسَنُ البِصْرِيُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الإِسْلَامِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ مِنَ القُرْآنِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا، فَيَقرَأُ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَيُفَسِّرُهُمَا آيَةً آيَةً.

قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيْرٌ عَلَى المَوْسِمِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النُّوْرَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَيُفَسِّرُ، فَجَعَلْتُ أَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ كَلَامَ رَجُلٍ مِثْلَ هَذَا لَوْ سَمِعَتْهُ فَارِسُ وَالرُّوْمُ وَالتُّرْكُ لَأَسْلَمَتْ.

وَرَوَى ابْنُ الجَوْزِيِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ هَلاكًا مِنِّي، فَقِيلَ وَكَيْفَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُحْدِثُ الْبِدْعَةَ فِي مَشْرِقٍ أَوْ مَغْرِبٍ فَيَحْمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيَّ ‌فَإِذَا ‌انْتَهَتْ ‌إِلَيَّ ‌قَمَعْتُهَا بِالسُّنَّةِ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ.

وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ فِي العَلَمِ.

وَرُوِيَ عَنهُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةٍ وَسِتُّوْنَ حَدِيثًا، وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُوْنَ، وَتَفَرَّدَ البُخَارِيُّ لَهُ بِمائَةٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيثًا، وَتَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِتِسْعَةِ أَحَادِيْثَ، وَجَمَعَ بَعضُ الفُقَهَاءِ فَتَاوَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عِشْرِيْنَ كِتَابًا.

كرمه رضي الله عنه

كَانَ أَبُو أَيُّوْبَ الأَنْصَارِيُّ يَشكُو دَينًا فَأَتَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمْ يَرَ مِنْهُ مَا يُحِبُّ، فَقَدِمَ البَصْرَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَفَرَّغَ لَهُ بَيْتَهُ، وَقَالَ: لأَصْنَعَنَّ بِكَ كَمَا صَنَعتَ بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: كَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: عِشْرُوْنَ أَلْفًا. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِيْنَ أَلْفًا، وَعِشْرِيْنَ مَمْلُوْكًا، وَكُلَّ مَا فِي البَيْتِ.

وفاته رضي الله عنه

لَمَّا دُفِنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ ابنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ.

مَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ، وَقِيْلَ عَاشَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً 

وَلَمَّا مَاتَ جَاءَ طَائِرٌ عَظِيمٌ أَبْيَضُ دَخَلَ كَفَنُهُ وَلَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَكَانَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يُؤَوِّلُونَ هَذَا الطَّائِرُ بِعِلْمِهِ، وَهَذِهِ قِصَّةٌ أَخْرَجَهَا كَثِيرٌ مِنْ الحِفَاظِ بَلْ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ
  2. صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ
  3. صَحِيْحِ مُسْلِمٍ لِلْإِمَامِ مُسْلِمٍ
  4. مُسْنَدِ أَحْمَدَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ
  5. الْإِصَابَةِ فِيْ تَمْيِيْزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ
  6. أُسْدِ الْغَابَةِ فِيْ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ
  7. فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ
غزوة تبوك

غزوة تبوك

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share