الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي مَدَحَ سيدَ الأولينَ والآخرينَ فقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾، أَحْمَدُهُ تعالَى بأنْ خَصَّنَا بالنَّبيِّ المَكِينِ، والرَّسولِ الأمِينِ، سيِّدِ المُرسَلِينَ، وخَاتَمِ النَّبيِّينَ، ورَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الأولينَ والآخرين، فالصَّلاةُ والسلامُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اقتَفَى أثَرَهُ وأحْيَا سنَّتَهُ إلَى يومِ الدِّينِ، عبادَ الله إنّي أوصيكم ونفسيَ بتقوى اللهِ العليّ العظيم، فاتقوهُ.
أما بعدُ: يقولُ اللهُ تعالَى فِي سورةِ آلِ عمران: ﴿ قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، معناهُ عبادَ اللهِ أنَّ محبةَ النبيِّ ﷺ موصلةٌ لمحبةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فمَا أعظمَها مِنْ طريقٍ ومَا أجمَلَه مِنْ بيانٍ. فمحمدٌ ﷺ تحنُّ إليهِ القُلوبُ، محمدٌ تطيبُ بهِ النُّفوسُ، محمدٌ تَقَرُّ بِهِ العُيُونُ، محمدٌ ﷺ تسيلُ لذكرهِ دموعُ العاشقينَ وتسكنُ عندَ الصلاةِ عليهِ أفئدةُ المحبينَ.
إخوةَ الإيمانِ إنَّ مِنْ شأنِ المحبِّ للهِ تعالَى ولرسولِه ﷺ أنْ يكونَ لسانُه دائمًا رطْبًا بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ والصلاةِ على نبيِّه ﷺ فقلبُه معلَّقٌ بهذَا وأنسُه بهذَا وهيامُه بهذَا وقلبُه منقطعٌ عنْ عوالقِ الدنيا الفانيةِ الزائلةِ لا يأنَسُ إلَّا بذكرِ اللهِ وذكرِ نبيِّه ﷺ، فمَنْ كانَ راسخًا فِي حبِّ اللهِ ورسولِه ﷺ فإنَّ العبادةَ تهونُ عليهِ ويَسهُلُ عليهِ القيامُ والصيامُ والطاعةُ ومواصلةُ العبادةِ لربِّه عزَّ وجلَّ، ومَنْ كانَ راسخًا في حبِّ اللهِ ورسولِه ﷺ فإنَّه يكونُ كثيرَ الذكرِ للنبيِّ ﷺ وكثيرَ الصلاةِ عليهِ ﷺ لأنَّ مَنْ أحبَّ شيئًا أكثرَ مِنْ ذكرِه، يقولُ النبيُّ ﷺ فيمَا رواهُ الترمذيُّ: “إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً“، ويقولُ ﷺ: “البَخِيْلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ” رواهُ الترمذيُّ، فأكثروا يا أحبابَ محمدٍ ﷺ مِنَ الصلاةِ عليهِ فالصلاةُ عليهِ ترياقُ العارفينَ ولذةُ عبادِ اللهِ الصالحينَ، وهيَ نعمةٌ عظيمةٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ علَى عبادِه المؤمنينَ، جعلَ اللهُ فيها الهناءَ والسرورَ، والفرحَ والحبورَ وتيسيرَ الأمورَ، وهيَ سيرةٌ مرضيةٌ تُمحَى بها الآثامُ والذنوبُ وتنشرحُ بها الصدورُ، وتُكشفُ بها الهمومُ، وتنجلِي بها الغمومُ، وتُدفعُ بها العاهاتُ وتقضَى بها الحاجاتُ، وتُرفَعُ بها الدرجاتُ، وتُكَفَّرُ بها الخطيئاتُ والزلّاتُ وتَكثرُ بها الأرزاقُ، وهيَ وسيلةُ خيرٍ مباركةٌ تُنالُ بها بإذنِ اللهِ شفاعةُ الرسولِ الأعظمِ ﷺ يومَ القيامةِ. فعنْ أُبَيِّ بنِ كعبٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: يَا رَسُول اللَّهِ أَجْعَلُ صَلَاتِي كُلَّهَا لَكَ (والمعنَى أصرفُ جميعَ أوقاتِ دعائِي لنفسِي للصلاةِ عليكَ) قَالَ: “إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ ويُغْفَرُ لك ذَنْبُكَ” رواهُ الترمذيُّ. وقدْ قيلَ:
| وَلَا تَنْسَ ذِكْرَ الْهَاشِمِيِّ الأَكْرَمِ | حُبُّ النَّبِيِّ عَلَى الْأَنَامِ فَرِيضَةٌ |
| فِيهَا النَّجَاةُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمِ | إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ وَسِيْلَةٌ |
وَمعنَى الصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عبادَ اللهِ: اللَّهُمَّ زِدْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا تَعْظِيمًا وَأَمِّنْهُ مِمَّا يَخَافُهُ عَلَى أُمَّتِهِ. اهـ اللهم صلِّ علَى سيدِنا محمدٍ وعلَى آلِه وصحبِه وسلِّمْ.
أقولُ قوليَ هذَا وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ فيَا فوزَ المستغفرين…
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله والفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: أذكرُكُم بأنْ تَشْغَلُوا أوقاتَكم بذكرِ اللهِ وخصوصًا مِنْ دعاءِ سيدِنا يونسَ عليهِ السلامُ وهوَ قولُه: (لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ).
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، أنزِلْ علينا الغيثَ ولا تجعَلْنا مِنَ القانطينَ أنزِلْ علينَا الغيثَ ولا تجعلْنا مِنَ القانطين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وبلادَنا بالخيراتِ والأمطارِ والغيثِ العميمِ يا ربَّ العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.