الندم والتوبة والتوكل على الله | الواجبات القلبية (3)

المقدمة

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَهُ الحَمدُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، صَلَوَاتِ اللهِ البَرِّ الرَّحِيمِ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ طَهَ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ وَمَن استَنَّ بِسُنَّتِهِم وَاتَّبَعَ نَهجَهُم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: النَّدَمُ عَلَى الْمَعَاصِي

هذا واجب آخرُ من واجبات القلب أوجبه الله على المكلفين.

معنى الندم في اللغة

في اللغة: يقال: نَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ نَدَمًا وَنَدَامَةً فَهُوَ نَادِمٌ وَالْمَرْأَةُ نَادِمَةٌ، إذَا حَزِنَ أَوْ فَعَلَ شَيْئًا ثُمَّ كَرِهَهُ.

ويقال أيضا في لغة العرب: عَصَى الْعَبْدُ مَوْلَاهُ عَصْيًا مِنْ بَابِ رَمَى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ عَاصٍ وَجَمْعُهُ عُصَاةٌ وَهُوَ عَصِيٌّ أَيْضًا مُبَالَغَةٌ وَعَاصَاهُ لُغَةٌ فِي عَصَاهُ وَالِاسْمُ الْعِصْيَانُ.

الندم من الواجبات القلبية

الندم يكون في القلب، لذلك عُدَّت من الواجبات القلبية، وإن كان الذنب الذي تندم عليه قد يحصل في غير القلب بل في أي جارحة من الجوارح.

وهذا الواجب من واجبات القلب يبين لنا أهمية الرجوع عن الخطأ والذنب وأهمية التوبة لله عز وجل، وهذا لا شك في عِظَمِ أثره على قلب الشخص المؤمن وعلى جوارحه.

قول القشيري في التوبة

قال القشيري: التوبة الرجوع عن المذمومات من الأفعال إلى أضدادها المحمودة، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزّلّة وهي توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص. وتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر.

ويقال أمر الكلّ بالتوبة لئلا يخجل العاصي من الرجوع بانفراده.

ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء رفقًا بهم من أمارات الكرم.

ومن قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

يتبين أنّه أمرهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك.

ويقال: أحوج الناس إلى التوبة من توهّم أنّه ليس يحتاج إلى التوبة.

شعر في التوبة

وَلَقَدْ أَحْسَنَ القَائلُ:

قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَوْبَةً مَرْجُوَّةً … قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الْأَلْسُنِ

بَادِرْ بِهَا غَلْقَ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا … ذُخْرٌ وَغُنْمٌ لِلْمُنِيبِ الْمُحْسِنِ

يريد: بادر بالتوبة قبل ضياع الفرصة.

الشَّرْحُ

الندم ركن التوبة الأعظم

مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْقَلْبِيَّةِ التَّوْبَةُ مِنَ الْمَعَاصِي إِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَرُكْنُهَا الأَكْبَرُ النَّدَمُ.

نَدَمُ القَلْب أَي اسْتِشْعَارُهُ بِالنَّدَمِ عَلَى مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنَ المَعْصِيَةِ هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الأَعْظَمُ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ لِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ:

«الْنَّدَمُ تَوْبَةٌ»

لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّدَمَ وَحْدَهُ كَافٍ لِحُصُولِ التَّوْبَة إِنَّمَا مَعْنَاهُ الرُّكْنُ الأَعْظَمُ فِي التَّوْبَةِ هُوَ النَّدَمُ عَلَى المَعْصِيَةِ.

قول الحافظ ابن حجر

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ الْبَارِي: وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ فَسَّرَ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْن مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»

وَلا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَضُّ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ الرُّكْنُ الأَعْظَمُ فِي التَّوْبَةِ لا أَنَّهُ التَّوْبَةُ نَفْسُهَا.

وَمَا يُؤَيِّدُ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا للهِ تَعَالَى وُجُودُ النَّدَمِ عَلَى الْفِعْلِ وَلا يَسْتَلْزِمُ الإِقْلاعَ عَنْ أَصْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ كَمَنْ قَتَلَ وَلَدَهُ مَثَلًا وَنَدِمَ لِكَوْنِهِ وَلَدَهُ، وَكَمَنْ بَذَلَ مَالًا فِى مَعْصِيَةٍ ثُمَّ نَدِمَ عَلَى نَقْصِ ذَلِكَ الْمَالِ مِمَّا عِنْدَهُ.

وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ فِى صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَنْ يَرُدَّ تِلْكَ الْمَظْلَمَةَ بِأَنَّ مَنْ غَصَبَ أَمَةً فَزَنَى بِهَا لا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِرَدِّهَا لِمَالِكِهَا، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا عَمْدًا لا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِتَمْكِينِ وَلِيِّ الدَّمِ لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ.

شرط الندم: أن يكون لله

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّدَمُ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَصَى رَبَّهُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نَدَمُهُ لِأَجْلِ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَوْبَةً.

كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا فُضِحَ بَيْنَ النَّاسِ يَنْدَمَ هَذَا لَا يَكُونُ نَدَمًا مُعْتَبَرًا فِي التَّوْبَةِ.

  • الخوف من الله وليس من الناس

من عرف أن الله يعلم حالَه ويرى مكانه ويسمع كلامه يتوب إذا أخطأ ويرجع عن خطأه ولا يتكبر على التوبة والندم، ويكون ندمه لله تعالى وليس لفوات أمر دنيوي ولا لفضيحة دنيوية، وليكن رجوعه بانكسار.

بعض الناس يحسِبون حساب قول الناس عنهم فلا يرجعون للحق ويصرون على الذنوب والعياذ بالله، وبعضهم يخاف الفضيحة في الدنيا ولا يستحضر فضيحة يوم القيامة أجارنا الله وإياكم، والله تعالى يقول:

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾، [سورة النساء:١٠٨]

  • المبادرة إلى التوبة

ينبغي على العاقل أن لا يؤخرَ التوبة ولا يشغلَه عنها شاغل وأن ينظرَ إلى ثواب الله له يوم القيامة، وهكذا كان السلف الصالح والصحابة الكرام رضي الله عنهم.

قصة عمير بن الحمام في بدر

فقد رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَى بَدْرٍ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ»

قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قَالَ لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهلها، قال: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا.

قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ كيسِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُهُنَّ ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

قصة عمرو بن الجموح في أحد

وَقَدْ رُويَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَيْضًا فِي يَوْمِ أُحُدٍ:

«قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ»

فقام عمرو بن الجموح وهو أعرج فقال: والله لأطأنَّ بِهَا فِي الْجَنَّةِ. فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا أَرَادَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ، مَنَعَهُ بَنُوهُ، وَقَالُوا: قَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ. فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ حَبْسِي عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرَجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ:

«أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ»

ثُمَّ قَالَ لِبَنِيهِ:

«لا عَلَيْكُمْ أن تَمْنَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ»

فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ.

قَالَتِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بن خزام: كأني أنظر إليه مُوَلِّيًا، فقد أَخَذَ سيفهُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تَرُدَّنِي إِلَى خَرَبِي (وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي سَلمَةَ).

قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ حِينَ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ ثَابُوا، وَهُوَ فِي الرَّعِيلِ الأَوَّلِ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ظَلْعٍ فِي رِجْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أنا والله مشتاق إلى الجنة! ثم أنظر إِلَى ابْنِهِ خَلَّادٍ وَهُوَ يَعْدُو مَعَهُ فِي إِثْرِهِ حَتَّى قُتِلا جَمِيعًا.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ دُفِنَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَأَبُو جَابِرٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَخَرَّبَ السَّيْلُ قَبْرَهُمْ، فَحُفِرَ عَنْهُمْ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فَوُجِدُوا لَمْ يَتَغَيَّرُوا كَأَنَّهُمْ مَاتُوا أَمْسِ.

