بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
بَعدَ أَن كَسَّرَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَصنَامَ قَومِهِ وَأَقَامَ الحُجَّةَ عَلَيهِم، أَخَذَ النُّمرُودُ يُنكِرُ عَلَيهِ دَعوَتَهُ، فَحَصَلَت قِصَّةُ مُنَاظَرَةِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَهُ وَأَمَامَ الجَمعِ الغَفِيرِ مِنَ النَّاسِ حَيثُ أَسكَتَهُ وَأَبهَتَهُ وَأَقَامَ عَلَيهِ الحُجَّةَ، فَاغتَاظَ النُّمرُودُ وَقَومُهُ وَأَرَادُوا الِانتِقَامَ مِنهُ، فَقَالَ تَعَالَى مُخبِرًا عَنهُم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 68]، وَهَذَا مَا حَصَلَ.
حجة إبراهيم عليه السلام على النمرود في ادّعائه الإلهية
أَقَامَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الحُجَّةَ عَلَى قَومِهِ بَعدَ أَن حَطَّمَ أَصنَامَهُم، فَاغتَاظُوا مِنهُ وَأَحضَرُوهُ أَمَامَ مَلِكِهِمُ النُّمرُودِ وَأَشرَافِ قَومِهِ، فَأَخَذَ النُّمرُودُ يُنكِرُ عَلَى إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ دَعوَتَهُ إِلَى دِينِ الإِسلَامِ، وَأَخَذَ يَدَّعِي عِنَادًا وَتَكَبُّرًا أَنَّهُ هُوَ الإِلَهُ وَيُلقِي الشُّبَهَ لِقَومِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ لِإِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: أَرَأَيتَ إِلَهَكَ الَّذِي تَعبُدُهُ مَا هُوَ؟ سَأَلَهُ مَا هُوَ لِأَنَّهُ مُعتَادٌ عَلَى التَّشبِيهِ، فَقَد كَانَ قَومُهُ يَعبُدُونَ الأَصنَامَ الَّتِي كَانُوا يَنحَتُونَهَا بِأَيدِيهِم، فَصَرَفَ إِبرَاهِيمُ الكَلَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخرَى فَكَلَّمَهُ عَن عَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى وَقَالَ لَهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، [سورة البقرة: 258] فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَاستَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ بِحُدُوثِ هَذِهِ المُشَاهَدَاتِ مِن إِحيَاءِ الحَيَوَانَاتِ وَإِمَاتَتِهَا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِهَذِهِ الكَوَاكِبِ وَالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ وَالمَطَرِ مِن خَالِقٍ مُسَخِّرِ لَهَا وَمُدَبِّرٍ، فَقَالَ النُّمرُودُ الجَبَّارُ المُستَكبِرُ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، أَي أَنَا أُحيِي مَن أَشَاءُ بِالعَفوِ عَنهُ بَعدَ أَن يَكُونَ صَدَرَ الحُكمُ عَلَيهِ بِالقَتلِ فَيَنعَمُ بِالحَيَاةِ، وَأَنَا أُمِيتُ مَن أَشَاءُ بِأَمرِي وَأَقضِي عَلَيهِ بِحُكمِي، وَقَالَ: آخُذُ رَجُلَينِ قَدِ استَوجَبَا القَتلَ فَأَقتُلُ أَحَدَهُمَا فَأَكُونُ قَد أَمَتُّهُ وَأَعفُو عَنِ الآخَرِ فَأَكُونُ قَد أَحيَيتُهُ.
