انصح ولا تفضح وعاتب دون أن تجرح

انصح ولا تفضح وعاتب دون أن تجرح

كتم العيوب وستر العورات

قال رسول الله ﷺ

مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرها كانَ كمَن أحيا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا

جاءَ بالإسنادِ المتَّصلِ الصّحيحِ في كتابِ المسْتَدرَكِ للحاكِمِ

معنى الحديث

مَن رأى عيبًا أو أمرًا قبيحًا أو معصيةً من أخيه المؤمنِ ولم يَتجاهَرْ بفعلِها فسَتَر عليه “كانَ كمَنِ أحيا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا” أي كان ثوابُه كثوابِ مَن أحيا مَوْءُودَةً بأن رأى أحدًا يريدُ وَأْدَ بنتٍ فمَنَع أو سعى في خلاصِها أو أنقذها قبل أن تموت.

فالرّسولُ ﷺ شَبَّهَ أجرَ الذي رأَى عورةَ مُسلمٍ أي ما يُعابُ عليه ويَستَحِي منه لوِ اطَّلَعَ عليه النّاسُ فَسَتَرها عليه بأجْرِ الذي رأَى مَوْءُودةً فأنقَذَهَا قبلَ أنْ تموتَ وتختَنِقَ في التّرابِ في القبرِ.

قصة تدل على قبح هتك العورات

جاءَ رجلٌ إلى عمرَ بنِ الخطّابِ أميرِ المؤمنينَ رضي اللهُ عنه وقال له: يا أميرَ المؤمنينَ، إنّي كنتُ وأَدْتُ بنتًا لي في الجاهليةِ، دفنتُهَا ثم أخْرَجْتُها قبلَ أن تموتَ، ثم أَدْرَكَتِ الإسلامَ فأَسْلَمَتْ ونحنُ أسلَمنا، ثمّ ارْتَكَبَتْ حَدًّا مِنْ حُدودِ الله وهي شابَّةٌ، فأَخَذَتْ شَفْرةً لِتَذْبَحَ نفسَها (أي مِن عُظْمِ ما وَقَعَتْ فيهِ منَ الفَضيحةِ) فأدرَكْنَاهَا وقدْ قَطَعَتْ بَعْضَ أوداجِها (وهي عروقُ العُنُقِ مِنَ الجانِبَيْنِ) فداوَيْنَاها، ثمّ تابَتْ تَوبةً حَسَنةً، ثم خُطِبَتْ إلينَا مِنْ قومٍ، فأخبرتُهم ببعضِ ما جَرى لها وأنَّ ابنَتِي كانَ سَبَقَ لها كذا وكذا ممّا هو عارٌ وعَيبٌ حتى يُقْدِمُوا على إتمامِ خِطبَتِها أو يتركُوها (يزعُمُ أنه ينصَحُ الذي خَطَبَها) فقالَ لهُ عمرُ رضي اللهُ عنه: أنتَ تَبُثُّ عيبًا سَتَرهُ اللهُ تعالى؟ لَئِنْ أخْبَرْتَ بذلكَ أحدًا لأجعلنَّكَ نَكالًا يتحدَّثُ بهِ أهلُ الأمصَارِ اهـ. معناهُ لَئِنْ عُدْتَ بعدَ هذا إلى إشاعةِ هذه الفاحشةِ التي سَبَقَتْ لابنَتِكَ لأَجْعلنَّكَ نَكالًا (أي عِبرةً) للنّاسِ بعقوبةٍ أُنْزِلُها بكَ يتحدّثُونَ بها.

المسلم بعدَ أن يتوب لا يجوزُ ذِكرُه بالعارِ والعَيبِ

فيُؤخَذُ مِنْ هذهِ القصّةِ أنَّ المسلمَ العاصيَ بعدَ أن يتوبَ لايجوزُ ذِكرُه بالعارِ والعَيبِ الذي سَبَقَ لهُ مهمَا كانَ ذلك العارُ، ومهما كانت تلك الفاحشةُ، لا يجوزُ أن تُكشفَ بعدَ أن يتوبَ ذلك المسلمُ أو تلك المسلمةُ، لأنَّ العِبرةَ بحالِه اليومَ، والإنسانُ يَنْتَقِلُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ في عُمرِه، فقد تحصلُ منه شَنيعَةٌ مرةً بعد أُخرى، ثم يَتطهّرُ منْ هذهِ الشّنائعِ ويصيرُ إنسانًا تقيًّا طاهرًا.

ذنب هاتك العيوب والعورات

قال رسول الله ﷺ

إنَّ مِنْ أربَى الرِّبا الاستطالةَ في عِرضِ المسلمِ بغَيرِ حَقٍّ

رواه أبو داود

فالحذرَ الحذرَ مِنْ هَتكِ سِتْرِ مُسلمٍ، فإنْ علمتُم منه زَلّةً وقد ستَرها اللهُ تعالى فاحذَرُوا أن تكونوا ممّن يتمادَوْنَ في تهشيمِ عِرْضِه، احذروا من أن تكونوا من هؤلاءِ الذين يُكْثِرونَ الوَقيعةَ في أعراضِ المؤمنينَ أينمَا ذَهبُوا ويتَّخذونها عادةً لهم منْ غيرِ سببٍ شرعيٍّ، فهؤلاءِ عَلَيهِم ذَنبٌ مِنَ الكَبَائِر.

كشف عيوب الناس سبب في فضح عيوب فاضحها

قال رسول الله ﷺ

مَن ستَر عورةَ أخيه المسلمِ سَتَرَ اللهُ عورتَه يومَ القيامةِ، ومَن كشفَ عورةَ أخيه المسلمِ كَشَفَ اللهُ عورتَه حتّى يَفضَحَه بها في بيتِه

رواه ابنُ ماجه

وقد رُوِي عن بعضِ السّلفِ أنّه قال: “أَدركتُ قومًا لم يكنْ لهم عيوبٌ، فذكروا عيوبَ النّاسِ، فذكر النّاسُ عيوبَهُم، وأدركتُ قومًا كانت لهم عيوبٌ، فكَفُّوا عن عيوبِ النّاسِ فنُسِيَتْ عيوبُهُم”. وشاهِدُ هذا حديثُ أبي بَرْزَةَ رضِي اللهُ عنه حيثُ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “مَن يَتْبَعْ عثَراتِ أخيه المسلمِ يَتْبَعِ اللهُ عورتَه، ومَن يَتْبَعِ اللهُ عورتَه يفضَحْه ولو في جوفِ رحْلِه” رواه التِّرمِذيُّ والطَّــبَرانيُّ.

وروى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “مَن أشادَ على مسلمٍ عورةً يُشينُهُ بها (أي يُعيبه) أشانَهُ اللهُ بها يومَ القيامة” ومعنى أشاد: أي رفع ذكره بها وشهره بالقبيح. وكذلك كل شىء رفعته فقد أشدته.

متى يذكر العيب؟

أمّا الإنسانُ الذي يغُشُّ في تجارتِه أو تدريسِه باسمِ الدِّينِ أوْ عِلمِ الدُّنيا أوِ الطبابةِ أوِ الصّناعةِ أو غيرِ ذلك منْ سائرِ فنونِ المعاملاتِ، فهذا يجبُ التّحذيرُ منه وبيانُ غِشِّهِ للنّاسِ من بابِ النّصيحةِ للمسلمين، وقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “الدِّينُ النَّصيحةُ” فقال الصّحابةُ: لِـمَنْ يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ: “للهِ ولِكتابِه ولرسولِه ولأئمّةِ المسلِمِينَ وعامَّتِهِم” رواه مسلمٌ.

الستر على عورات الناس سبب في ستر الله للعبد

قال رسول الله ﷺ

إنَّ اللَّهَ يُدْنِي المؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ، فيَقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيَقولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، ورَأَى في نَفْسِهِ أنَّه هَلَكَ، قالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليَومَ

رواه البخاري
تنبيه

قال النووي في شرح صحيحِ مسلم: “والمراد بالدنو هنا دنو كرامةٍ وإحسان لا دنو مسافة، والله تعالى منزه عن المسافة وقربها” اهــ.

والكَنَف: الجانب والناحية، والمراد يستره ويرحمه ويلطف به. فمن كان حريصًا على سَتْرِ المسلمينَ في الدّنيا إذا زَلُّوا أو وقعوا في الهفَواتِ، فإنّ اللهَ تعالى يستُرُه في موقفٍ هو أشدُّ ما يكونُ احتياجًا إلى السَّتْرِ والعفْوِ حين تجتمعُ الخلائقُ للعَرضِ والحسابِ. 

انصح ولا تفضح

إنَّ تتبُّعَ عوراتِ المسلمينَ علامةٌ على عدمِ الكمالِ، لأنّ الأصلَ في المسلمِ أن يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لنفسِه من الخيرِ، وأن يُخلِصَ له النّصيحةَ والدّعاءَ بالهِدايةِ، وأن يدعوَ له بالاستقامةِ والصّلاحِ، وأن ينصحَهُ في السِّرِّ، فهذا أَحْرَى لقَبولِ النّصيحةِ، فقد أُمِرْنا بالنّصيحةِ لا بالفضيحةِ، فانصَحْ ولا تَفضَحْ، وعاتبْ دونَ أن تَجْرَحَ.

قال رسول الله ﷺ

يُبْصِرُ أحدُكُمُ القَذَى في عينِ أخيهِ ويَنْسَى الْجِذْعَ في عينِهِ

رواه ابنُ حِبّانَ مِن حديثِ أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه

وقد صدَق مَن قال:

تَغَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي       وَجَنِّبْنِيَ النَّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَة

فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ مِنَ       التَّوْبِيخِ لاَ أَرْضَى اسْـــتِمَاعَهْ

وَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيْـتَ قَوْلِي        فَلَا تَجْزَعْ إِذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَةْ 

أصلح نفسك بدلًا من تتبع عيوب الناس ونشرها

فلْيَتذكَّرِ المَرْءُ عيوبَ نفسِه ولْيَعمَلْ على إصلاحِ نفسِه بدلًا من تتبُّعِ عيوبِ النّاسِ ونشْرِها، فكَشْفُ العيوبِ سببٌ في فضحِ عيوبِ المـُشتغِلِ بعيوبِ النّاسِ، والسَّتْرُ على عوراتِ النّاسِ سببٌ في سَترِ اللهِ للعبدِ، فمَن نظَر لعيوبِ نفسِه شَغَلَــتْه عن عيوبِ النّاسِ، فكشفُ العوْراتِ والعيوبِ يؤدِّي إلى الغِيبةِ المحرَّمةِ وإشاعةِ الفاحشةِ.

قال الفُضَيْلُ ابنُ عِياضٍ رحِمَهُ اللهُ تعالى

المؤمنُ يستُرُ ويَنصَحُ، والفاجرُ يَهْتِكُ ويُعَيِّرُ

قوة الإرادة وثبات العزيمة، من مقومات النجاح دروس من معركة مؤتة

قوة الإرادة وثبات العزيمة من مقومات النجاح

  الحمد لله الذي اشترى من المؤمنينَ أنفسَهم بأن لهم الجنة، وجعل الجهادَ في سبيلِه باللسانِ والسِّنانِ سببًا…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share