قول ابن الجوزي في المبادرة

قال ابن الجوزي: للَّهِ دَرُّ قَوْمٍ بَادَرُوا الأَوْقَاتَ، وَاسْتَدْرَكُوا الْهَفَوَاتَ، فَالْعَيْنُ مَشْغُولَةٌ بِالدَّمْعِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَاللِّسَانُ مَحْبُوسٌ فِي سِجْنِ الصَّمْتِ عَنِ الْهَلَكَاتِ، وَالْكَفُّ قَدْ كَفَّتْ بالخوفِ عن الشهوات، والقدم قد قُيِّدَتْ بِقَيْدِ الْمُحَاسَبَاتِ، وَاللَّيْلُ لَدَيْهِمْ يَجْأَرُونَ فِيهِ بِالأَصْوَاتِ، فَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ قَطَعُوهُ بِمُقَاطَعَةِ اللَّذَّاتِ، فَكَمْ مِنْ شَهْوَةٍ مَا بَلَغُوهَا حَتَّى الْمَمَاتِ.

فَتَيَقَّظْ لِلِحَاقِهِمْ مِنْ هَذِهِ الرَّقَدَاتِ، وَلا تَطْمَعَنَّ في الْخَلاصِ مَعَ عَدَمِ الإِخْلاصِ فِي الطَّاعَاتِ، وَلا تُؤَمِّلَنَّ النَّجَاةَ وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى الْمُوبِقَاتِ.

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات﴾، [سورة الجاثية:٢١]

وقد قيل:

عَجَبًا لأَمْنِكَ وَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ … وَبِفَقْدِ إِلْفٍ لا تَزَالُ تُرَوَّعُ

أَفَقَدْ رَضِيتَ بِأَنْ تُعَلَّلَ بِالْمُنَى … وَإِلَى الْمَنِيَّةِ كُلَّ يَوْمٍ تُدْفَعُ

لا تَخْدَعَنَّكَ بَعْدَ طُولِ تَجَاربٍ … دُنْيَا تَغِرُّ بِوَصْلِهَا وَسَتُقْطَعُ

أَحْلامُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَائِلٍ … إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لا يُخْدَعُ

وَتَزَوَّدَنَّ لِيَوْمِ فَقْرِكَ دَائِبًا … أَلِغَيْرِ نَفْسِكَ لا أَبَالَكَ تَجْمَعُ

من أحوال السلف في الاجتهاد

لَمَّا عَلِمَ الصالحون قِصَرَ العمر، وحَثَّهُم قولُه تعالَى: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، [سورة آل عمران:١٣٣]. طَوَوْا مَرَاحِلَ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ انْتِهَابًا لِلأَوْقَاتِ.

فقد كَانَ فِي مَسْجِدِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ سَوْطٌ يُخَوِّفُ بِهِ نَفْسَهُ لكيلا تفتر عن العبادة. وَكَانَ مُصَلَّى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِرَاشَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَبَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يُصَلِّي الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ! وَكَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ يَقُولُ: لأَعْبُدَنَّ اللهَ تَعَالَى كعِبَادَةِ الْمَلائِكَةِ في الكثرةِ. فَيَقْطَعُ لَيْلَةً قَائِمًا وَلَيْلَةً رَاكِعًا وَلَيْلَةً سَاجِدًا. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الحسينِ بنِ عليٍّ يَسْجُدُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ سَجْدَةٍ، فَسُمِّيَّ السَّجَّادَ. فَهَذِهِ وَاللهِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهَذِهِ خِصَالُ الْمُبَادِرِينَ، فَانْتَبِهُوا يَا غَافِلِينَ.

الرجوع عن الخطأ والثبات على الحق

كل واحد منا مُعَرَّضٌ لأن يقع في الذنب فيخطئ، ولكن يجب عليه بعد ذلك الرجوع عن الخطأ والندم على هذا الذنب الذي وقع فيه، وهذا حال المؤمن الكامل، وبهذا يترقى في الدرجات ويزداد في الخيرات والبركات.

قالت العرب: لكل جواد كبوة. ولكن المهم أن يعود بعد كبوته. يقال في اللغة: كَبَا فِي عِنانِه أَي عَثَرَ فِي شَوْطه.

