شرح ما يقال بعد صلاة الوتر | سبحان الملك القدوس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهِ فَالِقِ النَّوَى وَالحُبُوبِ، وَخَالِقِ الصَّبَا وَالجَنُوبِ، المُنَزَّهِ عَنِ الآفَاتِ وَالعُيُوبِ، المُطَّلِعِ عَلَى خَفِيَّاتِ الغُيُوبِ، رَدَّ بَعدَ البُعدِ يُوسُفَ عَلَى يَعقُوبَ، يُبصِرُ دَبِيبَ الدَّمِ فِي العُرُوقِ، وَيَسمَعُ أَخفَى أَصوَاتِ الأَورَاقِ يَصطَفِقنَ عَن هُبُوبٍ، أَرسَلَ الرِّيَاحَ اللَّوَاقِحَ تَحمِلُ السَّحَابَ عَلَى أَن يَؤوبَ، فَانفَجَرَت عُيُونُ المُزنِ فَجَدَّت كَدَمعِ الخَرِيرِ المَسكُوبِ، فَبَرَزَتِ الثِّمَارُ مِنَ الآكَامِ، تُنَادِي بِلِسَانِ الإِعلَامِ: مَا يَقدِرُ شَيءٌ مِنَ الأَصنَامِ عَلَى إِنشَاءِ أُنبُوبٍ،﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [سورة الحج/ الآية 73].

أَحمَدُهُ عَلَى سَترِ الخَطَايَا وَالاقتِرَافِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ ﴿ق﴾، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي أُمِنَ بِبَيعَتِهِ الخِلافُ، وَعَلَى عُمَرَ صَاحِبِ العَدلِ وَالإِنصَافِ، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ صَبرَ النِّظَافِ، وَعَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ مَحبُوبِ أَهلِ السُّنَّةِ الأَشرَافِ. وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم السَّادَةِ الأَشرَافِ، وأسلِّمُ تسليمًا كثيرًا، 

أَمَّا بَعدُ:

مقدمة ونصيحة بعد ختام رمضان

أَمَرَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ بِالثَّبَاتِ عَلَىْ الْإِسْلَامِ وَعَلَىْ طَاعَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيْ كُلِّ أَيَّامِ عُمُرِنَا فِيْ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ قَالَ تَعَالَىْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 102]، 

وَرَوَىْ الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَىْ أَصْحَابَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَىْ نَهْجِهِ وَطَرِيْقَتِهِ وَتَقْوَىْ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ ﷺ فَقَالَ: «اصْبِرُوا ‌حَتَّى ‌تَلْقَوْنِي». 

بَعدَ وَدَاعِ شَهرِ التَّوبَةِ اثبُت عَلَى التَّوبَةِ.

بَعدَ وَدَاعِ شَهرِ الطَّاعَةِ اثبُت عَلَى الطَّاعَةِ.

فَالتَّوبَةُ النَّصُوحُ، التَّوبَةُ الكَامِلَةُ، هِيَ أَن تَتُوبَ وَلَا تَعُودَ إِلَى الذُّنُوبِ. هَذَا الَّذِي يُحِبُّهُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَن تَتُوبَ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ الَّتِي سَبَقَ وَتَلوَّثتَ بِهَا وَلَا تَعُودَ إِلَيهَا. فَهَنِيئًا لِمَن تَابَ إِلَى اللهِ تَوبَةً نَصُوحًا، فَالفَرحَةُ بِعِيدِ الفِطرِ عَظِيمَةٌ وَكَبِيرَةٌ، وَلَكِنَّ الفَرحَةَ عَظِيمَةٌ جِدًّا حِينَمَا يَجِدُ المُؤمِنُ التَّقِيُّ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الصَّالِحُ فِي صَحِيفَةِ أَعمَالِهِ يَومَ القِيَامَةِ مَا يَسُرُّهُ بَينَمَا هُنَاكَ ءَاخَرُونَ خَاسِرُونَ هَالِكُونَ، وَهُوَ مَعَ المُؤمِنِينَ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يُسقَونَ مِن رَحِيقِ الجَنَّةِ، يُطعَمُونَ مِن طَعَامِهَا، يَجتَمِعُونَ بِسَيِّدِ العَالَمِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ. 

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَن يُحِبُّكَ وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، اللهم اجعَل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَينَا مِن أَنفُسِنَا وَمِن أَهلِنَا وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ.

الرجوع إلى شرح كتاب حلية البشر: وصلنا في هذا الكتاب الذي يجمع أذكار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أغلب أحيانه إلى قوله: 

بَابُ مَا يُقَالُ عَقِيبَ الْوِتْرِ المقصود هنا ما يقال بعد صلاة الوتر، بعد أن يصلي العبد المؤمن صلاة الوتر ماذا يقول؟ وقد حثّ الشرع الحنيف على صلاة الوتر فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: «لِلهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ ‌وَتْرٌ ‌يُحِبُّ ‌الْوَتْرَ».اهـ قال ابن حجر: وَيَجُوزُ فَتْحُ الْوَاوِ وَكَسْرُهَا، وَالْوِتْرُ الْفَرْدُ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ أَنَّهُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي ذَاتِهِ. وَقَوْلُهُ «يُحِبُّ الْوِتْرَ» قِيلَ: لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْوِتْرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالطَّاعَاتِ كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَوِتْرِ اللَّيْلِ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. 

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْوِتْرَ هُنَا لِلْجِنْسِ إِذْ لَا مَعْهُودَ جَرَى ذِكْرُهُ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ كُلَّ وِتْرٍ شَرَعَهُ، وَمَعْنَى مَحَبَّتِهِ لَهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَأَثَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْوِتْرِ، وَقِيلَ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

  وقد اختلف العلماء في حكم الوتر، وذهب الشافعية إلى أنّه ليس بواجب بل هو سنّة مؤكدة،فمن تركه عندهم لا يكون ءاثما، لِحَديثِ الأعرَابي عند ابن حبان: هل عليَّ غيرُها، فقال ﷺ: «لَا، إِلَّا أَن تَطَّوَّعَ»، ولخبر الصحيحين من حديث مُعَاذٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «إِنَّ ‌اللهَ ‌افْتَرَضَ ‌عَلَيْهِمْ ‌خَمْسَ ‌صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ».

أمّا كونُه سُنَّةً فهذا عند الجمهور، وقال الحنفية بوجوبه مع كونه ليس فرضا عندهم، ففي مذهب الحنفية يفرِّقون بين الفرض والواجب، قال النووي في المجموع: أجمعت الأمة على أن الصلوات الخمس فرض عين وأجمعوا أنه لا فرض عين سواهن واختلفوا في العيد هل هو فرض كفاية أم سنة وفي الوتر هل هو سنة أم واجب مع إجماعهم أنه ‌ليس ‌بفرض.اهـ قال رسول الله ﷺ: «يَا أَهلَ القُرءَانِ أَوتِرُوا فَإِنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ».اهـ رواه بهذا اللفظ أبو داود وصححه الترمذي.

الحديث الأول في هذا الباب: 

رَوَى النَّسَائِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِىُّ عَنْ أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ فِى الْوِتْرِ قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ».

شرح الحديث والتعليق عليه: رَوَى النَّسَائِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِىُّ عَنْ أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هو أبو المنذِر أُبيُّ بنُ كَعْب رضي الله عنه، بنِ قَيْسِ بنِ عُبَيْدٍ سَيِّدُ القُرَّاءِ، أَبُو مُنْذِرٍ الأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، المُقْرِئُ، البَدْرِيُّ. وَيُكْنَى أَيْضًا: أَبَا الطُّفَيْلِ. شَهِدَ العَقَبَةَ، وَبَدْرًا، وَجَمَعَ القُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ عليه السلام وَحَفِظَ عَنْهُ عِلْمًا مُبَارَكًا، وَكَانَ رَأْسًا فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ رضي الله عنه. حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ؛ مُحَمَّدٌ، وَالطُّفَيْلُ، وَعَبْدُ اللهِ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وغيرهم.

وعَنْ عِيْسَى بنِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ أُبَيٌّ رَجُلًا دَحْدَاحًا – يَعْنِي رَبْعَةً – لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ، وَلَا بِالقَصِيْرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بنِ سَهْلٍ، قَالَ: كَانَ أُبَيٌّ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. وَفي صحيح البخاري قَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «‌إِنَّ ‌اللهَ ‌أَمَرَنِي ‌أَنْ ‌أَقْرَأَ ‌عَلَيْكَ ‌الْقُرْآنَ» قَالَ أُبَيٌّ: آللهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «اللهُ سَمَّاكَ لِي»، فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.

وَفِي رواية أخرى عند أحمد والبخاري: «إِنَّ اللهَ ‌أَمَرَنِي ‌أَنْ ‌أُقْرِئَكَ ‌الْقُرْآنَ» قَالَ: آللهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.

وَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُبَيًّا: «أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» فَقَالَ أُبَيٌّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 255] قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ ‌لِيَهْنِكَ ‌الْعِلْمُ، ‌أَبَا ‌الْمُنْذِرِ» رواه مسلم في صحيحه.

 قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ كما في البخاري: جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُم مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، أَحَدُ عُمُوْمَتِي.اهـ 

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أُبَيٌّ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: إِنِّي تَلَقَّيْتُ القُرْآنَ مِمَّنْ تَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيْلَ عليه السلام وَهُوَ رَطْبٌ. رواه أحمد. 

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ: أَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَأَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ. 

وَرَوَى أحمد في مسنده عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ … ‌وَأَقْرَؤُهَا ‌لِكِتَابِ ‌اللهِ أُبَيٌّ»الحديث.

وفي مسند أحمد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا جَزَاءُ الْحُمَّى؟ قَالَ: «‌تَجْرِي ‌الْحَسَنَاتُ ‌عَلَى ‌صَاحِبِهَا مَا اخْتُلِجَ عَلَيْهِ قَدَمٌ أَوْ ضُرِبَ عَلَيْهِ عِرْقٌ.» قَالَ أُبَيٌّ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُمَّى لَا تَمْنَعُنِي خُرُوجًا فِي سَبِيلِكَ، وَلَا خُرُوجًا إِلَى بَيْتِكَ، وَلَا مَسْجِدِ نَبِيِّكَ. قَالَ: فَلَمْ يُمْسِ أُبَيٌّ قَطُّ إِلَّا وَبِهِ حُمَّى.

قَالَ أَبُو نَضْرَةَ العَبْدِيُّ: قَالَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ جَابِرٌ، أَوْ جُوَيْبِرٌ: طَلَبْتُ حَاجَةً إِلَى عُمَرَ، وَإِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ أَبْيَضُ الثِّيَابِ وَالشَّعْرِ، فَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا فِيْهَا بَلَاغُنَا وَزَادُنَا إِلَى الآخِرَةِ، وَفِيْهَا أَعْمَالُنَا الَّتِي نُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ المُسْلِمِيْنَ؛ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. 

قَالَ مُغِيْرَةُ بنُ مُسلمٍ: عَنِ الرَّبِيْعِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: أَوْصِنِي. قَالَ: اتَّخِذْ كِتَابَ اللهِ إِمَامًا، وَارْضَ بِهِ قَاضِيًا وَحَكَمًا، فَإِنَّهُ الَّذِي اسْتَخْلَفَ فِيْكُم رَسُوْلُكُم، شَفِيْعٌ مُطَاعٌ، وَشَاهِدٌ لَا يُتَّهَمُ، فِيْهِ ذِكْرُكُم وَذِكْرُ مَنْ قَبْلَكُم، وَحَكَمُ مَا بَيْنَكُم، وَخَبَرُكُم، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُم. رواه أبو نعيم. 

وروي أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ القُرْآنِ، فَلْيَأْتِ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الفَرَائِضِ، فَلْيَأْتِ زَيْدًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الفِقْهِ، فَلْيَأْتِ مُعَاذًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ المَالِ، فَلْيَأْتِنِي، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَنِي خَازِنًا وَقَاسِمًا.اهـ 

وروى البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو مَرْفُوْعًا:«‌اسْتَقْرِئُوا ‌الْقُرْآنَ ‌مِنْ ‌أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ».اهـ

وقال عُتَيُّ بنُ ضَمْرَةَ: رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِيْنَةِ يَمُوْجُوْنَ فِي سِكَكِهِم. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُم: مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ اليَوْمَ سَيِّدُ المُسْلِمِيْنَ؛ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ.

 وروي عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المُهَلَّبِ، عَنْ أُبَيٍّ، قَالَ: إِنَّا لَنَقْرَؤُهُ فِي ثَمَانِ لَيَالٍ – يَعْنِي القُرْآنَ-. 

وروي عَنِ الحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِم عِشْرِيْنَ رَكْعَةً. 

وَلأُبَيٍّ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ: نَيِّفٌ وَسِتُّوْنَ حَدِيْثًا. 

لَهُ عِنْدَ بَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ: مَائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتُّوْنَ حَدِيْثًا، مِنْهَا فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: ثَلَاثَةُ أَحَادِيْثَ. وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَلَاثَةٍ، وَمُسْلِمٌ بِسَبْعَةٍ وقيل إنه مات في خلافة عثمان. 

قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ فِى الْوِتْرِ وأقلُّه ركعةٌ لخبر مُسلمٍ والبيهقي في السنن الكبرى من حديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: «الوِترُ رَكعَةٌ مِن ءَاخِرِ اللَّيلِ»، ورَوى أبو داود وغيره من حديث أبي أيوب رضي الله عنه: «مَن أَحَبَّ أَن يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَليَفعَل»، وفي صحيح ابن حبان من حديث جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ أنّه ﷺ أوتر بواحدة. وأدنى الكمال ثلاث ركعات، وأكمَل منه خمسٌ ثم سبعٌ ثم تِسعٌ، وأكثره إحدى عشرة ركعة، وقيل أكثره ثلاث عشرة ركعة، أي أنك تستطيع أن تصلي الوتر ركعة واحدة إلى ثلاثَ عشرة ركعة. ويُسن لمن أوتر بثلاث ركعات أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة الأعلى وفي الركعة الثانية سورة الكافرون وفي الركعة الثالثة سورة الإخلاص والفلق والناس كل واحدة مرة.

 وهنا أذكر سؤالا يسأله البعض وهو: 

هل أصلي الوتر بتشهد واحد في كلّ الركعات أم أفصل بين الركعات؟ يجوز لمن زاد على ركعة في الوتر الفصل بين الركعات بالسلام، كمن أراد أن يصلي خمس ركعات مثلا يصلي ركعتين من الوتر ثم يتشهد ويسلم ثم ركعتين ثم يتشهد ويسلم ثم ركعة فقد روى ابن حبان أنه ﷺ كان يَفصِل بينَ الشَّفعِ والوِتر.

والفصل أفضل من الوصل لأن أحاديثه أكثر كما قال النووي في المجموع، ولأنّه أكثر عملا لزيادته التشهد والسلام بعد كل ركعتين بدلا من تشهد واحد مثلا. ويجوز لمن زاد على ركعة، الوصل بتشهُّد واحد في الأخيرةِ أو تشهدين في الأخيرة والتي قبلها لأن رسول الله فعل ذلك كما رواه مسلم قَالَ: أي النبي صلى الله عليه وسلم سُبْحَانَ أي تنزّه، وقلنا سابقًا أنّ التسبيح هو التنزيه لله تعالى عن النقائص، عن السوء، عن صفات المخلوقات، سبِّحِ الله أي نَزِّهْهُ عن مشابهة المخلوقات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقد قال أحد الصالحين: “التَّسْبيحُ باليدِ أَفضَلُ مِنَ التسبيحِ بالسُّبحَةِ، الرَّسولُ مَا سَبَّحَ إلَّا باليَدِ. في المَاضِي كانَ الرجالُ والنساءُ يُسبِّحُونَ بالأَنامِلِ. التسبيحُ بالأَصَابِعِ أَفضلُ؛ لأنَّ الأصابِعَ يومَ القيامةِ اللهُ يَسْتَنْطِقُهَا، يُعْطِيهَا قُوَّةَ النُّطْقِ، تَشْهَدُ لِصَاحِبِهَا، لذلكَ التَّسْبِيحُ بالأَصَابِعِ أَفْضَلُ. لكنْ إِذَا كَانَ الْتَزَمَ بِعَدَدٍ يُسَبِّحُ بالسُّبحَةِ. الثَّوَابُ يَحصُلُ بالسُّبحَةِ”. وقال أيضًا: “التَّسْبِيحُ نَوْعَانِ: تَسْبِيحٌ بِالمقَالِ وَتَسْبِيحٌ بِلِسَانِ الحَالِ، الشَّمْسُ تُسَبِّحُ بِلِسَانِ الحَالِ وَالقَمَرُ وَالنَّجْمُ وَالأَرْضُ، أَمَّا الإِنْسَانُ المسلم بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَالَّذِي لا يُسَبِّحُ نُطْقًا يُسَبِّحُ بِلِسَانِ الحَالِ، هَذَا الكَافِرُ الَّذِي يَعِيشُ كُلَّ عُمُرِهِ لا يَقُولُ سُبْحَانَ اللهِ بِلِسَانِ حَالِهِ يُسَبِّحُ كَأَنَّهُ يَنْطِقُ نُطْقًا”. 

