المحتويات
- المقدمة
- معنى القنوت
- أنواع القنوت
- متى يشرع القنوت؟
- مكان القنوت في الصلاة
- اللفظ الواردة في دعاء القنوت
- شرح ألفاظ دعاء القنوت
- صفة دعاء الإمام
- الزيادة في الدعاء بعد اللفظ الوارد
- تفسير بعض كلمات قنوت عمر رضي الله عنه
- بعض المسائل الفقهية تتعلق بدعاء القنوت على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه
- قنوت النازلة
- الخاتمة
- المصادر
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
إِنَّ مِن أَهَمِّ العِبَادَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ لِتَحقِيقِ مَصَالِحِهِم الدِّينِيَّةِ وَالدُّنيَوِيَّةِ الدُّعَاءَ، فَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَستَجِيبُ لِعِبَادِهِ إِذَا دَعَوهُ وَلَو كَانَ بِأَمرٍ دُنيَوِيٍّ، مَعَ ذَلِكَ يَغفُلُ عَنهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَيَلجَؤُونَ إِلَى أَسبَابٍ قَد لَا تُحَقِّقُ لَهُمُ المُرَادَ كَمَا يُحَقِّقُهُ الدُّعَاءُ.
وَالدُّعَاءُ لَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ، وَيُستَحَبُّ أَكثَرَ فِي أَوقَاتٍ وَأَمَاكِنَ يُرجَى فِيهَا سُرعَةُ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ -كَمَا هُوَ مُجَرَّبٌ مَشهُورٌ بَينَ المُسلِمِينَ- وَمِن صُوَرِ الدُّعَاءِ القُنُوتُ، فَمَا هُوَ القُنُوتُ؟ وَمَتَى يُشرَعُ؟ وَمَا هِيَ الأَدعِيَةُ المَسنُونَةُ فِيهِ؟ فِي هَذَا المَقَالِ سَنَتَنَاوَلُ الحَدِيثَ عَنِ القُنُوتِ وَمَشرُوعِيَتِهِ وَمَاذَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
معنى القنوت
القُنُوتُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الدُّعَاءُ بِالخَيرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: قَنَتَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا دَعَا عَلَيهِ، وَقَنَتَ لَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِخَيرٍ، لَكِن صَارَ القُنُوتُ بِالعُرفِ مُستَعمَلًا فِي دُعَاءٍ مَخصُوصٍ فِي الصَّلَاةِ.
أنواع القنوت
لِلقُنُوتِ أَنوَاعٌ مِنهَا:
- قُنُوتُ الصُّبحِ، أَيِ الفَجرِ.
- وَقُنُوتُ الوِترِ.
- وَقُنُوتُ النَّازِلَةِ.
وَلِكُلٍّ مِنهَا أَحكَامٌ سَنُبَيِّنُهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
متى يشرع القنوت؟
عند الشافعية
يُشرَعُ القُنُوتُ عِندَ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ بَعدَ الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبحِ مُطلَقًا، وَبَعدَ الرُّكُوعِ فِي الوِترِ فِي النِّصفِ الثَّانِي مِن رَمضَانَ، وَلِلنَّازِلَةِ كَوَبَاءٍ وَقَحطٍ وَعَدُوٍ فِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ بَعدَ الرُّكُوعِ فِي كُلِّ المَكتُوبَاتِ.
عند الحنفية
أَمَّا عِندَ السَّادَةِ الحَنَفِيَّةِ فَيُشرَعُ القُنُوتُ فِي الوِترِ مُطلَقًا، وَلَا يَقنُتُ فِي غَيرِهَا إِلَّا لِنَازِلَةٍ في الصَّلَاةِ الجَهرِيَّةِ، وَقِيلِ فِي الكُلِّ أَي سَوَاءٌ كَانَت جَهرِيَّةً أَم سِرِيَّةً.
مكان القنوت في الصلاة
يَكُونُ القُنُوتُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ: بَعدَ رَفعِ رَأسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الاعتِدَالِ قَبلَ أَن يَنزِلَ إِلَى السُّجُودِ، فِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ مِن كُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا قُنُوتٌ، وَهِيَ الرَّكعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الصُّبحِ، وَالرَّكعَةُ الأَخِيرَةُ فِي المَكتُوبَاتِ لِقُنُوتِ النَّازِلَةِ، وَفِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الوِترِ فِي رَمَضَانَ.
