بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
الطَّلاقُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ مُهِمَّةٌ جِدًّا لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحْصُلُ مِنْهُمْ طَلاقُ زَوْجَاتِهِمْ وَلا يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ طَلَقْنَ فَيُعَاشِرُونَهُنَّ بِالْحَرَامِ.
ما هو الطلاق
الطَّلَاقُ لُغَةً: حَلُّ القَيدِ، يُقَالُ أَطلَقَهُ وَطَلَّقَهُ بِمَعنَى حَلَّ قَيدَهُ.
وَشَرعًا: اسمٌ لِحَلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ.
حكم الطلاق
الأصل في حكم الطلاق الكراهة، كطلاق امرأة مستقيمة الحال.
قال رسول الله ﷺ
أَبغَضُ الحَلَالِ عِندَ اللهِ الطَّلَاقُ
رواه أبو داود
وقد يكون الطلاق واجبا كطلاق المولي، وقد يكون حراما كالطلاق البدعي، وقد يكون سنة كطلاق سيئة الخلق، ووقد يكون مباحا كطلاق مَنْ لا يَهْواها الزوجُ ولا تسمحُ نفسُه بمُؤنَتِها بلا استمتاعٍ بها.
عدد الطلقات
يملك الحر من الطلاق ثلاث تطليقات.
قال الله تعالى
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ
سورة البقرة: 229
إلى كم قسم ينقسم الطلاق؟
الطَّلاقُ قِسْمَانِ:
- صَرِيحٌ: وَهُوَ مَا لا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فَيَقَعُ الطَّلاقُ بِهِ سَوَاءٌ نَوَى أَمْ لَمْ يَنْو ِبه الطلاق وَهُوَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ: (الطَّلاقُ وَالفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ وَالْخُلْعُ وَقَوْلُ الشَّخْصِ نَعَمْ فِي جَوَابِ مَنْ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ الآنَ) فَمنْ أَتَى بِها وَقَعَ الطَّلاقُ نَوَى بِهِ الطَّلاقَ أَمْ لَمْ يَنْو.
- وَكِنَايَةٌ: وَهُوَ مَا لا يَكُونُ طَلاقًا إِلَّا بِنِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: (اعْتَدِّي، اخْرُجِي، سَافِرِي، تَسَتَّرِي، لا حَاجَةَ لِي فِيكِ، أَنْتِ وَشَأْنُكِ، سَلامٌ عَلَيْكِ)، لِأَنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وَغَيْرَهُ احْتِمَالًا قَرِيبًا، وَمَنْ أَتَى بها أي (بِأي من أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ) لَا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ الطَّلاقَ وَتَكُونُ النِّيَّةُ مَقْرُونَةً بِأَوَّلِ اللفظِ.
حكم الطلاق بالثلاث
إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوجَتَهُ ثَلاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ (كَأَن قَالَ أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)، أَو قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ) بِدُونِ لَفظِ ثَلَاثًا لَكِنَّهُ نَوَى بِهِ الثَّلاثَ، أَوْ قَالَ (أَنتِ طَالِقٌ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، يَكُونُ هُنَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالثَّلَاثِ.
فَلَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمسَةٍ، وَهِيَ:
- مُضِيِّ عِدَّةٍ مِنَ الزَّوجِ الأَوَّلِ.
- أَن تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بَعْدَ عِدَّةٍ مِنْهُ.
- أَن يَدْخُلَ بِهَا الزَّوجُ الثَّانِي.
- أَن يُطَلِّقَهَا الزَّوجُ الثَّانِي.
- أَن تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ مِنَ الزَّوجِ الثَّانِي.
فَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعدَ حُصُولِ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمسَةِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لا تَحِلِّينَ لَهُ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ
رواه البخاري
أَيْ لا يَحِلُّ لَكِ أَنْ تَرْجِعِي لِلزَّوْجِ الأَوَّلِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُجَامِعَكِ هَذَا الثَّانِي، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مَشْهُور.
فَلَا يُلتَفَتُ بَعدَ ذَلِكَ إِلَى الَّذِينَ يَعْدِلُونَ إِلَى طَرِيقٍ لا يَنْفَعُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ شَخْصٍ يُجْرَي عَقدًا عَلَى الزَّوجَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بالثَّلاثِ ثُمَّ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ التَّابِعِينَ يُجِيزُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ يَشْتَرِطُ أَنْ لا يَكُونَ الزَّوْجُ الثَّانِي يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِحْلالَهَا لِلأَوَّلِ.
فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرْشِدُونَ النَّاسَ إِلَى هَذَا الأَمْرِ الْفَاسِدِ يَغُشُّونَ النَّاسَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَهُمْ لِلِاسْتِفْتَاءِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُوَافِقُوا ذَلِكَ الْمُجْتَهِدَ بَلْ كَانَ عَمَلُهُمْ هَذَا حَرَامًا عِنْدَ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَلا وَافَقُوا الْجُمْهُورَ وَلا وَافَقُوا هَذَا الْمُجْتَهِدَ.
