قصة أصحاب السبت

قصة اصحاب السبت

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.

سُورَةُ البَقَرَةِ (65-66)

كَانَ اليَهُودُ قَبلَ بِعثَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَكتُمُونَ قِصَّةَ أَصحَابِ السَّبتِ مِن أَهلِ أَيلَةَ وَمَا حَصَلَ مَعَهُم، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّوبِيخِ وَالذُّلِّ لَهُم عَلَى مَا جَرَى مَعَ بَعضِ أَسلافِهِم مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الإِهلَاكِ وَالمَسخِ، لَكِنَّ اللَّهَ فَضَحَهُم فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ عِندَمَا أَوحَى إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ تِلكَ القِصَّةَ لِيُحَذِّرَ اليَهُودَ مِن تَعَنُّتِهِم وَتَكَبُّرِهِم وَرَفضِهِمُ الإِيمَانَ بِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، مُذَكِّرًا إِيَّاهُم مَا حَلَّ بِإِخوَانِهِم فِي قَريَةِ أَيلَةَ، فَمَا هِيَ تِلكَ القِصَّة؟.

تفاصيل القصة

الأمر بالامتناع عن العمل يوم السبت

كَانَ المُسلِمُونَ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ أَيَّامَ نَبِيِّهِم دَاوُدَ وَقَبلَهَا يَمتَنِعُونَ عَنِ العَمَلِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالصَّيدِ يَومَ السَّبتِ، إِذ كَانَ هَذَا الأَمرُ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِم، ابتِلاءً لَهُم مِنَ اللَّهِ، وَلِيُظهِرَ لِلنَّاسِ مَن يَلتَزِمُ بِأَوَامِرِهِ وَمَن يَعصِيهِ.

اختبار الله لصبرهم يوم السبت

كَانَتِ الحِيتَانُ وَالأَسمَاكُ تَأتِي يَومَ السَّبتِ حَتَّى إِنَّهَا تَكَادُ أَن تُصَادَ بِاليَدِ مِن قُربِهَا، لِأَنَّهَا أُلهِمَت أَنَّهَا لا تُصَادُ فِي هَذَا اليَومِ لِنَهيِهِ تَعَالَى بَنِي إِسرَائِيلَ عَن صَيِّدِهَا، فَكَانَت تَأتِي بِكَمِيَّاتٍ كَبِيرَةٍ إِلَى شَاطِئِ قَريَةِ أَيلَةَ وَتَتَزَاحَمُ هُنَاكَ فَلا يُخَوِّفُونَهَا وَلا يُفزِعُونَهَا، وَإِذَا كَانَ غَيرُ يَومِ السَّبتِ لَزِمَتِ الحِيتَانُ وَالأَسمَاكُ قَاعَ البَحرِ فَلَم يُرَ مِنهُنَّ شَيءٌ حَتَّى يَأتِيَ السَّبتُ التَّالِي.

بداية العصيان بالحيلة

النَّفسُ الخَبِيثَةُ سُرعَانَ مَا يَقُودُهَا الشَّيطَانُ إِلَى العِصيَانِ وَالفَسَادِ، فَإِنَّ أَحَدَ أَهلِ القَريَةِ لَمَّا اشتَهَى أَكلَ السَّمَكِ أَغوَاهُ الشَّيطَانُ وَزَيَّنَ لَهُ القِيَامَ بِحِيلَةٍ لِاصطِيَادِ مَا يَشتَهِي مِنهَا، فَأَتَى إِلَى شَاطِئِ البَحرِ يَومَ السَّبتِ وَرَأَى سَمَكَةً كَبِيرَةً تَسبَحُ قَرِيبَةً مِنهُ، فَرَبَطَ ذَيلَهَا بِحَبلٍ وَوَضَعَ الطَّرَفَ الآخَرَ فِي وَتِدٍ عَلَى الشَّاطِئِ وَذَهبَ، فَلَمَّا انقَضَى النَّهَارُ عَادَ هَذَا الرَّجُلُ وَأَخَذَ السَّمَكَةَ إِلَى مَنزِلِهِ وَنَظَّفَهَا وَشَوَاهَا.

