إن الله تعالى أمرنا بكل ما فيه صلاحنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة، وفي هذه الأيام شاعت كثير من المنكرات التي يجب التحذير منها، مثل ما يسمونه بكذبة أول نيسان والعياذ بالله تعالى.
قال الله تعالى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
سورة التوبة – آية 119
وإنَّ الله سبحانَه وتعالى قد أمرنا بفعل الخير ونهانا عنِ الشرِّ، وكذا رسولُه الكريمُ فقد أَرسَلَهُ ربنا لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الخيرَ داعيًا لهم إلى مَكَارِمِ الأّخلاقِ ومحاسِنِها.
قال رسول الله ﷺ
إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكارمَ الأخلاق
رواه البيهقي في السُّنَن الكبرى
لا يصلح الكذب في جد ولا هزل
اعلَمُوا أنَّ الكذِبَ سواءٌ قاله مازِحًا أو جادًا حرامٌ، إن أرادَ أن يُضحِكَ القوم أم لا، فهذا حرام.
قال رسول الله ﷺ
لا يَصْلُحُ الكَذِبُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ
رواه ابن ماجه
قال رسول الله ﷺ
وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ القَوْمَ ثم يَكْذِبُ لِيُضْحِكَهُم، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لهُ
رواه أحمد في مسنده
حرمة ما يسمى بكذبة أول نيسان
مما ينبغي أن يُحَذَّرَ منه ما يُسمِّيهِ بعضُ الناسِ كَذْبَةَ أوَّلِ نَيسان فالكَذِبُ المحرَّمُ حرامٌ في أولِ نيسان وفي غَيرِه.
ترويع المسلم
يحصل في كثيرٍ مِنَ الأَحيانِ تَرويعٌ للمسلمِ فيقولُ له الكاذبُ مَثلاً إنَّ ابنَكَ ماتَ أو حَصَلَ مَعَ زَوجَتِكَ كذا وكذا، فيُخِيفُهُ وَيُرَوِّعُهُ والعياذُ بالله تعالى ويدخل في محَرَّمٍ ءاخر وهو ترويع المسلم.
في مُسندِ الإمامِ أحمدَ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله ﷺ في مسير فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى نَبْلٍ معه فأخذها فلما استيقظ الرجل فَزِعَ، فَضَحِك القوم فقال ﷺ: “ما يضحككم” فقالوا: لا إلا أنا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله ﷺ: “لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا“. اهـ
فالكَذِبُ أيها الأحبة لا يَصْلُحُ في جِدٍّ ولا في هَزْلٍ أي مَزْحٍ ولو كان المقصَدُ إضحاكَ الحاضرين ولو لم يَكُنْ فيهِ إيذاءٌ للنَّاسِ فهو حرام.
قال رسول الله ﷺ
إِنِّي لأَمْزحُ وَلا أَقُولُ إلا حَقّا
رواه الطبراني في المعجم الكبير
فَأَخبَرَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَدِيثِهِ هذا أَنَّهُ يمزَحُ ولكِنْ لا يَقُولُ إِلا حَقًّا أي أنَّ الرَّسولَ ﷺ لا يَكْذِبُ في مزاحه.
الكذب ليس من الصفات العظيمة
إنَّ مِنْ عَظيمِ الصِّفاتِ التي أمرَ اللهُ تعالى بها وحثَّ عليها رسولُ الله ﷺ الصِّدقُ، ومِن أَخْبَثِ الصِّفاتِ التي نَهَى عَنْهَا ﷺ الكَذِبُ.
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ
عَلَيكُم بِالصِّدقِ فَإِنَّ الصِّدقَ يَهدِي إِلَى البِرِّ (أي هو وسيلة إلى ذلك، أي طريقٌ يوُصل إلى ذلك) وَإِنَّ البِرَّ يَهدِي إِلَى الجَنَّة، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِدْقَ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُم وَالكَذِبَ فَإِنَّ الكَذِبَ يَهدِي إِلَى الفُجُورِ وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًّا
رواه مسلم في صحيحه
حكم الكذب
الكذِبُ منه ما هو منَ الكبائرِ ومنه ما يكونُ منَ الصغائرِ ومنه ما يكونُ كفرًا والعياذُ باللهِ تعالى.
الكذب الذي لا ضرر فيه لمسلم
فإنْ كانَ الكذِبُ لا ضررَ فيه لمسلمٍ فهو مِنَ الصغائر، والصغيرةُ لا يُتَهَاونُ بها، لأنَّ الجبالَ مِنَ الحصىَ.
رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرانِيّ أَنَّهُ ﷺ قال
إِيَّاكُمْ وَمَحَقَّرِاتِ الذُنوبِ فَإنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُم وَإنَّ مُحَقِّرَاتِ الذُنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ
والمراد بالْمُحَقّرَاتِ الصَّغَائِرُ
دلّ الحديث الشريف على أنَّ الصَّغَائِرَ أَسْبَابٌ تُؤَدِي إِلى ارْتِكابِ الكَبَائِرِ، فَكَمْ مِنْ صَغِيرَةٍ يَحْقِرُهَا فَاعِلُهَا فَيَفْعَلُهَا فَتَسُوقُهُ إِلى كَبِيرَةٍ، وقد تسوقه إلى الكفر، ولذا قال بعضُ السلف فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان: (المعاصي بريدُ الكفر كما أن الحمى بريد الموت) عافانا اللهُ تعالى من كل الشّر.
الكذب الذي فيه ضرر يلحق مسلمًا
إنْ كانَ الكذبُ فيهِ ضررٌ يَلحَقُ مسلمًا فهو مِنْ كبائرِ الذُّنوبِ والعياذُ بالله تعالى.
وَمِنَ الكَذِبِ القَبيحِ الكذِبُ على رسولِ الله ﷺ، فإنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة، ولا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه كالتَّرغيب والتَّرهيب والمواعظ وغير ذلك، فكلُّه حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح، بإجماع المسلمين.
قال رسول الله ﷺ
إِنَّ كَذِبًا عَليَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَد، فَمَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
رواه الشيخان
الكذب الذي فيه تكذيب للدين
إذا كانَ في هذا الكذِبِ تحليلُ مُحرَّمٍ بالإجماعِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُورَةِ مما لا يَخْفَى عليه كالزِّنَى واللواطِ وَالقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ والغَصْبِ أو تحريمُ حَلالٍ ظَاهِرٍ كذلك كالبيعِ والنِّكاحِ فهو كفرٌ والعياذُ بالله تعالى.
⚠️ احذر من هذا الكلام المخرج من الإسلام
نحذِّرُكُم مِن قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ (الكَذِبُ مِلْحُ الرِّجال) وقولِ بعضٍ (وَعَيْب على اللي بِيُصْدُق) فإنهما من الكفرٌ الصريح لأن الأول فيه استحسان لما هو معلوم بين المسلمين قُبْحُهُ في الدين وفي الثاني استقباحٌ لما هو معلوم حسنه في الدين فكلاهما يلزم منه تكذيب الدين والعياذ بالله تعالى.
فَاحذَرُوا مِنَ الكَذِبِ وحَذِّرُوا مِنْه فإنَّهُ عادَةٌ خبيثةٌ إنْ دَلَّتْ على شىءٍ فإنها تَدُلُّ على خُبْثِ طَبْعِ صاحِبِها فاَّتقُوا اللهَ وَكُونوا معَ الصَّادِقين.
اللهمَّ احْفَظْنَا مِنَ الكذِبِ والحرَامِ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين والحمد لله رب العالمين، والله أعلم وأحكم.