حثّ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم على رعايةِ حقِّ الجارِ
قال رسول الله ﷺ
خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خَيرُهُم لصاحِبِه، وخيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خَيرُهُم لجَارِه
رواهُ أحمدُ في مسندِه وغيرُه
فيَنبغي على المسلمِ أنْ يفرحَ لفرحِهِ ويحزنَ لحُزْنِهِ ويَسترَ ما بدا منْ عورتِه ويصفح عن زلَّتِه، ولا يَتطلَّعُ من نحو سطحٍ على حُرَمِه، وأن يُعينَه إذا استعانَه ويُقرضَه إذا استَقرضَهُ ويُرشِدَهُ إلى ما يَجهلُه من أمرِ ديِنِه، وأن يُعاملَه بما يُحبُ أنْ يُعامِلَه الناس به.
قال أبو ذرٍ الغفاريُّ رضي الله عنه: إنَّ خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني فقال
إذا طبختَ مرقًا فأكثرْ ماءَهُ ثم انظرْ أهلَ بيتٍ من جيرانكَ فأصبهُم منها بمعروف
رواه مسلم
ولو نظرنا إلى عاداتِ ساداتِ المسلمينَ وما كانَ عليه أجدادُنا منَ الامتِثالِ بما أوصى به حبيبُنا محمدٌ عليه الصلاةُ والسلام لَعَلِمْنا أننا اليومَ مقصِّرونَ في مراعاةِ الجارِ وإكرامِهِ فالكثير منا اليوم لا يُحسنُ إلى جارِه فضلًا عن كونِه لا يعرفُ من هو جارُهُ الذي يُجاورُه منْ سنينَ أو لا يُسلِّم عليه أو لا يُكلِّمُه، بل كم مِنَ الناسِ اليومَ يؤذونَ جيرانَهُم وكم من خُصومةٍ تحصلُ بين الجارِ وجارِه بسببِ التَّجردِ منَ الأخلاقِ التي أوصى بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو القائلَ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليه: “ما يَزالُ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنَّه سَيورِّثُه” رواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما، ورواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها.
قال رسول الله ﷺ
ما يَزالُ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنَّه سَيورِّثُه
وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: “والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ” قيل: من يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: “الذي لا يأمنُ جارُه بوائِقَه” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وفي رواية لمسلم: “لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ”، والبوائق: الغوائل والشرور.
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: (قال ابنُ بطَّالٍ: في هذا الحديثِ تأكيدُ حَقِّ الجارِ لِقَسَمِهِ صلّى اللهُ عليه وسلم عَلَى ذَلكَ، وتَكرِيرِهِ اليمينَ ثلاثَ مَرَّاتٍ، وفيه نفيُ الإيمانِ عمَّن يُؤذِي جارَه بالقولِ أو الفعلِ، ومُرادُهُ الإيمانُ الكامِلُ، ولا شكَّ أنَّ العاصيَ غيرُ كاملِ الإيمانِ).
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في شَرحِ البخاريِّ: (واسمُ الجارِ يشملُ المسلمَ والكافرَ والعابدَ والفاسقَ والصديقَ والعدُوَّ والغريبَ والبَلديَّ والنافعَ والضارَّ والقريبَ والأجنبيَّ والأقربَ دارًا والأَبعَدَ، ولَهُ مَراتبُ بعضُها أَعلَى مِن بعضٍ)، ثُم قالَ: (وقد وردَتِ الإشارةُ إلى ما ذكرتُهُ في حديثٍ مرفوعٍ أخرجَه الطبرانيُّ من حديثِ جابرٍ رَفَعَهُ: “الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ وهُو المشركُ، له حقُّ الجِوَارِ، وجارٌ له حقَّانِ وهُو المسلمُ، له حقُّ الجِوارِ وحَقُّ الإسلامِ، وجارٌ له ثلاثةُ حقوقٍ مسلمٌ له رَحِمٌ، له حقُّ الجوارِ والإسلامِ والرحِمِ”).
وقال الشيخُ أبو محمّدِ بنُ أبي جَمْرَةَ: (حفظُ الجارِ من كمالِ الإيمانِ، وكان أهلُ الجاهليةِ يُحافظون عليه، ويحصلُ امتثالُ الوصيّةِ بهِ بإيصالِ ضروبِ الإحسانِ إليه بحسَبِ الطاقةِ كالهديّةِ، والسلامِ، وطلاقةِ الوجهِ عند لِقائِهِ، وتَفَقُّدِ حالِهِ، ومُعاونَتِهِ فيما يَحتاجُ إليه إلى غيرِ ذلكَ).
وفي طبقاتِ ابنِ سَعْدٍ عن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “كُنتُ بين شرِّ جارَين بينَ أَبي لَهَبٍ وعقبةَ بنَ أَبي مُعَيطٍ إن كانَا لَيَأتِيَانِ بالفُرُوثِ فَيَطرَحَانِهَا عَلَى بَابي حتى إنَّهُم لَيَأتونَ ببعضِ ما يَطرَحُونَ مِنَ الأَذَى فيطرحونَهُ عَلَى بابي”.
تنبيه
وأما ما يَرويهِ بعضُ القصَّاصِينَ أنَّهُ كان لِرسولِ اللهِ جارٌ يهوديٌّ يَرمِي القُمامةَ على بابِ دارِهِ ثُمَّ مَرِضَ فَعَادَهُ النبيُّ…إلخ فلا أَصلَ لَهُ.
وإنَّما الصحيحُ ما رواهُ البخاريُّ وغيرُه عن أنسٍ رضِي اللهُ عنه قال: كان غُلامٌ يهوديٌّ يَخدِمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَهُ: “أَسلِمْ”. فَنَظَرَ إلى أَبيهِ وهُو عِندَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أبا القاسمِ، فَأَسلَمَ، فَخَرَجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهُو يقولُ: “الحمدُ للهِ الذي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ”.
وكان لِسَهْلٍ التُستَرِيِّ رَحِمَهُ الله جارٌ مُجوسيٌّ فانفَتَحَ خلاءُ المجوسيِّ إلى دارِ سهلٍ فأقامَ مدةً يُنَحِّي في الليلِ ما يَجتَمِعُ مِنَ القَذَرِ في بيتِهِ حتى مَرِض فَدَعَا المجوسيَّ وأخبرَهُ بأنَّه يَخشَى أنَّ وَرَثَتَهُ لا يَتَحَمَّلُونَ ذلك الأَذى الذي كان يَتَحَمَّلُهُ فَيُخاصِمُونَ المجوسيَّ، فَتَعَجَّبَ المجوسيُّ مِن صَبرِهِ عَلَى هذا الأذى الكبيرِ وقال: تُعاوِنُني بذلكَ هذه المدةِ الطويلةِ وأنا عَلَى دِيني مُدَّ يدَك لِأُسْلِمَ فَقَالَ: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، ومَاتَ سهلٌ رضِيَ الله عنه.