ظَنَّ نُمرُودُ بِمَقَالَتِهِ هَذِهِ البَعِيدَةِ عَنِ الحَقِيقَةِ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ وَأَرَادَ الِاستِكبَارَ وَالعِنَادَ، فَأَرَادَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يُفحِمَهُ بِالحُجَّةِ القَوِيَّةِ وَيُضَيِّقَ عَلَيهِ الخِنَاقَ وَيُظهِرَ لَهُ جَهلَهُ وَسُخفَ عَقلِهِ أَمَامَ قَومِهِ، فَأَعطَاهُ دَلِيلًا آخَرَ قَوِيًّا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الخَالِقُ المُدَبِّرُ لِهَذَا العَالَمِ، وَأَنَّ مَا ادَّعَاهُ عِنَادًا وَاستِكبَارًا بَاطِلٌ، وَلَيسَ أَنَّ سَيِّدَنَا إِبرَاهِيمَ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الرَّدِّ عَلَى مَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، [سورة البقرة: 258]، أَي أَنَّ هَذِهِ الشَّمسَ مُسَخَّرَةٌ كُلَّ يَومٍ لِأَن تَطلُعَ مِنَ المَشرِقِ، سَخَّرَهَا اللهُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهَا وَخَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، فَإِن كُنتَ كَمَا زَعَمتَ بَاطِلًا أَنَّكَ تُحيِي وَتُمِيتُ فَائتِ بِهَذِهِ الشَّمسِ مِنَ المَغرِبِ، فَإِنَّ الَّذِي يُحيِي وَيُمِيتُ هُوَ الَّذِي يَفعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، وَأَمَامَ هَذِهِ الحُجَّةِ السَّاطِعَةِ وَقَفَ نُمرُودُ مَبهُوتًا ومَا وَجَدَ جَوَابًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: 258].
تجهيزهم النار لحرق إبراهيم عليه الصلاة والسلام
أَرَادَ قَومُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَنتَقِمُوا مِنهُ لَمَّا كَسَّرَ أَصنَامَهُم وَحَطَّمَهَا وَأَهَانَهَا، وَغَلَبَهُم مَعَ مَلِكِهِم بِحُجَّتِهِ القَوِيَّةِ السَّاطِعَةِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَن يُجَهِّزُوا نَارًا عَظِيمَةً لِإِحرَاقِهِ وَيَتَخَلَّصُوا مِنهُ، قَالَ تَعَالَى مُخبِرًا عَن قَولِهِم: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾، [سورة الصافات:97]، وَقَالَ: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾، [سورة الأنبياء:68].
وَشَرَعَ قَومُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَجمَعُونَ الحَطَبَ مِن جَمِيعِ مَا يُمكِنُهُم مِنَ الأَمَاكِنِ لِيُلقُوهُ بِهَا وَجَعَلُوا ذَلِكَ قُربَانًا لِآلِهَتِهِم – عَلَى زَعمِهِم – حَتَّى قِيلَ إِنَّ المَرأَةَ مِنهُم كَانَت إِذَا مَرِضَتْ تَنذُرُ لَئِن عُوفِيَت لَتَحمِلَنَّ حَطَبًا لِحَرِيقِ إِبرَاهِيمَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الحِقدِ المُتَأَجِّجِ فِي صُدُورِهِم ضِدَّ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَعَلى أَنَّهُم مَكَثُوا زَمَانًا يُجَهِّزُونَ هَذَا الأَمرَ لِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى حُفرَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَضَعُوا فِيهَا ذَلِكَ الحَطَبَ وَأَضرَمُوا النَّارَ فِيهَا فَتَأَجَّجَت وَالتَهَبَت وَعَلَا لَهَا شَرَرٌ عَظِيمٌ لَم يُرَ مِثلُهُ، وَكَانُوا لَا يَستَطِيعُونَ أَن يَتَقَدَّمُوا مِنهَا لِقُوَّةِ لَهَبِهَا.
صنع قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام للمنجنيق
كَانَ قَومُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَا يَستَطِيعُونَ أَن يُمسِكُوهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَيدِيهِم وَيَرمُوهُ فِي هَذِهِ النَّارِ العَظِيمَةِ لِشِدَّةِ وَهَجِهَا، فَصَنَعُوا المِنجَنِيقَ، وَقَد عَلَّمَهُم كَيفِيَّةَ صُنعِهِ إِبلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ لِيَرمُوهُ مِن مَكَانِ بَعِيدٍ، فَأَخَذُوا يُقَيِّدُونَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ.
رميه عليه الصلاة والسلام في النار وعدم إصابته بأذى
وَضَعَهُ قَومُهُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي كِفَّةِ هَذَا المِنجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَكتُوفًا وَأَلقَوهُ مِنهُ إِلَى وَسَطِ النَّارِ فَقَالَ: «حَسبُنَا اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ» كَمَا رَوَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ.
فَلَمَّا أُلقِيَ إِبرَاهِيمُ لَم تُحرِقهُ النَّارُ وَلَم تُصِبْهُ بِأَذًى وَلَا ثِيَابَهُ، لِأَنَّ النَّارَ لَا تُحرِقُ بِذَاتِهَا وَطَبعِهَا وَإِنَّمَا اللهُ يَخلُقُ الإِحرَاقَ فِيهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾، [سورة الأنبياء:69]، فَكَانَت هَذِهِ النَّارُ الهَائِلَةِ العَظِيمَةُ بَردًا وَسَلَامًا عَلَى إِبرَاهِيمَ فَلَم تُحرِقهُ وَلَم تُحرِق ثِيَابَهُ، وَقِيلَ: لَم تُحرِق سِوَى الوِثَاقَ الَّذِي وَثَّقُوهُ وَرَبَطُوهُ بِهِ.
وَيُروَى عَن بَعضِ السَّلَفِ أَنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَرَضَ لَهُ فِي الهَوَاءِ فَقَالَ: يَا إِبرَاهِيمُ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِلَيكَ فَلَا.
وَلَمَّا انطَفَأَت هَذِهِ النَّارُ العَظِيمَةُ وَانقَشَعَ دُخَانُهَا وَجَدُوا إِبرَاهِيمَ سَلِيمًا مُعَافًى لَم يُصِبهُ أَيُّ أَذًى فَتَعَجَّبُوا لِأَمرِهِ وَذُهِلُوا مِن نَجَاتِهِ، وَمَعَ أَنَّهُم رَأَوا هَذِهِ المُعجِزَةَ البَاهِرَةَ ظَلُّوا عَلَى كُفرِهِم وَعِنَادِهِم وَلَم يُؤمِنُوا بِنَبِيِّ اللهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، لَقَد أَرَادُوا أَن يَنتَصِرُوا لِكُفرِهِم فَخُذِلُوا، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [سورة الأنبياء:70]، وَقَالَ: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [سورة الصافات:98].
وَيُقَالُ إِنَّ اللهَ بَعَثَ ذُبَابَةً دَخَلَت فِي مِنخَرِ النُّمرُودِ فَمَكَثَت فِيهِ أَربَعَمِائَةِ سَنَةٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِهَا فَكَانَ يُضرَبُ رَأسُهُ بِالحِذَاءِ فِي هَذِهِ المُدَّةِ كُلِّهَا حَتَّى أَهلَكَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا.
الخاتمة
أَنبِيَاءُ اللهِ تَعَالَى الَّذِينَ أَرسَلَهُم بِالحَقِّ مُؤَيَّدُونَ بِمُعجِزَاتٍ بَاهِرَاتٍ تَدُلُّ عَلَى صِدقِ مَا أَتَوا بِهِ مِن دَعوَةِ أَقوَامِهِم إِلَى الإِسلَامِ الَّذِي هُوَ دِينُ الحَقِّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهُوَ خَالِقُنَا وَخَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، خَالِقُ الإِنسِ وَالجِنِّ، خَالِقُ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، خَالِقُ المَلَائِكَةِ وَالعَرشِ، خَالِقُ السَّحَابِ وَالمَطَرِ، خَالِقُ النَّوَايَا وَالخَوَاطِرِ، وَخَالِقُ الأَفعَالِ وَالصِّفَاتِ، فَكَمَا رَأَينَا أَنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي تَأَجَّجَت وَالتَهَبَت وَعَلَا شَرَرُهَا لَم تُحرِق إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَإِن كَانَ الإِحرَاقُ هُوَ صِفَتَهَا، وَلَكِن بِقُدرَةِ الخَالِقِ العَظِيمِ خَصَّصَهَا وَجَعَلَهَا بَردًا وَسَلَامًا عَلَيهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- تَفسِيرِ البَغَوِيِّ.
- البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.
- تَفسِيرِ القُرطُبِيِّ.
- المِصبَاحِ المُنِيرِ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلفَيُّومِيِّ.