المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ وَاهِبِ النِّعَم، بَارِئ النَّسَم، خَالِقِ كُلِّ شَيءٍ مِن العَدَم، أَرسَل رُسَلَه وأَنزلَ كُتبَه لهداية الأُمَم، فَأنزَل التَّوراةَ والإنْجِيل تَمامًا عَلى الذِي أَحْسنَ وتَفْصِيلًا لكُل شَيءٍ وأَتَم، ووَكَل حِفْظَهُما إلى أهْلِ الكِتابَين، فَكتَمُوه وحَرَّفُوه وأَفْسَدُوا في الأرض؛ فَاسْتَوْجَبُوا العَذَاب والنِّقَم،
ثم أَرْسَل اللهُ رَسُولَه الخَاتَم، ونِبيَّه المُعَظَّم، مُحَمَّدَ بنَ عبد الله بن عَبد المُطَّلِب بن هَاشِم، الصَّادِقَ المُصْدُوقَ الذي لا يُتَّهَم، وأَنزَل عَليه كتابًا لا يُعَابُ مُتَّبِعُهُ وَلَا يُذَم، فيه نَبَأُ مَن قَبْلَكُم وخَبَرُ ما بَعْدَكُم وحُكْمُ ما بَيْنَكُم، تَكَفَّل هو سُبحَانَه بِحفْظِه، فَأخْرَج به النَّاسَ إلى الهُدَى والنُّور بَعْد الضَّلَال والظُّلَم، فَنسألك اللهُم أن تصَلِّيَ وتبَارِك عَلى نَبيِّنا الأَكْرَم، خَيرِ مَن قَال ومَن عَلَّم، أَفْصَحِ مَن نَطَقَ وتَكَلَّم، أَصْدَقِ مَن كَبَّر أو عظَّم، وعَلى آله وصَحْبِه وسَلِّم، صَلاةً وسَلامًا دَائِمَين أبدًا، كُلَّما أَشْرَق نَهارٌ وجاء ليل وأَعْتَم،
أما بعد:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:
الحديث
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلا نَكْفُرُكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّى وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ اللَّهُمَّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَاجْعَلْ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلَهَ الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ». هَذَا حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هو سيدنا وصاحب نبينا وخليفة المسلمين الثاني وأول من لقب بأمير المؤمنين من الخلفاء تكلمنا في ترجمته وأفردنا لذلك في رمضان حلقاتٍ عديدةً، ولكن أكتفي بالقول هنا بما رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: “إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ”.
أما ملخص فضائله رضي الله عنه وأرضاه: كَانَ مُتَوَاضِعًا فِي اللَّهِ، خَشِنَ الْعَيْشِ، خَشِنَ الْمَطْعَمِ، شَدِيدًا فِي ذَاتِ اللَّهِ، يُرَقِّعُ الثَّوْبَ بِالْأَدِيمِ، وَيَحْمِلُ الْقِرْبَةَ عَلَى كَتِفَيْهِ، مَعَ عِظَمِ هَيْبَتِهِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ عُرْيًا، وَكَانَ قَلِيلَ الضَّحِكِ لَا يُمَازِحُ أَحَدًا، وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّكَ فَظٌّ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَلَأَ قَلْبِي لَهُمْ رُحْمًا، وَمَلَأَ قُلُوبَهُمْ لِي رُعْبًا. وكان بعض الرعية لا يستطيع أن يعرض حاجته على عمر رضي الله عنه هيبة منه، فاجتمع عدد من الصحابة رضوان الله عليهم لإعلامه بذلك، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وكان أجرأهم عليه عبد الرحمن بن عوف. فقالوا له: “لو كلمت أمير المؤمنين للناس، فإنه يأتي الرجل طالب الحاجة، فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يقض حاجته”، فدخل على عمر رضي الله عنه، فكلمه، فقال: “يا أمير المؤمنين، لن للناس، فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك”. فقال عمر رضي الله عنه: “يا عبد الرحمن أنشدك الله أعلي وعثمان وطلحة والزبير وسعد أمروك بهذا؟” فقال: “اللهم نعم”. قال: “يا عبد الرحمن، والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟”
فقام عبد الرحمن يبكي يجر رداءه، يقول بيده: أف لهم بعدك، أف لهم بعدك. وَكَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلًا كَتَبَ لَهُ عَهْدًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، يطلق على غير العربي من الخيل وَلَا يَأْكُلَ نَقِيًّا، وَلَا يَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلَا يُغْلِقَ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَهُ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ فَيَكْذِبُ فِيهِ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ، فَيَقُولُ عُمَرُ: احْبِسْ هَذِهِ احْبِسْ هَذِهِ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ كُلُّ مَا حَدَّثْتُكُ بِهِ حَقٌّ غَيْرَ مَا أَرَدْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ، وَأَمَّا عُمَرُ فَأَرَادَتْهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ. وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ أَرْبَعُ رِقَاعٍ، وَإِزَارُهُ مَرْقُوعٌ بِأَدَمٍ. وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً، وَأَنْفَقَ فِي حَجَّتِهِ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَقَالَ لِابْنِهِ: قَدْ زِدْنَا. وَكَانَ لَا يَسْتَظِلُّ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُلْقِي كِسَاءَهُ عَلَى الشَّجَرِ وَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ، وَلَيْسَ لَهُ خَيْمَةٌ وَلَا فُسْطَاطٌ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِحَاجَتِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارُ الْحَائِطِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! بَخٍ بَخٍ، وَاللَّهِ لِتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ يا ابن الْخَطَّابِ أَوْ لِيُعَذِّبَنَّكَ. وَقِيلَ إِنَّهُ حَمَلَ قِرْبَةً عَلَى عَاتِقِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ نَفْسِي أَعْجَبَتْنِي فَأَرَدْتُ أَنْ أُذِلَّهَا. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَلَا يَزَالُ يُصَلِّي إِلَى الْفَجْرِ. وَمَا مَاتَ حَتَّى سَرَدَ الصَّوْمَ، وَكَانَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، حَتَّى اسْوَدَّ جِلْدُهُ وَيَقُولُ: بِئْسَ الْوَالِي أَنَا إِنْ شَبِعْتُ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ يَسْمَعُ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ، فَيُحْمَلُ صَرِيعًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيُعَادُ أَيَّامًا لَيْسَ بِهِ مَرَضٌ إِلَّا الْخَوْفُ. وَقِيلَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَأَى عُمَرَ وَهُوَ يَعْدُو إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَدْ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ. فَقَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ! بل لقد عزم رضي الله عنه على أن لا يدع بلدًا من بلاد المسلمين إلا ويأتيه ويطلع على أحوال أهله بنفسه، ويقضي حاجاتهم، قال عمر رضي الله عنه: لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي.