وهذا الأمر مهم لأننا نحن أهل السنة والجماعة والداعون إلى سبيل الحق وطريق النجاة، لا ينبغي أن يُرى من أحدنا الذنوب ولا ينبغي أن يُعْرَفَ عن أحدنا التلطخ بهذه الذنوب التي نحذر الناس منها، وإذا وقع الواحد في خطأ فليرجع فورا ولا يترك نفسه دون الندم والرجوع إلى الحق والتوبة لله عز وجل عن هذا الذنب ولو كان هذا الذنب من الصغائر.

تنبيه: عدم تسرع في الحكم على الآخرين

ولكن انتبهوا لمدخل شديد من مداخل الشيطان أُنَبِّهُ عليه: ليس الأمر الذي رأيتَه ولم تعرف له وِجهَةً وتخريجًا بنظرك تعتبره مخالفا للشرع، ليس لمجرد أنه خالفك بالرأي معناه خالف الشرع، لا، أنت إذا رأيت مخالفة بحسب نظرك تأتي وتنصح وتتكلم بحَدِّ الشرعِ وقيدِه، مُشْفِقًا ونَاصِحًا، فإذا ظهرَ لك خطأُ قولك، أنت ترجع فورا، وإذا كان قولك صحيحًا فيرجع أخوك ويستفيد بقولك.

بعض الناس حصل منهم أنهم رأوا من بعض المشايخ أمرا هم ما فهموا الحكمة منه، فظنوا من قِصَرِ فهمهم وعلمهم، ظنوا أنه مخالف للشرع فابتعدوا عن مجالس العلم وساء حالهم بعد ذلك، وبعضهم فُتِنَ. بعضهم بعد انقطاعه عن مجالس العلم والخير ترك الصلاة، وبعضهم صار يتتبع النساء وبعضهم صار يأكل الربا، والعياذ بالله.

من شؤم ما هو فيه، رأى أمرا فظنَّه خطأ ومعصية فتكلم فتبين له خلاف قوله وأنه هو المخطئُ المسيءُ للظن، بدل أن يرجع بكل سهولة، بدل أن يقول: أنا أخطأت صوِّبوني وأعينوني في الثبات على الحق وعلى هذا النهج نهجِ أهل السنة والجماعة، بدل أن يفعل هذا، يقول: لا، أنا رأيي الصحيح ورأيكم خطأ وأنتم لم تأخذوا برأيي وبكلامي، هذا سببه خلل بالأصل عنده وهو تقديم حظِّ نفسِه وتقديم العجبِ في نفسه وبسب سوءِ نيةٍ منه، لو كان أراد النصيحة فعلا لتَرَاجَعَ عندما ظهر له فساد رأيه.

ليس كل ما خالف رأيك يعتبر معصيةً ومخالفةً للشرع، الواحد يتَّهِمُ رأيه ويكون متواضعا منكسرا. ولا سيما إذا كنتَ تتعامل مع أناس هَمُّهُم وعَمَلُهُم الدفاعُ عن الدين فإنه يظهر لهم ما لا يظهر لك عادة، وعندهم اعتبارات ليس شرطا أن يذكروها بتفاصيلها لك.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ

التوكل في غزوة أحد

قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾، [سورة آل عمران:١٧٢]

سبب نزول الآية

قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية الكريمة هو: أن اللهَ كَفَى المسلمين بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعَامٍ، إِنْجَازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ قَالَ أبو سفيان: مَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ.

وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ كَرِهَ الْخُرُوجَ إِلَى لِقَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَكَادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إِخْلَافَ الْوَعْدِ مِنْهُمْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الْإِرْجَافِ بَيْنَ الْعَرَبِ بِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.

فَجَاعَلَ رَكْبًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مَارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قُرْبَ مَكَّةَ قَاصِدِينَ الْمَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهُمْ جَيْشًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، فَأَخْبَرَ نُعَيْمٌ وَمَنْ مَعَهُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزَادَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِعْدَادًا وَحَمِيَّةً لِلدِّينِ.

وَخَرَجُوا إِلَى الْمَوْعِدِ وَهُوَ بَدْرٌ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمُشْرِكِينَ وانتظروهم هُنَالك، وَكَانَتْ هُنَالِكَ سُوقٌ فَاتَّجَرُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ.

تفسير الآية

فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أَيِ الرَّكْبُ الذين هم من عبد قيس إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ أَيْ إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. أَيْ جَمَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَدَدَهُمْ وَأَحْلَافَهُمْ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الْأَوَّلِ.

وَقَوْلُهُ: فَزادَهُمْ إِيمانًا أَيْ زَادَهُمْ قَوْلُ النَّاسِ، ولمّا كَانَ ذَاك الْقَوْلُ مُرَادًا بِهِ تَخْوِيفُ الْمُسْلِمِينَ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ، وَحَصَلَ مِنْهُ خِلَافُ مَا أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، جَعَلَ مَا حَصَلَ بِهِ زَائِدًا فِي إِيمَانِ الْمُسْلِمِينَ.

معنى حسبنا الله ونعم الوكيل

وَقَوْلُهُمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ كَلِمَةٌ لَعَلَّهُمْ أُلْهَمُوهَا أَوْ تَلَقَّوْهَا عَنِ النَّبِي ﷺ.

وَحَسْبُ أَيْ كَافٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ بِمَعْنَى الْوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قَالُوا: وَمِنْهُ اسْمُهُ تَعَالَى الْحَسِيبُ.

وَجُمْلَةُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى حَسْبُنَا اللهُ فِي كَلَامِ الْقَائِلِينَ، والْوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَوْكُولٍ إِلَيْهِ.

يُقَالُ: وَكَلَ حَاجَتَهُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قَضَائِهَا وَفَوَّضَ إِلَيْهِ تَحْصِيلَهَا، وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَسْتَطِيع الْقيام بشؤونه بِنَفْسِهِ رَجُلٌ وَكَلٌ- بِفَتْحَتَيْنِ- أَيْ كَثِيرُ الِاعْتِمَادِ عَلَى غَيْرِهِ.

فَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَائِمُ بِشَأْنِ مَنْ وَكَّلَهُ، وَهَذَا الْقِيَامُ بِشَأْنِ الْمُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمُوَكَّلِ فِيهَا، وَبِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْوَكِيلُ، وَإِنْ كَانَ فِي شؤون الْحَيَاةِ فَالْوَكِيلُ الْكَافِلُ وَالْكَافِي مِنْهُ.

يقول الله تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، [سورة الطلاق:٣]

أيْ فهوَ كافيهِ.

حديث التوكل

روى أحمدُ فِي مسندِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاريِّ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ:

«جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُم، قَالَ: فَجَعَلَ يَتْلُو بَهَا وَيُرَدِّدُهَا»

فَما أعظمَ أنْ يكونَ المسلمُ متوكلًا علَى خالِقِهِ عزَّ وجلَّ، فلَا تتركْ واجبًا مهما كانَ ولَا تأتِ معصيةً مهما كانتْ صغيرةً أوْ كبيرةً ولَا تخشَ فِي ذلكَ تغيرَ الزمانِ بلْ توكَّلْ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ.

الشَّرْحُ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، [سورة التوبة:٥١]

أي أنه من حال المؤمنين الكاملين أنهم يتوكلون على الله عز وجل مع تغير الزمان وكثرة البلايا وفي كل أعمالهم وأحوالهم.

معنى التوكل

التَّوَكُّلُ هُوَ الِاعْتِمَادُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَسَائِرِ مَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ فَلا ضَارَّ وَلا نَافِعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ.

قَالَ العُلَمَاءُ: الإِيْمَانُ الشُهُودِي رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، مَعْنَاهُ أَنْ يَشْهَدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ المَنَافِعِ وَالمَضَارِّ، لَا أَحَدَ يَخْلُقُ شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ إَلَّا اللهُ تَعَالَى وَلَا أَحَدَ يَخْلُقُ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، لِذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى الضَّارُّ النَّافِعُ، مَعْنَاهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الضَّرَرَ وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ النَّفْعَ.

والتوكلُ معناهُ الاعتمادُ بالقلبِ علَى اللهِ وحدَهُ لأنَّهُ سبحانَهُ خالقُ كلِّ شَيءٍ مِنَ المنَافعِ والمضَارِّ وسائِرِ مَا يَدخُلُ فِي الوجُودِ فلَا ضَارَّ ولَا نافعَ علَى الحقيقةِ إلَّا اللهُ.

فإذَا اعتقدَ العبدُ ذلكَ ووَطَّنَ قلبَهُ علَيهِ وأدامَ ذُكْرَهُ كانَ اعتمادُهُ علَى اللهِ فِي أمُورِ الرِّزْقِ والسّلامةِ مِنَ المضَارِّ واجتنبَ اللجوءَ إلَى المعصيةِ لَا سيَّمَا عندَ الضيقِ.

حديث عمر في التوكل

وقدْ روَى الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ عنْ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ:

«لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا (أيْ تخرجُ فِي أولِ النهارِ وليسَ فِي بطونِهَا أكلٌ) وَتَرُوحُ بِطَانًا (أيْ وترجعُ إلَى أعشاشِهَا وقدِ امتلأَتْ بطونُهَا)»

التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب

التوكلُ لَا ينافي الأخذَ بالأسبابِ.

ففي صحيحِ ابنِ حبانَ أنَّ رجلًا قالَ للنبيِّ ﷺ: أُرْسِلُ ناقتِي وأتوكلُ؟ أيْ هلْ أتركُ ناقتِي مِنْ غيرِ أنْ أَرْبِطَهَا وأتَوَكَّلُ علَى اللهِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ:

«اعْقِلْهَا (أيِ ارْبِطْهَا) وَتَوَكَّلْ»

وروَى البيهقيُّ فِي شعبِ الإيمانِ عنِ الجنيدِ البغداديِّ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ قالَ: ليسَ التوكلُ الكسبَ ولا تركَ الكسبِ، التوكلُ شيءٌ فِي القلوبِ. فجملةُ التوكّلِ تفويضُ الأمرِ إلَى اللهِ تعالَى والثِّقةُ بهِ معَ مَا قُدّرَ للعبدِ مِنَ التّسَبُّبِ أيْ مباشرةِ الأسبابِ.

ونقلَ البيهقيُّ عنْ بعضِ السلفِ أنَّهُ قالَ: اكتسبْ ظاهرًا وتوكّلْ باطنًا.

فالعبدُ معَ تَكَسُّبِهِ لَا يكونُ معتمدًا علَى تَكَسُّبِهِ وإنَّمَا يكونُ اعتمادُهُ فِي كفايةِ أمرِهِ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ.

فالإنسانُ قدْ يُتَاجرُ تجارةً واسعةً ويكونُ مُتوكِّلًا علَى اللهِ، وقدْ يعملُ أيَّ عملٍ مشروعٍ لتحصيلِ الرزقِ وهذَا لا يُنافي التوكلَ.

حديث داود عليه السلام

وقدْ وردَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:

«مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رواه البخاري)

التوكل أمر قلبي

فالتوكل إذًا هو أمر قلبي لا أمر وعمل في الجوارح، ولكن أثره غالبا على الجوارح، يعتمد بقلبه على الله ويعمل بيده معتمدا على الله، هذا معنى ثبوت القلب وقوة اليقين تظهر هنا، ليس لمجرد ظواهر الأمور يفزع ويجزع ويطرب، بل يكون ثابت القلب مُسَلِّمًا أمرَه لله تعالى مهما حصل معه بأي أمر.

الاعتماد على الله وحده

فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعَبْدُ ذَلِكَ وَوَطَّنَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ فِي أُمُورِ الرِّزْقِ وَالسَّلامَةِ مِنَ الْمَضَارِّ فَجُمْلَةُ التَّوَكُّلِ تَفْوِيضُ الأَمْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالثِّقَةُ بِهِ مَعَ مَا قُدِّرَ لِلْعَبْدِ مِنَ التَّسَبُّبِ أَيْ مُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ.

لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا وَضَعَ أبْوَابًا مِنْ فُولَاذٍ وَجَرَسًا مُنَبِّهًا وَحُرَّاسًا إِذَا شَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ تَحْصُلَ سَرِقَة تَتَعَطَلُ الأَسْبَابُ، يَتَعَطَّلُ مَا أَقْفِلَ بِهِ الحَدِيدُ وَالْجَرَسُ المُنَبِّهُ وَيَنَامُ الحُرَّاسُ وَتَحْصُلُ السَّرِقَة لِأَنَّهُ لَابُدَّ أَنْ يَتَنَفَّذَ مَا شَاءهُ اللهُ وَلَوْ كَانَ بَاشَرَ الأَسْبَابَ.

فَالْمُؤْمِنُ مَطْلَوبٌ مِنْهُ أَنْ يَكُونُ قَلبُهُ واثقًا بِاللهِ فَإِذَا وَقَعَ فِي مُصيبَةٍ لَا يَلْجَأُ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ.

فَالْتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ مَعْنَاهُ الاعْتِمَادُ وَالْمُؤْمِنُ الكَامِلُ يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ وَيَعْمَلُ بِمَقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل﴾

فَيَصْبِرُ عَلَى مَابْتَلَاهُ اللهُ بِهِ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ وَلَا يَشُكُّ فِي حِكْمَةِ الخَالِقِ.

لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَحْصُلُ مِنْ بَعْضِهِم عِند المُصِيبَةِ، مِنْهُم مَنْ يَعَتَرِضُ عَلَى اللهِ أَوْ يَقَعُ فِي المَعَاصِي فِي المَظَالِم وَهَذَا مِمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

حديث الرزق المقدر

ففي الحديث إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

«مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلَّا قَدْ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، وَإِنَّ ‌رُوحَ ‌الْقُدُسِ نَفَثَ فِي ‌رَوْعِي، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهَا لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ أَقْصَى رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ رِزْقِهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ»

التوكل نتيجة لمعرفة الله

وينبغي أنْ نعلمَ أنَّ التوكلَ علَى اللهِ هوَ نتيجةٌ لمعرفةِ اللهِ تعالَى، فَمَنْ عَرَفَ اللهَ بأنَّهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، وأنَّهُ لَا خالقَ إلَّا اللهُ، ولَا نافعَ علَى الحقيقةِ إلَّا اللهُ، ولَا ضارَّ علَى الحقيقةِ إلَّا اللهُ، ولَا رازقَ إلَّا اللهُ، وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ، لمْ يَسَعْهُ إلَّا أنْ يتوكلَ علَى اللهِ وحدَهُ.

فيقولَ أنَا اعتمِدُ بقلبيَ الاعتمادَ الحقيقيَّ علَى اللهِ فلَا يُصيبُنِي إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لِي.

قالَ تعالَى فِي سورةِ التوبةِ:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، [سورة التوبة:٥١]

فليكنِ اعتقادُكَ أنَّ أيَّ ضررٍ يحصُلُ فاللهُ خالِقُهُ، وَأنَّ أيَّ نفعٍ يحصُلُ فاللهُ خالِقُهُ وَأَنَّ أيَّ شىءٍ يحصُلُ لِي فاللهُ يَخْلُقُهُ، وهنا لا أتأثر بظواهر الأمور بقدر أني أُسَلِّمُ أمري لله في كل شيء.

يقول الله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، [سورة الحديد:٢٢].

شرط التوكل الصحيح

إذًا أنَا أتوكلُ علَى اللهِ تباركَ وتعالَى ولَا أجعلُ اعتماديَ الحقيقيَّ علَى غيرِ اللهِ، والذِي يَقْوَى هذَا فِي قلبِهِ يُسَلِّمُ أمرَهُ للهِ عزَّ وجلَّ، وإذَا اعتقَدَ شخصٌ أنَّ أحدًا غيرَ اللهِ يخلقُ ضرَرًا أوْ نفعًا لَا يكونُ مسلمًا.

قول أحد الزهاد في التوكل

وقدْ روَى الحافظُ أبو نُعَيمٍ أنَّ رجلًا سألَ بعضَ الزهادِ مِنَ السلفِ: علَى أيِّ شيءٍ بَنَيْتَ أمرَكَ فِي التوكلِ فقالَ: علَى أربعِ خصالٍ:

عَلِمْتُ أنَّ رِزْقِي لَا يَأْكُلُهُ غَيْرِي فَاطْمَأَنَّتْ بهِ نَفْسِي

وعَلِمْتُ أنَّ عَمَلِي لَا يَعْمَلُهُ غَيْرِي فَأَنَا مَشْغُوْلٌ بِهِ

وَعَلِمْتُ أَنَّ الموتَ يَأْتِي بَغْتَةً فَأَنَا أُبَادِرُهُ

وَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ يَرَانِي فَأَنَا مُسْتَحٍ مِنْهُ

قول في التقوى والتوكل

وقد قيل: يُستَدلُّ على تقوى الرجل بثلاث:

حُسنِ التوكلِ فيما لم ينَلْ

وحُسنِ الرضا فيما قد نال

وحُسنِ الصبرِ على ما قد فات

قال أبو الحسين الزَّنْجانيّ رحمه الله: مَن كان رأسُ مالِه التقوى كلَّتِ الألسُنُ عن وصفِ ربحِه (ربحُه كبير، رأسُ مالٍ كبير تقوى الله والتوكل على الله).

خاتمة

هذه المعاني التي ذكرنا اليوم لا يتفطن لها إلا من وفَّقَهُ الله تعالى لحضور مجالس العلم، لن تعرفها غالبا إلا عند القدوم لمجلس العلم، بدون ذلك كيف سنعرف كثيرا من مداخل الشيطان ونغلقها، لا نستطيع.

أهمية التعليم في هذا الزمان

هذه الأيام من أكثر أيام السنة التي يُكفَرُ بها بالله تعالى، كثير من الكفار يعلنون كفرهم في هذه الأيام وكثير من الناس يتبعونهم والعياذ بالله، ومع كل هذا الفساد الحاصل في مشارق الأرض ومغاربها ينبغي أن نجدَّ ونجتهد في تعليم الناس مسائل الشريعة بإخلاص نية وتواضع وانكسار وعدم نظر إلى حظوظ النفس، وعدم تتبع للقيل والقال والغيبة والنميمة.

وصية بلزوم مجالس العلم

قَالَ أحد العلماء:

«أُوصِيكُمْ بِلُزُومِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ عِلْمِ الدِّينِ، عِلْمُ الدِّينِ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ حُقُوقَ اللهِ وَحُقُوقَ الْخَلْقِ، عِلْمُ الدِّينِ يُعَلِّمُ هَذَا. فَإِذَا عَمِلَ بِمَا تَعَلَّمَهُ يَكُونُ مِنَ النَّاجِينَ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْقَبْرِ وَفِي الْآخِرَةِ، الَّذِي يَتَـعَلَّمُ عِلْمَ الدِّينِ ثُمَّ يَتَّـبِعُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ نَكَدٌ لَا فِي الْقَبْرِ وَلَا فِي الْآخِرَةِ.

أَمَّا الَّذِي لَا يَتَـعَلَّمُ هَالِكٌ، يَكُونُ جَاهِلًا بِخَالِقِهِ لَا يَعْتقِدُ أَنَّ اللهَ مَوْجُودٌ لَا يُشْـبِهُ شَيْئًا بَلْ يَعْتَـقِدُ أَنَّ اللهَ جِسْـمٌ يَطْلَعُ وَيَنْـزِلُ يَقُولُونَ بِذَاتِـهِ، هَؤُلَاءِ الْوَهَّابِـيَّةُ مَا عَرَفُوا اللهَ يَظُـنُّونَهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْـلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْـيَا. هَؤُلَاءِ يَعْـبُدُونَ شَيْئًا لَا وُجُودَ لَـهُ مَا عَرَفُـوا خَالِقَهُمْ»