المخدرات وحكمها في الإسلام

خطبة الجمعة - المخدرات وحكمها في الإسلام

الخطبة الأولى

إنَّ الحَمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيه ولا مثيل له، وأشهد أنّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومُبَشّرًا ونَذيرًا، بَلَّغَ الرِّسالَةَ وأَدَّى الأمانَةَ ونَصَحَ الأمَّةَ فجَزَاهُ اللهُ عنَّا خَيْرَ ما جَزَى نبِيًا مِنْ أَنبِيائِهِ، صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ وعلى كلّ رَسولٍ أَرْسَلَهُ. أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإنّي أوصي نفسيَ وأصيكُمْ بِتَقوى اللهِ فاتقوه وأطيعوه فهو القائل في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فباللهِ عليكَ يَا رفيعَ القدرِ بالتقى لا تَبِـعْ عِزَّهَـا بـِذُلِّ المعاصِـي.

إخوةَ الإيمانِ: قالَ تعالَى فِي وصفِ نبينَا محمدٍ ﷺ في سورة الأعراف: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، هذَا وصفُ نبينَا ﷺ أنَّهُ أحلَّ الطيباتِ وحرَّمَ الخبائثَ وكذلكَ كلُّ أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ فقدْ جاؤُوا بدينٍ واحدٍ هوَ دينُ الإسلامِ ودَعَوْا إلَى التوحيدِ، وإلَى محاسنِ الأخلاقِ ونبذِ مساوِئِهَا، واختلفَتْ شرائِعُهُمْ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ أيْ أمورُ العباداتِ العمليةِ، ولكنَّهُمُ اتَّفَقُوا علَى حفظِ كُلِّيَّاتٍ خمسٍ وهيَ (حفظُ الدينِ والنفسِ والعِرضِ والعقلِ والمالِ)، ولكنَّنَا نجدُ فِي هذهِ الأَيامِ آفةً ومعصيةً قدِ انتشرتْ فِي بعضِ المجتمعاتِ وهيَ تعاطِي الخمرِ والمخدراتِ، فكمْ أفسدَتْ هذهِ الآفاتُ مِنْ دينٍ، وكمْ أزهقَتْ مِنْ نفسٍ، وكمْ دَنَّسَتْ مِنْ عِرْضٍ، وكمْ عَطَّلَتْ مِنْ عقلٍ، وكمْ أضاعَتْ مِنْ مالٍ، يقولُ اللهُ تعالَى فِي سورةِ المائدةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾.

إخوةَ الإيمانِ كمْ كانتْ هذهِ المعصيةُ الخبيثةُ أي شربُ الخمرِ والمخدراتِ سببًا للزنَا والعياذُ باللهِ، كمْ كانتْ سببًا لضياعِ كثيرٍ مِنَ الشبابِ وتفكُّكِ كثيرٍ مِنَ العائلاتِ، فَحَرِيٌ بكلِّ واحدٍ منَّا فِي موقِعِهِ أنْ يُحَذِّرَ مِنْ هذهِ المعصيةِ التِي جَعَلَهَا اللهُ تعالَى مِنَ المحرماتِ، فقدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عنِ النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَشَارِبَهَا وَءَاكِلَ ثَمَنِهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَمُسْتَقِيَهَا». وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهَا مَلْعُونٌ كَمَا شَاعَ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الْعَوَامِّ. 

إخوةَ الإيمانِ، قيلَ إنَّ المرءَ علَى دينِ خليلِهِ فلينْظُرْ أحدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ، فَلْيَنْظُرْ أحدُكُمْ مَنْ يُصَاحِبُ، وَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ إلَى ولَدِهِ مَنْ يُصَاحِبُ وَلْيَخْتَرِ الوَاحِدُ منكُمُ الصُّحْبَةَ الطيبةَ التِي تَصْحَبُهُ إلَى الخيراتِ والبركاتِ، إلَى مجلسِ علمٍ، إلَى عيادةِ مريضٍ ونحوِ ذلكَ مِنَ الطاعاتِ، ولْيُبْعِدْ أهلَهُ وأولادَهُ عنْ رُفَقَاءِ السوءِ الذينَ قدْ يصحبُوْنَهُ إلَى أماكنِ الرذيلةِ والفسادِ فَبِسَبَبِ ذلكَ قدْ يُدْمِنُ علَى شربِ الخمرِ أو علَى تعاطِي المخدراتِ المضرةِ بسائِرِ أنواعِهَا، فهيَ حرامٌ لِمَا فيهَا مِنَ الضررِ علَى الجسدِ. قالَ تعالَى في سورة النساء: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقالَ تعالَى في سورة البقرة: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فَأَفْهَمَتْنَا هاتَانِ الآيتانِ أنَّ كلَّ مَا يؤدِّي بالإنسانِ إلَى الهلاكِ فهوَ حرامٌ أنْ يَتَعَاطَاهُ، فجاءَ النهيُ بعدمِ  الإضرارِ بالنفسِ وإلقائِهَا فِي المهالكِ، والأمرُ بالمحافظةِ عليهَا مِنَ المخاطرِ  ولَا ريبَ أنَّ الهلاكَ ظاهرٌ فِي تعاطي المخدراتِ، وفيهَا إلقاءٌ بالنفسِ فِي المخاطرِ، وقدْ روَى الإمامُ أحمدُ فِي مسندِهِ: «نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ». فَالْمُخَدِّرَاتُ تَدْخُلُ تَحْتَ كَلِمَةِ مُفْتِرٍ، وَالْمُفْتِرُ هُوَ مَا يُحْدِثُ فِي الْجِسْمِ وَالْعَيْنِ أَثَرًا ضَارًّا. 

إخوةَ الإيمانِ لِيُرَاقِبِ الواحدُ منَّا أولادَه مراقبةً شرعيةً فِي أوقاتِهم ومَنْ يُرَافِقُونَ فَإِنَّ مَا يُسَمَّى بالوسائلِ التكنلوجية فِي هذهِ الأيامِ أهلَكَتْ كثيرًا مِنَ الناسِ بسببِ الاستخدامِ الفاسدِ لَهَا وبسببِ قلةِ التقوَى فِي المجتمعاتِ، وَلْيَذْكُرِ الواحدُ منَّا أَنَّهُ راعٍ وأَنَّهُ مسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ عزَّ وجلَّ فِي أولادِه، لذلكَ نقولُ لكمْ إنَّ تربيةَ الأسرةِ التربيةَ الدينيةَ السليمةَ أهمُّ مِنْ أثاثِ المنْزلِ والمفروشاتِ، وأهمُّ مِنَ اللباسِ والطعامِ والشرابِ الزائدِ، وهذهِ التربيةُ تكونُ بإذنِ اللهِ تعالَى بالمواظبةِ علَى حضورِ مجالسِ علمِ الدينِ.

نسألُ اللهَ أنْ يحفَظَنَا وأولادَنَا مِنَ المعاصِي وأنْ يُوَفِّقَنَا إلَى مَا يحبُّ ويرضَى.

هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكُمْ.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ: كلُّ مَا ذكرْنَا يدلُّ علَى أنَّ الخمرَ والمخدراتِ مِنَ المعاصي، ولَا يصحُّ عنْ نبيٍّ مِنَ الأنبياءِ أنَّهُ شَجَّعَ عليهَا. مَا مِنْ نبيٍّ شَرِبَ الخمرَ ومَا مِنْ نبيٍّ شَجَّعَ عَلَى شُرْبِ الخمرِ وَسيدُنَا عيسَى عليهِ السلامُ يفترِي عليهِ بعضُ الناسِ وَيقولونَ إنَّهُ قالَ: “قليلٌ مِنَ الخمرِ يُفْرِحُ قلبَ الإنسانِ” . وهذَا كذبٌ وافتراءٌ علَى سيدِنَا عيسِى المسيحِ لأنَّ الأنبياءَ همْ صفوةُ الخلقِ وأفضلُ الخلقِ لَا يُشَجِّعُونَ علَى مَا فيهِ إتلافُ العقلِ وإفسادُه.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهم اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، المتحابين فيك والمتناصحين فيك، والمتباذلين فيك، اللهم ارزقنا سبل الاستقامة لا نزيغ عنها أبدًا، وجنبنا الفتن والآثام والشرور وانقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة يا أكرم الأكرمين ، اللهم عليكَ بمنْ يكيدُونَ بالإسلامِ والمسلمينَ اللهم خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهم عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ ﷺ اللهم أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ اللهم وفقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ.