بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَولَىٰ بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم وَأَزوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾، [سورة الأحزاب: 6].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَتَانِي جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ: رَاجِع حَفصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَإِنَّهَا زَوجَتُكَ فِي الجَنَّةِ“، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
نسبها رضي الله عنها
هِيَ أُمُّ المُؤمِنِينَ حَفصَةُ بِنتُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بنِ نُفَيلِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ رِياحٍ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ قُرطِ بنِ رَزَاحِ بنِ عَدِيِّ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيٍّ، وَأُمُّهَا وَأُمُّ أَخِيهَا عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ زَينَبُ بنتُ مَظعُونٍ، أُختُ عُثمَانَ بنِ مَظعُونٍ.
سيرتها رضي الله عنها
وُلِدَت السَّيِّدَةُ حَفصَةُ فِي السَّنَةِ الخَامِسَةِ قَبلَ البِعثَةِ، وَكَانَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا مِنَ السَّابِقَاتِ إِلَى الإِسلَامِ، وَهَاجَرَت مَعَ خُنَيسِ بنِ حُذَافَةَ وَكَانَ زَوجَهَا قَبلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ، هَاجَرَ إِِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ، وَعَادَ إِلَى المَدِينَةِ، فَشَهِدَ بَدرًا وأحدًا، وَأَصَابَهُ بِأُحُدٍ جِرَاحَةٌ فَمَاتَ مِنهَا.
زواجها رضي الله عنها من رسول الله ﷺ
تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَعدَ انقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِن خُنَيسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهمِيِّ فِي شَعبَانَ عَلَى رَأسِ ثَلَاثِينَ شَهرًا مِنَ الهِجرَةِ قَبلَ أُحُدٍ في سنةِ ثلاثٍ، وَأَصدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَربَعَمِائَةِ دِرهَمٍ.
رَوَى البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ: لَمَّا تَأَيَّمَت ـ أَي تَرَمَّلَت ـ حَفصَةُ مِن خُنَيسِ بنِ حُذَافَةَ قَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ فَعَرَضتُ عَلَيهِ حَفصَةَ، فَقُلتُ: إِن شِئتَ أَنكَحتُكَ حَفصَةَ بِنتَ عُمَرَ، قَالَ: سَأَنظُرُ فِي أَمرِي، فَلَبِثتُ لَيَالِيَ، فَقَالَ: قَد بَدَا لِي أَن لَا أَتَزَوَّجَ يَومِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكرٍ، فَقُلتُ: إِن شِئتَ أَنكَحتُكَ حَفصَةَ بِنتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكرٍ فَلَم يَرجِع إِلَيَّ شَيئًا، فَكُنتُ عَلَيهِ أَوجَدَ مِنِّي عَلَى عُثمَانَ، فَلَبِثتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنكَحتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضتَ عَلَيَّ حَفصَةَ فَلَم أَرجِع إِلَيكَ؟ قُلتُ: نَعَم، قَالَ: فَإِنَّهُ لَم يَمنَعنِي أَن أَرجِعَ إِلَيكَ فِيمَا عَرَضتَ، إِلَّا أَنِّي قَد عَلِمتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد ذَكَرَهَا، فَلَم أَكُن لِأُفشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَو تَرَكَهَا لَقَبِلتُهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ ابنِ حَجَرٍ أنّ عُمَرَ شَكَا حَالَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فقال: “يَتَزَوَّجُ حَفصَةَ مَن هُوَ خَيرٌ مِن عُثمَانَ، وَيَتَزَوَّجُ عُثمَانُ مَن هِيَ خَيرٌ مِن حَفصَةَ“.
طلاق الرسول ﷺ منها رضي الله عنها
أَخرَجَ البَيهَقِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفصَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأسِهِ وَقَالَ: مَا يَعبَأُ اللهُ بِكَ يَا ابنَ الخَطَّابِ بَعدَ هَذَا، فَنَزَلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأمُرُكَ أَن تُرَاجِعَ حَفصَةَ رَحمَةً لِعُمَرَ.
وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفصَةَ، فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، طَلَّقتَ حَفصَةَ وَهِيَ صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوجَتُكَ فِي الجَنَّةِ، فَرَاجِعهَا، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مَنقبَةٌ ظَاهِرَةٌ وَصَرِيحَةٌ لِحَفصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
رواياتها للحديث
رَوَت عَن رسول الله ﷺ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنهَا: أَخُوهَا ابنُ عُمَرَ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنهُ بِسِتِّ سِنِينَ، وَحَارِثَةُ بنُ وَهبٍ، وَجَمعٌ غَيرُهُمَا، وَمُسنَدُهَا فِي كِتَابِ بَقِيِّ بنِ مَخلَدٍ سِتُّونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَ لَهَا الشَّيخَانِ عَلَى أَربَعَةِ أَحَادِيثَ، وَانفَرَدَ مُسلِمٌ بِسِتَّةِ أَحَادِيثَ.
وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَت حَفصَةُ هِيَ الَّتِي اختِيرَت مِن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ جَمِيعًا لِتَحفَظَ أَوَّلَ مُصحَفٍ خَطِّيٍّ لِلقُرءَانِ الكَرِيمِ.
وفاتها رضي الله عنها
تُوُفِّيَت حَفصَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي شَعبَانَ سَنَةَ خَمسٍ وَأَربَعِينَ بِالمَدِينَةِ فِي عَهدِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ وَهِيَ ابنَةُ سِتِّينَ سَنَةً، فَصَلَّى عَلَيهَا المُسلِمُونَ وَدُفِنَت بِالبَقِيعِ مَعَ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، قَالَ الوَاقِدِيُّ: حَمَلَهَا أَبُو هُرَيرَةَ مِن دَارِ المُغِيرَةِ إِلَى قَبرِهَا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ.
- مُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ.
- أُسدِ الغَابَةِ فِي مَعرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
- الإِصَابَةِ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.