اللهُ تَعالَى لا يخفَى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولَا في السماءِ، فإذا أردتَ أنْ تفعلَ شيئًا ومَا عرفتَ أَتُقْدِمُ عليهِ أمْ لَا فاعْمَلْ بِإِرْشَادِ رَسولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَخِرْ وَانْظُرْ بَعدهَا ماذَا سَيُيَسِّرُ اللهُ لكَ، فهوَ العالِمُ بحالِكَ وبِمَا سَيَؤُوْلُ إِلَيهِ أَمرُكَ.
دعاء الاستخارة
عَنْ جابِرٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُور كُلِّهَا كالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ:
إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيْضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيْرُكَ بعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيْمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوْبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ ـ أي بعلمك الأزلي فأنت الذي لا تخفى عليك خافية ـ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِيْ” أَوْ قالَ: “عَاجِلِ أَمْرِيْ وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ أي اقض به وهيئه لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِيْنِي وَمَعاشِي وَعَاقِبَةِ أَمَرِي” أَو قالَ: “عَاْجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ” قالَ ﷺ: “وَيُسَمِّيْ حَاجَتَهُ” اهـ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
فوائد في الاستخارة
الاستخارة لكل أمر ليس فقط عند التردد
اعتقادُ بعضِ النَّاسِ أَنَّ صلاةَ الاستخارةِ إنَّمَا تُشْرَعُ فقطْ عندَ التَّرَدُّدِ بينَ أمرينِ هذَا غيرُ صحيحٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ في الحديثِ المذكور: “إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ” وَلَمْ يَقُلْ (إذَا تَرَدَّدَ). وَالْهَمُّ مَرْتَبَةٌ تَسْبِقُ العَزْمَ.
فَإِذَا أرادَ المسلمُ أَنْ يقومَ بِعَمَلٍ لَا إِثْمَ فيهِ فَلْيَسْتَخِرِ اللهَ عَلَى الفِعْلِ ثُمَّ لْيُقْدِمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ هَمَّ بِتَرْكِهِ فَلْيَسْتَخِرْ عَلَى التَّرْكِ، أَمَّا إِنْ كَانَ أَمَامَهُ عِدَّةُ خيَارَاتٍ، فَعَلَيْهِ أَوَّلًا ـ بعدَ أَنْ يَسْتَشِيْرَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ العلمِ ـ أَنْ يُحَدِّدَ خيارًا مِنْ هَذِهِ الخياراتِ فَإذَا هَمَّ بِفِعْلِهِ قَدَّمَ قَبلَ ذلكَ الاستخارةَ.
الاستخارة في الأمور كلها
اعتقادُ بعضِ الناسِ أنَّ الاستخارةَ لا تُشْرَعُ إِلَّا في أمورٍ معيَّنَةٍ كالزواجِ والسفرِ ونحوِ ذلكَ أوْ في الأمورِ الكبيرةِ ذاتِ الشأنِ العظيمِ هذَا غيرُ صحيحٍ، لقولِ الراوي في الحديثِ المذكور: (كَاْنَ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُوْرِ كُلِّهَا)،ولَمْ يَقُلْ: فِي بعضِ الأمورِ أو في الأمورِ الكبيرةِ.
وهذا الاعتقادُ جَعَلَ كثيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُقَدِّمُونَ صلاةِ الاستخارةِ في أمورٍ قَدْ يَرَوْنَهَا صغيرةً ويكونُ لَهَا أَثَرٌ كَبِيْرٌ فِي حياتِهِم.
لا يشترط انشراح الصدر بعد الاستخارة
اعتقادُ بعضِ الناسِ أنَّهُ لا بدَّ مِن انشراحِ الصدرِ للفعلِ بعدَ الاستخارةِ هذا لا دليلَ عليهِ، لأنَّ حقيقةَ الاستخارةِ تفويضُ الأمرِ للهِ تعالى.
وهذا الاعتقادُ جَعَلَ كَثِيْرًا مِنَ النَّاسِ فِي حَيْرَةٍ وتَرَدُّدٍ حتَّى بعدَ الاستخارةِ، ورُبَّمَا كَرَّرَ الاستخارةَ مَرَّاتٍ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا حَيْرَةً وَتَرَدُّدًا لَا سِيَّمَا إذَا لمْ يَكُنْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ للفِعْلِ الذي استخارَ لَهُ، والاستخارةُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ مِثْلِ هَذَا التَّرَدُّدِ وَالاضْطِرَابِ والحَيْرَةِ.
وَهناكَ من يَعتقدُ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ شُعُوْرٍ بِالرَّاحَةِ أوْ عَدَمِهَا بَعْدَ صلاةِ الاستخارةِ وهذا غيرُ صحيحٍ، فَرُبَّمَا يَعْتَرِي المرءَ شعورٌ بأَحَدِهِمَا وَرُبَّمَا لَا يَنْتَابُهُ أيُّ شعورٍ فَلَا يَتَرَدَّدِ الشخصُ فِي ذَلِكَ، بلِ الصحيحُ أَنَّ اللهَ يُيَسِّرُ لَهُ مَا اختَارَهُ لَهُ مِنْ أَمْرٍ وَيُتِمُّهُ.
لا يشترط حصول رؤيا بعد الاستخارة
اعتقادُ بعضِ النَّاسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرَى رُؤيَا بعدَ الاستخارةِ تَدُلُّهُ عَلَى الصوابِ ورُبَّمَا تَوَقَّفَ عَنِ الإقدامِ عَلَى العملِ بعدَ الاستخارةِ انتظارًا للرؤيا وهذا لَا دليلَ عليهِ، بلِ العبدُ بعدَ الاستخارةِ يُبَادِرُ إِلَى العملِ مُفَوِّضًا الأَمْرَ إِلَى اللهِ تعالَى.
والله تعالى أعلم وأحكم.