بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
ما الفرق بين الطلاق والفسخ وما هي الآثار المترتبة عليهما عند الشافعية؟
المقدمة
يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ أَن لا يَدخُلَ فِي شَيءٍ حَتَّى يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنهُ وَمَا حَرَّمَ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبحَانَهُ تَعَبَّدَنَا أَي كَلَّفَنَا بِأَشيَاءَ فَلا بُدَّ مِن مُرَاعَاةِ مَا تَعَبَّدَنَا.
وعَقدُ النِّكَاحِ يَحتَاجُ إِلَى مَزِيدِ احتِيَاطٍ وَتَثَبُّتٍ حَذَرًا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسَادِهِ مِنَ المُعَاشَرَةِ بِالحَرَامِ، فَالنِّكَاحُ أَشَدُّ حَاجَةً إِلَى مَعرِفَةِ أَحكَامِهِ الشَّرعِيَّةِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَإِنَّ مَن جَهِلَ أَحكَامَهُ قَد يَظُنُّ مَا لَيسَ بِنِكَاحٍ نِكَاحًا، فَيَتَفَرَّعُ مِن ذَلِكَ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِمَزِيدِ احتِيَاطٍ وَتَثَّبُتٍ، لِأَنَّ حِفظَ النَّسَبِ مِنَ الكُلِّيَّاتِ الخَمسِ الَّتِي اتَّفَقَت عَلَيهَا الشَّرَائِعُ، وَهِيَ حِفظُ النَّفسِ وَالمَالِ وَالعِرضِ وَالعَقلِ وَالنَّسَبِ.
معنى الطلاق
الطَّلَاقُ لُغَةً: حَلُّ القَيدِ، يُقَالُ أَطلَقتُ الدَّابَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ، يَعنِي حَلَلتُ قَيدَهَا، وَشَرعًا: حَلُّ عَقدِ النِّكَاحِ بِشُرُوطٍ مَخصُوصَةٍ.
ومَعرِفَةُ أَحكَامِ الطَّلَاقِ مُهِمَّةٌ جِدًّا، لِأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ يَحصُلُ مِنهُم طَلاقُ زَوجَاتِهِم وَلا يَدرُونَ أَنَّهُنَّ طَلَقنَ فَيُعَاشِرُونَهُنَّ بِالحَرَامِ.
أقسام الطلاق
- صريح: مَا لا يَحتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، فَيَقَعُ الطَّلاقُ بِهِ سَوَاءٌ نَوَى أَم لَم يَنوِ، وَهُوَ خَمسَةُ أَلفَاظٍ:
- الطَّلاقُ
- وَالفِرَاقُ
- وَالسَّرَاحُ
- وَالخُلعُ وَلَفظُ المُفَادَاةِ مِنَ الخُلعِ
- وَاللَّفظُ الخَامِسُ قَولُ الشَّخصِ نَعَم فِي جَوَابِ مَن أَرَادَ مِنهُ أَن يُطَلِّقَ زَوجَتَهُ الآنَ.
- كناية: هُوَ مَا لا يَكُونُ طَلاقًا إِلَّا بِنِيَّةٍ كَقَولِهِ: اعتَدِّي، اخرُجِي، سَافِرِي، تَسَتَّرِي، لا حَاجَةَ لِي فِيكِ، أَنتِ وَشَأنُكِ، سَلامٌ عَلَيكِ، لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ تَحتَمِلُ الطَّلاقَ وَغَيرَهُ احتِمَالًا قَرِيبًا
فَإِن أَتَى بِالصَّرِيحِ وَقَعَ الطَّلاقُ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الطَّلاقَ أَم لَم يَنوِ، وَمَن أَتَى بِأَلفَاظِ الكِنَايَةِ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلَّا أَن يَنوِيَ بِاللَّفظِ الطَّلاقَ، وَتَكُونُ النِّيَّةُ مَقرُونَةً بِأَوَّلِ الكِنَايَةِ.
الطلاق بالثلاث
وَالطَّلاقُ إِن كَانَ ثَلاثًا بِلَفظٍ وَاحِدٍ أَو فِي أَوقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، حَتَّى لَو قَالَ: (أَنتِ طَالِقٌ) وَنَوَى بِهِ الثَّلاثَ فَهُوَ طَلاقٌ ثَلاثٌ، لا تَحِلُّ لَهُ بَعدَهُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَهُ بَعدَ عِدَّةٍ مِنهُ وَيَدخُلَ بِهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا وَتَنقَضِيَ العِدَّةُ مِنهُ، فَمَن قَالَ لِزَوجَتِهِ أَنتِ طَالِقٌ ثَلاثًا طَلَقَت ثَلاثًا وَإِن قَالَ (أَنتِ طَالِقٌ أَنتِ طَالِقٌ أَنتِ طَالِقٌ) وَلَم يَنوِ بِتَكرَارِ اللَّفظِ تَأكِيدَ الطَّلقَةِ الوَاحِدَةِ فَهُوَ طَلاقٌ ثَلاثٌ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجهَلُونَ هَذَا فَيَرجِعُونَ إِلَى زَوجَاتِهِم إِذَا أَوقَعُوا طَلاقًا ثَلاثًا بِلَفظٍ وَاحِدٍ، يَظُنُّونَ أَنَّهُ طَلاقٌ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُم أَن يَرتَجِعُوهُنَّ قَبلَ مُضِيِّ العِدَّةِ بِلا عَقدٍ جَدِيدٍ أَو بَعدَ مُضِيِّ العِدَّةِ بِتَجدِيدِ العَقدِ، فَهَؤُلاءِ يُعَاشِرُونَ أَزوَاجَهُم بِالحَرَامِ.
الطلاق المنجز والطلاق المعلق
وَلا فَرقَ فِي الطَّلاقِ بَينَ أَن يَكُونَ مُنَجَّزًا وَبَينَ أَن يَكُونَ مُعَلَّقًا عَلَى شَيءٍ، فَإِذَا قَالَ أَنتِ طَالِقٌ إِن دَخَلتِ دَارَ فُلانٍ أَو إِن فَعَلتِ كَذَا فَدَخَلَت أَو فَعَلَت ذَلِكَ الشَّيءَ وَقَعَ الطَّلاقُ، فَإِن كَانَ قَالَ إِن دَخَلتِ دَارَ فُلانٍ فَأَنتِ طَالِقٌ بِالثَّلاثِ فَدَخَلَت كَانَ ثَلاثًا، فَتَحرُمُ عَلَيهِ فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَهُ، وَلا يَجُوزُ إِلغَاءُ هَذَا الطَّلاقِ، وَلا عِبرَةَ بِرَأيِ البَعضِ الَّذِي خَرَقَ بِهِ الإِجمَاعَ فِي قَولِهِ إِنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ المَحلُوفَ بِهِ لا يَقَعُ مَعَ الحِنثِ وَلَيسَ عَلَيهِ إِلَّا كَفَّارَةُ اليَمِينِ، وَقَد نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى هَذَا الحُكمِ الفَقِيهُ المُحَدِّثُ الحَافِظُ الثِّقَةُ الجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ نَصرٍ المَروَزِيُّ وَجَمَاعَةٌ غَيرُهُ.
طلاق الجد وطلاق الهزل
وَلَا فَرقَ بَينَ طَلاقِ الجِدِّ وَطَلاقِ الهَزلِ، لِقَولِهِ ﷺ: “ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجعَةُ“، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ، فَإِذَا حَصَلَ النِّكَاحُ بِشُرُوطِهِ وَكَانَ الوَلِيُّ وَالزَّوجُ مَازِحَينِ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَكَذَلِكَ الطَّلاقُ، فَإِن كَانَ الزَّوجُ وَالزَّوجَةُ مَازِحَينِ أَو جَادَّينِ أَو أَحَدُهُمَا جَادًّا وَالآخَرُ مَازِحًا كَأَن طَلَبَتِ الزَّوجَةُ الطَّلاقَ بِجِدٍّ وَهُوَ أَوقَعَهُ بِمَزحٍ فَقَد ثَبَتَ الطَّلاقُ.
الرجعة بعد الطلاق
وَإِن كَانَ الطَّلاقُ وَاحِدًا أَوِ اثنَينِ تَصِحُّ الرَّجعَةُ قَبلَ انتِهَاءِ العِدَّةِ بِقَولِ أَرجَعتُكِ إِلَى نِكَاحِي وَنَحوِهِ، فَإِنِ انتَهَتِ العِدَّةُ قَبلَ أَن يَرتَجِعَهَا لا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِعَقدٍ جَدِيدٍ بِوَلِيِّهَا وَشَاهِدَينِ مُسلِمِينَ عَدلَينِ.