المجاهرة بالعصيان والدعوة إليه

انبَعَثَت رَائِحَةُ الشِّوَاءِ حَولَ دَارِ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَتَاهُ جِيرَانُهُ يَسأَلُونَهُ عَن ذَلِكَ، مُستَغرِبِينَ، كَيفَ حَصَلتَ عَلَى السَّمَكَةِ؟ فَأَنكَرَ أَنَّهُ اصطَادَ سَمَكَةً يَومَ السَّبتِ، وَلَمَّا أَصَرُّوا عَلَيهِ قَالَ لَهُم: «إِنَّهُ جِلدُ سَمَكَةٍ وَجَدتُهُ وَشَوَيتُهُ».

وَلَمَّا كَانَ السَّبتُ الآخَرُ كَرَّرَ مَا فَعَلَهُ الأُسبُوعَ المَاضِي، فَلَمَّا شَمَّ النَّاسُ رَائِحَةَ الشِّوَاءِ سَأَلُوهُ مَرَّةً أُخرَى، مِن أَينَ حَصَلتَ عَلَى السَّمَكَةِ، لَكِنَّهُ هَذِهِ المَرَّةَ جَاهَرَ بِمَعصِيَتِهِ وَلَم يُخفِهَا، فَأَخبَرَهُم كَيفَ حَصَلَ عَلَى السَّمَكَةِ وَحَثَّهُم بِخُبثٍ وَقَالَ: «إِن شِئتُم صَنَعتُم كَمَا أَصنَعُ».

انتشار العصيان والتمرد في كثير من أهل القرية

انقَسَمَ النَّاسُ إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ، مِنهُم مَن أَنكَرَ المَعصِيَةَ وَنَهَاهُم عَن فِعلِهَا، وَكَانُوا اثنَي عَشَرَ أَلفًا، وَمِنهُم فِرقَةٌ تَنَحَّت وَلَم تَنهَ وَلَم تَعصِ، وَهَذِهِ الفِرقَةُ قَالَت لِلفِرقَةِ الَّتِي نَهَت عَنِ الحَرَامِ: «لِمَ تَعِظُونَ قَومًا عُصَاةً سَيُهلِكُهُمُ اللَّهُ وَسَيُعَذِّبُهُم؟» عَلَى مَا كَانُوا يَتَوَقَّعُونَهُ بَعدَ مُخَالَفَةِ أَمرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا عُرِفَ مِن فِعلِ اللَّهِ بِالأُمَمِ العَاصِيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَالَ النَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ: «مَوعِظَتُنَا مِن بَابِ التَّذكِيرِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ وَيَتَرَاجَعُونَ»، وَمِنهُم مَنِ اقتَدَى بِهَذَا الرَّجُلِ وَفَعَلَ مِثلَ مَا فَعَلَ وَكَانُوا نَحوًا مِن سَبعِينَ أَلفًا.

ثُمَّ نَوَّعُوا فِي استِعمَالِ الحِيلَةِ، فَقَامَ بَعضُهُم يَومَ الجُمُعَةِ بِحَفرِ حُفَرٍ مُتَّصِلَةٍ بِالبَحرِ بِوَاسِطَةِ مَمَرَّاتٍ يَسهُلُ سَدُّهَا، فَإِذَا كَانَ يَومُ السَّبتِ أَخَذُوهَا، وَكَثُرَ هَذَا الأَمرُ حَتَّى فَعَلَهُ الكَثِيرُونَ، وَوَصَلَ بِهِمُ الأَمرُ أَنِ اصطَادُوهَا يَومَ السَّبتِ عَلانِيَةً وَبَاعُوهَا فِي الأَسوَاقِ، فَكَانَ هَذَا مِن أَعظَمِ الِاعتِدَاءِ.

وَلَمَّا جَاهَرَ الفُسَّاقُ بِطَرِيقَتِهِم قَامَ عُلَمَاءُ بَنِى إِسرَائِيلَ المُسلِمُونَ وَنَهَوهُم عَن هَذَا وَخَوَّفُوهُم، فَلَم يَقبَلُوا فَجَعَلُوا بَينَهُم وَبَينَ الفُسَّاقِ جِدَارًا فِي القَريَةِ، وَاعتَزَلُوهُم وَلَم يَعُودُوا يُسَاكِنُوهُم.