وقد حثّ الشرع على التسبيح فقد جَاءَت أَحاديثُ صَحيحَةٌ عَن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ في هذا، فَمِن ذلِكَ ما رَواهُ مُسلِمٌ في الصَّحيحِ أَنَّ نبيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ قالَ:«أَيعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَكْسِبَ في اليَومِ أَلفَ حَسَنَةٍ يُسَبِّحُ اللهَ تَعالى مائةَ تَسبيحةٍ فَيُكتَبُ لَهُ بهِنَّ أَلفُ حَسَنَةٍ، ويُمحى عَنهُ بهِنَّ أَلفُ خَطيئةٍ» في هذا الحَديثِ بَيانُ أَنَّ الحَسَنَةَ الواحِدَةَ تَمحو عَشَرَةً مِنَ السيِّئاتِ، هذا أَقَلُّ ما يَكونُ وقَد تَمحو الحَسَنَةُ الواحِدَةُ أَكثَرَ مِن ذلِكَ مِنَ السيِّئاتِ، بَيانُ ذلِكَ أَنَّ رَسولَ اللهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَخبرَ بِأَنَّ المائةَ تَسبيحةٍ يَكونُ ثوابُها أَلفًا مِنَ الحَسناتِ. وزِيادةٌ على ذلِكَ، أَخبَرَ بِأَنَّهُ يُمحى عَن قائِلِ هذِهِ المائةِ تَسبيحةٍ أَلفُ خَطيئةٍ أَي مَعصِيةٍ، ولم يُقَيِّدْ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ هذِهِ الخَطيئةَ بِأَنَّها مِنَ الصَّغائِرِ، فَنَقولُ يجوزُ أَن يَمحُوَ اللهُ بِالحَسنَةِ مِنَ الحَسَناتِ بَعضَ الكَبائِرِ الْمَلِكِ أَي أَنَّ اللهَ مَوصُوفٌ بِتَمَامِ المُلكِ، وَمُلكُهُ أَزَلِيٌ أَبَدِيٌ، وَأَمَّا المُلكُ الَّذِي يُعطِيهِ لِلعَبدِ فِي الدُّنيَا فَهُوَ حَادِثٌ يَزُولُ، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [سورة طه/ الآية 114]، فَاللهُ يُعطِي المُلكَ لِمَن يَشَاءُ وَيَنزِعُ المُلكُ مِمَّن يَشَاءُ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن يُوسُفَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سورة يوسف/ الآية 101]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 26]، اللهُ تَعَالَى المَلِكُ أَيِ الَّذِي لَا يَزُولُ مُلكُهُ سُبحَانَهُ، كَم مِن مَلِكٍ مَلَّكَهُ اللهُ فِي الدُّنيَا الشَّيءَ العَظِيمَ مِن هَذِهِ الأَرضِ، سَوَاءٌ كَانَ عَبدًا صَالِحًا أَو نَبِيًّا مُرسَلًا، أَو كَافِرًا فَاسِدًا، وَمُلكُ هَؤُلَاءِ زَائِلٌ، وَمُلكُ اللهِ لَا يَزُولُ، فَمِنَ الَّذِينَ مَلَّكَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الدُّنيَا مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا فَأَحسَنَ وَدَعَا إِلَى رَبِّهِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ سَيِّدُنَا ذُو القَرنَينِ رَضِيَ اللهُ عَنه فَقَد عَاشَ ذُو القَرنَينِ مِئَاتِ السِّنِينِ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى وَقَد تَزَوَّدَ لِآخِرَتِهِ بِزَادِ التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقَد قِيلَ:

وَالصَّعبُ ذُو القَرنَينِ أَمسَى مُلكُهُ     أَلفَينِ عَامًـــا ثُمَّ صَارَ رَمِيمًا

رَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا وَغَيرُهُ فَقَالَ: احتَضَرَ بَعضُ المُلُوكِ فَجَعَلَ يَقُولُ: “يَا مَن لَا يَزُولُ مُلكُهُ ارحَم مَن قَد زَالَ مُلكُهُ”.اهـ

أمّا خاصيّة اسم الله الملك: إِنَّ مَن وَاظَبَ عَلَيهِ وَقتَ الزَّوَالِ كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ صَفَا قَلبُهُ وَزَالَ كَدَرُهُ، وَمَن قَرَأَهُ بَعدَ الفَجرِ كُلَّ يَومٍ مِائَةً وَعِشرِينَ مَرَّةً أَغنَاهُ اللهُ مِن فَضلِهِ.

الْقُدُّوسِ الْقُدُّوسُ مَعْنَاهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ. فهُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الشَّرِيكِ وَالوَلَدِ وَصِفَاتِ الخَلقِ كَالحَاجَةِ لِلمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ فَهُوَ خَالِقُهُمَا وَمَا سِوَاهُمَا، وَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى المُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ الطَّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعَ اعتِقَادِنَا الجَازِمِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11] وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَجَسُّمِ وَالِانتِقَالِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ وَعَن سَائِرِ صِفَاتِ المَخلُوقِ.اهـ 

وَصِفَاتُ الأَجسَامِ نَحوٌ مِن أَربَعِينَ صِفَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنهَا فَهُوَ قُدُّوسٌ مُنَزَّهٌ عَنِ القَبَائِحِ لَا يَحتَاجُ إِلَى المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَلَا إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَصفُهُ بِصِفَةِ نَقصٍ أَو قُبحٍ كَالمَكرِ وَالخِدَاعِ وَالنِّسيَانِ وَالمَلَلِ وَالِاستِهزَاءِ وَالفَرَحِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ كَمَا المَخلُوقُ وَالغَضَبِ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ الخَلقِ. 

فاللهُ سُبحَانَهُ “مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ نَقصٍ فِي حَقِّهِ” أَي مُنَزَّهٌ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَالجَهلِ وَالعَجزِ وَالمَكَانِ وَالحَيِّزِ وَاللَّونِ وَالحَدِّ وَالجِهَةِ، قَالَ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ أَحمَدُ بنُ سَلَامَةَ المُتَوَفَّى فِي أَوَّلِ القَرنِ الرَّابِعِ الهِجرِيِّ فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بَيَانُ عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى مَذهَبِ فُقَهَاءِ المِلَّةِ: “لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ.اهـ مَعنَاهُ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ أَن يَكُونَ مَحدُودًا، وَالمَحدُودُ عِندَ العُلَمَاءِ مَا لَهُ حَجمٌ كَبِيرًا كَانَ أَو صَغِيرًا، كَثِيفًا كَالإِنسَانِ وَالشَّجَرِ أَو لَطِيفًا كَالنُّورِ وَالظَّلَامِ، فَإِذًا هُوَ مُنَزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ جَالِسًا لِأَنَّ المُتَّصِفَ بِالجُلُوسِ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ مَحدُودًا، وَالمَحدُودُ يَحتَاجُ إِلَى مَن حَدَّهُ بِذَلِكَ الحَدِّ وَلَا يَجُوزُ أَن يَحُدَّ نَفسَهُ بِحَدٍّ يَكُونُ عَلَيهِ لِأَنَّ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ نَفسَهُ وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ الشَّيءَ لَا يَخلُقُ نَفسَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11] فَهِيَ أَصرَحُ ءَايَةٍ فِي القُرءَانِ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى التَّنزِيهَ الكُلِّيَّ، وَلَيسَ مَعنَى وَصفِ هَذِهِ الآيَةِ بِأَنَّهَا أَصرَحُ آيَةٍ فِي التَّنزِيهِ أَنَّهَا أَفضَلُ آيَةٍ، بَل وَرَدَ فِي آيَةِ الكُرسِيِّ أَنَّهَا سَيِّدَةُ ءَايِ القُرءَانِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الذي رواه الترمذي: «لِكُلِّ شَيءٍ سَنَامٌ، وَإِنَّ سَنَامَ القُرآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ القُرآنِ، هي آيَةُ الكُرسِيِّ »، وَتَفسِيرُهَا أي ءاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أَنَّ اللهَ لَا يُشبِهُهُ شَيءٌ بِأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوه، وَالكَافُ فِي قَولِهِ: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ لِتَأكِيدِ النَّفيِ، فَفِي الآيَةِ نَفيُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ عَنِ اللهِ، وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَفِيهِ إِثبَاتُ مَا يَلِيقُ بِاللهِ، فَالسَّمعُ صِفَةٌ لَائِقَةٌ بِاللهِ وَالبَصَرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ التَّنزِيهَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ كَسَمعِ وَبَصَرِ غَيرِهِ، 

فَاللهُ تَعَالَى مَوصُوفٌ بِأَنَّهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، مِنَ اللَّطَائِفِ كَالنُّورِ وَالرُّوحِ وَالهَوَاءِ، وَمِنَ الكَثَائِفِ كَالشَّجَرِ وَالإِنسَانِ، وَالجِسمُ اللَّطِيفُ مَا لَا يُضبَطُ بِاليَدِ، وَالجِسمُ الكَثِيفُ مَا يُضبَطُ بِاليَدِ أَي مَا يُجَسُّ بِاليَدِ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يُشبِهُ العُلوِيَّاتِ وَلَا السُّفلِيَّاتِ – العُلوِيَّاتُ مِثلُ مَا كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالسُّفلِيَّاتُ مِثلُ مَا كَانَ فِي الأَرضِ-. 

الحديث الذي بعده: وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى ءَاخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث: 

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى ءَاخِرِ وِتْرِهِ ليعلم أن وقت صلاة الوتر بين صلاة العشاء وطلوع الفجر الثاني، وليس من دخول وقت العشاء فمن لم يصلِّ العشاء لا يصلي الوتر كما نقل ذلك الخلفُ عن السلَفِ. ولو جمع العشاء مع المغرب جمع تقديم لأنه مسافر مثلا كان له أن يوتر وإن لم يدخل وقت العشاء بعد.

ويُسنّ جعله ءاخر صلاة الليل قبل الفجر ولو نام قبلَه لخبر الشيخين:«اجْعَلُوا ‌آخِرَ ‌صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». فإن كان له تَهَجُّدٌ وهو الصلاة قبل الفجر بعد النّوم في الليل، أَخَّر الوِترَ إلى أن يَتَهَجَّدَ فإن لم يتهجد أوتَرَ بعدَ فرِيضَة العشاء وراتِبَتِها أو إذا لم يثق بيقظته آخر الليل، وهذا لخبر مسلم: «‌مَنْ ‌خَافَ ‌أَنْ ‌لَا ‌يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ»، وعليه يحمل خبر مسلم أيضا: «بَادِرُوا الصُّبحَ بِالوِترِ». فإن أوتر ثم تَهَجَّدَ لا يُسَنُّ له إعادته لخبر: «لَا وِترَانِ فِي لَيلَةٍ». رواه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي. ومعناه لا يصلي الوتر مرتين في ليلة، فلا يعيدها بعد أن صلاها في ليلة واحدة، وليس معناه أنه لا يجوز أن يصلي بعد الوتر شيئا غير الوتر، بل له ذلك: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ أي أحتمي بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ رضا الله وغضبه ليس كصفات البشر، ليست انفعالات نفسانية مثلنا، قال الإمام الطحاوي رضي الله عنه في العقيدة الطحاوية: وَاللَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى، أي يَجِبُ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْغَضَبِ وَصِفَةِ الرِّضَى لِلَّهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَكُونَ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ تَأَثُّرًا بَلْ هُمَا صِفَتَانِ أَزَلِيَّتَانِ قَدِيمَتَانِ أَبَدِيَتَانِ أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مِنْ أَنَّ ءَادَمَ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ:«إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ ‌غَضِبَ ‌الْيَوْمَ ‌غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ ءَاثَارُ الْغَضَبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الصِّفَةَ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيْسَتْ طَارِئَةً فِى ذَاتِ اللَّهِ، مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَدَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ءَاثَارِ الْغَضَبِ مَا لَمْ يَسْبِقْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا يَفْعَلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ أَنْ يَكُونَ أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ ءَاثَارِ الْغَضَبِ مُنْتَهَى الآثَارِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ فَالْعَذَابُ الَّذِى أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ شَاءَ فِى الأَزَلِ أَنْ يُصِيبَهُمْ فِى الآخِرَةِ لا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ الْحَدَّ الَّذِى شَاءَ، هَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ فِى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَأَثَّرَ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِأَنَّ التَّأَثُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الَّذِى يَتَأَثَّرُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ أي اعفُ عني يا رب ولا تعاقبني، لا تُعَجِّلْ ليَ العقوبة بل الطف بي وارحمني واشملني برحمتك، أَيْ: بِعَفْوِكَ وَأَتَى بِالْمُغَالَبَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: بِعَفْوِكَ الْكَثِيرِ. ونحن بهذا الدعاء نسأل الله المعافاة نسأل الله العفو فهو عز وجل العفوُّ، أي الَّذِي يَصفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ وَيَترُكُ مُجَازَاةَ المُسِيءِ كَرَمًا وَإِحسَانًا، فَاللهُ تَعَالَى لَا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ لِلظَّالِمِ فِي الأَغلَبِ، وَيُسِئُ العَبدُ فَيمهِلُهُ اللهُ تَعَالَى فَهَذَا الحَجَّاجُ قَتَلَ أَكثَرَ مِن مِائَةِ أَلفِ نَفسٍ بِغَيرِ حَقٍّ وَكَانَ مِن بَينِهِم بَعضٌ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا أَعجَلَهُ اللهُ بِالعُقُوبَةِ، وَمِن آخِرِ مَن قُتِلَ عَلَى يَدَيِ الحَجَّاجِ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد رَوَى الحَافِظُ المِزِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنا حَوشَبُ عنِ الحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ الحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَنتَ الشَّقِيُّ بنُ كُسَيرٍ. قَالَ: أَنَا سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ. قَالَ: بَل أَنتَ الشَّقِيُّ بنُ كُسَيرٍ. قَالَ: كَانَت أُمِّي أَعرَفَ بِاسمِي مِنكَ. قَالَ: وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: تَعنِي النَّبِيَّ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ النَّبِيُّ المُصطَفَى، خَيرُ مَن بَقِيَ، وَخَيرُ مَن مَضَى، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكرٍ؟ قَالَ: الصِّدِّيقُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ، مَضَى حَمِيدًا، وَعَاشَ سَعِيدًا، مَضَى عَلَى مِنهَاجِ نَبِيِّهِ لَم يُغَيِّر وَلَم يُبَدِّل، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي عُمَرَ؟ قَالَ: عُمَرُ الفَارُوقُ خِيرَةُ اللهِ وَخِيرَةُ رَسُولِهِ، مَضَى حَمِيدًا عَلَى مِنهَاجِ صَاحِبِهِ، لَم يُغَيِّر وَلَم يُبَدِّل، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي عُثمَانَ؟ قَالَ: المَقتُولُ ظُلمًا، المُجَهِّزُ جَيشَ العُسرَةِ الحَافِرُ بِئرَ رُومَةَ المُشتَرِي بَيتَهُ فِي الجَنَّةِ صِهرُ رَسُولِ اللهِ عَلَى ابنَتَيهِ زوَّجَه النَّبِيُّ بِوَحيٍ مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ؟ قَالَ: ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ وَأَوَّلُ مَن أَسلَمَ، وَزَوجُ فَاطِمَةَ، وَأَبُو الحَسَنِ وَالحُسَينِ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: شَغَلَتنِي نَفسِي عَن تَصرِيفِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَتَميِيزِ أَعمَالِهَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِيَّ؟ قَالَ: أَنتَ أَعلَمُ بِنَفسِكَ، قَالَ: بُثَّ بِعِلمِكَ، قَالَ: إِذًا يَسُؤُكَ وَلَا يَسُرُّكَ، قَالَ: بُثَّ بِعِلمِكَ، قَالَ: أَعفِنِي، قَالَ: لَا عَفَا اللهُ عَنِّي إِن أَعفَيتُكَ، قَالَ: إِنِّي لَأَعلَمُ أَنَّكَ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللهِ، تَرَى مِن نَفسِكَ أُمُورًا تُرِيدُ بِهَا الهَيبَةَ وَهِيَ تُقحِمُكَ الهُلكَ، وَسَتُرَدُّ غَدًا فَتَعلَمَ، قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَأَقتُلَنَّكَ قِتلَةً، لَم أَقتُلهَا أَحَدًا قَبلَكَ، وَلَا أَقتُلُهَا أَحَدًا بَعدَكَ، قَالَ: إِذًا تُفسِدُ عَلَيَّ دُنيَايَ وَأُفسِدُ عَلَيكَ آخِرَتَكَ، قَالَ: يَا غُلَامُ، السَّيفَ وَالنِّطعَ، فَلَمَّا وَلَّى ضَحِكَ، قَالَ: أَلَيسَ قَد بَلَغَنِي أَنَّكَ لَم تَضحَك؟ قَالَ: قَد كَانَ ذَلِكَ، قَالَ: فَمَا أَضحَكَكَ عِندَ القَتلِ؟ قَالَ: مِن جُرأَتِكَ عَلَى اللهِ وَمِن حِلمِ اللهِ عَنكَ، قَالَ: يَا غُلَامُ اقتُلهُ. فَاستَقبَلَ القِبلَةَ فَقَالَ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 79]، فَصَرَفَ وَجهَهُ عَنِ القِبلَةِ، فَقَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 115]، قَالَ: اضرِب بِهِ الأَرضَ، قَالَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه/ الآية 55]، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ قال النووي في شرحه لمسلم: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَالرِّضَاءُ وَالسَّخَطُ ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْعُقُوبَةُ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْرِ مَا لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ سبحانه وتعالى اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرُ. 

وَقَوْلُهُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَيْ لَا أُطِيقُهُ وَلَا آتِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا أُحِيطُ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَاهُ لَا أُحْصِي نِعْمَتَكَ وَإِحْسَانَكَ وَالثَّنَاءَ بِهَا عَلَيْكَ وَإِنْ اجْتَهَدْتُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ قال النووي أيضا: اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّنَاءَ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ وَكُلُّ ثَنَاءٍ أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ فَقَدْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَسُلْطَانُهُ أَعَزُّ وَصِفَاتُهُ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ وَفَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ أَوْسَعُ وَأَسْبَغُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

والله تعالى أعلم وأحكم