وروي عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: «اللهُمَّ قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ، وَوَفَاةً فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ» قُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: «يَأْتِي بِهِ اللهُ إِذَا شَاءَ» وثبت أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَوَّمَ كَوْمَةً مِنْ بَطْحَاءٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهَا طَرَفَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَيْهَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ. وكان يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «اللهُمَّ اعْصِمْنَا بِحَبْلِكَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى أَمْرِكَ».اهـ
ولما حضرته الوفاة رضي الله عنه جعل الناس يثنون عليه بعدله في إمارته وقيامه بحقوق رعيته، فقال رضي الله عنه: أبالإمارة تغبطوني، فوالله لودِدت أني نجوت منها كَفافًا لا عليَّ ولا لي قَنَتَ قلنا إن الْقُنُوتَ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الدُّعَاءُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: قَنَتَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا دَعَا عَلَيْهِ، وَقَنَتَ لَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ، لَكِنْ صَارَ الْقُنُوتُ بِالْعُرْفِ مُسْتَعْمَلًا فِي دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ في الصلاة، وليعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار، فأيّ دعاء دعا به حصل القنوت ولو قَنَتَ بآيةٍ أو ءاياتٍ من القرءان العزيز وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت، ولكن الأفضل ما جاءت به السنّة.
واعلم أنه يستحبّ إذا كان المصلِّي إمامًا أن يقول: (اللَّهمّ اهدِنا) بلفظ الجمع وكذلك الباقي، وهذا المذكور في هذا الحديث هو مروي عن عمر رضي الله عنه، فهو موقوف عليه بَعْدَ الرُّكُوعِ أي بعد القيام والاعتدال من الركوع عند إرادة القنوت فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ المطلوب من العباد أن يستعينوا بالله في كل أمر قليل أو كثير، ليس في الأمور الشديدة فقط، نستعينُ باللهِ في كلِّ أمرٍ، ونتوجَّهُ إليهِ عندَ الشدائدِ وفي الرخاءِ، نحنُ نطلبُ عونَ اللهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ الأمورِ وليسَ في الأمورِ الشديدةِ فقطْ، اللهُ تعالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل، اللهُ تعالَى أَظْهَرَ للناسِ غِناه.
اللهُ طَلَبَ مِنَ الناسِ أَنْ يسأَلُوه. أَحيانًا الشّخص يَترُكُ التَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ بِالسُّؤال وَيَذْهَبُ إِلَى مَخْلُوق ليسَ بِيَدِهِ مِنَ الأَمْرِ شىء في الحَقِيقَة. يذهَبُ إِلَيْهِ، لَوْ عَرَفَ كانَ أَغْلَقَ الباب بِوَجْهِهِ. بَدَلَ أَنْ يُظْهِرُ لَهُ غِناهُ يُظْهِرُ لَهُ أَنَّهُ فَقِير وَأَنَّهُ عاجِز وَإِذا سُئِلَ يَغْضَب أَوْ يَتَضايَق! لِماذا يَفْعَلُ الإِنْسانُ هٰذا؟ لِيَتَوَجَّهْ بالسُّؤالِ إِلَى اللهِ الذي لا تَنْفَدُ خَزائِنُهُ، سُبحانَهُ وَتعالَى، القادِرِ عَلَى كُلِّ شىء، الذي إِذا سَأَلَهُ الإِنْسانُ اللهُ تعالَى يُثِيبُهُ عَلَى سُؤالِهِ. فِلِماذا يَتْرُكُ الإِنْسان البابَ المفْتُوح وَيَذهَبُ إِلَى البابِ الْمُغْلَق؟؟ لِماذا يَترُكُ القادِرَ عَلَى كُلِّ شىءٍ وَيَذهَب إِلَى العاجِزِ؟ لِماذا يَترُكُ الغَنِيّ الذي خَزائِنُهُ لا تَنْفَدُ وَيَذهَبُ إِلَى الذي يَظْهَرُ عَلَيْهِ الفَقر وَلَوْ كانَ غَنِيًّا وخَزائِنُهُ مَعَ الإِنْفاقِ تَنْفَد؟
وَاللهُ يُحِبُّ أَنْ يَسأَلَهُ العَبْد حَتّى الشىءَ الذي يَعْتَبِرُهُ الناس شيئًا قليلا مَثَلًا وَهكذا، فقد روى الترمذي عَن أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله: «لِيَسْألْ أحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْألَ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ»، انقطعَ هذا الذي يكونُ في النعلِ فَقالَ العبدُ: يا رَبِّ، ارزُقْنِي، اللهُ يُحِبُّ هذا وَيُثِيبُ عَلَيْهِ الإِنْسان فَلا يَنبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الإِنْسانُ سُؤالَ اللهِ تعالَى فِى حاجاتِهِ كُلِّها، اللهُ قادِرٌ عَلَى كُلِّ شىء!، وقد أنشدَ بعضُهم:
لا تسأَلــــنَّ بُنيَّ آدمَ حاجـــةً *** وسَلِ الذي أبوابُـــه لا تُحجبُ
اللهُ يحبُّ مِن العبــــدِ سؤالَـه *** وبُنيُّ آدمَ حينَ يُســألُ يغضَبُ
وقد قالَ أبو القاسمِ السهيليُّ رحمَه اللهُ تعالى في أبياتٍ تُظْهِرُ استعانَتَهُ باللهِ فيهَا:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ *** أَنْتَ الْعَلِيْمُ بِكُـــــــــلِّ مَـا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّـــــى لِلشَّدَائِـــــــدِ كُلِّهَـا *** يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَــــى وَالْمَفْزَعُ
مَا لِي سِـــوَى فَقْرِي إِلَيْـــكَ وَسِيلَةٌ *** فَبِالِافْتِقَارِ إِلَيْـــــكَ فَقْرِيَ أَدْفَـــعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِـــكَ حِيلَـــةٌ *** فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْــــــرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُــــو وَأَهْتِفُ بِاسْمِــهِ *** إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّــــــــطَ عَاصِيًا *** الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أَوْسَـعُ
وليسَ معنَى كلِّ ما ذكَرْتُ أنَّه لَا يَجوزُ ويَحْرُمُ الاستعانةُ بالمخلوقِ، لَا، وقولُه تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 153]، مِنْ أصرحِ الأدلةِ علَى ذلكَ، ففِي الآيةِ طلبُ الاستعانةِ بالصبرِ والصلاةِ، وهذَا لا يَتَعارَضُ معَ قولِهِ تعالَى فِي سورةِ الفاتحةِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة/ الآية 5]، والتِي معناهَا: نطيعُ الطاعةَ التِي يُخْضَعُ مَعَها اهـ.
وقالَ ابنُ الأثيرِ: “والعبادةُ فِي اللغةِ الطاعةُ معَ الخضوعِ”،
وفِي المصباحِ المنيرِ للفيوميِّ أحدِ مشاهيرِ اللغويينَ: “عَبَدْتُ اللهَ أعبُدُهُ عبادةً وهيَ الانقيادُ والخضوعُ”،
وهذهِ الاستعانةُ فِي قولِه تعالَى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هي الاستعانةُ الخاصةُ أي أنَّنا نطلبُ منه سبحانَه أن يخلقَ فينا العونَ والقدرةَ على فِعْلِ الأشياءِ. وهذَا لا نطلبُه مِن غيرِه سبحانَه، ولا يدخلُ تحتَ هذَا المعنَى الاستغاثةُ والتوسلُ والاستعانةُ بالأولياءِ ولا ما يطلبُه العبادُ بعضُهم مِن بعضٍ كقولِ الإنسانِ لإنسانٍ آخرَ «أعنِّي في إمساكِ فرسي هذهِ» أو «على حَمْلِ متاعِي على الدابةِ»، وليسَ معناها أنَّ المسلمَ إذا استعانَ بنبيٍّ أو وليٍّ حيٍّ أو ميتٍ يكونُ كافرًا وإلا لو كانتْ هذهِ الاستعانةُ أو هذهِ الاستغاثةُ شركًا لَمَا بقي -على مقتضَى قولهم- مسلمٌ على وجهِ الأرضِ وَنَسْتَغْفِرُكَ يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في القرءانِ الكريمِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 33] وفي ذلك يقولُ الصحابيُّ الجليلُ أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه: كان لنا أمانانِ: أحدُهما كونُ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلم فينا فذهبَ، وبقيَ الثاني وهو الاستغفارُ فإن ذهبَ هلكْنَا.اهـ
وها نحن في زمانِنا وأيامِنا هذه قلّ الاستغفارُ والتوبةُ من كثيرٍ من النّاس، وشاعتِ الفاحشةُ والمعصيةُ بين كثيرٍ منهم، فابتلانا اللهُ تعالى بأمورٍ منها قلةُ غيثِ السماء، قلّ عند كثيرٍ من الناسِ غيثُ القلوبِ وصفاؤُها وتوبتُها، فقلّ غيثُ السماء، فمتى ما أصلحنا قلوبَنا وأغثناها بالتوبةِ والاستغفارِ، أغاثنا اللهُ تعالى غيثَ السماء وَلا نَكْفُرُكَ لا نكفر بك يا الله بل نعبدك حقّ العبادة، والْكُفْرُ عَكسُ الإِيْمَانِ كَمَا أَنَّ الْظَلامَ عَكسُ النُّورِ، ومعناه اللغوي: التغطية والستر، فكأن الأصل لقولهم كافر أنه يستر نعمة الله عليه أو لأن قلبه مستور مغطًى،
للكفر ثلاثة أبواب: التشبيه والتكذيب والتعطيل. قَالَ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ الحَنَفِيُّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا أَقسَامُ الكُفرِ فَهِيَ بِحَسَبِ الشَّرعِ ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ تَرجِعُ جَمِيعُ أَنوَاعِ الكُفرِ إِلَيهَا وَهِيَ: التَّشبِيهُ، وَالتَّعطِيلُ، وَالتَّكذِيبُ،
وَأَمَّا التَّشبِيهُ: فَهُوَ الِاعتِقَادُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، كَالَّذِينَ يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جِسمٌ فَوقَ العَرشِ، أَو يَعتَقِدُونَ أَنَّ لَهُ يَدَينِ بِمَعنَى الجَارِحَتَينِ، وَأَنَّ لَهُ الصُّورَةَ الفُلَانِيَّةَ أَو عَلَى الكَيفِيَّةِ الفُلَانِيَّةِ، أَو أَنَّهُ نُورٌ يَتَصَوَّرُهُ العَقلُ، أَو أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ (أَي سَاكِنُ السَّمَاءِ)، أَو فِي جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ، أَو أَنَّهُ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ أَو فِي جَمِيعِ الأَمَاكِنِ، أَو أَنَّهُ مَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، أَو أَنَّ لَهُ الحُلُولَ فِي شَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ أَو فِي جَمِيعِ الأَشيَاءِ، أَو أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ أَو فِي جَمِيعِ الأَشيَاءِ، أَو أَنَّ الأَشيَاءَ مُنحَلَّةٌ مِنهُ أَو شَيئًا مِنهَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ كُفرٌ صَرِيحٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَسَبَبُهُ الجَهلُ بِمَعرِفَةِ الأَمرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ وَنُؤْمِنُ بِكَ أي نثبت على الإيمان بك يا رب ونحن مأمورون بالثبات على الإيمان في كل العمر حتى نخرج من هذه الدنيا على التوحيد، وهذا معنى قوله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [سورة النساء/ الآية 136] أي اثبتوا على الإيمان والتوحيد، فقد أمرنا بالثبات على الإيمان حَتَّى يَكُونَ الْقَذْفُ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رواه الشيخان: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ»، فكلنا مأمور بالثبات على هذا الدين، كما ثبت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على دينهم، فإننا نعلم مَا قَاسَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ بِمجاوَرَةِ الْكُفَّارِ حَتَّى أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ،
وروي عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَعْتَقَ مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللهِ سَبْعَةً فَذَكَرَهُمْ وَذَكَرَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ الزِّنِّيرَةُ قَالَ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَتَأْبَى إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا أَصَابَ بَصَرَهَا إِلَّا اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللهِ مَا هُوَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهَا بَصَرَهَا.اهـ
وثبت أَنَّ سُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارٍ عَذَّبَهَا هَذَا الْحَيُّ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهِيَ تَأْبَى حَتَّى قَتَلُوهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِعَمَّارٍ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَهُمْ يُعَذَّبُونَ بِالْأَبْطَحِ فِي رَمْضَاءِ مَكَّةَ فَيَقُولُ: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ».اهـ
وهذا الصحابي عَبدُ اللهِ بنُ حُذَافَةٍ السَّهمِيُّ حصلت له قصة بعد وفاة رسول الله ﷺ تبين هذا المعنى، وهي ما روَى البيهَقِيُّ عَن أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: وَجَّهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنهُ جَيشًا إِلَى الرُّومِ، وَفِيهِم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسَرَهُ الرُّومُ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِم، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَل لَكَ أَن تَتَنَصَّرَ وَأُشِرِكُكَ فِي مُلكِي وَسُلطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبدُ الله: لَو أَعطَيتَنِي جَمِيعَ مَا تَملِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتهُ العَرَبُ، عَلَى أَن أرجِعَ عَن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرفَةَ عَينٍ مَا فَعَلتُ، قَالَ: إِذًا أَقَتُلُكَ، قَالَ: أَنتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارمُوهُ قَرِيبًا مِن يَدَيهِ وقَرِيبًا مِن رِجلَيهِ وَهُوَ يَعرِضُ عَلَيهِ، وَهُوَ يَأبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً حَتَّى احتَرَقَت – وصلَت إِلَى الغَلَيَانِ -، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَينِ مِنَ المُسلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا فَأُلقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعرِضُ عَلَيهِ النَّصرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَن يُلقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيهِ النَّصرَانِيَّةَ فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبكَاكَ؟ قَالَ: أَبكَانِي أَنِّي قُلتُ هي نَفسٌ وَاحِدَةٌ تُلقَى هَذِهِ السَّاعَةَ فِي هَذَا القِدرِ فَتَذهَبُ، فَكُنتُ أشتَهِي أَن يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي نَفسٌ تَلقَى في هَذَا القدر فِي سبيل اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَل لَكَ أَن تُقَبِّلَ رَأسِي وَأُخَلِّيَ عَنكَ؟ قَالَ عَبدُ الله: وَعَن جَمِيعِ أُسَارَى المُسلِمِينَ؟ قَالَ: وَعَن جَمِيعِ أُسَارَى المُسلِمِينَ، قَالَ عَبدُ الله: فَقُلتُ فِي نَفسِي: عَدُوٌّ مِن أَعدَاءِ الله أُقَبِّلُ رَأسَهُ ويُخَلِّي عَنِّي وَعَن أُسَارَى المُسلِمِينَ، لَا أُبَالِي، قال فَدَنَا مِنهُ وَقَبَّلَ رَأسَهُ، فَدَفَعَ إِلَيهِ الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِم عَلَى عُمَرَ فَأُخبِرَ عُمَرُ بِخَبَرِهِ، فَقَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يُقَبِّلَ رَأسَ عَبدِ اللهِ بنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأسَهُ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ قال النووي في الأذكار: نفجرك؛ أي يلحد في صفاتك.اهـ ومن الإلحاد في أسماء الله كما ذكر النسفي في التفسير، قال: وَمِنَ الإِلحَادِ تَسمِيَةُ اللهِ بِالجِسمِ وَالجَوهَرِ والعَقلِ وَالعِلَّةِ.اهـ وَقَد قَالَ الإِمَامُ رُكنُ الإِسلَامِ عَلِيٌّ السُّغدِيُّ – هو القَاضِي أَبُو الحُسَينِ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ مُحَمَّدٍ السُّغدِيُّ المُلَقَّبُ بِشَيخِ الإِسلَامِ، وَ”السُّغدُ” بِضَمِّ السِّينِ نَاحِيَةٌ كَثِيرَةُ المِيَاهِ وَالأَشجَارِ مِن نَوَاحِي سَمَرقَندَ، قَالَ السَّمعَانِيُّ: سَكَنَ بُخَارَى، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا فَقِيهًا مُنَاظِرًا، رَوَى عَنهُ شَمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخسِيُّ، وَتُوُفِّيَ بِبُخَارَى سَنَةَ 461هـ : “مَن سَمَّى اللهَ عِلَّةً أَو سَبَبًا كَفَرَ”
وحال المسلم دائما أنه يواد من وادَّ الله ورسوله ويعادي من عادى الله ورسوله، فرابطة الإسلام والإيمان هي أعظم رابطة بين المسلمين وهي أعظم من رابطة النسب، هذه العقيدة التي رسخت في قلوب الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ووحَّدت بينهم، وفي المدينة المنورة آخى محمد ﷺ بين أصحابه الكرام، فجمع بينهم في رابطة الدين والعقيدة، جمع بين أبي بكر القرشي وبلال الحبشي، جمع بين سلمان الفارسي وصهيب الرومي، جمع بين الأبيض والأسود والفقير والغني، فكانوا على قلب رجل واحد لنشر هذه العقيدة وهذا الدين وهذا التوحيد. وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة المنافقون/ الآية 8] قالَ أبو حيَّانَ: ولما سمعَ عبدُ اللهِ ولدُ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ هذهِ الآيةَ جاءَ إلى أبيهِ فقالَ: أنتَ واللهِ يا أَبَتِ الذليلُ، ورسولُ اللهِ ﷺ العزيزُ، فلمَّا دَنَا مِنَ المدينةِ جَرَّدَ السيفَ عليهِ ومَنَعَهُ الدخولَ حتى يأذنَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ، وكانَ فيما قالَ لهُ: وراءَكَ لا تدخلْها حتى تقولَ: رسولُ اللهِ ﷺ الأعزُّ وأنَا الأذلُّ، فلم يزلْ حبيسًا في يدِهِ حتى أذنَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ بتخليتِهِ.
وفي هذا الحديثِ أنَّهُ قالَ لأبيهِ: لئنْ لم تشهدْ للهِ ولرسولِه بالعزةِ لأضربنَّ عنقَكَ، قالَ: أفاعلٌ أنتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فقالَ: أشهدُ أنَّ العزةَ للهِ ولرسولِه وللمؤمنينَ.
وروى الحاكم والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: جَعَلَ أَبُو أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ينْصِبُ الْأَلَّ لِأَبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ الْجِرَاحَ قَصَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ قَتَلَ أَبَاهُ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [سورة المجادلة/ الآية 22] اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ولا نعبد غيرك، فهذا اعتراف بالعبودية لله عز وجل وتوجيه قصدِ العبادة لله وحده لا لغيره وهو حقيقة التوحيد، وكان العرب قبل الإسلام انتشر بينهم الشرك وعبادة غير الله فجاء الإسلام لطمس معاني الشرك وتثبيت معنى التوحيد،
وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ هو المعنى الحقيقي أن كل عباداتنا نصرفها لك يا رب وإنما خصّ الصّلاة والسجودَ فيها لأنّ الصّلاة أعظم العبادات العملية والسجود لا يكون إلا لله وهو من أعظم مظاهر التذلل لله عزّ وجلّ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ أي نسارع إلى طاعتك وعبادتك، فكل سعينا وعملنا مما ترضاه يا رب هو ابتغاء رضاك وثوابك نَرْجُو رَحْمَتَكَ أي نرجو رحمتك العامة والخاصة في الدنيا والآخرة لا غنى لنا عنك، مِنَ الرَّحَمَاتِ مَا هُوَ خَاصٌّ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلمُؤمِنِينَ، كَالرَّحمَةِ الَّتِي تَنزِلُ عَلَى المُصَلِّي فِي أَثنَاءِ صَلَاتِهِ، فَقَد وَرَدَ في مسند أحمد عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى»، وَفِي رِوَايَةٍ في فتح الباري: «فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ».اهـ وَهُوَ ﷺ الَّذِي حَثَّ عَلَيهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالرَّحَمَاتِ، فَقَد روى الطبراني في المعجم الكبير عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: «أَرِحنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، وَمِنَ الرَّحَمَاتِ الخَاصَّةِ مَا يَنزِلُ عَلَى طُلَّابِ العِلمِ فِي مَجَالِسِ العِلمِ فَهَذِهِ رَحمَةٌ خَاصَّةٌ بِمَن يَحضُرُ وَأَيُّ رَحمَةٍ هِيَ، فَلَو كُشِفَ مَا فِي مَجَالِسِ العِلمِ مِنَ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ لَمَا تَرَكَ أَهلُ الهِمَمِ وَالقُلُوبِ اليَقِظَةِ مَجلِسَ عِلمٍ لَا إِعطَاءً وَلَا تَلَقِّيًا، فَعِلمُ الدِّينِ هُوَ حَيَاةُ الإِسلَامِ يَنبَغِي الِاهتِمَامُ بِهِ تَعَلُّمًا وَتَعلِيمًا لِلكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَنَخْشَى عَذَابَكَ نسأل الله أن يجيرنا من عذابه، والعذاب منه ما ينزل بالعصاة ممن شاء الله له العقاب ومنها ما ينزل بالكافرين وهذا هو الأشد، لَا يَجُوزُ اعتِقَادُ أَنَّ كَافِرًا يَدخُلُ الجَنَّةَ أَو يُخَفَّفُ عَنهُ مِنَ العَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَد حَرَّمَ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ فَلَا يَدخُلُونَهَا وَلَا يَجِدُونَ أَدنَى رَاحَةٍ أَو نَعِيمٍ فِي الآخِرَةِ، كَيفَ وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [سورة فاطر/ الآية 36]، وَروى البخاري عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيبَرَ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّن يَدَّعِي الإِسلَامَ – أَي مِنَ المُنَافِقِينَ-: «هَذَا مِن أَهلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الَّذِي قُلتَ إِنَّهُ مِن أَهلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَد قَاتَلَ اليَومَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَد مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَى النَّارِ»، – اللهُ أَطلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ -، قَالَ: فَبَينَمَا هُم عَلَى ذَلِكَ إِذ قِيلَ: إِنَّهُ لَم يَمُت، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدَةً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيلِ لَم يَصبِر عَلَى الجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَأُخبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ وَقِيلَ لَهُ: قَد صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَنِّي عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالنَّاسِ: «إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفسٌ مُسلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ»، فَهَذَا الحَدِيثُ بِهَذَا التَّفصِيلِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ يُبَيِّنُ بَيَانًا شَافِيًا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُدخِلُ كَافِرًا الجَنَّةَ، هَذَا مَعَ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 85]، فَلَا يُلتَفَتُ بَعدَ ذَلِكَ لِدَعوَى مَن يَقُولُ: اللهُ تَعَالَى يُدخِلُ غَيرَ المُسلِمِينَ الجَنَّةَ. فَهَذَا رَدٌّ لِهَذِهِ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ وَغَيرِهَا.
وأبو لهب لا يُخَفَّفُ عنه العذاب:
يجب الحذر من بعض المفتريات التي تخالف الشرع الشريف، والتي انتشرت بين بعض العوام ممن لا تحقيق له في العلم ولا باع، والتي مع شهرتها وانتشارها بين العوام فهي قبيحة مردودة ولا يُتمسك بها لأن ما خالف القرءان والسنة وإجماع الأمة فهو ضلال، وهل بعد كلام الله كلام؟!!
ومن ذلك ما يقوله بعض مدّعي حب النبي صلى الله عليه وسلم والتصوف، حيث يذكرون في مؤلفات وأوراق أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار لعتقه جاريته ثويبة، ولا يصح هذا ولا يعوّل عليه.
ذكر البخاري عن عروة ما نصه: “قال عروة: وثويبة مولاةٌ لأبي لهبٍ كان أبو لهبٍ أعتقها فأرضعت النّبيّ ﷺ فلمّا مات أبو لهبٍ أريه بعض أهله بشرّ حيبةٍ قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهبٍ: لم ألق بعدكم غير أنّي سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة” اهـ.
كما هو واضح وجلي أن هذا ليس حديثا نبويا، وإنما خبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه لأنها ليست رؤيا نبي،
قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم[1]: “وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض” اهـ.
وكيف يزعم بعض الجهلة أن أبا لهب يسقى في النار ماءً من بين إصبعيه كل يوم اثنين، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 29]، كيف يقولون هذا عن أبي لهب وهو الذي سب النبيَّ ﷺ وءاذاه وهو الذي نزلت سورة قراءنية كاملة في ذمه، وهذا دليل على شدة كفره وعذابه، ولم يحصل أن نزلت سورة كاملة من أولها إلى ءاخرها في ذم كافر إلا فيه. بعد هذا لا يقبل من أحد أن يترك كلام الله وكلام رسوله ثم يتبع رؤيا منامية لا يبنى عليها حكم شرعي أصلا.
ويكفينا في ردّ هذا التخريف والتحريف ءايات بيّنات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة/ الآية86]، ومنها قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 69] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [سورة النساء: 56]وقوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [سورة الحج: 22]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [سورة فاطر/ الآية36]،وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 49]، ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 16-17]،وقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [سورة محمد/ الآية 15]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 29] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 50].
وممن رد هذه القصة الواهية الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري حيث يقول[2]: “لكنه مخالف لظاهر القرءان قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 23]، وأجيب أولا بأن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعدُ فلا يحتج به”اهـ. ثم نقل عن القاضي عياض “الإجماع على أن أعمال الكفار لا تنفعهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض”اهـ.
وبعدَ ءايات الله البينات الواضحات في بيان أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بل يضاعف له العذاب وبعد كلام العسقلاني الذي مرّ ءانفًا والإجماع الذي نقله القاضي عياض فلا يلتفت بعد كل هذا إلى هذه القصة المخالفة للقرءان مخالفة ظاهرة وواضحة لا تشكل إلا على جاهل ولا يهولنك يا طالب الحق أن تراها في أي كتابٍ كان أو تسمعها من أي شخص كان وإن تزيا بزي أهل العلم.
وإذا قيل لك “هذه القصة صحيحة أو رواها فلان أو هي موجودة في بعض كتب الحديث” فاثبت على الحقّولا تحد عنه واذكر ما قاله الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه، ما نصه:”وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد رد بأمورٍ، أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يَرِدُ بمجوّزات العقول وأما بخلاف العقول فلا، والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ، والثالث:أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون صحيحًا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه”اهـ.
نسأل الله تعالى الثبات على الحق إلى الممات والدفاع عن دين الله تعالى فكم هو جميل منهج العدل والاعتدال والدفاع عن الإسلام ورد مفتريات الكائدين والجاهلين والمحرفين. وإنما قمنا بهذه النصيحة لوجه الله تعالى وخوفًا على المسلمين من أن يقعوا في ما يخالف شرع الله.
وليعلم أن فرح أبي لهب بمولد سيدنا محمد فليس لكونه يكون رسولا بل لكون أن العشيرة زادت واحدا فلما صار نبيّا سبّه وكذبّه.
فلو قال شخص لمثلهؤلاء الجهّال:إذا كان هذا حال أبي لهب لعتاقته ثويبة ألا يستحق فرعون الفردوس الأعلى بسبب تربيته لسيدنا موسى عليه السلام السنوات الطوال ولقي منه العناية العظيمة حتى صار شابا؟! فبماذا يجيب؟!
وقد قال أحد الجهّال مخالفا القرءان الكريم:
إذا كان هذا كـــــافرا جاء ذمـــــه *** وتبت يداه وفي الجحيم مخلدا
أتى في يوم الاثنين أنـــــه دائمـــا *** يخفف عنه للســــرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمـره *** بأحمد مسرورا ومات موحدا
فرد عليه أحمد مشايخ أهل السنة والجماعة فقال:
(تبت يدا) من سبّ حبي أحمــدا *** فغدا يرى وفي الجحيم مخلـــدا
فاقرأ هديت (فلا يخفف عنهــم) *** حتى ولو سُرّ الشقي بأحمـــــدا
فالدين لا يؤخذ من رؤيـــــا ولا *** من قول شخص للمهيمن عاندا
أما المنام قضيــــــة مشبوهـــــة *** مجهولة الرائي لمـــــا قد وردا
ما جـــاء ذلك عن النبي لعمــــه *** حتى ولا رؤيا رأى كــي تسندا
هيّا احتفل يا صاح في يوم الذي *** أبدًا بنصره الله كــــــان مؤيــدا
صلى الإلـٰه على النبي وسلمــــا *** ما أنشد الشادي وحـــــادٍ غردا
إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ الجِد بكسر الجيم أي الحق. كما قال النووي.
وقال ابن الأثير: الرِّواية بكسْر الْحَاءِ: أَيْ مَن نَزَل بِهِ عذابُك أَلْحَقَه بالكُفّار. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْمَفْعُولِ: أَيْ إنَّ عذَابك يُلْحَق بالكفَّار ويُصابون بِهِ اللَّهُمَّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ هذا ليس قيدا في وصف الكفرة، بل المعنى هؤلاء أفسد من غيرهم غالبا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [سورة محمد/ الآية 34]. وَمَعْنَى ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا لِلْحِرْمَانِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ بَلِ الْكَافِرُ مَحْرُومٌ مِنَ الْمَغْفِرَةِ إِنْ مَنَعَ النَّاسَ مِنَ الإِسْلامِ أَوْ لَمْ يَمْنَعْ بَلْ وَلَوْ سَاعَدَ الْمُسْلِمِينَ فِي إِدْخَالِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ، لَكِنَّ الْكَافِرَ الَّذِي يَصُدُّ النَّاسَ مِنَ الإِسْلامِ أَشَدُّ ذَنْبًا مِنَ الْكَافِرِ الَّذِي يَكْفُرُ بِنَفْسِهِ وَلا يَصُدُّ غَيْرَهُ عَنِ الإِيـمَانِ. هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ كَافِرًا لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لِأَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِعَدَمِ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الدعاء للمؤمينن والمؤمنات مطلوب ومثاب فاعله، بل قد روى السيوطي عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ استَغفَرَ لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ كُلَّ يَومٍ سَبعًا وَعِشرِينَ مَرَّةً أَو خَمسًا وعِشرِينَ مَرَّةً – أَحَدَ العَدَدَينِ – كَانَ مِنَ الذينَ يُستَجَابُ لَهُم، ويُرزَقُ بِهِم أَهلُ الأَرضِ».
وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ قالَ تعالَى في سورةِ الحجراتِ: (إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ) [سورة الحجرات/ الآية 10]، نعلمُ مِنْ هذهِ الآيةِ وغيرِهَا فِي كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ أنَّ اللهَ جعلَ المؤمنينَ إخوةً والمقصودُ بالأُخوةِ هنَا أُخوةُ الدينِ أُخوةُ العقيدةِ لا أُخوةَ النسبِ وقدْ حثَّنَا النبيُّ ﷺ أنْ نثبتَ علَى الأُخوةِ فِي الدينِ فقالَ ﷺ فيمَا رواهُ مسلمٌ: «وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ التَّقْوَى ههُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: «بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ». فرابِطُ الأُخُوَّةِ فِى الدّينِ أَقْوَى مِنْ رابِطِ النّسبِ ومعنَى قولِهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» أي أَنْتُم أيُّهَا المؤمنونَ كُلُّكُمْ مُشْتَرِكُونَ بِشىءٍ كُلُّكُمْ عَلَى الإِيمانِ، فَكُونُوا فِيمَا بينَكُمْ مُتآخِينَ واتركُوا هذَا التَّحاسُدَ وَالتَّباغُضَ وَالتَّقاطُعَ، فهذَا مِمَّا لا تَقْتَضِيهِ الأُخُوَّةُ، فينبغيْ أنْ أَكُونَ مَعَ أخي المؤمنِ كمَا جاءَ فِي الحَدِيث الذِي رواهُ مسلمٌ عنِ النبيِّ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، فهذَا حالُ المؤمنينَ فيمَا بينَهم، همْ على التعاطفِ والتوافقِ والتراحمِ وهذَا مِمَّا يقوي المجتمعَ ويحفَظُ أَمْنَهُ وسلامَتَهُ واطمِئْنَانَهُ، ومِمَّا يقتضِيهِ معنَى الأُخوةِ فِي الدينِ أنْ أصلِحَ وأسعَى فِي الإصلاحِ بينَهم إذَا وَجَدْتُ الخصومةَ بغيرِ حقٍّ وأنْ أسعَى لإِزَالةِ أسبابِ الشقاقِ والنزاعِ فيمَا بينَهُم، وهيَ مَرْتَبَةٌ عظيمةٌ وهيَ مِمَّا حثَّ عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ لأبِي أيوبَ الأنصاريِّ رضيَ اللهُ عنهُ: «يَا أَبَا أَيُّوبَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى عَمَلٍ يِرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؟» قالَ: بلَى. قالَ: «تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا وَتُقِرِّبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا» رواهُ الطبرانيُّ، وقدْ قالَ تعالَى فِي سورةِ النساءِ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة النساء/ الآية 114]، وقدْ أخبَرَنَا النبيُّ ﷺ أنَّ الإصلاحَ بينَ الناسِ معدودٌ مِنْ جملةِ الصدقاتِ التِي تنفَعُكَ كلَّ يومٍ فقدْ روَى مسلمٌ عنهُ ﷺ: «كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ علَيْهِ صدَقةٌ – أيْ كلُّ مِفْصَلٍ مِنَ الناسِ عليهِ صدقةٌ-، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تعدِلُ بيْن الاثْنَيْنِ صدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ ترْفَعُ لَهُ علَيْهَا متَاعَهُ صدقةٌ، والكلمةُ الطَّيِّبةُ صدَقةٌ، وبِكُلِّ خَطْوَةٍ تمْشِيها إلى الصَّلاَةِ صدقَةٌ، وَتُميطُ الأذَى عَن الطرِيق صَدَقةٌ»، فقوله ﷺ: «تعدِلُ بيْن الاثْنَيْنِ صدَقَةٌ» أيْ كُلَّ يَوْمٍ إِذا عَدَلتَ بينَ الاثْنَينِ، أيْ أَصْلَحتَ بيْنَ اثْنَينِ مُسْلِمَينِ مُتهاجِرَينِ مُتخاصِمَيْنِ بينَهُمَا عَداوَةٌ، صُلْحًا ليسَ فِيهِ إِبطالُ حَقٍّ وَلا إِحقاقُ باطِلٍ كانَ لَكَ صَدَقَةٌ لأَنَّهُ وَرَدَ فِى الحَدِيثِ أَنَّ فَسادَ ذاتِ البَيْنِ هِيَ الحالِقَةُ فقدْ روَى الترمذيُّ عنِ النبيِّ ﷺ قولَهُ: «فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» معناهُ أنَّ فسادَ ذاتِ البينِ يُؤَثِّرُ عَلَى الدِّينِ يَحْمِلُ الإِنْسانَ أَنْ يَفْعَلَ أُمُورًا تَضُرُّهُ فِي دِينِهِ، فَإِذَا أَصْلَحَ الإِنْسانُ بينَ الْمُتَخاصِمَيْنِ أَوْ بينَ الْمُتهاجِرَين يَكُونُ لهُ عِنْدَ اللهِ ثَوابٌ عَظِيمٌ وَاجْعَلْ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ أي ثبتهم عليها وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو دعاء بالثبات على الإسلام، وهو مثل ما روى البيهقي في سننه بسند صحيح: عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو وَيَقُولُ: “اللهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر/ الآية 60] وَ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 194]، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي إِلَى الْإِسْلَامِ أَلَّا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ أي ثبتهم على الفطرة ملة الإسلام التي هديتهم لها وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ نسأل الله أن ينصر المسلمين على من يعاديهم إِلَهَ الْحَقِّ يا إله الحق وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ أي ممن تنصرهم على أعدائك وتثبتهم على ملة محمد صلى الله عليه وسلم. هَذَا حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ.
والله تعالى أعلم وأحكم
[1] إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/597).
[2] شرح البخاري (المجلد التاسع كتاب النكاح باب الرضاع).