معاصي الرِّجل

معاصي الرِّجل

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ عُضوٍ مِن أَعضَاءِ الإِنسَانِ سَيَشهَدُ عَلَيهِ بِالمَعَاصِي الَّتِي ارتَكَبَهَا إِنْ كَانَ اسْتَعْمَلَها فِيْ الْحَرَامِ، وَقَد حَذَّرَ شَرعُنَا الحَنِيفُ مِن مَعَاصِي الرِّجلِ، لِأَنَّ الرِّجلَ -مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ- كَغَيرِهَا مِن أَعضَاءِ الجِسمِ هُنَاكَ بَعضُ المَعَاصِي الَّتِي تَحصُلُ بِوَاسِطَتِهَا، فَيَجِبُ تَعَلُّمُ هَذِهِ المَعَاصِي حَتَّى لَا يَقَعَ الشَّخصُ بِهَا.

وَنَذكُرُ فِي هَذَا المَقَالِ جُملَةً مِن مَعَاصِي الرِّجلِ الَّتِي يَجِبُ الحَذَرُ مِنهَا:

المشي إلى معصية أو في معصية أو المشي الذي يحصل به تضييع واجب

يَحْرُمُ الْمَشْيُ بِالرِّجْلِ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَالْمَشْيِ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ أَوِ التَّلَذُّذِ الْمُحَرَّمِ بِمَا دُونَ ذَلِكَ، كَالمَشيِ للسِّعَايَةِ بِالْمُسْلِمِ (أَي لِيَقُولَ لِسُلطَانٍ شَيئًا عَنهُ) لِلإِضْرَارِ بِهِ، لأِنَّ السِّعَايَةَ فِيهَا أَذًى كَبِيرٌ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا إِدْخَالُ الرُّعْبِ إِلَى المُخبَرِ عَنهُ وَتَخوِيفُ أَهْلِهِ بِطَلَبِ السُّلْطَانِ.

وَرَدَ أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ سَأَلَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾،[سُورَةُ الإِسْرَاء: 101]. فَأَجَابَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَذَكَرَ مِنْهَا: “وَلا تَذْهَبُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ“، الْحَدِيثَ. رواه الترمذي.

هَذَا إِذَا كَانَتِ السِّعَايَةُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا السِّعَايَةُ بِحَقٍّ فَهِيَ جَائِزَةٌ.

وَكَذَلِكَ يَحرُمُ المَشْيُ إِلَى مَا فِيهِ إِضَاعَةُ وَاجِبٍ كَأَنْ يَمْشِيَ مَشْيًا يَحْصُلُ بِهِ إِخْرَاجُ صَلاةٍ عَنْ وَقْتِهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

سورة المنافقون: 9

وَقَدْ حَصَلَ مِن بَعضِ الجُهَّالِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ مَشْيِ الرَّجُلِ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ وَإِنَّمَا الْحَرَامُ الزِّنَى الْحَقِيقِيُّ بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ قَالُوا وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ بِقَصْدِ الْفُجُورِ بِغُلامٍ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً إِلاَّ بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ فِيهِ وَكَفَاهُمْ هَذَا خِزْيًا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

الهروب من حق يلزمه

مِنْ مَعَاصِي الرِّجْلِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْهَرَبُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَى الشَّخْصِ، كَأَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ بِأَنْ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً عَمْدًا ظُلْمًا أَوْ فَقَأَ عَيْنَ شَخْصٍ مَعْصُومٍ عَمْدًا ظُلْمًا، أَوْ لَزِمَهُ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْوَالِدَيْنِ أَوْ لِلأَطْفَالِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ

رواه الحاكم وأبو داود

أَيْ أَن لَا يُنفِقَ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي.

وَمِن مَعَاصِي الرِّجلِ أَيضًا إِبَاقُ أَيْ هُرُوبُ الْعَبْدِ أَيِ الْمَمْلُوكِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ سَيِّدِهِ وَالزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَذَلِكَ كَبِيرَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.

التبختر في المشي

مِنْ مَعَاصِي الرِّجْلِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ التَّبَخْتُرُ فِي الْمَشْيِ أَيْ أَن يَمشِيَ مِشْيَةَ الْكِبْرِ وَالخُيَلاءِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا

سورة الإسراء (37)

أَيْ لا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مُخْتَالًا فَخُورًا.

قَالَ رسول الله ﷺ

مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِهِ وَلَا اخْتَالَ فِي مَشْيِهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان

رواه البيهقي

تخطي الرقاب إلا لفرجة

أَيْ أَن يَمشِيَ بَينَ المُصَلِّينَ الجَالِسِينَ بِحَيثُ تَصِلُ رِجلُهُ إِلَى أُذُنِ الوَاحِدِ مِنهُم إِذَا كَانَ النَّاسُ يَتَأَذَّوْنَ بِذَلِكَ.

عَن عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “اجْلِسْ فَقَدْ ءَاذَيْتَ“. رواه أبو داود وابن حبان.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ

رواه البيهقي

فَإِنْ كَانُوا لَا يَتَأَذَّوْنَ بِتَخَطِّيهِ لِرِقَابِهِمْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ أَيْ لِأَجْلِ سَدِّ مَكَانٍ فَارِغٍ فِي الصُّفُوفِ فَهُوَ جَائِزٌ.

المرور بين يدي المصلي إذا كملت شروط السترة

أَيِ الْمُرُورُ بَيْنَ الْمُصَلِّي صَلاةً صَحِيحَةً وَبَينَ السُّترَةِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ سُتْرَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.

وَشُرُوطُ السُّترَةِ المُعتَبَرَةِ:

  1. أَنْ يَقرُبَ مِنْهَا ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذِرَاعِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ.
  2. وَأَن تَكُونَ مُرْتَفِعَةً ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ

رواه أبو داود

فَإِذَا وُجِدَتِ السُّتْرَةُ سُنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْفَعَ الْمَارَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ وَيَمنَعَهُ مِنَ المُرُورِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ السُّتْرَةُ فَلَيْسَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُزْعِجَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوِ اقْتَرَبَ مِنْهُ بِذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

مد الرجل إلى المصحف إذا كان غير مرتفع

أَي مَدُّ الرِّجلِ إِلَى المُصحَفِ إِذَا كَانَ قَرِيبًا غَيْرَ مُرْتَفِعٍ عَلَى شَىْءٍ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ.

وَيَحْرُمُ كِتَابَةُ المُصحَفِ بِنَجِسٍ وَمَسُّهُ بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ رَطْبٍ أَوْ جَافٍّ، أَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ جَوَازِ كِتَابَةِ الفَاتِحَةِ بِالبَوْلِ لِلِاسْتِشْفَاءِ إِنْ عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَهُوَ ضَلالٌ مُبِينٌ، أَنَّى يَكُونُ فِي ذَلِكَ شِفَاءٌ وَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ عَاقِلٌ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ تَقْلِيبِ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ بِالإِصْبَعِ الْمَبْلُولَةِ بِالْبُصَاقِ، كَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عِليْشٍ الْمَالِكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ كِتَابَةَ المُصحَفِ بِالنَّجَاسَةِ رِدَّةٌ مَعَ أَنَّ إِطْلاقَ هَذَا الْقَوْلِ غَيْرُ سَدِيدٍ، لَكِنْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ تَرَدُّدٌ.

وَيَحْرُمُ كِتَابَةُ شَىْءٍ مِنَ الْقُرْءَانِ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِدَمِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِلِاسْتِشْفَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَغْرَاضِ.

الخاتمة

الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ المَعَاصِي فَإِنَّ عَوَاقِبَهَا سَيِّئَةٌ، وَكَم مِن مَعصِيَةٍ لَا يَزَالُ صَاحِبُهَا فِي هُبُوطٍ أَبَدًا مَعَ تَعثِيرِ أَقدَامِهِ وَشِدَّةِ فَقرِهِ وَحَسَرَاتِهِ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنَ الدُّنيَا، فَوَا حَسرَةً لِمَن نَالَهَا، فَوَا أَسَفًا لِمُعَاقَبٍ لَا يُحِسُّ بِعُقُوبَتِهِ، وَآهٍ مِن عِقَابٍ يَتَأَخَّرُ حَتَّى يُنسَى سَبَبُهُ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  4. مَتنِ الغَايَةِ وَالتَّقرِيبِ لِأَبِي شُجَاعٍ وَشُرُوحَاتِهِ.
  5. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  6. حَاشِيَةِ البُجَيرِمِيِّ.
اللغة العربية

اللغة العربية

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share