بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
يَجِبُ عَلَى العَبدِ المُطِيعِ لِخَالِقِهِ أَن لَا يَدخُلَ فِي شَيءٍ حَتَّى يَعلَمَ مَا هُوَ الحَلَالُ مِنهُ وَمَا هُوَ الحَرَامُ، وَالبُيُوعُ وَالمُعَامَلَاتُ مِن جُملَةِ مَا يَجِبُ عَلَى العَبدِ أَن يَتَعَلَّمَهُ قَبلَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِي الرِّبَا الَّذِي هُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَامَلاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وفِي هَذَا المَقَالِ نُبَيِّنُ بَعضَ المُعَامَلَاتِ المُحَرَّمَةِ.
بيع ما لم يقبضه
مِنَ الْبُيُوعِ الْمُحَرَّمَةِ أَن يَبِيعَ الشَّخصُ مَا اشتَرَاهُ قَبْلَ أَن يَقبِضَهُ مِنَ البَائِعِ، وَهَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ عَامٌّ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ مَطْعُومًا أَمْ غَيْرَهُ.
وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ بِالتَّخْلِيَةِ أَيِ التَّمْكِينِ فِي الْعَقَارِ كَالأَرْضِ فَإِنْ كَانَ بَيْتًا اشْتُرِطَ تَفْرِيغُهُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِتَسْلِيمِهِ الْمُفْتَاحَ، وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا يُنْقَلُ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ، وَبِالْمُنَاوَلَةِ فِيمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالثَّوْبِ.
بيع اللحم بالحيوان
يَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ مُقَابِلَ الْحَيَوَانِ الحَيِّ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، أَي أَن يَقُولَ لَهُ مَثَلًا بِعنِي هَذَا الكِيلُو مِن لَحمِ البَقَرِ بِهَذِهِ الدَّجَاجَةِ الحَيَّةِ، فَهَذَا حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ اللَّحْمُ مَأْخُوذًا مِنْ جِنْسِ هَذَا الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِ.
لِحَدِيثِ
“نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ”
وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلافِيَّةٌ بَيْنَ الأَئِمَّةِ.
فَائِدَةٌ
لا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ وَزْنًا أَيْ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الرِّطْلِ كَذَا لِأَنَّهُ إِذَا بِيعَ حَيَوَانٌ بِشَرْطِ الْوَزْنِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ يَدْخُلُ الْقَذَرُ الَّذِي فِي جَوْفِهِ فِي الْمُقَابَلَةِ بِالثَّمَنِ فَيَنْصَرِفُ قِسْمٌ مِنَ الثَّمَنِ إِلَى الْقَذَرِ وَالْقِسْمُ الآخَرُ إِلَى مَا سِوَاهُ كَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَالْقَذَرُ لا يُقَابَلُ بِمَالٍ، وَالْخَلاصُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لا يُعْتَبَرَ الْوَزْنُ شَرْطًا وَإِنْ ذُكِرَ لِتَخْمِينِ السِّعْرِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْبَائِعُ هَذَا وَزْنُهُ كَذَا لِيُسَاعِدَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَخْمِينِ السِّعْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا ثُمَّ قَالَ بِعْتُكَهُ بِكَذَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِمَا ذَكَرْتَ صَحَّ الْبَيْعُ.
بيع الدين بالدين
يَحْرُمُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَلَهُ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَذَلِكَ لِحَدِيثِ
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئ
رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما
وَيَحْرُمُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ ثَمَنُ مَبِيعٍ مُقَسَّطٌ إِلَى ءَاجَالٍ ثُمَّ يَأْتِي إِلَى مُوَظَّفِ بَنْكٍ أَوْ شَخْصٍ ءَاخَرَ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ فَيَقُولُ لَهُ لِي كَذَا وَكَذَا فِي ذِمَّةِ فُلانٍ فَأَبِيعُكَهُ بِمَبْلَغِ كَذَا فَهَذَا حَرَامٌ.
بيع الفضولي
الْفُضُولِيُّ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَبِيعُ مَا لَيْسَ مِلْكًا لَهُ وَلا لَهُ عَلَيْهِ وِلايَةٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ فَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ هَذَا.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ وِلايَةٌ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ وَلِيَّ يَتِيمٍ أَوْ وَكِيلًا عَنِ الْمَالِكِ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُرَاعِيَ مَصْلَحَةَ مَوْلِيَّهُ أَوْ مُوَكِّلِهِ.
بيع ما لم يره
يَحْرُمُ بَيْعُ شَيءٍ غَيْرِ مُشَاهَدٍ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَهَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورُ الأَئِمَّةِ يُجَوِّزُونَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَءَاهُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِصِحَّتِهِ إِذَا وَصَفَهُ وَصْفًا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ الْمُطْلَقَةِ.
بيع غير المكلف
لَا يَصِحُّ شِرَاءُ شَيءٍ مِن غَيرِ المُكَلَّفِ وَلا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَبِيعَهُ شَيئًا، وَأَجَازَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بَيْعَ شَيءٍ لِلصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَءَاخَرِينَ.
وَيَدْخُلُ فِي حُكْمِ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ، وَالْمُكْرَهُ هُنَا هُوَ مَنْ هُدِّدَ بِنَحْوِ الْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ الأَطْرَافِ أَوِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ.
قال رسول الله ﷺ
“إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ”
رواه الترمذي
فَإِذَا حَرُمَ إِكْرَاهُهُ عَلَى بَيْعِهِ حَرُمَ شِرَاؤُهُ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُكْرَهٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُكْرِهَ بِحَقٍّ شَرْعِيٍّ.
بيع ما لا قدرة على تسلمه
مِنَ الْبَيْعِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَبِيعَ مَا لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَسَلُّمِهِ، ويُسْتَثْنَى مَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَادِرًا عَلَى تَسَلُّمِهِ فَيَجُوزُ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ، فَلا يَصِحُّ بَيْعُ عَبدٍ ضَالٍّ وَمَغصُوبٍ وَحَيَوَانٍ نَادٍّ أَي هَارِبٍ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِخِلافِهِ لِقَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ بِلا كَثِيرِ مُؤْنَةٍ أَوْ كُلْفَةٍ فَيَجُوزُ.
بيع ما لا منفعة فيه
لا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا لا مَنْفَعَةَ فِيهِ حِسًّا كَالْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ الَّذِي لا يُقْصَدُ لِلأَكْلِ أَوْ شَرْعًا مَعَ وُجُودِهَا حِسًّا كَآلاتِ اللَّهْوِ وَصُلْبَانِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّوَرِ الَّتِي هِيَ لِذَوِي الأَرْوَاحِ الَّتِي تَكُونُ بِهَيْئَةٍ يَعِيشُ بِهَا ذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَكَذَلِكَ الْحَشَرَاتُ وَهِيَ صِغَارُ دَوَابِّ الأَرْضِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَإِنْ كَانَ لَهَا بَعضُ الخَوَاصِّ النَّافِعَةِ فَلا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلا شِرَاؤُهَا بِخِلافِ مَا يَنْفَعُ مِنْهَا كَالضَّبِّ لِأَكْلِهِ وَالْعَلَقِ لِامْتِصَاصِهِ الدَّمَ.
وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ بَيْعُ السِّبَاعِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَفْعٌ مُعْتَبَرٌ كَالأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ بِخِلافِ مَا يَنْفَعُ مِنْهَا كَالضَّبُعِ لِلأَكْلِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْفَهْدِ لِلصَّيْدِ وَالْفِيلِ لِلْقِتَالِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ.
البيع بلا صيغة
مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ عَلَى مَا هُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصِّيغَةُ أَيِ اللَّفْظُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ صِحَّتَهُ بِالْمُعَاطَاةِ بِدُونِ صِيغَةٍ وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ وَيَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِلا لَفْظٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَالْبَيْعُ عِنْدَهُ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ.
بيع ما لا يدخل تحت الملك
يَحْرُمُ بَيْعُ مَا لَيْسَ مَمْلُوكًا كَالإِنْسَانِ الْحُرِّ أَيْ غَيْرِ الرَّقِيقِ وَالأَرْضِ الْمَوَاتِ أَيِ الَّتِي لَمْ تُعْمَرْ إِلَّا بَعدَ الإِحْيَاءِ.
بيع المجهول
مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ فَيَحْرُمُ وَلا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ فَيَأْخُذَ أَحَدَهُمَا.
بيع النجس
يَحْرُمُ بَيْعُ النَّجِسِ عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهِ وَذَلِكَ كَالدَّمِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَعَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَقِيلَ دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّجِسِ هُنَا نَجِسُ الْعَيْنِ، وَحُكْمُ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِالْمَاءِ كَالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ مِثْلُ حُكْمِ نَجِسِ الْعَيْنِ.
وَكَذَا جُمْلَةٌ مِنْ مُعَامَلاتِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ وَأَكْثَرُهَا خَارِجَةٌ عَنْ قَانُونِ الشَّرْعِ، فَعَلَى مُرِيدِ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَسَلامَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ عَالِمٍ وَرِعٍ نَاصِحٍ شَفِيقٍ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
فائدة
يَجِبُ تَعَلُّمُ عِلْمِ الدِّينِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْحَلالُ وَالْحَرَامُ تَلَقِّيًا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالثِّقَةِ فَلا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ لَهُ كَفَاءَةٌ فِي عِلْمِ الدِّينِ وَلا اسْتِفْتَاءُ الْعَالِمِ الْفَاسِقِ. قَالَ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُختَصَرَةٌ مِن:
- فتح الوهاب للشيخ زكريا الأنصاري.
- أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري.
- متن الغاية والتقريب لأبي شجاع وشروحاته.
- روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي.
- مغني المحتاج للشربيني.
- حاشية البجيرمي.
- التنبيه للشيرازي.
- المهذب للشيرازي.