نزول العقاب

فِي اللَّيلِ جَاءَ أَمرُ اللَّهِ تَعَالَى، فَانتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ فَسَقُوا وَمَسَخَ شُبَّانَهُم قِرَدَةً وَعَجَائِزَهُم خَنَازِيرَ، فَقَامَ الَّذِينَ أَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ صَبَاحًا وَذَهَبُوا إِلَى أَعمَالِهِم وَمَسَاجِدِهِم وَمُجتَمَعَاتِهِم، فَلَمَّا لَم يَرَوا أَحَدًا مِنَ الفَاسِقِينَ استَغرَبُوا وَتَسَاءَلُوا فِيمَا بَينَهُم، وَقَامَ أَحَدُهُم وَوَضَعَ سُلَّمًا عَلَى الجِدَارِ وَصَعِدَ عَلَيهِ فَلَمَّا أَشرَفَ عَلَى القَومِ رَأَى عَجَبًا، إِذ أَصبَحَ الفُسَّاقُ قِرَدَةً لَهَا أَذنَابٌ يَتَعَاوَونَ وَيَقفِزُونَ عَلَى بَعضِهِم، وَخَنَازِيرَ تُصدِرُ أَصوَاتًا قَبِيحَةً، فَفَتَحُوا عَلَيهِمُ الأَبوَابَ وَدَخَلُوا، وَصَارَ كُلُّ قِردٍ يَأتِي قَرِيبَهُ مِنَ الإِنسِ فَيَشُمُّ ثِيَابَهُ وَيَبكِي، فَيَقُولُ الإِنسِيُّ «أَلَم نَنهَكُم عَنِ المَعصِيَةِ؟» فَيُشِيرُ القِردُ بِرَأسِهِ «نَعَم».

أَهلَكَ اللهُ الفِرقَةَ العَاصِيَةَ، وَأَنجَى اللَّهُ الَّذِينَ نَهَوا وَالَّذِينَ لَم يَعصُوا، وَلَم يَبقَ الَّذِينَ مُسِخُوا أَحيَاءً أَكثَرَ مِن ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَم يَأكُلُوا خِلالَهَا وَلَم يَشرَبُوا وَلَم يَخرُج مِنهُم نَسلٌ، وَكَانُوا عِبرَةً بَالِغَةً لِمَن أَتَى بَعدَهُم مِنَ الأُمَمِ وَلِمَن رَءَاهُم وَعَرَفَ قِصَّتَهُم.

الخاتمة

هَذِهِ عِبَرٌ أَعلَمَنَا اللهُ تَعَالَى بِهَا لِنَعتَبِرَ، فَعَلَى المُؤمِنِ أَن يَمتَثِلَ لِأَوَامِرِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَستَهِينَ بِهَا، فَاللهُ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ، قَد يَكُونُ أَمهَلَ العُصَاةَ فَاغتَرُّوا وَتَمَادَوا، وَنَسُوا أَنَّ مِن وَرَائِهِم عَذَابًا أَكبَرَ مِن عَذَابِ الدُّنيَا، فَوَاللهِ إِنَّ غَمسَةً وَاحِدَةً فِي نَارِ جَهَنَّمَ تُنسِي نَعِيمَ الدُّنيَا كُلَّهُ، وَإِنَّ الصَّبرَ عَلَى تَعَبِ الدُّنيَا اليَومَ أَهوَنُ مِنَ الصَّبرِ عَلَى عَذَابِ الآخِرَةِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. تَفسِيرِ النَّسَفِيِّ.
  4. تَفسِيرِ الطَّبَرَيِّ.
خطبة الجمعة-الأذكار بعد الصلوات

الأذكار بعد الصلوات

الخطبة الأولى الحمد للهِ الذي أحسَنَ خَلْقَ الإنسانِ وعدَلَه، وألهمَهُ نورَ الإيمانِ فزيَّنهُ به وجمَّلَهُ، وعلَّمَهُ البيانَ فقدَّمَهُ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share