أَمَّا غَيرُ الشَّافِعِيَّةِ، كَالحَنَفِيَّةِ وَالمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّ مَحَلَّ القُنُوتِ عِندَهُم قَبلَ الرُّكُوعِ بَعدَ أَن يَقرَأَ الفَاتِحَةَ وَسُورَةً بَعدَهَا فِي الوِترِ، يُكَبِّرُ وَيَرفَعُ يَدَيهِ كَمَا فِي الافتِتَاحِ وَيَقنُتُ.
اللفظ الواردة في دعاء القنوت
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه وَالبَيهَقِيُّ وَغَيرُهُم بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ، عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِترِ:
«اللَّهُمَّ اهدِني فِي مَن هَدَيتَ، وعَافِني فِي مَن عَافَيتَ، وَتَوَلَّني فِي مَن تَوَلَّيتَ، وبَارِك لِي فِيما أَعطَيتَ، وَقِني شَرَّ ما قَضَيتَ، فإنَّكَ تَقضِي وَلا يُقضَى عَلَيكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَن وَالَيتَ، تَبَارَكتَ رَبَّنا وَتَعالَيتَ».
قَالَ التِّرمِذِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ: وَلَا نَعرِفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي القُنُوتِ شَيئًا أَحسَنَ مِن هَذَا.
وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا البَيهَقِيُّ أَنَّ مُحمَّدَ بنَ الحَنَفِيَّةَ، وَهُوَ ابنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنهُ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الدُّعَاءُ الَّذِي كَانَ أَبِي (أَي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) يَدعُو بِهِ فِي صَلَاةِ الفَجرِ فِي قُنُوتِهِ.
شرح ألفاظ دعاء القنوت
قَولُهُ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ»: أَي جُمَلًا مُفِيدَةً.
قَولُهُ: «أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوَترِ»: أَي أَدعُو بِهِنَّ فِيهِ.
قَولُهُ: «اللَّهُمَّ اهدِنِي»: أَي ثَبِّتنِي عَلَى الهِدَايَةِ، أَو زِدنِي مِن أَسبَابِ الهِدَايَةِ إِلَى الوُصُولِ بِأَعلَى مَرَاتِبِ النِّهَايَةِ.
قَولُهُ: «فِيمَن هَدَيتَ»: أَي: فِي جُملَةِ مَن هَدَيتَهُم أَو هَدَيتَهُ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ، أَو مَعَ مَن هَدَيتَ، أَيِ اجعَل لِي نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الِاهتِدَاءِ مَعدُودًا فِي زُمرَةِ المُهتَدِينَ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ.
قَولُهُ: «وَعَافِنِي فَيَمَن عَافَيتَ»: أَي مِن أَسوَأِ الأَدوَاءِ وَالأَخلَاقِ وَالأَهوَاءِ، مِنَ المُعَافَاةِ الَّتِي هِيَ دَفعُ السُّوءِ.
قَولُهُ: «وَتَوَلَّنِي فِيمَن تَوَلَّيتَ»: أَي تَوَلَّ أَمرِي وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي فِي جُملَةِ مَن تَفَضَّلتَ عَلَيهِم بِذَلِكَ، يَعنِي فِيمَن أَحبَبتَهُم، أَو مَن تَقُومُ بِحِفظِ أُمُورِهِم.
قَولُهُ: «وَبَارِك»: أَي أَكثِرِ الخَيرَ.
قَولُهُ: «لِي»: أَي: لِمَنفَعَتِي.
قَولُهُ: «فِيمَا أَعطَيتَ»: أَي فِيمَا أَعطَيتَنِي مِنَ العُمُرِ وَالمَالِ وَالعُلُومِ وَالأَعمَالِ، أَي أَوقِعِ البَرَكَةَ فِيمَا أَعطَيتَنِي مِن خَيرِ الدَّارَينِ.
قَولُهُ: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيتَ»: أَيِ احفَظنِي مِمَّا قَدَّرتَ لِي مِن قَضَاءٍ وَقَدَرٍ، فَسَلِّم لِيَ العَقلَ وَالدِّينَ.
قَولُهُ: «فَإِنَّكَ تَقضِي»: أَي تُقَدِّرُ، أَو تَحكُمُ بِكُلِّ مَا أَرَدتَ.
قَولُهُ: «وَلَا يُقضَى عَلَيكَ»: فَإِنَّهُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكمِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيكَ شَيءٌ.
قَولُهُ: «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ»: أَي لَا يَصِيرُ ذَلِيلًا، أَي حَقِيقَةً، وَلَا عِبرَةَ بِالصُّورَةِ.
قَولُهُ: «مَن وَالَيتَ»: المُوَالَاةُ ضِدُّ المُعَادَاةِ، أَي لَا يَذِلُّ مَن وَالَيتَ مِن عِبَادِكَ فِي الآخِرَةِ، أَو مُطلَقًا، وَإِنِ ابتُلِيَ بِمَا ابتُلِيَ بِهِ، وَسُلِّطَ عَلَيهِ مَن أَهَانَهُ وَأَذَلَّهُ بِاعتِبَارِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الرِّفعَةِ وَالعِزَّةِ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ أَولِيَائِهِ، وَلَا عِبرَةَ إِلَّا بِهِم، وَمِن ثَمَّ وَقَعَ لِلأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الِامتِحَانَاتِ العَجِيبَةِ مَا هُوَ مَشهُورٌ، كَقَطعِ زَكَرِيَّا بِالمِنشَارِ، وَذَبحِ وَلَدِهِ يَحيَى.
وَزَادَ البَيهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ: «وَلَا يَعِزُّ مَن عَادَيتَ»، أَي لَا يَعِزُّ فِي الآخِرَةِ، أَو مُطلَقًا، وَإِن أُعطِيَ مِن نَعِيمِ الدُّنيَا وَمُلكِهَا مَا أُعطِيَ، لِكَونِهِ لَم يَمتَثِل أَوَامِرَكَ وَلَم يَجتَنِب نَوَاهِيَكَ.
قَولُهُ: «تَبَارَكتَ»: أَي تَكَاثَرَ خَيرُكَ فِي الدَّارَينِ.
قَولُهُ: «رَبَّنَا»: أَي يَا رَبَّنَا.
قَولُهُ: «وَتَعَالَيتَ»: أَيِ ارتَفَعَ عَظمَتُكَ وَظَهَرَ قَهرُكَ وَقُدرَتُكَ عَلَى مَن فِي الكَونَينِ، أَوِ ارتَفَعتَ عَن مُشَابَهَةِ كُلِّ شَيءٍ.
صفة دعاء الإمام
يُستَحَبُّ إِذا كَانَ المُصَلِّي إِمَامًا أَن يَقُولَ: “اللَّهُمَّ اهدِنَا”، بِلَفظِ الجَمعِ، وَكَذَلِكَ البَاقِي، لِأَنَّهُ يُكرَهُ لِلإِمَامِ أَن يَخُصَّ نَفسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ المَأمُومِينَ.
الزيادة في الدعاء بعد اللفظ الوارد
تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدُّعَاءِ بَعدَ اللَّفظِ الوَارِدِ، وَلَيسَ شَرطًا الِاقتِصَارُ عَلَيهِ، إِن كَانَ المُصَلِّي مُنفَرِدًا أَو كَانَ إِمَامَ قَومٍ رَضُوا بِالتَّطوِيلِ، فَيُستَحَبُّ لُهُ أَن يَضُمَّ إِلَيهِ قُنُوتَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَستَعِينُكَ، وَنَستَغفِرُكَ، وَنَستَهدِيكَ، وَنُؤمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيكَ، وَنُثنِي عَلَيكَ الخَيرَ كُلَّهُ، نَشكُرُكَ وَلَا نَكفُرُكَ، وَنَخلَعُ وَنَترُكُ مَن يَفجُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسجُدُ، وَإِلَيكَ نَسعَى وَنَحفِدُ، نَرجُو رَحمَتَكَ، وَنَخشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ، اللَّهُمَّ عَذِّب كَفَرَةَ أَهلِ الكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَولِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، وَالمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَأَصلِح ذَاتَ بَينِهِم، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِهِم، وَاجعَل فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَالحِكمَةَ، وَثَبِّتهُم عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوزِعهُم أَن يُوفُوا بِعَهدِكَ الَّذِي عَاهَدتَهُم عَلَيهِ، وَانصُرهُم عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِم، إِلَهَ الحَقِّ، وَاجعَلنَا مِنهُم»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى.
تفسير بعض كلمات قنوت عمر رضي الله عنه
قَولُهُ: «نَخلَعُ»: أَي نَترُكُ.
قَولُهُ: «يَفجُرُكَ»: أَي يُلحِدُ فِي صِفَاتِكَ.
قَولُهُ: «نَحفِدُ»: بِكَسرِ الفَاءِ أَي نُسَارِعُ.
قَولُهُ: «الجِدَّ»: بِكَسرِ الجِيمِ أَي الحَقَّ.
قَولُهُ: «وَأَوزِعهُم»: أَي أَلهِمهُم.
بعض المسائل الفقهية تتعلق بدعاء القنوت على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه
هل تستحب الصلاة على النبي بعد القنوت؟
يُستَحَبُّ أَن يَقُولَ بَعدَ القُنُوتِ: اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّم، أَو يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مِن أَلفَاظِ الصَّلَاةِ الوَارِدَةِ.
هل يجهر المصلي بالقنوت أم يسر؟
يَجهَرُ الإِمَامُ فِي السِّرِيَّةِ وَالجَهرِيَّةِ، قَالَ المَاوَرِدِيُّ وَلَكِن جَهرُهُ بِهِ دُونَ الجَهرِ بِالقِرَاءَةِ، وَأَمَّا المُنفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ.
ماذا أفعل إذا ترك الإمام القنوت.
تَتبَعُ الإِمَامَ وَلَا تَقنُتُ، فَإِن سَجَدَ الإِمَامُ لِلسَّهوِ سَجَدتَ مَعهُ، وَإِلَّا فَلَكَ أَن تَسجُدَ لِلسَّهوِ بَعدَ سَلَامِ إِمَامِكَ وَقَبلَ أَن تُسَلَّمَ.
هل ألفاظ القنوت متعينة أم يمكن أن أدعو بألفاظ أخرى؟
القُنُوتُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ دُعَاءٌ عَلى المَذهَبِ المُختَارِ، فَأَيُّ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ حَصَلَ القُنُوتُ، وَلَو قَنَتَ بِآيَةٍ أَو ءَايَاتٍ مِنَ القُرءَانِ العَزِيزِ وَهِيَ مُشتَمِلَةٌ عَلى الدُّعَاءِ حَصَلَ القُنُوتُ، وَلَكِنَّ الأَفضَلَ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ، وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدُّعَاءِ بَعدَ أَلفَاظِ القُنُوتِ الوَارِدَةِ كَمَا ذَكَرنَا.
ماذا أفعل إذا تركت دعاء القنوت؟
إِذَا تَرَكتَ القُنُوتَ سَهوًا أَو عَمدًا لَا تَبطُلُ صَلَاتُكَ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَكِن تَسجُدُ لِلسَّهوِ قَبلَ السَّلَامِ نَدبًا.
هل يقول المأموم آمين إذا سمع إمامه يقنت؟
إِذَا دَعَا الإِمَامُ بِدُعَاءٍ، نَحوُ قَولِهِ: «اللهم اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ»، فَيُؤَمِّنُ المَأمُومُ جَهرًا، وَإِذَا قَالَ الإِمَامُ لَفظًا مِن أَلفَاظِ الثَّنَاءِ، نَحوُ قَولِ: «إِنَّهُ لَا يَعِزُّ مَن عَادَيتَ»، فيَقُولُ المَأمُومُ الثَّنَاءَ سِرًّا أَو يَستَمِعُ لِإِمَامِهِ، وَأَوَّلُ الثَّنَاءِ قوله: «إنَّك تَقضِي»، وَهَذَا إِن سَمِعَ المَأمُومُ الإِمَامَ، فَإِن لَم يَسمَعهُ قَنَتَ سِرًّا كَبَقِيَّةِ الأَذكَارِ وَالدَّعَوَاتِ الَّتِي لَا يَسمَعُهَا.
وَيُستَحَبُّ لِلإِمَامِ أَن يَجعَلَ وَقتًا فِي القُنُوتِ يَدعُو فِيهِ سِرًّا بِمَا شَاءَ وَيَدعُو المَأمُومُونَ فِيهِ سِرًّا بِمَا شَاؤُوا.
حكم رفع اليدين في القنوت ومسح الوجه بعده
يُستَحَبُّ رَفعُ اليَدَينِ فِي القنوت دُونَ مَسحِ الوَجهِ بَعدَهُ، فَلَا يُستَحَبُّ لأنه لَم يَثبُت فِيهِ شَيءٌ، وَالأَولَى أَلَّا يَفعَلَهُ، وَرُوِيَ فِيهِ خَبَرٌ ضَعِيفٌ مُستَعمَلٌ عِندَ بَعضِهِم في الدعاء خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَسحُ غَيرِ الوَجهِ كَالصَّدرِ فَقَالَ فِي الرَّوضَةِ وَغَيرِهَا: لَا يُستَحَبُّ قَطعًا، بَل نَصَّ جَمَاعَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ.
قنوت النازلة
يُستَحَبُّ إِذَا نَزَلَت فِي المُؤمِنِينَ نَازِلَةٌ أَي مُصِيبَةٌ عَامَّةٌ أَن يَقنُتَ المُصَلُّونَ فِي الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَةِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ مِثلُ مَا لَو دَخَلَ العَدُوُّ بَلَدًا لِلمُسلِمِينَ، أَو قُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنهُم، أَو نَحوُ ذَلِكَ، وَقَد ثَبَتَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَهُ عِندَمَا قُتِلَ السَّبعُونَ القُرَّاءُ، فَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ رِعلٌ وَذَكوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لَِحيَانَ فَزَعَمُوا أَنَّهُم قَد أَسلَمُوا، وَاستَمَدُّوهُ عَلَى قَومِهِم -أَي طَلَبُوا أَن يُمِدَّهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِجَمَاعَةٍ مِنَ المُسلِمِينَ لِيُعَلِّمُوا أَقوَامَهُم-، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبعِينَ مِنَ الأَنصَارِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ، يَحطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيلِ، فَانطَلَقُوا بِهِم حَتَّى بَلَغُوا بِئرَ مَعُونَةَ، فَغَدَرُوا بِهِم وَقَتَلُوهُم، فَقَنَتَ شَهرًا يَدعُو عَلَى رِعلٍ وَذَكوَانَ وَبَنِي لَِحيَانَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ: أَنَّهُم قَرَؤُوا بِهِم قُرآنًا، أَي نَزَلَ بِهِم قُرءَانٌ يُخبِرُ أَنَّهُم قَالُوا: «أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَومَنَا، بِأَنَّا قَد لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرضَانَا»، ثُمَّ رُفِعَ أَي نُسِخَ ذَلِكَ بَعدُ، ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتحِ.
الخاتمة
حَاجَاتُ المُسلِمِ كَثِيرَةٌ، دِينِيَّةً كَانَت أَو دُنيَوِيَّةً، وَالدُّعَاءُ بِشَكلٍ عَامٍٍّ وَالقُنُوتُ بِشَكلٍ خَاصٍّ بَابٌ مَفتُوحٌ يَتَحَقَّقُ مِنهُ لِلمُسلِمِ أَغرَاضُهُ وَحَاجَاتُهُ، عَدَا مَا يُحَصِّلُهُ مِنَ الثَّوَابِ لِدُعَاءِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالدُّعَاءُ كُلُّهُ خَيرٌ، سَوَاءٌ استُجِيبَ لَهُ أَو لَم يُستَجَب، وَفِيهِ مَنَافِعُ وَفَوَائِدُ عَظِيمَةٌ، فَعَلَى المُسلِمِ أَن يَلزَمَ هَذَا البَابَ مَعَ أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ وَطَلَبِ العِلمِ، فَإِنَّهُ بَابٌ لَا يُرَدُّ طَارِقُهُ وَلَا يَخِيبُ مَن لَزِمَهُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ لِأَبِي نُعَيمٍ.
- فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- تُحفَةِ الطُّلَّابِ بِشَرحِ تَحرِيرِ تَنقِيحِ اللُّبَابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- المَجمُوعِ شَرحِ المُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ.