معركة حطين

معركة حطين

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

تَصَدَّىْ الغَازِي صَلَاحُ الدَّينِ الأَيُّوبِيُّ الأَشْعَرِيُّ لِلإِفْرِنْجَ لِمَا كَانَ مِنهُم مِن أَسرِ بَيْتِ المَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ البِلَادِ، فَذَبَحُوا فِيهَا المُسْلِمِينَ وَرَفَعُوا فِيهَا الصُلْبَانَ، وَحَوَّلُوا مِحْرَابَ بَيْتَ المَقْدِسِ إِلَى حَظِيرَةٍ لِلْخَنَازِيرِ، وَعَاثُوا فِي البُقْعَةِ المُقَدَّسَةِ فَسَادًا، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَطْهِيرِ الأَرْضِ مِنْهُمْ وَتَحْرِيرِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنْ نَجَاسَاتِهِم، فَقَصَمَ ظُهُورَهُمْ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيْامِ الإِسْلَامِ، قُبَيْلَ فَتْحِهِ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، حَتَّى قِيلَ فِي هَذَا اليَومِ إِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي عِزِّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فِي مَعْرَكَةٍ كَانَتِ الدَّائِرَةُ فِيهَا وَالعِزُّ وَالنَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، إِنَّهَا مَعْرَكُةُ حِطِّينَ.

الاستيلاء على حصن الكرك

كَانَ لَا بُدَّ لِقَصْمِ ظُهُورِ الكَّافِرِينَ فِي حِطِّينَ مِنْ تَذْلِيلِ العَقَبَاتِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْهَا وَإِضْعَافِ نِقَاطِ القُوَّةِ لَدَى العَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِ تِلْكَ العَقَبَاتِ حِصْنُ الكَرَكِ، الذِي كَانَ خِنْجَرًا فِي خَاصِرَةِ المُسلِمِينَ، إذ كَانَ لِمَوقِعِ الحِصنِ أَهَمِّيَّةُ التَّحَكُّمِ فِي طُرُقِ المُوَاصَلَاتِ بَينَ مِصرَ وَبِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ «أَرنَاطُ» المُسَمَّى برُونَالد شَانيُون حَاكِمِ الحِصْنِ مُقَامِرًا مُتَهَوِّرًا نَاقِضًا لِلعُهُودِ، فَكَثِيرًا مَا خَرَقَ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ المَعقُودَةَ مَعَ المُسلِمِينَ، فَيَعتَدِي عَلَى القَوَافِلِ التِّجَارِيَّةِ الإِسلَامِيَّةِ وَيَنهَبُهَا.

فَما كَانَ مِنَ السُّلطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ إلَّا أَن وَضَعَ نُصبَ عَينَيهِ خِطَّةً لِلِاستِيلَاءِ عَلَى الحِصنِ، وكَانَ الهَدَفُ الَّذِي يَسعَى إِلَيهِ السُّلطَانُ المُجَاهِدُ بَعدَ أَن وَحَّدَ الجَبهَةَ الإِسلَامِيَّةَ وَأَمَّنَ الحُدُودَ تَحْرِيرَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَتَخلِيصَ الأَقْصَى مِن يَدِ الإِفرِنجِ، غَيرَ أَنَّهُ لَم يَشَأْ أَنْ يَكُونَ هُوَ البَادِئَ بِالحَربِ، لِحِنكَةٍ هُوَ أَرَادَهَا، فَانتَظَرَ حَتَّى بَدَأَ أَرنَاطُ صَاحِبُ الكَرَكِ المَشهُورُ بِالخِيَانَةِ وَالغَدرِ، فَكَانَتِ القَشَّةَ الَّتِي قَصَمَتْ ظَهرَ البَعِيرِ، وَالشَّرَارَةَ الَّتِي أَشعَلَتْ نِيرَانَ الحَربِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَرنَاطَ اعتَدَى عَلَى قَافِلَةٍ كَانَت تَمُرُّ بِالكَرَكِ فِي طَرِيقِهَا مِن مِصرَ إِلَى الشَّامِ، فَنَهَبَهَا وَأَسَرَ وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا، وَقَالَ لِلأَسرَى وَهُوَ يُعَذِّبُهُم: فَليَأتِ مُحَمَّدُكُم لِيُخَلِّصَكُم، فَغَضِبَ صَلَاحُ الدِّينِ وَنَذَرَ لَئِنْ مَكَّنَهُ اللهُ مِنهُ لَيَقتُلَنَّهُ بِيَدِهِ.

فدَعَا صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى النَّفِيرِ وَالتَّعبِئَةِ الشَّامِلَةِ لِلجِهَادِ، وَبَعدَ أَن كَمَلَتِ الاستِعدَادَاتُ وَجَاءَتِ الجُيُوشُ الإِسلَامِيَّةُ مُتَطَوِّعَةً مِن شَتَّى المَمَالِكِ الإِسلَامِيَّةِ، غَادَرَ صَلَاحُ الدِّينِ دِمَشقَ إِلَى بُصرَى وَبَدَأَ بِمُهَاجَمَةِ الكَرَكِ، فاستَولَى عَلَيهَا وَمَعَهَا طَبَرَيَّا.

معركة حطين

اسْتَشَاطَ الصَّلِيبِيُّونَ غَضَبًا بَعدَ استِيلَاءِ السُّلطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ عَلَى قَلعَةِ الكَرَكِ، فَسَيَّرُوا جَيْشَ الصَّلِيبِيِّين بِأَسْلِحَتِهِم وَخوذَاتِهِم وَدُرُوعِهِم الحَدِيدِيَّةِ لِمُلَاقَاةِ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَذَلِكَ يَوم السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الآخِر سَنَةَ خَمْسُمِائةٍ وَثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَت أَشِعَّةُ الشَّمْسِ تَنْعَكِسُ عَلَى رِمَالِ الصَّحْرَاءِ فَتَلْهَبُ الجَوَّ لَهِيبًا، حَتَّى كَادَتْ أَجْسَامُهُمْ تَقَعُ تَحْتَ ثِقَلِ حَدِيدِ دُرُوعِهِم وَلِبَاسِهِمُ السَّاخِنِ، فَلَمَّا بَدَأَتِ المَعْرَكَةُ، حَاصَرَ المُسْلِمُونَ الأَعْدَاءَ وَأَحَاطُوا بِهِمْ إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالمِعْصَمِ، وَأَشْبَعُوهُمْ ضَرْبًا وَقَتْلًا وَأَسْرًا، وَقَدْ حَاوَلَ «ريمند» وَهُوَ قَائِدٌ مِنْ قَادَةِ الصَّلِيبِيِّينَ كَانَتْ طَرَابُلْسَ حِينَهَا تَحْتَ أَسْرِهِ، أَنْ يُحْدِثَ ثُغْرَةً فِي الحِصَارِ المَضْرُوبِ عَلَيهِمْ، فَدَبَّرَ لَهُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ أَخِ صَلَاحِ الدِّينِ مَكيدَةً وَتَظَاهَرَ بِالهَزِيمَةِ، فَأَفْسَحَ لَهُ الطَّرِيقَ لِيَخْرُجَ، فَعَادَ تَقِيُّ الدِّينِ وَانْضَمَّ إِلَى الجَيْشِ وَالتَأَمَتْ دَائِرَةُ المُسْلِمِينَ مِنْ جَدِيدٍ، فَصَارَ «ريمند» وَجَيْشُهُ خَارِجَ جُيُوشِ الإِفْرَنْجِ المُحَاصَرَةِ، فَآثَرَ النَّجَاةَ وَهَرَبَ إِلَى طَرَابُلْسَ، وَمَاتَ بَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ حَسْرَةً وَكَمَدًا حِينَمَا اتُّهِمَ بِالخِيَانَةِ.

النصر الكبير في حطين

لَجَأَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى إِشْعَالِ النَّارِ فِي الأَعْشَابِ اليَابِسَةِ المُحِيطَةِ بِمُعَسْكَرِ الأَعْدَاءِ فَانْهَارَتْ قُوَاهُمْ وقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَبِيرٌ وَوَقَعَ البَاقِي فِي الأَسْرِ.

قَالَ المُؤَرِّخُ ابنُ الأَثِيرِ المُعَاصِرِ لِتِلْكَ الوَقْعَةِ فِي تَارِيخِهِ: (كُلُّ مَنْ يَرَى القَتْلَى يَحْسَبُ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ أَسْرَى وَكُلُّ مَنْ يَرَى الأَسْرَى يَحْسَبُ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ قَتْلَى)، وَقَالَ آخَرُ: (كَانَ الفَارِسُ مِنَ المُسْلِمِينَ يَقُودُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَسِيرًا فِي حَبْلٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ المِائَتَانِ مِنَ الإَفْرَنْجِ الأَسْرَى يَحْرُسُهُمْ فَارِسٌ وَاحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقُدِّرَ عَدَدُ الأَسْرَى بِثَلَاثِينَ أَلْفِ أَسِيرٍ، مِمَّا أَثَّرَ فِي كَسَادِ أَثْمَانِهِمْ فِي السُّوقِ لَدَى عَرْضِهِمْ لِلْبَيعِ، وَوَصَلَ الأَمْرُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ بِنَعْلٍ).

وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الأَسْرَى مُعْظَمُ قَادَاتِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَمِنْ بَيْنِهِمْ «أرناط»، وَعَنَّفَ صَلَاحُ الدِّينِ «أرناط» عَلَى فِعْلَتِهِ الشَّنِيعَةِ مَعْ قَافِلَةِ المُسْلِمِينَ وَاسْتِهْزَائِهِ بِمقَامِ النُّبُوَّةِ، وَعَرَضَ عَلَيهِ الإِسْلَامَ فَأَبَى، فَاسْتَلَ صَلَاحُ الدِّينِ سَيْفَهُ وَقَالَ لَهُ: (هَا أَنَا أَنْتَصِرُ لُمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)، فَضَرَبَهُ تَنْفِيذًا لِوَعْدِهِ وبَرًا بِقَسَمِهِ، وِإِثْرَ ذَلِكَ اِنْهَارَتْ الدَّوْلَةُ المُسَّمَاةُ «أُورشَلِيم»، وَتَمَكَّنَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ مِنَ اسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ مُدُنِهَا وَقِلَاعِهَا، وَبَدَأَتِ المُدُنُ تَسْقُطُ بِأَيدِي المُسْلِمِينَ الوَاحِدَةُ تِلْوَ الأُخْرَى، لَا سِيَّمَا عَكَّا وَيَافَا وَحَيْفَا وَصَيْدَا وَبَيْرُوتَ وَجُبَيلَ.

رَحِمَ اللهُ السُّلْطَانَ المُجَاهِدَ صَلَاحَ الدِّينِ، بَطَلَ وَقْعَةِ حِطِّينَ وَمُحَرِّرَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَدْ كَانَ رَجُلَ عَقِيدَةٍ وَصَاحِبَ زُهْدٍ وَتُقًى، حَقَّقَ لِأُمَّةِ الإِسْلَامِ عِزَّهَا، وَقَهَرَ أَعْدَاءَهَا، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَكَلِمَةُ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الْكَامِلِ فِي التَّارِيْخِ لِابنِ الْأَثِيْرِ
  2. النَّوَادِرِ السُّلْطَانِيَّةِ لِابنِ شَدَّادٍ

ليلة النصف من شعبان

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share