وَهَذَا المُجتَهِدُ أَصلًا لَا يُؤخَذُ بِقَولِهِ هَذَا لِأَنَّهُ خَالَفَ نَصًّا صَرِيحًا، فَقَد قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِيمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ: (مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) اهـ
مسألة مهمة
لَا فَرْقَ فِي الطَّلاقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا كَأَن يُطَلِّقَ زَوجَتَهُ فِي الحَالَ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا عَلَى شَىْءٍ، فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلانٍ أَوْ إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَدَخَلَتْ أَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ الشَّىْءَ وَقَعَ الطَّلاقُ، فَإِنْ كَانَ قَالَ إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِالثَّلاثِ فَدَخَلَتْ كَانَ ثَلاثًا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَلا يَجُوزُ إِلْغَاءُ هَذَا الطَّلاقِ عَمَلًا بِرَأيِ بَعضِ النَّاسِ لِأَنَّ هَذِهِ المَسأَلَةَ إِجمَاعِيَّةٌ، فقَدْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وابنُ الْمنذِرِ وَغَيرُهُمَا وَبِهِ أَفتَى الصَّحَابَةُ كَابنِ عُمَرَ وَابنِ عَبَّاسٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ وَغَيرِهِم وَبِهِ أَفتَى التَّابِعُونَ وَأَتبَاعُهُم كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحمَدَ وَتَتَابَعَ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
تقسيم الطلاق باعتبار آخر
الطَّلَاقُ يَنقَسِمُ مِن حَيثُ حُكمُ الشَّرعِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ، إِمَّا جَائِزٌ سُنِّيٌّ وَإِمَّا بِدعِيٌّ وَإِمَّا لَا وَلَا.
- الطَّلَاقُ السُّنِّيُّ: أَن يُوقِعَ الزَّوجُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوجَتِهِ فِي طُهرٍ لَم يُجَامِع فِيهِ، وَحُكمُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ.
- الطَّلَاقُ البِدعِيُّ: أَن يُوقِعَ الزَّوجُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوجَتِهِ فِي الحَيضِ أَو النِّفَاسِ أَو فِي طُهرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَحُكمُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ، لَكِنَّهُ يَقَعُ طَلَاقًا. وَسَبَبُ التَّحرِيمِ: أَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِطُولِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ، أَي يَطُولُ زَمَنُ العِدَّةِ عَلَيهَا حَالَ كَونِهَا بِالحَيضِ أَوِ النِّفَاسِ لِأَنَّ العِدَّةَ ثَلَاثَةَ أَطهَارٍ، وَأَمَّا الطَّلاقُ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى النَّدَمِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ.
- طَلَاقُ لَا وَلَا: أَيِ الَّذِي لَا يُسَمَّى سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ غَيْرَ بَالِغَةٍ أَوْ ءَايِسَةً (أَيِ انقَطَعَ دَمُهَا وَبَلَغَت سِنَّ اليَأسِ وَهُوَ اثنَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً) أَو حَامِلًا مِنْهُ.
تنبيه: لا فرق بين طلاق الجد وطلاق الهزل
لا فَرْقَ بَيْنَ طَلاقِ الْجِدِّ وَطَلاقِ الْهَزْلِ
قال رسول الله ﷺ
ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ
رواه أبو داود في السنن
فَإِذَا حَصَلَ النِّكَاحُ بِشُرُوطِهِ وَكَانَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ مَازِحَيْنِ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَكَذَلِكَ الطَّلاقُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ مَازِحَيْنِ أَوْ جَادَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا جَادًّا وَالآخَرُ مَازِحًا كَأَنْ طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ الطَّلاقَ بِجِدٍّ وَهُوَ أَوْقَعَهُ بِمَزْحٍ فَقَدْ ثَبَتَ الطَّلاقُ.
وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ بِقَوْلِ أَرْجَعْتُكِ إِلَى نِكَاحِي وَنَحْوِهِ فَإِنِ انْتَهَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا لا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِوَلِيِّهَا وَشَاهِدَيْنِ مُسْلِمِيْنَ عَدْلَيْنِ.
حكم طلاق الغضبان
لَا فَرقَ بَينَ طَلَاقِ الغَضبَانِ وَغَيرِهِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ وَلَو كَانَ الرَّجُلُ غَاضِبًا إِذَا كَانَ يَفهَمُ مَا يَقُولُ مُختَارًا لَهُ، إِذ إِنَّهُ لَا أَحَدَ غَالِبًا يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ إِلَّا فِي حَالِ الغَضَبِ، وَلَم يَثبُت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا طَلَاقَ لِلغَضبَانِ، بَل وَمَا كَانَ العُلَمَاءُ يَسأَلُونَ الَّذِي يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ هَل كُنتَ غَاضِبًا أَم لَا، أَمَّا حَدِيثُ “لَا طَلَاقَ فِي إِغلَاقٍ” فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ لِلغَاضِبِ، بَل مَعنَاهُ لَا طَلَاقَ عِندَ الإِكرَاهِ، فَلَو أُكرِهَ شَخصٌ عَلَى طَلَاقِ زَوجَتِهِ فَطَلَّقَهَا لَا تَطلُقُ بِشُرُوطٍ يَذكُرُهَا العُلَمَاءُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُختَصَرَةٌ مِن:
- فتح الوهاب للشيخ زكريا الأنصاري.
- أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري.
- متن الغاية والتقريب لأبي شجاع وشروحاته.
- روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي.
- مغني المحتاج للشربيني.
- حاشية البجيرمي.
- التنبيه للشيرازي.
- المهذب للشيرازي.