معنى الفسخ
الفَسخُ هُوَ أَن يَنحَلَّ عَقدُ النِّكَاحِ بِوَاسِطَةِ أُمُورٍ وَأَسبَابٍ غَيرِ الطَّلَاقِ، ضَرَبَ لَهَا الفُقَهَاءُ أَمثِلَةً فِي كُتُبِ الفِقهِ وَذِكرُهَا يَطُولُ، كَالخُلعِ، وَكَأَن يَجِدَ فِي زَوجَتِهِ أَو تَجِدَ الزَّوجَةُ فِي زَوجِهَا عَيبًا مِن عُيُوبِ النِّكَاحِ المُثبِتَةِ لِخِيَارِ الفَسخِ، فَإِذَا حَصَلَ مِثلُ هَذَا بَانَتِ الزَّوجَةُ وَلَا يَرجِعُ إِلَيهَا إِلَّا بِعَقدٍ جَدِيدٍ حَتَّى لَو لَم تَمضِ العِدَّةُ، وَلَا تُحتَسَبُ طَلقَةٌ حِينَئِذٍ.
الفرق بين الفسخ والطلاق
فَوَائِدُ الفَسخِ أَربَعَةٌ، وَجَعَلَهَا بَعضُ العُلَمَاءِ ثَلَاثَةً:
- أَنَّهُ لَا يَنقُصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ، فَلَو فَسَخَ مَرَّةً ثُمَّ جَدَّدَ العَقدَ ثُمَّ فَسَخَ ثَانِيًا وَهَكَذَا لَم تَحرُم عَلَيهِ زَوجَتُهُ الحُرمَةَ الكُبرَى، وَلَو بَلَغَ عَدَدُ مَرَّاتِ الفَسخِ الثَّلَاثَ أَو أَكثَرَ.
- أَنَّهُ إِذَا فَسَخَ قَبلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيءَ عَلَيهِ مِنَ المَهرِ، وَإِذَا طَلَّقَ قَبلَ الدُّخُولِ وَجَبَ نِصفُ المَهرِ.
- أَنَّهُ إِذَا فَسَخَ لِظُهُورِ عَيبٍ بَعدَ الوَطءِ لَزِمَهُ مَهرُ المِثلِ، وَإِذَا طَلَّقَ حِينَئِذٍ لَزِمَهُ المُسَمَّى.
- أَنَّهُ إِذَا فَسَخَ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ لِلعَقدِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِن كَانَت حَامِلًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا طَلَّقَ فِي الحَالَةِ المَذكُورَةِ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ، وَأَمَّا السُّكنَى فَتَجِبُ فِي كُلٍّ مِنَ الفَسخِ وَالطَّلَاقِ حَيثُ كَانَ بَعدَ الدُّخُولِ.
الخاتمة
يَجِبُ عَلَى العَبدِ أَن يُطِيعَ خَالِقَهُ بِأَدَاءِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجتِنَابِ مَا نَهَى عَنهُ لِأَنَّهُ يَستَحِقُّ أَن يُطَاعَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا عُلِمَت لَنَا الحِكمَةُ فِيهِ وَمَا لَم تُعلَم لَنَا الحِكمَةُ فِيهِ، لِأَنَّ بَعضَ مَا تَعَبَّدَنَا بِهِ مَعقُولُ المَعنَى لَنَا وَبَعضًا غَيرُ مَعقُولِ المَعنَى لَنَا، وَذَلِكَ ابتِلاءٌ مِنهُ لِعِبَادِهِ وَاختِبَارٌ، لِأَنَّهُ مَن سَلَّمَ لِلَّهِ فِي كُلِّ شَيءٍ فَهُوَ العَبدُ المُطِيعُ المُسرِعُ فِي الطَّاعَةِ وَمَن لَم يَكُن كَذَلِكَ فَلَيسَ كَامِلَ الطَّاعَةِ.
وَقَد أَشَارَ القُرءَانُ الكَريِمُ إِلَى ذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾، [سُورَةَ التَّحرِيم: 6]، قَالَ عَطَاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: أَن تَتَعَلَّمَ كَيفَ تُصَلِّي وَكَيفَ تَصُومُ وَكَيفَ تَبِيعُ وَتَشتَرِي وَكَيفَ تَنكِحُ وَكَيفَ تُطَلِّقُ.اهـ فَمَن أَهمَلَ ذَلِكَ لَم يَحفَظ نَفسَهُ وَلا أَهلَهُ مِنَ النَّارِ الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ أَمرَهَا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- المِصبَاحِ المُنِيرِ لِلفَيُّومِيِّ
- شَرحِ ابنِ القَاسِمِ الغَزِّيِّ عَلَى مَتنِ أَبِي شُجَاعٍ.
- حَاشِيَةِ البَاجُورِيِّ عَلَى شَرحِ ابنِ القَاسِمِ الغَزِّيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.